والمالك لكل شيىء .. وتكون ظروفه الخاصة هذه ، وهذه الاجواء التي يعيشها سببا في ان يخرج من مرضه هذا بروحية جديدة ، تؤثر على كل حالاته ، ومجمل سلوكه تأثيرا قويا وبعيدا وشاملا في احيان كثيرة. ولربما يعادل الرقي الروحي والانساني الذي يحصل عليه خلال ليلة واحدة فقط ما يحصل عليه من عيادة ستين سنة ، كما جاء في الرواية ..
وبملاحظة النصوص التي وردت في هذا المجال نعرف : ان الشكوى التي ورد الترغيب في الابتعاد عنها هي الشكوى التي تستبطن استدرار عطف المشكو اليه ، نتيجة لشعوره بضعف الشاكي وعجزه ، والله لا يريد لعبده ان يكون ضعيفا وعاجزا الاّ امام الله عز وجل ...
ومن الجهة الاخرى ، فان الله تعالى لا يريد لعبده ان يعتقد بأن غير الله تعالى يملك له شيئا من النفع او الضر ، فان هذا امر مرغوب عنه ومرفوض ، لان الله وحده هو مالك كل شيء ، وبيده النفع والضرر ؛ وهو الكبير المتعال ..
وكذلك .. فان الشكوى التي تستبطن استعظام الامر الذي نزل بالشاكي واعتباره ان ذلك ينافي عدل الله سبحانه وتعالى ولطفه ورحمته .. ان هذه الشكوى مرغوب عنها شرعا ، ومرفوضة جملة وتفصيلا ، بل لابد من الصبر والتسليم ؛ فعن الصادقعليهالسلام: من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها ، وادى الى الله شكرها كانت له كفارة ستين سنة ، قال : قلت : وما قبلها بقبولها؟ قال صبر على ما كان فيها[١].. وعنهعليهالسلام، ايما رجل اشتكى ، فصبر واحتسب ، كتب الله له من الاجر اجر الف شهيد[٢].. وعن النبي (ص) ، انه قال : يكتب انين المريض
[١]البحار ج ٨١ ص ٢٠٥ وفي الهامش عن ثواب الاعمال ص ١٧٥.
[٢]طب الائمة ص ١٧ والبحار ج ٨١ ص ٢٠٦ عنه وعن اعلام الدين.
حسنات ما صبر ، فان جزع كتب هلوعاً[١].
وورد : ان الصادقعليهالسلامسئل عن حد الشكاية للمريض ، فقال : ان الرجل يقول : حممت اليوم ، وسهرت البارحة ، وقد صدق ، وليس هذا شكاية ، وانما الشكوى ان يقول : قد ابتليت بما لم يبتل به احد ، ويقول : لقد اصابني ما لم يصب احدا[٢]..
قال المجلسي رحمه الله تعالى : « هذا تفسير للشكاية التي تحبط الثواب ، والاّ فالافضل : ان لا يخبر به احدا ، كما يظهر من الاخبار السابقة. ويمكن حمله على الاخبار لغرض كاخبار الطبيب مثلا »[٣].
فالإخبار بالمرض لايلازم الشكوى ، كما دل عليه الخبر الانف .. وقد تقدم ايضا : ان المريض في سجن الله ما لم يشك على عواده. وان من مرض يوما وليلة فلم يشك الى عواده ، بعثه الله يوم القيامة مع خليله ابراهيم. وانه ما من عبد ابتليته ببلاء فلم يشك الى عواده الا ابدلته لحماً خيراً من لحمه[٤]الخ .. وكل ذلك يدل على ان الإخبار بالمرض شيء ، والشكوى المرغوب عنها شيء آخر .. وأما اختلاف الروايات في الترغيب بعدم الشكوى ليلة ، او ثلاثة ايام ، او مطلقا ، فيحمل على اختلاف درجات الفضل فيها ..
واما رواية من كتم وجعا اصابه ثلاثة ايام الخ .. فيمكن ان يقال ؛ ان المراد فيها ، ان اخباره لاخوانه بعد الثلاثة يصير له فضل. او ان المراد بالكتمان
[١]البحار ج ٨١ ص ٢١١ وفي هامشه عن الدعائم ص ٢١٧.
[٢]الكافي ج ٣ ص ١١٦ ومشكاة الانوار ص ٢٧٩ وراجع : البحار ج ٨١ ص ٢٠٢ وفي هامشه عن معاني الاخبار ص ١٤٢ و ٢٥٣.
[٣]هامش الكافي ج ٣ ص ١١٦ عن مرآة العقول ، وراجع : البحار ج ٨١ ص ٢٠٢.
