بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 109

الطبيب امام الواجب

ان من الواضح. ان المريض لا يستطيع ان يعلق آماله فيما هو فيه على احد ، حتى على اقرب الناس اليه ؛ حتى ولده ، وابويه ؛ لانه يعرف : انهم لايملكون لانقاذه حيلة ، ولايجدون للتخفيف من آلامه سبيلا ..

وانما هو يتجه باماله وتوقعاته الى ذلك الذي امره الله بمراجعته في حالات كهذه ، الا وهو الطبيب العارف ... فالطبيب هو الذي يستطيع ان يقدم له معونة من نوع ما ، وهو الذي يمكنه ان يخفف من آلامه ، وينقذه مما هو فيه ...

ومن البديهي : ان التداوي والرجوع الى الطبيب لا ينافى التوكل ، كما لا ينافيه الاكل والشرب لدفع الجوع ، كما ذكروه[١].

واذن ... فالطبيب يتحمل اعظم المسؤولية في هذا المجال ... سواء على صعيد تقديم العون المادي بالدواء والعلاج النافع ... او على صعيد المعونة الروحية والنفسية ، فهو الذي يستطيع ان يبعث البهجة في نفس المريض ، وينعش فيه املا ، ويعيد اليه الثقة بالحياة وبالمستقبل.

[١]البحار ج ٦٢ ص ٧٧ وفتح الباري ج ١٠ ص ١١٤ والطب النبوي لابن القيم ص ١٠.


صفحه 110

وعلى هذا ... فقد كانت مسؤوليات ومواصفات الطبيب في نفسه ، وبالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه ان يعالجه كثيرة ومتنوعة من وجهة نظر اسلامية ... ونحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النحو التالي :

المبادرة الى العلاج :

فلا يجوز للطبيب التعلل بعدم الاجرة ، او بقلتها ، فان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، لان جارحه اراد فساده ، وهذا لم يرد صلاحه كما تقدم.

فالسلبية هنا لا تعنى الا اتخاذ الموقف المضاد ، لانها تعنى فسح المجال لفتك المرض بصاحبه ، والتغلب على سائر ما يملكه من قدرات ومناعات ، وبالتالي الحاق افدح الخسائر فيه.

وبعد ... فان المبادرة الى العلاج هو ما تفرضه الاخلاق الفاضلة ، والانسانية الرفيعة ، والفطرة السليمة والمستقيمة. وتنسجم مع اريحية الانسان ، ومع عواطفه النبيلة ، وسجاياه الرضية الكريمة.

مداواة حكام الجور :

وبالنسبة لمداواة حكام الجور ، فعدا عن ان ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم وظلمهم ، وان لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك ـ عدا عن ذلك ـ فاننا نجد الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يقول :

« لا تصفن لملك دواء ، فان نفعه لم يحمدك ، وان ضره اتهمك[١]».

وواضح : ان مرادهعليه‌السلامهنا : هو ملوك الجور ، لانهم هم الذين يمتازون بهذه الصفة غير الحسنة ... كما هو معلوم.

[١]البحار ج ٧٨ ص ١٢٧ عن اعلام الدين وج ٧٥ ص ٣٨٢ عنه.


صفحه 111

عدم التمييز بين الغني والفقير

اما لزوم عدم التمييز بين الغني والفقير ، فنحسب انه لا يحتاج الى بيان ولا الى اقامة برهان ، فان الوجوب الشرعي الكفائي ، او العيني احيانا ، لم يلاحظ فيه الغنى دون الفقير ، ولا الابيض دون الاسود.

بل يمكن ان يقال : ان اهتمام الاسلام بالفقير يفوق كثيرا اهتمامه بالغنى اضف الى ذلك : ان الغنى يقدر على الوصول الى ما يريد ، عن طريق بذل ماله دون الفقير.

وبعد ... فان الاوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض ، والاهتمام بأمره ، وترتيب الثواب على ذلك ـ وهي متواترة ـ لم تخصص غنياً ، ولا فقيراً ولا غيرهما بذلك.

وكذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة الى شفاء المجروح من جرحه ... بل جميع الروايات التي تتعلق بالطب ، وهي تعد بالمئات ، لا يمكن ان تلمح فيها اثرا لظاهرة التمييز هذه ، مهما كان حجمه ، ونوعه.

هذا ... ولا يجب ان ننسى تلك الروايات التي تذم من يحترم الغني ، ويجعل له امتيازا من اجل غناه ... ويكفى ان نذكر هنا ماروى عن الامام الرضاعليه‌السلام: « من لقى فقيرا مسلما ، فسلم عليه خلاف سلامه على الغنى لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان[١]».

ثم هناك حكاية الرجل الذي بنى قصراً ، ثم صنع طعاما ، فدعا اليه الاغنياء ، وترك الفقراء ، فاذا جاء الفقير قيل له : ان هذا الطعام لم يصنع لك ، ولا لاشباهك ... فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا ، ثم جاءا في زي الاغنياء

[١]امالي الصدوق ص ٣٩٦ ، وسفينة البحار ج ٢ ص ٣٧٩ ، والوسائل ج ٨ ص ٤٤٢ وفي هامشه عن عيون اخبار الرضا ص ٢١٩ وعن الامالي.


صفحه 112

فسمح لهما بالدخول ، فأمرهما الله بخسف المدينة بمن فيها[١].

والروايات في مدح الفقراء ، ومحبة الله لهم ، وانه ينبغي الاهتمام بشأنهم وملاحظة احوالهم كثيرة.

واخيراً ... فان حكم العقل ، والفطرة ، والاخلاق الفاضلة ، لا يفرق بين غني ، وفقير ، ولا بين كبير وصغير ... هذا ... ان لم نقل ان اكرام الغني لغناه ليس فيه اكرام للانسان والانسانية ، بل هو يعبر عن رذالة في الطبع ، وخسة في النفس ، وانحطاط اخلاقي مرعب وخطير.

واذا كان الفقير يعاني في احيان كثيرة من الالام النفسية اكثر من الجسدية حيث انه يشعر بعقدة الفقر الذي ربما يتحول الى حقد ، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على ادنى ما يجب الحصول عليه ـ اذا كان كذلك ـ فان القربة الى الله تعالى تكون في مساعدته اكثر ، والنتيجة التي تترتب على هذه المساعدة اعظم واكبر.

وقال علي بن العباس : ان على الطبيب : « ان يجد في معالجة المرضى ، ولا سيما الفقراء منهم ، ولا يفكر في الانتفاع المادي ، واخذ الاجرة من هذه الفئة ، بل اذا استطاع ان يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل ، واذا لم يفعل فليجد في معالجتهم ليلاً ونهاراً ، ويحضر الى معالجتهم في كل وقت ... الخ[٢]. »

نعم ... وهذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه وبمجتمعه ، ويطمئن الى مستقبله ، ويجعله اكثر حيوية ، ونشاطا ، وتفاعلاً مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع.

كما انه يزرع الحب والوفاء والرجاء في نفسه ، ويبعد الحقد ، والحسد

[١]سفينة البحار ج ٢ ص ٣٨٠.

[٢]راجع كتاب : تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧ عن كتاب : كامل الصناعة الطبية الملكي ، الباب الثاني ؛ المقالة الاولى.


صفحه 113

وسائر الصفات الذميمة عن روحه ونفسه ، ولا يعود يعاني من عقدة الاحتقار والمهانة ، والخوف ، وذلك واضح لا يحتاج الى مزيد بيان.

اقدام الطبيب على ما يعرف :

واذا كان الطبيب متخصصا في امراض العين مثلا ، فليس له ان يتصدى للنظر في امراض القلب ، وكذا العكس ، لانه جاهل في حقيقة الامراض التي تعرض من هذه الجهة ، فيلحق بالجهال من الاطباء ، الذين على الامام ان يحبسهم اذا ارادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه.

