وقد روى عنه أنه كان يقرئ الناس بكل ما قرأ به حتى يقال له: نريد أن نقرأ عليك باختيارك مما رويت.
وهذا قالون[1]ربيبه وأخص الناس به. وورش[2]أشهر الناس في المتحملين إليه، اختلفا في أكثر من ثلاثة آلاف حرف، من قطع وهمز، وتخفيف، وإدغام وشبيهه.
ولم يوافق أحد من الرواة عن نافع رواية ورش عنه، ولا نقلها أحد عن نافع غير ورش.
وإنما ذلك؛ لأن ورشا قرأ عليه بما تعلم في بلده، فوافق ذلك
[1]قالون: هو عيسى بن مينا بن وردان، مولى ابن زهرة أبو موسى الملقب قالون، قارئ المدينة ونحويها، يقال إنه ربيب نافع، وقد اختص به كثيرا، وهو الذي سماه قالون لجودة قراءته، فإن قالون بلغة الرومية "جيد"، وكان أصم يقرئ القرآن، ويفهم خطأهم ولحنهم بالشفة توفي سنة 220هـ.
[2]ورش: هو عثمان بن سعيد أبو عمر والقرشي، مولاهم القبطي المصري الملقب بورش شيخ القراء والمحققين، وإمام أهل الأداء المرتلين انتهب إليه رياسة الإقراء بالديار المصرية في زمانه ولد سنة 110 بمصر، ورحل إلى نافع بالمدينة فعرض عليه سنة 155هـ، وكان أشقر أزرق أبيض اللون قصيرا هو إلى السمن أقرب منه إلى النحافة، فقيل: إن نافعا لقبه بالورشان؛ لأنه كان على قصه يلبس ثيابا قصارا. وكان إذا مشى بدت رجلاه مع اختلاف ألوانه: فكان نافع يقول: هات يا ورشان، وأقرأ يا ورشان، وأين ورشان، ثم خفف فقيل: ورش. والورشان طائر توفي سنة 198هـ.
رواية قرأها نافع عن بعض أئمته، فتركه على ذلك.
وكذلك ما قرأ عليه قالون وغيره.
وكذلك الجواب عن اختلاف الرواة عن جميع القراء.
وقد روي عن غير نافع أنه كان يرد على أحد ممن يقرأ عليه، إذا وافق ما قرأ به على بعض أئمته.
فإن قيل له: أقرءنا بما اخترته من روايتك اقرأ بذلك.
باب: السبب في إشهار السبعة القراء دون من هو فوقهم
...
باب: "السبب في اشتهار السبعة القراء دون من هو فوقهم"
فإن سأل سائل فقال:
ما العلة التي من أجلها اشتهر هؤلاء السبعة بالقراءة دون من هو فوقهم، فنسبت إليهم السبعة الأحرف مجازا، وصاروا في وقتنا أشهر من غيرهم، ممن هو أعلى درجة منهم، وأجل قدرا؟.
فالجواب:
أن الرواة عن الأئمة من القراء، كانوا في العصر الثاني والثالث كثيرا في العدد، كثيرا في الاختلاف، فأراد الناس في العصر الرابع أن يقتصروا من القراءات، التي توافق المصحف على ما يسهل حفظه، وتنضبط القراء به، فنظروا إلى إمام مشهور بالثقة والأمانة وحسن الدين، وكمال العلم، قد طال عمره، واشتهر أمره، وأجمع أهل مصره على عدالته فيما نقل، وثقته فيما قرأ وروى، وعلمه بما يقرأ، فلم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فأفردوا من كل/ 9ى مصر وجه إليه عثمان مصحفا، إماما هذه صفته وقراءته على مصحف ذلك المصر.
فكان أبو عمرو من أهل البصرة.
وحمزة وعاصم من أهل الكوفة وسوادها.
والكسأ من أهل العراق.
وابن كثير من أهل مكة.
وابن عامر من أهل الشام.
ونافع من أهل المدينة.
كلهم ممن اشتهرت إمامته، وطال عمره في الإقراء، وارتحال الناس إليه من البلدان.
ولم يترك الناس مع هذا نقل، ما كان عليه أئمة هؤلاء من الاختلاف، ولا القراءة بذلك.
وأول من اقتصر على هؤلاء: أبو بكر بن مجاهد[1]قبل سنة ثلاثمائة أو في نحوها، وتابعه على ذلك من أتى بعده، إلى الآن.