[٤]راجع المصادر المتقدمة من اول البحث عن شكوى المريض على عواده وحتى الان ، لتجد هذه النصوص وغيرها.
عدم الشكوى ، لاعدم الإخبار بالمرض مطلقا ؛ بقرينة قوله فيها ، « وشكا الى الله عز وجل » فتكون كغيرها من الروايات.
وأما الرواية التي تجعل كتمان المرض من كنوز البر ، فلابد وان تحمل على ما ذكر ايضا. او على صورة الشفاء السريع ، حيث لا يطول المرض ، او على ما ذكره المجلسي آنفا ..
ويبقى ان نشير الى ان ما ورد من قول الإمام الصادقعليهالسلامللحسن بن راشد : يا حسن اذا نزلت بك نازلة ، فلا تشكها الى احد من اهل الخلاف ، ولكن اذكرها لبعض اخوانك ، فانك لن تعدم من خصال اربع : اما كفاية ، واما معونة بجاه ، او دعوة تستجاب ، او مشورة برأي[١].
وكذا ما عن الصادق (ع) ، من شكا الى مؤمن فقد شكا الى الله عز وجل ، ومن شكا الى مخالف فقد شكا الله عز وجل[٢].
فان الظاهر هو انها ناظرة الى شكوى غير المرض ، وحيث لا تستبطن الشكوى ايا من المعاني المرغوب عنها شرعا ..
ويشير الى ذلك قوله : « اما كفاية » وذلك لان المرض لاتتأتى فيه الكفاية ، وأما ما بعد هذه الفقرة كالمعونة بالجاه مثلا فيمكن ان تتأتى فيه ، بأن يستعمل نفوذه لايصاله الى الطبيب الفلاني ، او ادخاله المستشفى الفلاني ، وما اشبه ذلك وبالنسبة للمشورة بالرأي واستجابة الدعاء ، فالامر فيهما واضح ...
[١]البحار ج ٧٨ ص ٢٦٥ عن التحف وج ٨١ ص ٢٠٧ عن كتاب الاخوان للصدوق ص ٣٤ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣١ عنه وروضة الكافي ص ١٧٠ والفصول المهمة ص ٥٠٢ ، وتحف العقول ص ٢٨٤.
[٢]الوسائل ج ٢ ص ٦٣٢ والبحار ج ٨١ ص ٢٠٧ ومعاني الاخبار ج ٢ ص ٣٨٧ وبمعناه عن قرب الاسناد ص ٥٢ وراجع غرر الحكم ج ٢ ص ٦٨٣.
وأما الحديث الثاني ، فهو مطلق ، ولعله يشير الى ما تضمنه حديث الحسن بن راشد ، لان السياق منسجم معه اكثر من غيره ، حيث ان المريض قد منع من الشكوى حتى الى عواده ، وان كانوا من اخوانه ، كما اشرنا اليه ..
عدم اسماع المريض التعوذ من البلاء :
وقد تقدم : ان محمد بن علي (ع) كان لايسمع المبتلى التعوذ من البلاء ، وتقدم ما يشير الى الحكمة في ذلك حين الكلام على موضوع « الممرض في المستشفى ».
عدم اطالة الجلوس عند المريض :
وان عوارض المرض ، والحالات المتغيرة ، التي تطرأ على المريض ، لربما تفرض عليه احيانا : ان يكون في وضع لايرغب ان يراه عليه احد ..
كما ان نفس الحالة العلاجية له لربما يكون اطلاع الغير عليها موجبا لتألم المريض نفسيا .. واذا كانت العيادة ضرورية ايضا ، فوجه الجمع هو عدم اطالة مكث العائد عند المريض حتى لايزيد في احراجه ، او في المه النفسي.
ومن هنا .. فقد ورد عنهمعليهمالسلاماستحباب عدم اطالة الجلوس عند المريض ، حتى عبر عنها الإمام الصادق صلوات الله وسلامه عليه ـ كما روى ـ بقوله :
« العيادة قدر فواق ناقة »[١].
وعن امير المؤمنينعليهالسلام، قوله : ان من اعظم العواد اجراً لمن اذا عاد اخاه خفف الجلوس الا اذا كان المريض يحب ذلك ويريده ، ويسأله ذلك الخ
[١]الكافي ج ١ ص ١١٧ / ١١٨ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢.
وفي معناه غيره[١].
فانه اذا كان المريض يريد ذلك ، فان الاستجابة له يكون فيها تقرب الى الله تعالى من جهة ، كما ان طلبه هذا .. يكشف عن عدم وجود ما يحتمل ان يكون موجبا للحرج بالنسبة اليه .. من جهة اخرى ..
