وعلى هذا ... فقد كانت مسؤوليات ومواصفات الطبيب في نفسه ، وبالنسبة لعلاقته بمن يفترض فيه ان يعالجه كثيرة ومتنوعة من وجهة نظر اسلامية ... ونحن نجمل بعضها في هذا الفصل على النحو التالي :
المبادرة الى العلاج :
فلا يجوز للطبيب التعلل بعدم الاجرة ، او بقلتها ، فان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، لان جارحه اراد فساده ، وهذا لم يرد صلاحه كما تقدم.
فالسلبية هنا لا تعنى الا اتخاذ الموقف المضاد ، لانها تعنى فسح المجال لفتك المرض بصاحبه ، والتغلب على سائر ما يملكه من قدرات ومناعات ، وبالتالي الحاق افدح الخسائر فيه.
وبعد ... فان المبادرة الى العلاج هو ما تفرضه الاخلاق الفاضلة ، والانسانية الرفيعة ، والفطرة السليمة والمستقيمة. وتنسجم مع اريحية الانسان ، ومع عواطفه النبيلة ، وسجاياه الرضية الكريمة.
مداواة حكام الجور :
وبالنسبة لمداواة حكام الجور ، فعدا عن ان ذلك يكون من قبيل تهيئة الفرصة لهم للاستمرار في بغيهم وظلمهم ، وان لم يكن مساعدة مباشرة لهم على ذلك ـ عدا عن ذلك ـ فاننا نجد الامام الحسين صلوات الله وسلامه عليه يقول :
« لا تصفن لملك دواء ، فان نفعه لم يحمدك ، وان ضره اتهمك[١]».
وواضح : ان مرادهعليهالسلامهنا : هو ملوك الجور ، لانهم هم الذين يمتازون بهذه الصفة غير الحسنة ... كما هو معلوم.
[١]البحار ج ٧٨ ص ١٢٧ عن اعلام الدين وج ٧٥ ص ٣٨٢ عنه.
عدم التمييز بين الغني والفقير
اما لزوم عدم التمييز بين الغني والفقير ، فنحسب انه لا يحتاج الى بيان ولا الى اقامة برهان ، فان الوجوب الشرعي الكفائي ، او العيني احيانا ، لم يلاحظ فيه الغنى دون الفقير ، ولا الابيض دون الاسود.
بل يمكن ان يقال : ان اهتمام الاسلام بالفقير يفوق كثيرا اهتمامه بالغنى اضف الى ذلك : ان الغنى يقدر على الوصول الى ما يريد ، عن طريق بذل ماله دون الفقير.
وبعد ... فان الاوامر القاضية برجحان قضاء حاجة المريض ، والاهتمام بأمره ، وترتيب الثواب على ذلك ـ وهي متواترة ـ لم تخصص غنياً ، ولا فقيراً ولا غيرهما بذلك.
وكذلك الحال بالنسبة للروايات القاضية بلزوم المبادرة الى شفاء المجروح من جرحه ... بل جميع الروايات التي تتعلق بالطب ، وهي تعد بالمئات ، لا يمكن ان تلمح فيها اثرا لظاهرة التمييز هذه ، مهما كان حجمه ، ونوعه.
هذا ... ولا يجب ان ننسى تلك الروايات التي تذم من يحترم الغني ، ويجعل له امتيازا من اجل غناه ... ويكفى ان نذكر هنا ماروى عن الامام الرضاعليهالسلام: « من لقى فقيرا مسلما ، فسلم عليه خلاف سلامه على الغنى لقى الله عز وجل يوم القيامة وهو عليه غضبان[١]».
ثم هناك حكاية الرجل الذي بنى قصراً ، ثم صنع طعاما ، فدعا اليه الاغنياء ، وترك الفقراء ، فاذا جاء الفقير قيل له : ان هذا الطعام لم يصنع لك ، ولا لاشباهك ... فجاء ملكان في زي الفقراء فمنعا ، ثم جاءا في زي الاغنياء
[١]امالي الصدوق ص ٣٩٦ ، وسفينة البحار ج ٢ ص ٣٧٩ ، والوسائل ج ٨ ص ٤٤٢ وفي هامشه عن عيون اخبار الرضا ص ٢١٩ وعن الامالي.
فسمح لهما بالدخول ، فأمرهما الله بخسف المدينة بمن فيها[١].
والروايات في مدح الفقراء ، ومحبة الله لهم ، وانه ينبغي الاهتمام بشأنهم وملاحظة احوالهم كثيرة.
