وكمثال على ذلك : نشير الى تعاليم الاسلام المتعلقة بتقليم اظفاره ، وترجيل شعره ، واوامره له بالتنظيف والتطهر ، حتى لقد ورد : ان الله يبغض الرجل القاذورة[١]، وورد : ان النظافة من الايمان[٢]، وعنه (ص) : بئس العبد القاذورة[٣]... بل لقد حرم عليه بعض الالبسة التي تضر بمكانته الاجتماعية وتوجب استهانة الناس به.
الى غير ذلك من الشؤون والاحوال التي يمر بها الانسان او تمر به ، والتي غفل عنها اي تشريع آخر سوى التشريع الالهي الحق ، لانه صادر عن ساحة الحق سبحانه وتعالى ... حتى ليقول الامام الصادقعليهالسلام: « ان عندنا الجامعة ، قلت : ( اي الراوي ) وما الجامعة؟ قال : صحيفة فيها كل حلال وحرام ، وكل شيء يحتاج اليه الناس حتى الارش في الخدش ، وضرب بيده الي فقال : اتأذن يا ابا محمد؟ قلت : جعلت فداك ، انما انا لك ، فاصنع ما شئت ، فغمزني بيده ، وقال : حتى ارش هذا[٤]. »
طبيعية قوانين الاسلام :
ونحن لا نريد ان ندعي هنا : ان شمولية الاسلام هذه قائمة على اساس النص الصريح على كل كلية وجزئية ، فان ذلك امر متعسر بل متعذر ... وانما تكمن شموليته في كونه قد نظر الى الانسان ، واحواله ، واوضاعه نظرة واعية تتسم بالشمول والدقة ، فقد لاحظ :
[١]البحار ج ٧٦ ص ٨٤ وج ٨٠ ص ١٠٦ عن كنز الفوائد للكراجكي وج ٩٩ ص ٣٠٣ فقه الرضا ٤٨ وج ٩٩ ص ٨٤ ، والخصال ج ٢ ص ٦٢٠ ، وتحف العقول حديث الاربعمائة ص ٧٣.
[٢]البحار ج ٦٢ ص ٢٩١ عن طب النبي للمستغفري.
[٣]الفصول المهمة ص ٤٤١ ، وطب الصادق ص ١٥ عن الدعائم.
[٤]الوسائل ج ١٩ ص ٢٧٢ حديث ١.
اولا : شؤونه الثابتة التي لايطرأ عليها تغيير ولا تبديل في اي من الظروف والاحوال ، فوضع لها قوانين ثابتة ، وانظمة محددة ... وذلك من قبيل قوانين الارث ، والزواج ، والطلاق ، ونحوها ... ويمكن ان يدخل في ذلك جميع الاحكام الثابتة للموضوعات بعناوينها الاولية ، حسب الاصطلاح الاصولي.
ثم لاحظ :
ثانياً : الشؤون التي يطرأ عليها التغيير والتبديل ، ولا يمكن ان تكون في اطار ضابطة معينة وثابتة ، فجعل اصولا وقواعد عامة ، يجري التغيير والتبديل في نطاقها.
فهذه القوانين والضوابط ثابتة ، والمتغير هو ما تنطبق عليه تلك القواعد والاصول.
ويمكن ان يدخل في هذا الاطار ايضا سائر الموضوعات التي تعرض لها العناوين الثانوية ، حسب الاصطلاح الاصولي.
ومن هنا ... فقد كان للاسلام مرونة خاصة بالنسبة لموقفه من الثقافات ، والعلوم التي تفيد المجتمع الاسلامي ، وبالنسبة لشؤون الادارة الداخلية ، وشؤون الامن في البلاد الاسلامية ، تبعا للضرورات التي تفرضها الظروف والاحوال الطارئة والمتغيرة.
وقد اعطى ذلك للاسلام قدرة خاصة على استيعاب كل جديد ، وعلى ان يساير التطورات الحضارية المختلفة على مر العصور ، وعلى اتخاذ الموقف المناسب في الظروف والاحوال والمتغيرات باستمرار ، ولسوف يبقى محتفظا بهذه القدرة مستقبليا ايضا ... فهو القانون الوحيد ، الذي يستطيع ان يكون انسانيا ، وحضاريا ، وعالميا ، وابديا.