وكذلك فانه يكون من القول بغير علم ، الذي جاءت الايات الكثيرة ، والاقوال المتواترة عن المعصومين في المنع والردع عنه[١]، وذلك واضح للعيان فلا يحتاج الى مزيد بيان ، ولا الى اقامة برهان.

وقد جاء في القسم المنسوب الى ابقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري وصناعتي على الزكاة والطهارة ، ولا اشق ايضا عما في مثانته حجارة ، ولكن اترك ذلك الى من كانت حرفته هذا العمل[٢]».

١ ـ الحذق ٢ ـ الامانة ٣ ـ استجلاب الثقة :

١ ـ و ٢ ـ فالطبيب الحاذق هو الذي يستطيع ان يؤدي واجبه على النحو الاكمل والافضل ، وهو بالتالي الذي يكون خطؤه اقل ، واستفادة المريض من خبراته اتم ، ومنفعته اعم .. وهو اقدر على الحصول على ثقة المريض ، واعتماده عليه ، وتسليمه له ... الامر الذي يسهل عليه علاجه ، كما انه يسهل على المريض الالتزام بنصائحه ، والعمل يتوجيهاته.

بل ان على الطبيب نفسه ان يسعى للحصول على هذه الثقة ، كما يشير اليه ما روى

[١]راجع على سبيل المثال : البحار ج ٢ من ص ١١١ حتى ص ١٢٤ وغيره من المصادر.

[٢]عيون الانباء ص ٤٥.


صفحه 114

عن الصادقعليه‌السلام: « كل ذي صناعة مضطر الى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب ، وهو ان يكون حاذقا بعمله ، مؤديا للامانة فيه ، مستميلا لمن استعمله[١]».

وقد لوحظ : ان النبي (ص) يتحرى لمعالجة بعض من جرح من اصحابه اطب الرجلين ، اللذين دعيا لهذا الغرض[٢].

نعم ... وهذا هو المنسجم مع الفطرة ، ومع حكم العقل السليم ، والنصيحة للمسلمين ... ومن اولى منه (ص) بذلك ، وبغيره من مكارم الاخلاق ومعاليها؟

وبعد ... فقد قيل : ان الطب معناه الحذق بالاشياء ، وان كان في غير علاج المريض ، ورجل طبيب اي حاذق ، سمي بذلك لحذقه[٣].

٣ ـ واما الامانة واداؤها في المجال الطبي ، فهي من اوجب الامور ، لان الطب ـ كما قدمنا ـ مسؤولية شرعية ، عرفية ، اخلاقية ، انسانية ، وحتى عقلية ايضا ، هذا بالاضافة الى ما اشار اليه الامامعليه‌السلاممن ان اداء الامانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها ... حيث يطمئن الناس اليه ، ويعتمدون عليه ، ويقبلون اليه بكل رضا واطمئنان ، كما هو واضح من ان يحتاج الى بيان.

١ ـ النصح ٢ ـ الاجتهاد ٣ ـ التقوى :

وعدا عن ان النصح ، والاجتهاد ، وتقوى الله وظائف انسانية واخلاقية ، فانها وظيفة شرعية ايضا ـ وخصوصا في الطب ـ فعن عليعليه‌السلامانه قال :

[١]تحف العقول ص ٢٣٨ والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٦.

[٢]موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج ٣ ص ١٢١ ، وزاد المعاد ج ٣ ص ١٠٧ ، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٥.

[٣]الطب النبوي لابن القيم ص ١٠٧ / ١٠٨.


صفحه 115

« من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد[١]».

وقال ابن ادريس : « ويجب على الطبيب ان يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض ، وينصح فيه[٢]».