ولم تترك القراءة بقراءة غيرهم، واختيار من أتى بعدهم إلى الآن.
[1]أبو بكر بن مجاهد سبقت ترجمته.
فهذه قراءة يعقوب الحضرمي[1]غير متروكة.
وكذلك قراءة عاصم الجحدري[2].
وقراءة أبي جعفر[3]وشيبة[4]إمامي نافع.
وكذلك اختيار أبي حاتم[5]، وأبي عبيد[6].
واختيار المفضل[7].
[1]يعقوب الحضرمي سبقت ترجمته.
[2]هو، عاصم بن أبي الصباح العجاج الجحدري، البصري، أخذ القراءة عن سليمان بن قفة عن ابن عباس، وقرأ على نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر مات سنة 128هـ.
[3]أبو جعفر: يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي، المدني أحد العشرة تابعي مشهور كبير القدر، عرض القرآن على مولاه عبد الله بن عياش، وعبد الله بن عباس، وأبي هريرة وروى القراءة عنه نافع بن أبي نعيم، مات بالمدينة سنة 130. "طبقات القراء: 2-382".
[4]هو شيبة بن نصاح بن سرجس بن يعقوب، مقرئ المدينة مع أبي جعفر وقاضيها ومولى أم سلمة "رضي الله عنها"، مسحت على رأسه ودعت له بالخير مات سنة 132 "طبقات القراء: 1-329".
[5]هو، أبو حاتم السجستاني وقد سبقت ترجمته.
[6]هو، أبو عبيد القاسم بن سلام وقد سبقت ترجمته.
[7]هو، المفضل بن محمد بن يعلى أبو محمد الضبي الكوفي، إمام مقرئ نحوى إخباري، موثق أخذ القراءة عن عاصم، وروى القراءة عنه الكسائي مات سنة 168هـ "طبقات القراء: 2-307".
واختيارات لغير هؤلاء الناس، على القراء بذلك في كل الأمصار من الشرق.
وهؤلاء الذين اختاروا إنما قرءوا لجماعة، وبروايات، فاختار كل واحد مما قرأ وروى قراءة تنسب إليه بلفظ الاختيار، وقد اختار الطبري وغيره.
وأكثر اختياراتهم، إنما هو في الحرف إذا اجتمع فيه ثلاثة أشياء:
قوة وجهه في العربية.
وموافقته للمصحف.
واجتماع العامة عليه. والعامة عندهم ما اتفق عليه أهل المدينة، وأهل الكوفة.
فذلكعندهم حجة قوية، فوجب الاختيار.
وربما جعلوا العامة ما اجتمع عليه أهل الحرمين[1].
وربما جعلوا الاختيار على ما اتفق عليه نافع، وعاصم، فقراءة هذين الإمامين أوثق القراءات، وأصحها سندا، وأفصحها في العربية، ويتلوهما في الفصاحة خاصة قراءة أبي عمرو، والكسائي "رحمهم الله".
[1]مكة والمدينة.
باب: لم جعل القراء الذين اختيروا للقراء سبعة؟
...
باب: "لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة؟ "
فإن سأل سائل فقال:
لم جعل القراء الذين اختيروا للقراءة سبعة؟
ألا كانوا أكثر أو أقل؟
فالجواب:
أنهم جعلوا سبعة لعلتين:
إحداهما: أن عثمان "رضي الله عنه" كتب سبعة مصاحف، ووجه بها إلى الأمصار، فجعل عدد القراء على عدد المصاحف،
والثانية: أنه جعل عددهم على عدد الحروف، التي نزل بها القرآن، وهي سبعة على أنه لو جعل عددها أكثر أو أقل لم يمنع ذلك أن عدد الرواة الموثوق بهم أكثر من أن يحصى.
وقد ألف ابن جبير المقرى، كان قبل ابن مجاهد، كتابا في القراءات، وسماه: كتاب الثمانية، وزاد على هؤلاء السبعة يعقوب الحضرمي.
وهذا باب واسع.
وإنما الأصل الذي يعتمد عليه في هذا: أن ما صح سنده،
واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خط المصحف، فهو من السبعة المنصوص عليها، ولو رواه سبعون ألفا، متفرقين أو مجتمعين.
فهذا هو الأصل، الذي بني عليه من قبول القراءات عن سبعة أو سبعة آلاف، فاعرفه، وابن عليه.