لهم إمامهم المشفق عليهم، الناصح لهم، دون ما عداه من الأحرف السبعة.
وقد ذكرنا هذا من مذهبه.
وقد ألف هو كتابه القراءات، فذكر فيه اختلاف نحو عشرين من الأئمة، من الصحابة والتابعين، ومن دونهم فنقض مذهبه بذلك.
وقد قال في كتاب القراءات له كلاما نقض أيضا به مذهبه قال:
كل ما صح عندنا من القراءات، أنه علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته من الأحرف السبعة التي أذن الله له، ولهم أن يقرءوا بها/ 5ي القرآن، فليس لنا أن نخطئ من كان ذلك به موافقا لخط المصحف.
فإن كان مخالفا لخط المصحف لم نقرأ به، ووقفنا عنه، وعن الكلام فيه.
فهذا إقرار منه، أن ما وافق خط المصحف مما اختلف فيه، فهو من الأحرف السبعة، على مثل ما ذهبنا إليه.
وقد تقدم من قوله[1]: أن جميع ما اختلف فيه مما يوافق خط المصحف، فهو حرف واحد، وأن الأحرف الستة ترك العمل بها.
وهذا مذهب متناقض.
"القراءة بما خالف خط المصحف وإن روى":
وقد قال إسماعيل القاضي[2]في كتاب القراءات له:
أن عمر بن الخطاب قرأ: غير المغضوب عليهم وغير، الضالين[3].
قال: وهذا -والله أعلم- علم ما جاء: أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
ثم قال إسماعيل:4
لأن هذا -وإن كان في الأصل جائزا، فإنه إذا فعل ذلك رغب في اختيار أصحاب النبي "صلى الله عليه وسلم"، حين اختاروا أن يجمعوا الناس على مصحف واحد، مخافة
[1]انظر: ص43، وما بعدها.
[2]سبقت ترجمته.
[3]سورة الفاتحة آية7.
4 هو إسماعيل القاضي المذكور، وقد سبقت ترجمته.
أن يطول بالناس زمان، فيختلفوا في القرآن.
ثم قال إسماعيل:
فإذا اختار الإنسان أن يقرأ ببعض القراءات، التي رويت مما يخالف خط المصحف صار إلى أن يأخذ القراءة برواية واحد عن واحد، وترك ما تلقته الجماعة عن الجماعة، والذين هم حجة على الناس كلهم -يعني خط المصحف.
قال إسماعيل:
وكذلك ما روي من قراءة ابن مسعود[1]وغيره ليس لأحد أن يقرأ اليوم به - يعني مما يخالف خط المصحف من ذلك[2].
قال إسماعيل:
لأن الناس لا يعلمون أنها قراءة عبد الله، وإنما هي شيء يرويه بعض من يحمل الحديث. يعني أن ما خالف خط المصحف من القراءات، فإنما يؤخذ بأخبار الآحاد، وكذا ما وافق خط
[1]سبقت ترجمته.
[2]مثل قراء ابن سعود: "إن الله لا يظلم مثقال نملة". "انظر المصاحف للسجستاني: 54".
المصحف الذي هو يقين إلى ما يخالف خطه مما لا يقع على صحته.
قال إسماعيل:
فإن جرى شيء من ذلك على لسان الإنسان، من غير أن يقصد له كان له في ذلك سعة، إذا لم يكن معناه يخالف معنى خط المصحف المجمع عليه. ويدخل ذلك في معنى ما جاء:
أن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
قلت:
فهذا كله من قول إسماعيل يدل على أن القراءات، التي وافقت خط المصحف هي من السبعة الأحرف كما ذكرنا، وما خالف خط المصحف أيضا هو من السبعة، إذا صحت روايته ووجهه في العربية
، ولم يضاد معنى خط المصحف. لكن لا يقرأ به، إذ لا يأتي إلا بخبر الآحاد، ولا يثبت قرآن يخبر الآحاد، وإذ هومالف للمصحف المجمع عليه.
فهذا الذي نقول به ونعتقده، وقد بيناه كله.
باب: "جمع القرآن، وكيف جمع؟ وما سبب جمعه؟ "
فإن سأل سائل فقال:
هل كان القرآن مجموعا على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"؟.
وكيف جمع بعده؟ وما سبب جمعه؟.