وضع اليد على المريض ، والجلوس عند رأسه :
ولعل لاجل ان يطمئن المريض الى انه لايزال مقبولا لدى الاخرين ، ولاتنفر النفوس منه ، وكذلك الحال بالنسبة للعائدة نفسه ... نلاحظ : ان ثمة اوامر بوضع العائد يده على المريض ، واعتبر ان الذي يخالف ذلك يكون من الحمقى ، وعيادة الحمقى اشد على المريض من وجعه ، حيث يتسبب الاحمق بكثير من الآلام النفسية للمريض ، بسبب تصرفاته غير اللائقة ، والمشعرة للمريض بضعفه ونقصه ..
وقد ذكر البعض : ان النبي (ص) كان اذا عاد مريضا وضع يده على جبتهه ، وربما وضعها بين ثدييه ، ويدعو له[٢].
وقد روي عن ابي عبد اللهعليهالسلام: تمام العيادة للمريض : ان تضع يدك على ذراعه وتعجل القيام من عنده ، فان عيادة النوكي اشد على المريض من وجعه[٣]..
[١]راجع الوسائل ج ٢ ص ٦٤٢ ، والكافي ج ٣ ص ١١٨ / ١١٩ وقرب الاسناد ص ٨ والبحار ج ٨١ ص ٢١٤ و ٢٢٧ وسفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ ومجمع الزوائد ج ٢ ص ٢٩٦ عن البزار ومصنف عبد الرزاق ج ٣ ص ٥٩٤ وكشف الاستار ج ١ ص ٣٦٩.
[٢]الطب النبوي لابن القيم ص ٩٢ وراجع البخاري ، المرضى ١٣.
[٣]الكافي ج ٣ ص ١١٨ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢ والبحار ج ٨١ ص ٢٢٧ وفي هامشه عن مكارم الاخلاق ص ٤١٥.
وفهم الشهيدرحمهالله: ان وضع اليد على ذراعه هو حال الدعاء له[١].
ولكن قد ورد عن أمير المؤمنينعليهالسلام: قوله : من تمام العيادة للمريض ان يضع العائد احدى يديه على الاخرى ، او على جبهته[٢]. وفهم المجلسيرحمهالله: ان المقصود هو ان يضع العائد يده على جبهة نفسه ، واحتمل ان يكون ذلك لاجل اظهار الحزن والتأسف على مرضه ، كما هو الشايع ، فلا يبعد ان يكون ذكرهما على سبيل المثال[٣]..
ولكن الاظهر هو ما تقدم من انه يضع يده على المريض نفسه ، او على ذراعه ... ( وذكر الذراع للمثال على الظاهر ) .. ويمكن حمل هذه الرواية على ذلك ، لانها ليست نصا فيما ذكره المجلسي ، فيمكن ارجاع الضمير على المريض فيها ، ويشير الى ذلك بالاضافة الى النصوص المتقدمة ما عن النبي (ص) : ان من تمام عيادة المريض : ان يدع احدكم يده على جبهته او يده فيسأله كيف هو ، وتحياتكم بينكم بالمصافحة[٤].. وكذا قوله : (ص) من تمام عيادة المريض اذا دخلت عليه ان تضع يدك على رأسه ، وتقول : كيف اصبحت[٥].
فانها ظاهرة في ان يضع يده على المريض ـ كما اعترف به المجلسيقدسسره، ولكنه اورد عليه : بأنه وان كان اظهر معنى ، ولكنه ـ بمعنى هذا الاخير
[١]البحار ج ٨١ ص ٢٢٧ عن الدروس.
[٢]قرب الاسناد ص ٨ وسفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ والكافي ج ٣ ص ١١٩ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢ والبحار ج ٨١ ص ٢١٤.
[٣]البحار ج ٨١ ص ٢١٤.
[٤]امالي الطوسي ج ٢ ص ٢٥٣ ، ومستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٦ والبحار ج ٨١ ص ٢٧٣ و ٢٢٦ كلاهما عنه وعن مكارم الاخلاق ص ٤١٤.
[٥]سفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ والبحار ج ٨١ ص ٢٢٣ وامالي الطوسي ج ٢ ص ٢٥٣ ومستدرك الوسائل ج ١ ص ٨٦.
والذي قبله ـ عاميان[١]..
ولكننا نقول : ان الرواية الاخرى التي تقول : تمام العيادة ان تضع يدك على المريض اذا دخلت عليه[٢]، ورواية وضع اليد على الذراع ليستا بعاميتين ، وهما تؤيدان ارادة هذا المعنى ، وهو وضع العائد يده على يد المريض ، او على جبهته.
