2- إبدال التاء هاء:
استشهدوا لهذا الإبدال في لغات الأزد بلفظ واحد هو (التابوت) ، فهم يقولون: (التابوه) بالهاء، وهي لغة الأنصار خاصة، وقرئ بها - في الشواذ - قوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ} 4.
4 سورة البقرة 248.وينظر: شواذ القرآن 22، وإعراب القراءات الشواذ1/261، والمحتسب 1/129، والمحرر الوجيز/133، وشرح الكافية الشافية 4/2160، وشرح المفصل 10/45، والقرطبي1/154، واللسان (توب) 1/233.
قال القاسم بن معن: "لم تختلف لغة قريش والأنصار في شيء من القرآن إلا في (التابوت) فلغة قريش بالتاء، ولغة الأنصار بالهاء"1.
وروي عن زيد بن ثابت الأنصاري، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث، وعبد الله بن الزبير، والثلاثة من قريش، أنهم اختلفوا عند كتابة المصحف في (التابوت) فقال القرشيون: (بالتاء) وقال زيد: (بالهاء) فرفعوا اختلافهم إلى عثمان - رضي الله عنه - فقال: "اكتبوه التابوت، فإنه نزل بلسان قريش"2.
ويري الجوهري أن التاء ليست أصلية، وأنه من (ت وب) وأصله: تابُوَةٌ، مثل ترقوة، وهو فعلوة، فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاء3.
قال ابن بري: "الصواب أن يذكره في مادة (ت ب ت) لأن تاءه أصلية، ووزنه فاعول مثل: حاطوم، وعاقول، والوقف عليه بالتاء في أكثر اللغات، ومن وقف عليه بالهاء، فإنه أبدلها من التاء، كما أبدلها في الفرات حين وقف عليها بالهاء، وليست التاء في الفرات بتاء تأنيث، وإنما هي أصلية من نفس الكلمة"4.
وذهب الزمخشري إلى أنه فعلوت، مشتق من التوب، وهو الرجوع، لأنه ظرف توضع فيه الأشياء وتودعه، فلا يزال يرجع إليه فيما يحتاج إليه من
1 الصحاح (توب) 1/92.
2 سنن الترمذي 5/285. وينظر: مسند أبي يعلى1/64، وتفسير القرطبي 1/54، وسنن البيهقي2/385، والدر المصون 2/523، وشرح شذور الذهب 63.
3 الصحاح (ت وب) 1/92.
4 التنبيه والإيضاح1/45.
مودعاته. قال: ولا يكون فاعولا، لقلته، نحو: سلس وقلق، ولأنه تركيب غير معروف، فلا يجوز ترك المعروف إليه1.
ويرى العكبري أنه (فاعول) وأنه لا يعرف له اشتقاق في لغة العرب2.
وقد عزيت هذه اللغة إلى طيئ أيضًا، حيث كانوا يقفون على تاء جمع المؤنث وما يماثلها بالهاء، حكى قطرب عنهم أنهم يقولون: "كيف البنون والبناه، وكيف الإخوة والأخواه"3.ومنه قولهم: "دفن البناه من المكرماه"4 أي: دفن البنات من المكرمات، وهو حديث شريف5.
ومثل ذلك قولهم: (هيهاه) و (وأولاه) و (اللاه) في: هيهات وأولات واللات6.
ولم تعز هذه اللغة لغير طيئ والأنصار، ولا غرابة، فكلاهما من القبائل اليمنية القحطانية المهاجرة من موطن واحد.
ولا تزال تسمع في اليمن، في بعض جهات صعدة، وبخاصة لدى قبيلتي
1 الكشاف 1/293.وينظر: البحر المحيط 2/579،والدر المصون 2/523.
2 التبيان 1/198.
3 سر صناعة الإعراب 2/563، والممتع 1/402، وشرح المفصل لابن يعيش 10/45، والأشموني 4/214،334.
4 شرح الألفية لابن الناظم 811، وأوضح المسالك 4/287، والتصريح 5/259.
5 أخرجه الطبراني في المعجم الكبير 11/366، والأوسط2/372، والهيثمي في مجمع الزوائد3/12، والعجلوني في كشف الخفاء 1/445.
6 معاني القرآن للأخفش 1/11، وتفسير الطبري27/59، وسر صناعة الإعراب 2/563، وشرح المفصل لابن يعيش 10/45، وأوضح المسالك 4/288، والأشموني 4/214.
علاف والأبقور1.
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن هذه الظاهرة ليست من قبيل قلب صوت إلى آخر، بل هي حذف الآخر من الكلمة. قال: "وما ظنه القدماء هاء متطرفة هو في الواقع امتداد في التنفس حين الوقوف على صوت اللين الطويل، أو كما يسمى عند القدماء ألف المد"2.
ولعل الدكتور أنيس نظر إلى عدم توفر شروط الإبدال بين الهاء والتاء، فالهاء صوت حلقي رخو، والتاء صوت لثوي شديد3، أي ليس بينهما تقارب يسوغ التبادل بينهما.
والصحيح أن هذه الظاهرة هي نوع من الإبدال، وقد فسرها ابن جني بقوله: "التابوه بدل من التاء في التابوت. وجاز ذلك لما أذكره: وهو أن كل واحد من التاء والهاء حرف مهموس، ومن حروف الزيادة في غير هذا الموضع. وأيضًا فقد أبدلوا الهاء من التاء التي للتأنيث في الوقف، فقالوا: حمزه، وطلحه، وقائمه، وجالسه. وذلك منقاد مطرد عند الوقف، ويؤكد هذا أن عامة عقيل فيما لا نزال نتلقاه من أفواهها تقول في الفرات: الفراه، بالهاء في الوصل والوقف.