واخيراً ... فان حكم العقل ، والفطرة ، والاخلاق الفاضلة ، لا يفرق بين غني ، وفقير ، ولا بين كبير وصغير ... هذا ... ان لم نقل ان اكرام الغني لغناه ليس فيه اكرام للانسان والانسانية ، بل هو يعبر عن رذالة في الطبع ، وخسة في النفس ، وانحطاط اخلاقي مرعب وخطير.
واذا كان الفقير يعاني في احيان كثيرة من الالام النفسية اكثر من الجسدية حيث انه يشعر بعقدة الفقر الذي ربما يتحول الى حقد ، ثم من عقدة الخوف من عدم تمكنه من الحصول على ادنى ما يجب الحصول عليه ـ اذا كان كذلك ـ فان القربة الى الله تعالى تكون في مساعدته اكثر ، والنتيجة التي تترتب على هذه المساعدة اعظم واكبر.
وقال علي بن العباس : ان على الطبيب : « ان يجد في معالجة المرضى ، ولا سيما الفقراء منهم ، ولا يفكر في الانتفاع المادي ، واخذ الاجرة من هذه الفئة ، بل اذا استطاع ان يقدم لهم الدواء من كيسه هو فليفعل ، واذا لم يفعل فليجد في معالجتهم ليلاً ونهاراً ، ويحضر الى معالجتهم في كل وقت ... الخ[٢]. »
نعم ... وهذا هو ما يجعل الفقير يثق بنفسه وبمجتمعه ، ويطمئن الى مستقبله ، ويجعله اكثر حيوية ، ونشاطا ، وتفاعلاً مع سائر الفئات الفاعلة في المجتمع.
كما انه يزرع الحب والوفاء والرجاء في نفسه ، ويبعد الحقد ، والحسد
[١]سفينة البحار ج ٢ ص ٣٨٠.
[٢]راجع كتاب : تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧ عن كتاب : كامل الصناعة الطبية الملكي ، الباب الثاني ؛ المقالة الاولى.
وسائر الصفات الذميمة عن روحه ونفسه ، ولا يعود يعاني من عقدة الاحتقار والمهانة ، والخوف ، وذلك واضح لا يحتاج الى مزيد بيان.
اقدام الطبيب على ما يعرف :
واذا كان الطبيب متخصصا في امراض العين مثلا ، فليس له ان يتصدى للنظر في امراض القلب ، وكذا العكس ، لانه جاهل في حقيقة الامراض التي تعرض من هذه الجهة ، فيلحق بالجهال من الاطباء ، الذين على الامام ان يحبسهم اذا ارادوا التصدي للتطبيب في مجال يجهلونه.
وكذلك فانه يكون من القول بغير علم ، الذي جاءت الايات الكثيرة ، والاقوال المتواترة عن المعصومين في المنع والردع عنه[١]، وذلك واضح للعيان فلا يحتاج الى مزيد بيان ، ولا الى اقامة برهان.
وقد جاء في القسم المنسوب الى ابقراط : « واحفظ نفسي في تدبيري وصناعتي على الزكاة والطهارة ، ولا اشق ايضا عما في مثانته حجارة ، ولكن اترك ذلك الى من كانت حرفته هذا العمل[٢]».
١ ـ الحذق ٢ ـ الامانة ٣ ـ استجلاب الثقة :
١ ـ و ٢ ـ فالطبيب الحاذق هو الذي يستطيع ان يؤدي واجبه على النحو الاكمل والافضل ، وهو بالتالي الذي يكون خطؤه اقل ، واستفادة المريض من خبراته اتم ، ومنفعته اعم .. وهو اقدر على الحصول على ثقة المريض ، واعتماده عليه ، وتسليمه له ... الامر الذي يسهل عليه علاجه ، كما انه يسهل على المريض الالتزام بنصائحه ، والعمل يتوجيهاته.
بل ان على الطبيب نفسه ان يسعى للحصول على هذه الثقة ، كما يشير اليه ما روى
[١]راجع على سبيل المثال : البحار ج ٢ من ص ١١١ حتى ص ١٢٤ وغيره من المصادر.
[٢]عيون الانباء ص ٤٥.
عن الصادقعليهالسلام: « كل ذي صناعة مضطر الى ثلاث خصال يجتلب بها المكسب ، وهو ان يكون حاذقا بعمله ، مؤديا للامانة فيه ، مستميلا لمن استعمله[١]».