الفقيه ... وغير الفقيه :
١ ـ اما وظيفة الفقيه فليست الا الكشف عن الاحكام الالهية الثابتة لموضوعاتها ، وتطبيق القواعد والكليات الثابتة على مصاديقها المتحولة المتغيرة فالفقيه لا يجعل الاحكام الشرعية ، وانما هو يكشف عنها ، او يطبق القاعدة على موردها.
٢ ـ هذا ... ولا شك في ان الفطرة والعقل والعقلاء يحكمون على من ليس له قدرة الكشف والتطبيق هذه ـ حيث لا يمكن الاحتياط[١]ولا يمكن العمل به ـ بالرجوع الى الذي يملك هذه القدرة ، ويمارسها فعلا ... لانه هو المتخصص في هذه الجهة ، وله خبرات تؤهله لان يكون مرجعا لمن يفقد هذه الخبرات تماما ... كذلك الذي يراجع الطبيب او المهندس في ما يرتبط بهما من امور الطب والهندسة ، لانه هو لا يملك خبرات في هذين المجالين.
٣ ـ كما ان الانسان يفضل بحسب فطرته وسجيته وعقله : الامهر من الاطباء واصحاب الاختصاصات ؛ ولا يراجع غيره الا اذا لم يقدر على الاستفادة منه.
وقد امر الله تعالى ارشادا الى ذلك ، فقال :فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون[٢]... وقال تعالى ايضا مشيرا الى ان ذلك مرتكز في فطرة الانسان وسجيته :هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون[٣].
٤ ـ ومن الجهة الثالثة : فان فطرة الانسان وسجيته ، تدفعه الى ان يهتم بمراجعة من يثق بصدقه واخلاصه من اهل الاختصاصات ... وكلما كان الامر اهم ،
[١]كما في كثير من الموارد العامة : سياسية ، واجتماعية ، وادارية ... وغيرها.
[٢]النحل ٤ : ٣.
[٣]الزمر ٩.
كلما زاد اهتمام الشخص في ان يجد من يجمع اقصى الشروط الملائمة لانجاح وسلامة العمل الذي يرمى اليه على النحو الاكمل والافضل ..
٥ ـ واذا كان الشرع والدين هو اعظم قضية يمكن ان تواجه هذا الانسان ؛ لانها تمس كل شؤون حياته الفردية والاجتماعية ، ويتوقف عليها مصيره ومستقبله ، ان دنيا ، وان آخرة. وكل خلل يطرأ ، او تجاوز يحصل ، فسيؤثر مباشرة على حياة الانسان ومصيره ..
ـ اذا كان كذلك ـ فانه لابد وان يسعى هذا الانسان الى ان يوفر كل الشروط والضمانات التي تجعله يحصل على اعلى درجات الاطمينان والثقة في من يفترض فيه ان يكون قائداً ومعلما ومرشدا له في هذا السبيل ... سواء من الناحية العلمية ، اوالسلوكية ، او غيرها من النواحي ، التي لها مساس بالمهمة التي يريده لاجلها ...
وليس ذلك الا الرجل المجتهد العادل ، الذي بنى نفسه من الداخل قبل الظاهر ، والذي يكون ظاهره انعاكسا لباطنه .. الرجل الذي يملك اعظم المهارات والكفاءات العلمية في هذا المجال ... الى غير ذلك من مواصفات نص عليها الفقهاء في كتبهم المعدة لذلك ..
الطب ... والفقيه :
وهكذا .. واذا كان الطب هو احدى تلك المجالات الواسعة التي تخضع للاحكام والتشريعات الاسلامية بشكل مباشر احيانا ، او غير مباشر احيانا اخرى .. فان من الطبيعي ان يرجع الطبيب والمريض ، وغيرهما ممن له علاقة في هذا المجال ـ الى الكتب التي الفها الرجل الاعلم في التشريع الاسلامي للتعرف على
لاحكام الشرعية باستمرار ، لان ذلك يؤثر في احيان كثيرة على مواقفهم وتصرفاتهم بشكل عام ...