١ ـ نعم ... لابد من الاجتهاد في معالجة المريض ، ولا يجوز التعلل ولا التساهل في ذلك على الاطلاق ، ولابد ايضا من النصح في ذلك ، لان الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة ، وتعريضها للخطر الجسيم ، الامر الذي يكشف عن نفس مريضة وحاقدة ، لا تملك شيئا من الخلق الانساني الرفيع ، بل هي اقرب الى النفس السبعية ، التي لا تعرف الا الاعتداء ، والظلم والشر ، بل هي اكثر بشاعة وخطرا منها ، حينما يمتزج الظلم بالخداع ، والاعتداء بالتدليس وتزييف البغيض المقيت.

٢ ـ ولا بد كذلك من تقوى الله في المريض ، لان بتقوى الله لايبقى غش ، ولا اعتداء ، ولا تزيف ، ولا يبقى ايضا تساهل ، او تعلل ، ولا يبقى كذلك اي لون من الوان الرذيلة في داخل الانسان ، وبتقوى الله يندفع الانسان الى القيام بواجباته الشرعية والانسانية على النحو الاكمل والافضل ... ولاجل ذلك نلاحظ انهعليه‌السلامقد قدم الامر بتقوى الله على الامر بالنصح ، وبذل الجهد وليس ذلك عفويا ، بل هو متعمد ومقصود ، ولا سيما في توجيه الطبيب الذي بيده راحة المرضى ، فهو اذن بأمس الحاجة الى هذه التقوى : حتى لا يفرط فيما جعله الله مسؤولا عنه.

٣ ـ وبعد ... فان « الله يحب عبداً اذا عمل عملا احكمه » كما روى عنه (ص) حينما لحد سعد بن معاذ[٣]، كما اننا نجد في نصائح علي بن العباس : ان « على

[١]البحار ج ٦٢ ص ٧٤ عن الدعائم ، ومستدرك الوسائل ج ٣ ص ١٢٧.

[٢]البحار ج ٦٢ ص ٦٥ عن السرائر.

[٣]الفصول المهمة للحر العاملي ص ٥٠٣.


صفحه 116

الطبيب ان يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم ، سواء بالغذاء او بالدواء[١]».

النصح : حدوده وابعاده :

ومن الواضح : ان على الطبيب ان يمتنع هو اولا عما يطلب من غيره الامتناع عنه عند الحاجة ، وان يلتزم هو بالتوصيات قبل ان يطلب من غيره الالتزام بها.

والا ... فانه اذا لم يستطع ان يعالج نفسه قبل ان يعالج غيره ، فانه يكون ولا شك غير ناصح لذلك الغير ، بل هو اما يجري عليه بعض تجاربه التي لم تصل بعد لديه الى درجة النجاح ، واما انه يعطيه دواءا يعلم هو انه لا ينفعه ، ان لم يكن فيه الكثير من الضرر له ... ام لاجل ان يحصل منه ومن امثاله على المال ، او من اجل الحفاظ على الشهرة الفارغة والصيت الاجوف ، او لغير ذلك من امور.

ولا اقل من ان يفكر المريض والمراجع له هذا التفكير ، الذي يملك كل المبررات الموضوعية والاخلاقية ، يقول ابو الاسود الدؤلي :

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا

كيما يصح به وانت سقيم

واما اذا كان الطبيب يجر الداء الى نفسه ، فان من الواضح انه سوف لن يكون ناصحا لغيره ، لانه لن يحب غيره اكثر من محبته لنفسه ، ولن يستطيع ان يضر نفسه وينفع غيره ، ومن هنا فان من حق كل احد ان يشير اليه بأصابع الاتهام والشك ، وقد روى عن عيسىعليه‌السلامهذا المعنى ، قال (ع) في حديث : « فاذا رأيتم الطبيب يجر الداء الى نفسه فاتهموه ، واعلموا : انه غير ناصح لغيره[٢]».

[١]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧.

[٢]البحار ج ٢ ص ١٠٧ حديث ٥ ، وقصار الجمل ج ٢ ص ٦٥ وج ١ ص ١٩٧ عنه.