والشواهد على هذا الإبدال كثيرة في اللغة1، جاء بعضها معزوًا إلى الأزد، وأخرى إلى ربيعة وكلب وغيرهم.
قال الخليل: "الزَّقف: لغة الأزد في السقف، يقولون: ازدقف، أي: استقف"2.
والأزد بالزاي لغة لهم في اسم جدهم (الأسد) 3.
وقال الخليل أيضًا: "لصق يلصق لصوقًا، لغة تميم، ولسق أحسن لقيس، ولزق لربيعة، وهي أقبحها"4. وذهب ابن جني5 والزمخشري6، وابن الحاجب7 إلى أن كلبًا تقلب السين زايًا مع القاف خاصة، فيقولون في (سقر) : (زقر) .
وقال الفراء: الزراط، بإخلاص الزاي لغة لعذرة وكلب وبني القين8. وهؤلاء من قضاعة، وهي من القبائل اليمنية القحطانية المهاجرة9.
1 القلب والإبدال 44، وإصلاح المنطق379، وأدب الكاتب 487، والخصائص 1/374، والإبدال والمعاقبة والنظائر 64- 68، والإبدال2/107، والفرق بين الحروف الخمسة493، ووفاق المفهوم237، والمزهر1/473 - 475.
2 العين (سقف) 5/81.
3 ينظر: تفسير القرطبي1/148.
4 العين 5/64.وينظر: اللسان 10/329 (لصق) .
5 سر صناعة الأعراب1/196.
6 المفصل 442.
7 شرح الشافية للرضي 3/232، 233.
8 تفسير القرطبي1/148.
9 نهاية الأرب 358.
4- إبدال الصاد تاء:
تبدل الصاد تاء في كلمة واحدة هي اللصّ، فيقال: (اللصت) قال اللحيانيّ: "هي لغة طيء وبعض الأنصار"3 وعزا أبو عمرو الشيباني مقلوب اللصت إلى الأزد، فقال: "الصّلت: اللص بلغة الأسْد"4.
وتعزو معظم المصادر القديمة إلى طيئ أيضًا إبدال السين تاء، فيقولون في الطسّ: (الطّست) 5 وهي اللغة التي تُلقبها بعض المصادر بالوتم6.
3 اللسان (لصص) 7/87.
4 الجيم2/187.وينظر: الشوارد301.
5 القلب والإبدال لابن السكيت 42، والمخصص3/78، وجمهرة اللغة 1/144، وتهذيب اللغة 12/154، 274، والمعرب 221، وحاشيته لابن بري 120، والصحاح 1/264، والمصباح141، والتاج 4/432.
6 المزهر 1/222.
وطيئ والأزد، ومنهم الأنصار، جميعهم من اليمن، ولهذا عزا الفراء إبدال الصاد والسين تاء إلى بعض أهل اليمن1 وعزاه أبو علي إلى اليمن عامة2.
ويرى ابن قتيبة أن علة هذا الإبدال هو ثقل اجتماع المثلين في آخر الكلمة، فأبدل من أحدهما تاء3.
وفي (المحرر الوجيز) عن أبي علي قال: "إذا اجتمعت المتقاربة، خففت بالحذف والإدغام والإبدال، كما قالوا: طست، فأبدلوا من السين الواحدة تاء، إذ الأصل طسّ"4.
وفسر بعض المعاصرين هذا التبادل من الناحية الصوتية بتقارب الحرفين في المخرج، واتفاقهما في الهمس، وتناظرهما في الرخاوة والشدة، أي: أن التاء صوت شديد مهموس، والصاد صوت رخو مهموس، وقد آثرت طيئ والأزد ومن على شاكلتهما من القبائل البدوية نطق التاء، وهو صوت شديد، لأن من سمات القبائل المتبدية الجنوح إلى السهولة والاقتصاد في الجهد، والأيسر عندها أن تنتقل الأصوات من الرخاوة إلى الشدة5.
1 المذكر والمؤنث 84. وينظر: المذكر والمؤنث لابن الأنباري 1/ 389، ولابن التستري92، والمخصص 17/16.
2 شرح الفصيح للزمخشريّ 1/295.
3 أدب الكاتب106.
4 2/4.
5 اللهجات العربية في التراث 1/385، 2/455، لغات طيء191.
5- إبدال النون هاء:
قال ابن فارس في مادة (فكه) : "الفاء والكاف والهاء أصل صحيح يدل على طيب واستطابة، من ذلك الرجل الفكه: الطيب النفس … فأما التفكّه في قوله تعالى: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} 2 فليس من هذا، وهو من باب الإبدال، والأصل تفكّنون، وهو من التندم"3.
2 سورة الواقعة 65.
3 المقاييس4/446.
وجاء في تهذيب اللغة: "قال اللحياني: "أزد شنوءة يقولون: يتفكّهون، وتميم تقول: يتفكّنون. وقال مجاهد في قوله: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تعجّبون. وقال عكرمة: تندمون. وقال ابن الأعرابي: تفكّهت وتفكّنت، أي: تندمت"1. وقال ثعلب في أماليه: "أزد شنوءة يقولون: تفكّهون، وتميم يقولون: تفكّنون، بمعنى: تعجبون"2.وقال أبو الطيب اللغوي: "يقال: تركته متفكنًا ومتفكهًا، أي: متندمًا. وفي التنزيل: {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تندمون، وهو بالهاء لغة أزد شنوءة وبالنون لغة تميم"3.