5ش/ فالجواب:
أن القرآن كان على عهد النبي "صلى الله عليه وسلم"، متفرقا في صدور الرجال؛ لأنه نزل في نيف[1]وعشرين سنة، شيئا بعد شيء وقيل: في عشرين سنة.
وتواترت الرواية أنه مات "صلى الله عليه وسلم"، وهو غير مجموع في صحف. لم يختلف في ذلك.
فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وولى أبو بكر رضي الله عنه، خرج القراء من الصحابة إلى الغزوات، فاستشهد كثير منهم يوم اليمامة.
[1]النيف: بوزن هين: الزيادة يخفف ويشدد يقال عشرة ونيف، ومائة ونيف. وكل ما زاد على العقد، فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.
قال زيد بن ثابت[1]: فارسل إلي أبو بكر بعد مقتل اليمامة، فجئته، فإذا عمر عنده قال زيد:
فقال لي أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر[2]يوم اليمامة بقراء القرآن، وإن أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن.
قال أبو بكر: فقلت لعمر: أنفعل شيئا لم يفعله رسول الله؟
قال عمر: هو والله خير.
قال أبو بكر: فلم يزل عمر يراجعني في ذلك، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر عمر، ورأيت في ذلك الذي رأى.
قال زيد: ثم قال لي أبو بكر: أنت غلام شاب عاقل
[1]زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو سعيد الأنصاري الخزرجي المقرئ الفرضي "رضي الله عنه"، كاتب النبي طصلى الله عليه وسلم" وأمينه على الوحي، وأحد الذين جمعوا القرآن على عهده "صلى الله عليه وسلم"، وهو الذي كتبه في المصحف لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم لعثمان حين جهزها إلى الأمصار، توفي سنة 48 عن ستة وخمسين سنة. "طبقات القراء: 1-296".
[2]استحر القتل: اشتد.
لا نتهمك، قد كنت تكتب الوحي لرسول الله "صلى الله عليه وسلم"، فتتبع القرآن واجمعه.
قال زيد: فوالله لقد كلفوني ثقل جبل من الجبال، ما كان بأثقل علي مما أمروني به من جمع القرآن.
قال زيد: فقلت: أتفعلون شيئا لم يفعله رسول الله، "صلى الله عليه وسلم"؟.
قال أبو بكر: هو والله خير.
قال زيد: فلم يزل أبو بكر يراجعني، حتى شرح الله صدري بالذي شرح به صدر أبي بكر وعمر.
قال زيد: فتتبعت القرآن، أجمعه من الرقاع والسعف واللخاف[1]. وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة عند ذي الشهادتين الأنصاري[2]. كان رسول الله "صلى الله عليه
[1]جاء في أصل الكتاب: اللخاف في كتاب أبي عبيد، قال الأصمعي:
واحدتها لحفة، وهي حجارة. رقاق بيض، وكذلك وقع في كتاب العين.
[2]هو خزيمة بن الفاكه بن ثعلبة الحظمي الأنصاري، من بني خطمة من الأوس، ويكنى أبا عمار، شهد بدرا، وما بعدها من المشاهد "الاستيعاب: 2-448".
وسلم" جعل شهادته كشهادة رجلين، لم نجدها مع غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} ، إلى آخر السورة.
قال المقري[1]: ومعنى هذا أن زيدا وغيره كانوا يحفظون الآية لكنهم أنسوها، فوجدوها في حفظ ذلك الرجل، فتذاكروها، واستيقنوها وأثبتوها في المصحف لحفظهم لها، وسماعهم إياها من رسول الله "صلى الله عليه وسلم". ولم يخالفهم أحد في ذلك فصارت إجماعا، لا أنهم[2]أثبتوها قرآنا بشهادة ذلك الرجل، وإن كانت شهادته مقام شهادة رجلين؛ لأن القرآن لا يؤخذ إلا بالإجماع، وتواتر يقطع على مغيبه بالصدق، ويجب بذلك العلم والعمل، ولا يؤخذ بشهادة رجل ولا رجلين، ولا بشهادة من لا يقطع على صدق شهادته.
قال زيد:
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حتى توفاه الله، ثم عند حفصة بنت عمر[3]حتى
[1]هو صاحب الكتاب: مكي بن أبي طالب، حموش القيسي.
[2]في الأصل؛ لأنهم، والسياق يقتضي ما أثبته.
[3]وزوج النبي صلى الله عليه وسلم.