وقد لوحظ : ان النبي (ص) يتحرى لمعالجة بعض من جرح من اصحابه اطب الرجلين ، اللذين دعيا لهذا الغرض[٢].
نعم ... وهذا هو المنسجم مع الفطرة ، ومع حكم العقل السليم ، والنصيحة للمسلمين ... ومن اولى منه (ص) بذلك ، وبغيره من مكارم الاخلاق ومعاليها؟
وبعد ... فقد قيل : ان الطب معناه الحذق بالاشياء ، وان كان في غير علاج المريض ، ورجل طبيب اي حاذق ، سمي بذلك لحذقه[٣].
٣ ـ واما الامانة واداؤها في المجال الطبي ، فهي من اوجب الامور ، لان الطب ـ كما قدمنا ـ مسؤولية شرعية ، عرفية ، اخلاقية ، انسانية ، وحتى عقلية ايضا ، هذا بالاضافة الى ما اشار اليه الامامعليهالسلاممن ان اداء الامانة في الصنعة يوجب اجتلاب المكسب بها ... حيث يطمئن الناس اليه ، ويعتمدون عليه ، ويقبلون اليه بكل رضا واطمئنان ، كما هو واضح من ان يحتاج الى بيان.
١ ـ النصح ٢ ـ الاجتهاد ٣ ـ التقوى :
وعدا عن ان النصح ، والاجتهاد ، وتقوى الله وظائف انسانية واخلاقية ، فانها وظيفة شرعية ايضا ـ وخصوصا في الطب ـ فعن عليعليهالسلامانه قال :
[١]تحف العقول ص ٢٣٨ والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٦.
[٢]موطأ مالك المطبوع مع تنوير الحوالك ج ٣ ص ١٢١ ، وزاد المعاد ج ٣ ص ١٠٧ ، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٥.
[٣]الطب النبوي لابن القيم ص ١٠٧ / ١٠٨.
« من تطبب فليتق الله ، ولينصح ، وليجتهد[١]».
وقال ابن ادريس : « ويجب على الطبيب ان يتقي الله سبحانه فيما يفعله بالمريض ، وينصح فيه[٢]».
١ ـ نعم ... لابد من الاجتهاد في معالجة المريض ، ولا يجوز التعلل ولا التساهل في ذلك على الاطلاق ، ولابد ايضا من النصح في ذلك ، لان الغش فيه معناه الجناية على نفس محترمة ، وتعريضها للخطر الجسيم ، الامر الذي يكشف عن نفس مريضة وحاقدة ، لا تملك شيئا من الخلق الانساني الرفيع ، بل هي اقرب الى النفس السبعية ، التي لا تعرف الا الاعتداء ، والظلم والشر ، بل هي اكثر بشاعة وخطرا منها ، حينما يمتزج الظلم بالخداع ، والاعتداء بالتدليس وتزييف البغيض المقيت.
٢ ـ ولا بد كذلك من تقوى الله في المريض ، لان بتقوى الله لايبقى غش ، ولا اعتداء ، ولا تزيف ، ولا يبقى ايضا تساهل ، او تعلل ، ولا يبقى كذلك اي لون من الوان الرذيلة في داخل الانسان ، وبتقوى الله يندفع الانسان الى القيام بواجباته الشرعية والانسانية على النحو الاكمل والافضل ... ولاجل ذلك نلاحظ انهعليهالسلامقد قدم الامر بتقوى الله على الامر بالنصح ، وبذل الجهد وليس ذلك عفويا ، بل هو متعمد ومقصود ، ولا سيما في توجيه الطبيب الذي بيده راحة المرضى ، فهو اذن بأمس الحاجة الى هذه التقوى : حتى لا يفرط فيما جعله الله مسؤولا عنه.
٣ ـ وبعد ... فان « الله يحب عبداً اذا عمل عملا احكمه » كما روى عنه (ص) حينما لحد سعد بن معاذ[٣]، كما اننا نجد في نصائح علي بن العباس : ان « على
[١]البحار ج ٦٢ ص ٧٤ عن الدعائم ، ومستدرك الوسائل ج ٣ ص ١٢٧.
[٢]البحار ج ٦٢ ص ٦٥ عن السرائر.
[٣]الفصول المهمة للحر العاملي ص ٥٠٣.
الطبيب ان يجد في معالجة المرضى ، وحسن تدبيرهم ، ومعالجتهم ، سواء بالغذاء او بالدواء[١]».