وقد عزيت بالنون إلى عُكْل أيضًا4، وهم أخوة بني تميم5.
وقد قرأ الجمهور {تَفَكَّهُونَ} بالهاء، وقرأ أبو حرام العكلي (تفكّنون) بالنون6.قال ابن خالويه: "تفكّن: تندّم، وتفكّه: تعجّب"7 وفسرهما ابن السكيت بالتندّم8.
وقال الكسائي: "تفكه من الأضداد، تقول العرب: تفكّهت بمعنى تنعّمت،
1 تهذيب اللغة 10/280.
2 المزهر1/473.
3 الإبدال2/458،459.
4 الأضداد لابن الأنباري 65، وتهذيب اللغة 10/27.
5 جمهرة أنساب العرب 480.
6 شواذ القرآن 152، وتهذيب الألفاظ 1/539، والدر المصون 10/217.
7 شواذ القرآن 152.
8 تهذيب الألفاظ 1/539.
وتفكّهت بمعنى حزنت"1.
يتضح من هذا العرض اختلاف العلماء في تفسير هاتين الصيغتين، فمرة تُفسر (تفكّهون) بـ (تعجّبون) وتفسر الأخرى بـ (تندّمون) كما فسرت الصيغتان مرة بـ (تعجّبون) وأخرى بـ (تندّمون) على أنهما من الأضداد ويتعاقبان على البدل.
والراجح - والله أعلم - ما ذهب إليه ابن خالويه من أن كل صيغة تختلف عن الأخرى، فـ (تفكّهون) بمعنى تعجّبون فقط، و (تفكّنون) وهي التميمية بمعنى تندّمون فقط، وقد فسرهما بهذا - من قبلُ - أبوحاتم السجستاني2.وتفسير الآية الكريمة يحتمل المعنيين، وهذا يتضح من ذكر بقية الآية والآيتين السابقتين لها: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ. لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} 3.
وليس بين النون والهاء علاقة صوتية، فهما متباعدان في المخرج والصفة، فمخرج الهاء من أقصى الحلق مما يلي الصدر، ومخرج النون من أدنى طرف اللسان فويق الثنايا، والهاء صوت رخو مهموس والنون مجهورة4، ولهذا رجح الدكتور أحمد علم الدين الجندي ألا تبادل بين الصيغتين، وأن كلاً منهما أصل
1 تفسير ابن كثير4/317.
2 جمهرة اللغة3/1297.
3 سورة الواقعة 63 - 65.وينظر: لغة تميم 141.
4 الكتاب4/433،434.
6- إبدال الياء ألفًا:
تبدل الياء والواو ألفًا إذا تحركتا وانفتح ما قبلهما، نحو: سعى ورمى وغزا ويقوى ويحيى وعصا ورحى. وهي القاعدة المعروفة في اللغة العربية 5.
1 اللهجات العربية في التراث2/474.
2 من أسرار اللغة 77.
3 لغة تميم 141.
4 شرح الكافية الشافية4/ 2021 - 2022.
5 ينظر: الكتاب 4/383، وشرح الشافية للرضي 3/157، وارتشاف الضرب1/295.
وليست هذه القاعدة بمطردة عند جميع القبائل العربية، فقد عزي إلى طيئ أنهم يبدلون كل ياء أو واو متحركة ألفًا بشرط تحرك ما قبلها على الإطلاق، دون تخصيص هذه الحركة بالفتح، كقولهم في بَقِي ورَضِي ويموت ويمحوه، وناصية وبادية وجارية وباقية وأودية: بَقَى، ورَضَا، ويمات، ويمحاه، وناصاه، وباداه، وجاراه، وباقاه، وأوداه1.
وقد رويت بعض شواهد هذا الإبدال لقبائل نجدية جاورت طيء، كتميم وأسد وقيس، ولعل هؤلاء قد تأثروا بطيء حينما هاجروا إليهم من جنوب الجزيرة العربية2.
وعزي هذا الإبدال في مادة (ب ق ى) من اللسان إلى بني الحارث بن كعب3، كما عزي إليهم إبدال الياء ألفًا إذا سكنت وانفتح ما قبلها، فيقولون: أخذت الدرهمان، واشتريت الثوبان، وضربت يداه، ووضعته علاه، وذهبت إلاه، والسلام علاكم4.
وقال الفراء في توجيه قوله تعالى: {إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} 5: "قراءتنا بتشديد (إنّ) وبالألف ... على لغة بني الحارث بن كعب يجعلون الاثنين في
1 ارتشاف الضرب1/302، وما يجوز للشاعر في الضرورة 166، 167، وتهذيب اللغة 14/335، ولسان العرب (نصا) 15/327، وبحوث ومقالات في اللغة242، ولغات طيء 296، 297.
2 ينظر: بحوث ومقالات في اللغة 239، 240.
3 اللسان 1/79.
4 النوادر259، ومعاني القرآن للأخفش113.
5 سورة طه 63.