وثمة احاديث اخرى في وضع العائد يده على المريض ، او على جبهته ، فمن ارادها فليراجعها[٣]. واخيرا .. فقد روى عن ابن عباس : ان النبي (ص) كان اذا عاد المريض جلس عند رأسه[٤].
دعاء المريض للعائد والعكس :
وحيث ان المريض يكون في هذه الحالة اقرب الى الله تعالى منه في غيرها ، فان دعاءه يكون اقرب الى الاستجابة ، ولاجل ذلك .. ولاجل ان يشعر انه ايضا يملك في مرضه هذا امتياز يفقده الاخرون ، فلا يجب ان يشعر بالذل والضعف ، فانه كما هو محتاج الى غيره ، كذلك ، فان غيره محتاج اليه .. من اجل ذلك ، نجد : انه قد روي عن ابي عبد اللهعليهالسلامقوله : اذا دخل على اخيه عائدا له فليسأله يدعو له ، فان دعاءه مثل دعاء الملائكة ..[٥]
[١]البحار ج ٨١ ص ٢٢٣.
[٢]الكافي ج ٣ ص ١١٨ والوسائل ج ٢ ص ٦٤٢ عنه وعن قرب الاسناد ص ٨.
[٣]مجمع الزوائد ج ٢ ص ٢٩٨ وسنن ابي داود ج ٣ ص ١٨٧ وسنن البيهقي ج ١ ص ٣٨١ و ٣٨٢ ومستدرك الحاكم ج ١ ص ٣٤٢ وتلخيصه للذهبي بهامشه.
[٤]مجمع الزوائد ج ٢ ص ٢٩٧ عن ابي يعلى.
[٥]الكافي ج ٣ ص ١١٧ والبحار ج ٨١ ص ٢١٩ وفي هامشه عن المنتهى للعلامة ص ٤٢٥ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣٧ ، ومكارم الاخلاق ص ٢٣٦ ط قديم وسنن ابن ماجة ج ١ ص ٤٦٣ ، والترغيب والترهيب ج ٤ ص ٣٢٢. وجواهر الاخبار والآثار ، بهامش البحر الزخار ج ٣ ص ٨٧.
وثمة احاديث اخرى بهذا المعنى ، فليراجعها من اراد[١].
كما انه يستحب ان يدعو العائد للمريض ايضا ، فعن زرارة ، عن احدهما : اذا دخلت على مريض ، فقل : اعيذك بالله العظيم الخ ..[٢]وقد تقدم : انه يستحب للمريض ان يأذن لاخوانه بالدخول عليه ، فانه ما من احد الا وله دعوة مستجابة ..
دعاء المساكين للمريض :
وعن الصادقعليهالسلاملاتستخفوا بدعاء المساكين للمرضى منكم ، فانه يستجاب لهم فيكم ، ولا يستجاب لهم في انفسهم[٣].. وعن الصادقعليهالسلام: يستحب للمريض : ان يعطسي السائل بيده ، ويأمر السائل ان يدعو له[٤].
سؤال المريض عن حاله ، وعما يشتهي :
ويذكر البعض : انه (ص) كان يسأل المريض عن شكواه ، وكيف يجده ،
[١]راجع ، ثواب الاعمال ص ٣٠ ، والبحار ج ٨١ ص ٢١٧ و ٢٢٥ عنه وعن عدة الداعي ، وعن الكافي ج ٢ ص ٥٠٩. وسفينة البحار ج ٢ ص ٢٨٥ ، ومكارم الاخلاق ص ٢٣٦ ، ط قديم ومجمع الزوائد ج ٢ ص ٢٩٥ عن الطبراني في الاوسط ، والترغيب والترهيب ج ٤ ص ٣٢٢ عن ابن ماجة والطبراني ، وابن ابي الدنيا ، والوسائل ج ٢ ص ٦٣٧ / ٦٣٨ وفي هامشه عن بعض من تقدم وعن الاصول ص ٣٥٦ ، وعن المنتهى للعلامة ص ٤٢٥ ، وعن الخصال والدعائم.
[٢]البحار ج ٨١ ص ٢٢٨ و ٢٢٥ وفي هامشه عن مكارم الاخلاق ص ٤٥٠ وعن اعلام الدين.
[٣]البحار ج ٦٢ ص ٢٧٦ عن السرائر ، باب الاطعمة والاشربة.
[٤]البحار ج ٨١ ص ٢٠٩ عن دعوات الراوندي.