1 لهجات اليمن قديمًا وحديثًا44، ودراسات في لهجات شمال وجنوب الجزيرة العربية24.
2 في اللهجات العربية 136.
3 الكتاب 4/433، ومخارج الحروف وصفاتها 124-126، والأصوات اللغوية 61،88.
وزاد في الأنس بذلك أنك ترى التاء في الفرات تشبه في - اللفظ تاء فتاة وحصاة وقطاة، فلما وقف وقد أشبه الآخر الآخر - أبدل التاء هاء، ثم جرى على ذلك في الوصل، لأنه لم يكن البدل عن استحكام العلة علةً، فيراعى حالُ الوقف من حال الوصل، ويفصل بينهما"1.
ويرى أحد المعاصرين أنهم "عمموا في الألسن العربية الدارجة العصرية النطق بتاء التأنيث هاء (ـة - ـه) فلم يعد ذلك النطق خاصًا بالوقف، فقط، بل تعداه إلى داخل الجملة (أي في الوصل) وأصبحت هذه الهاء - في الوقت الحاضر - علامة التأنيث العادية في جميع هذه الألسن"2.
1 المحتسب 1/129.
2 دروس في علم أصوات العربية 57. وينظر: لغات طيء276- 280.
والشواهد على هذا الإبدال كثيرة في اللغة1، جاء بعضها معزوًا إلى الأزد، وأخرى إلى ربيعة وكلب وغيرهم.
قال الخليل: "الزَّقف: لغة الأزد في السقف، يقولون: ازدقف، أي: استقف"2.
والأزد بالزاي لغة لهم في اسم جدهم (الأسد) 3.
وقال الخليل أيضًا: "لصق يلصق لصوقًا، لغة تميم، ولسق أحسن لقيس، ولزق لربيعة، وهي أقبحها"4. وذهب ابن جني5 والزمخشري6، وابن الحاجب7 إلى أن كلبًا تقلب السين زايًا مع القاف خاصة، فيقولون في (سقر) : (زقر) .
وقال الفراء: الزراط، بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين8. وهؤلاء من قضاعة، وهي من القبائل اليمنية القحطانية المهاجرة9.
1 القلب والإبدال 44، وإصلاح المنطق379، وأدب الكاتب 487، والخصائص 1/374، والإبدال والمعاقبة والنظائر 64- 68، والإبدال2/107، والفرق بين الحروف الخمسة493، ووفاق المفهوم237، والمزهر1/473 - 475.
2 العين (سقف) 5/81.
3 ينظر: تفسير القرطبي1/148.
4 العين 5/64.وينظر: اللسان 10/329 (لصق) .
5 سر صناعة الأعراب1/196.
6 المفصل 442.
7 شرح الشافية للرضي 3/232، 233.
8 تفسير القرطبي1/148.
9 نهاية الأرب 358.
4- إبدال الصاد تاء:
تبدل الصاد تاء في كلمة واحدة هي اللصّ، فيقال: (اللصت) قال اللحيانيّ: "هي لغة طيء وبعض الأنصار"3 وعزا أبو عمرو الشيباني مقلوب اللصت إلى الأزد، فقال: "الصّلت: اللص بلغة الأسْد"4.
وتعزو معظم المصادر القديمة إلى طيئ أيضًا إبدال السين تاء، فيقولون في الطسّ: (الطّست) 5 وهي اللغة التي تُلقبها بعض المصادر بالوتم6.
3 اللسان (لصص) 7/87.
4 الجيم2/187.وينظر: الشوارد301.
5 القلب والإبدال لابن السكيت 42، والمخصص3/78، وجمهرة اللغة 1/144، وتهذيب اللغة 12/154، 274، والمعرب 221، وحاشيته لابن بري 120، والصحاح 1/264، والمصباح141، والتاج 4/432.
6 المزهر 1/222.
وطيئ والأزد، ومنهم الأنصار، جميعهم من اليمن، ولهذا عزا الفراء إبدال الصاد والسين تاء إلى بعض أهل اليمن1 وعزاه أبو علي إلى اليمن عامة2.
ويرى ابن قتيبة أن علة هذا الإبدال هو ثقل اجتماع المثلين في آخر الكلمة، فأبدل من أحدهما تاء3.
وفي (المحرر الوجيز) عن أبي علي قال: "إذا اجتمعت المتقاربة، خففت بالحذف والإدغام والإبدال، كما قالوا: طست، فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طسّ"4.
وفسر بعض المعاصرين هذا التبادل من الناحية الصوتية بتقارب الحرفين في المخرج، واتفاقهما في الهمس، وتناظرهما في الرخاوة والشدة، أي: أن التاء صوت شديد مهموس، والصاد صوت رخو مهموس، وقد آثرت طيئ والأزد ومن على شاكلتهما من القبائل البدوية نطق التاء، وهو صوت شديد، لأن من سمات القبائل المتبدية الجنوح إلى السهولة والاقتصاد في الجهد، والأيسر عندها أن تنتقل الأصوات من الرخاوة إلى الشدة5.
1 المذكر والمؤنث 84. وينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري 1/ 389، ولابن التستري92، والمخصص 17/16.
2 شرح الفصيح للزمخشريّ 1/295.
3 أدب الكاتب106.
4 2/4.
5 اللهجات العربية في التراث 1/385، 2/455، لغات طيء191.