الطب في الاعتبار الشرعي :
لاشك في ان الطب يعتبر وظيفة شرعية ، وواجبا كفائيا ، يعاقب الكل على تركه ، ويسقط عنهم بقيام بعضهم به ، ويمكن ان يؤيد ذلك بـ :
١ ـ ما روى عن الصادقعليهالسلام. قال : لا يستغنى اهل كل بلد عن ثلاثة يفزع اليه في امر دنياهم ، وآخرتهم؟ فان عدموا ذلك كانوا همجا : فقيه عالم ورع ، وامير خير مطاع ، وطبيب بصير ثقة[١].
٢ ـ وما روى عن ابي عبد اللهعليهالسلام، قال : كان المسيحعليهالسلاميقول : ان التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك ان الجارح اراد فساد المجروح ، والتارك لاشفائه لم يشأ صلاحه ؛ فاذا لم يشأ صلاحه ؛ فقد شاء فساده اضطرارا الخ[٢].
هذا كله ... عدا عن ان الاسلام يعتبر المؤمنين اخوة ، يجب الاهتمام بأمورهم ، وقضاء حاجاتهم ، ومعونتهم ، وان يعضد بعضهم بعضا ، في مواقع الابتلاء ، وان يفيد المؤمن اخاه ، وان ينفس كربته الى غير ذلك مما لا يمكن حصره ... ولا يمكن ان تكون الناحية الطبية مستثناة من ذلك في اي من الظروف والاحوال ، ان لم تكن من اجلى مصاديق الكثير من تلك الاوامر المتضافرة والمتواترة ..
اهمية الطب اسلاميا :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية تصل الى حد الوجوب الكفائي ...
[١]تحف العقول ص ٢٣٨ ، والبحار ج ٧٨ ص ٢٣٥ ، وسفينة البحار ج ٢ ص ٧٨.
[٢]روضة الكافي ص ٣٤٥ ، والفصول المهمة ص ٤٠٤ ، والوسائل ج ٢ ص ٦٢٩ وج ١١ ص ٤٠١.
فانه يكفى للتدليل على الاهمية الخاصة لهذا العلم بنظر الاسلام ، انه قد اعتبره هو وعلم الاديان ـ ومعهما غيرهما ، كما في بعض النصوص ـ هما العلمان اللذان ينبغي التوجه اليهما ، والعمل في سبيل الحصول عليهما ؛ فعن امير المؤمنينعليهالسلام:
العلم علمان : علم الاديان ، وعلم الابدان[١].
وعنه (ع) : العلم ثلاثة : الفقه للاديان ، والطب للابدان ، والنحو للسان[٢]..
وبلفظ الكراجكي في جواهره : العلوم اربعة : الفقه للاديان : والطب للابدان ، والنحو للسان ، والنجوم لمعرفة الازمان[٣]...
رسالية الطب :
وعدا عن كون الطب مسؤولية دينية ؛ فانه ايضا ضرورة اجتماعية انسانية ، ورسالة اخلاقية ، ومسؤولية عقلية .. فـ :
١ ـ هو ضرورة انسانية اجتماعية ؛ حيث يفترض في الانسان ان يساهم في دفع المسيرة الانسانية نحو تحقيق اهدافها وتطلعاتها ، وآمالها بالسعادة والهناء ، وبالوصول الى اعلى مراتب الكمال الانساني المنشود ، حيث تختفى كل عوامل ومظاهر الشقاء ، والتعب والعناء ...
[١]طب الامام الصادقعليهالسلامص ١٧ وقضاء امير المؤمنين (ع) للتستري ص ١٤٤.
[٢]تحف العقول ص ١٤٤ ، وطب الامام الصادقعليهالسلامص ١٧ والبحار ج ٧٨ ص ٤٥.
[٣]طب الامام الصادق ص ١٧ وكنز الفوائد للكراجكي ص ٢٤٠ والبحار ٢ ج ص ٢١٨.