النصح : حدوده وابعاده :
ومن الواضح : ان على الطبيب ان يمتنع هو اولا عما يطلب من غيره الامتناع عنه عند الحاجة ، وان يلتزم هو بالتوصيات قبل ان يطلب من غيره الالتزام بها.
والا ... فانه اذا لم يستطع ان يعالج نفسه قبل ان يعالج غيره ، فانه يكون ولا شك غير ناصح لذلك الغير ، بل هو اما يجري عليه بعض تجاربه التي لم تصل بعد لديه الى درجة النجاح ، واما انه يعطيه دواءا يعلم هو انه لا ينفعه ، ان لم يكن فيه الكثير من الضرر له ... ام لاجل ان يحصل منه ومن امثاله على المال ، او من اجل الحفاظ على الشهرة الفارغة والصيت الاجوف ، او لغير ذلك من امور.
ولا اقل من ان يفكر المريض والمراجع له هذا التفكير ، الذي يملك كل المبررات الموضوعية والاخلاقية ، يقول ابو الاسود الدؤلي :
يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا
كيما يصح به وانت سقيم
واما اذا كان الطبيب يجر الداء الى نفسه ، فان من الواضح انه سوف لن يكون ناصحا لغيره ، لانه لن يحب غيره اكثر من محبته لنفسه ، ولن يستطيع ان يضر نفسه وينفع غيره ، ومن هنا فان من حق كل احد ان يشير اليه بأصابع الاتهام والشك ، وقد روى عن عيسىعليهالسلامهذا المعنى ، قال (ع) في حديث : « فاذا رأيتم الطبيب يجر الداء الى نفسه فاتهموه ، واعلموا : انه غير ناصح لغيره[٢]».
[١]تاريخ طب در ايران ج ٢ ص ٤٥٧.
[٢]البحار ج ٢ ص ١٠٧ حديث ٥ ، وقصار الجمل ج ٢ ص ٦٥ وج ١ ص ١٩٧ عنه.
١ ـ الرفق بالمريض ٢ ـ حسن القيام عليه :
ولا نرى ان ذلك يحتاج الى بيان ، ويكفي ان نذكر : انه قد ورد في بعض النصوص التعبير عن الطبيب بـ « الرفيق » من الرفق ، فعن عليعليهالسلام: « كن كالطبيب الرفيق ، الذي يدع الدواء بحيث ينفع[١]».
وفي رواية عن الرضاعليهالسلامقال : « سمعت موسى بن جعفر (ع) ، وقد اشتكى فجاء المترفقون بالادوية ، يعني الاطباء[٢]».
وفي بعض : النصوص : « ان الله عز وجل الطبيب ، ولكنك رجل رفيق » وفي نص آخر : « انت الرفيق والله الطبيب[٣]».
ومن اولى من المريض بان يكون موضعا للعناية ، والرفق ، والمداراة ، ومراعاة الجانب.
وقد روى : ان امير المؤمنينعليهالسلامقد قطع ايدي سراق ، ثم قال : « يا قنبر ، ضمهم اليك فداو كلومهم ، واحسن القيام عليهم » ، وبعد ان برئت كلومهم كساهم ثوبين ثوبين ، وخلى سبيلهم ، واعطى كل واحد منهم ما يكفيه الى بلده ، وزاد في نص آخر : انه امرهم ان يدخلوا دار الضيافة ، وامر بأيديهم ان تعالج فأطعمهم السمن ، والعسل ، واللحم حتى برئوا[٤].
وعن عليعليهالسلام: من كنت سببا في بلائه وجب عليك التلطف في
[١]البحار ج ٢ ص ٥٣ عن مصباح الشريعة ، وقصار الجمل ج ٢ ص ٦٣ عن البحار.
[٢]الفصول المهمة ص ٤١٥.
[٣]راجع : كنز العمال ج ١٠ ص ٣ و ١ عن ابي داود ، وعن احمد ، وابي نعيم في الطب وارشاد الساري ج ٨ ص ٣٦٠ ، والتراتيب الادارية ج ١ ص ٤٦٢.
[٤]التهذيب للشيخ ج ١٠ ص ١٢٥ ـ ١٢٧ ح ١٢٦ و ١١٩ و ١١٨ ، والكافي ج ٧ ص ٢٦٤ و ٢٨٦ ، والوسائل ج ١٨ ص ٥٢٩ و ٥٢٨ عنهما ، ومستدرك الوسائل ج ٣ ص ٢٣٩ عن دعائم الاسلام.