٢ ـ وهو مسؤولية عقلية ؛ حيث لابد منه لاجل بقاء النوع الانساني ، وللتخفيف من شقاء وبلاء وآلام هذا الانسان ...
٣ ـ وهو بالتالي رسالة اخلاقية .. لامجال للمراء او التشكيك فيها ، حيث تعبر عن سمو وكمال نفسي يرضى النفوس ويطمئنها ويريحها .. ولاجل ذلك لا نجد احدا يعذر الطبيب الذي يمتنع عن معالجة مريضه ـ اذا كان يقدر على ذلك اذا تعلل بعدم او بقلة ما يبذل له من مال ، ونجد الناس كلهم يعتبرون ذلك الطبيب فاقدا للاخلاق النبيلة والفاضلة ...
الطب والتجارة
وهكذا يتضح : ان الطب بنظر الاسلام ليس حرفة يهدف منها الى جمع المال ، والحصول على حطام الدنيا وانما هو رسالة انسانية ومسؤولية شرعية بالدرجة الاولى ...
لان الحرفة التي يهدف صاحبها الى ان يستخدمها في الحصول على المال ... تجعل لصاحبها الخيار في ان يتعامل مع هذا او مع ذاك ، اذا وجد ان تعامله هذا يدر عليه نفعا يرضيه ... وان لا يتعامل معه اذا شاء ، حينما لا يجد في تعامله ذلك ما يرضى جشعه ، ويشبع جوعه ونهمه ...
وليس ذلك للطبيب قطعا ؛ فان التارك لشفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لامحالة كما تقدم ..
ولا يملك ان يتساهل او ان يتعلل ، انتظارا للاجرة او لزيادتها ، او لاي سبب آخر .. كما انه لايجوز له ان يتساهل او ان يتوانى في معالجته له .. كما سنرى ان شاء الله تعالى ...
الاجرة للطبيب :
ولكن ما قدمناه لا يعنى : ان لايأخذ الطبيب اجرا اصلا ، فان ذلك معناه ان يكون كثير من الاطباء عالة على الاخرين ، كما ان ذلك يستدعى عدم اقبال الناس على تعلم هذا العلم ، واتقانه ، فضلا عن النبوغ والابداع فيه ، وهو بالتالي يحرم الانسانية من عنصر هام ، بل هو من اهم عناصر راحتها وسعادتها ، بل وتقدمها في مختلف مدارج الكمال ، والعظمة والمجد.
ولاجل ذلك نجد : ان الامام العسكريعليهالسلاميعطى الطبيب الذي فصده تخت ثياب ، وخمسين دينارا[١].
واعطاه ايضا في مرة اخرى ـ على الظاهر ـ ثلاثة دنانير ، وكان الطبيب نصرانيا[٢].
وفي رواية عن عليعليهالسلام: ما دون السمحاق[٣]اجر الطبيب[٤].
وعن ابن عباس : ان النبي (ص) احتجم واعطى الحجام اجره[٥]. والروايات الدالة على جواز اخذ الحجام للاجرة كثيرة جدا ، وهي موجودة في كثير من المصادر.
[١]الوسائل ج ١٢ ص ٧٥ عن الخرائج والجرائح.
[٢]الوسائل ج ١٢ ص ٧٤ وفي هامشه عن الخرائج والجرائح ص ٢١٣ وعن اصول الكافي ص ٢٨٥.
[٣]السمحاق : قشرة رقيقة فوق عظم الرأس.
[٤]التهذيب للطوسي ج ١٠ ص ٢٩٣ ح ١٨ والوسائل ج ١٩ ص ٢٩٤ و ٣٠٤.
[٥]الموطأ مع تنوير الحوالك ج ٣ ص ١٤١ والطب النبوي لابن القيم ص ٤١ وفي هامشه عن الترمذي ، وابي داود ، وابن ماجة ، والمصنف لعبد الرزاق ج ١١ ص ٣٠ وفي هامشه عن البخاري كتاب الاجارة ٤ / ٣٠٨ وعن مسلم ايضا.