الا ان ثمة رواية عن سماعة تخالف ذلك ، وقد حملها الشيخ على الكراهة[١].
وقال العلامةقدسسرهفي المنتهى : « .. يجوز الاستيجار للختان ، وخفض الجواري ، والمداواة ، وقطع السلع ، واخذ الاجرة عليه. لانعلم فيه خلافا ؛ لانه فعل مأذون فيه شرعا ، يحتاج اليه ، ويضطر الى فعله ؛ فجاز الاستيجار عليه كسائر الافعال المباحة. وكذا عقد الاستيجار للكحل ، سواء كان الكحل من العليل او الطبيب. وقال بعض الجمهور : ان شرط على الطبيب لم يجز »[٢].
واما بالنسبة للدواء ، فقد روى محمد بن مسلم ، عن ابي جعفرعليهالسلام، قال : سألته عن الرجل يعالج الدواء للناس ؛ فيأخذ عليه جعلا؟ فقال : لا بأس به[٣].
التجارة : .. السطحية :
وواضح : انه اذا اصبح الهدف من تعلم الطب هو الحصول على المال والنوال ، وخلا من الاحساس الانساني ، والدفع العاطفي ، ومن المسؤولية الشرعية والاخلاقية ... فانه عدا عن ان ذلك يمكن ان يجعل من هذا العلم ـ كما جعل من كثير غيره ـ وبالا على الانسان وعلى الانسانية ... لابد وان تقل فيه نسبة الابداع والعمق ، بحيث لاينسجم ذلك مع حجم العمل والعاملين فيه ... ولايبقى ثمة ما يؤهله لان يقدم للامة وللاجيال المزيد من المعارف الدقيقة والهامة ، ويفتح امامها آفاقا جديدة
[١]راجع : قرب الاسناد ص ٥٢ و ٥٣ ، والاستبصار ج ٣ ص ٥٨ ـ ٦٠ و ٦٤ والوسائل ج ١٢ ص ٧١ ـ ٧٤ وفي هوامشه عن : التهذيب ج ٢ ص ١٠٧ و ١٠٩ وعن فروع الكافي ج ١ ص ٣٦٠ وعن الفقيه ج ٢ ص ٥٢ و ٥٦ وعن البحار ج ١٠ ص ٢٦٧ وعن العلل ، وغير ذلك كثير ...
[٢]البحار ج ٦٢ ص ٦٥.
[٣]من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ١٠٧ والبحار ج ٦٢ ص ٧٢ والوسائل ج ١.
في مجالاته المختلفة ... كما .. وتصبح المؤسسات الطبية مجرد حرف جافة لاتهتم باسعاد هذا الانسان بقدر ما تهتم بسلبه ونهب ثرواته ، ومن ثم بزيادة شقائه وبلائه ..
نعم .. وحينئذ تبدأ عملية العد العكسي لازدهار العلوم ، ويتجه المتعلمون ـ في الاكثر ـ الى السطحية ، ثم الى الجهل الذي يستتبع الكثير من التدليس والتزيف ... ثم ان يفقد الانسان اخلاقياته وانسانيته ، وليتحول الى موجود خسيس ورذل ، ويكون كالبهيمة المربوطة ، همها علفها ، على حد تعبير امير المؤمنينعليهالسلام.
حبس الجهال من الاطباء :
ولاجل ما تقدم ... نجد ان الاسلام قد وقف في وجه هذه الظاهرة بقوة وحزم ، حتى لقد روى عن امير المؤمنينعليهالسلامقوله :
« يجب على الامام ان يحبس الفساق من العلماء ، والجهال من الاطباء الخ ... »[١].
نعم ... يجب ذلك ؛ لان ممارسة الجاهل لاعمال الطب ، كثيرا ما تزيد من آلام ومتاعب المريض ، وتعرض راحته ، ومستقبله ـ ان لم نقل تعرض حياة الكثيرين ـ للاخطار الجسام ... وكما ان فساق العلماء يفسدون الدين ، فان جهال الاطباء يفسدون الابدان ، ويسلبون الانسان الراحة والسعادة في الدنيا ، فيجب ردعهم ، والوقوف في وجههم ، بكل قوة وشدة ...
ضمان الجاهل لما يفسده :
وانطلاقا مما تقدم ... فان الجهال اذا مارسوا الطب ، وافسدوا ما يفترض
[١]من لا يحضره الفقيه ج ٣ ص ٢٠ والتهذيب للشيخ ج ٦ ص ٣١٩ والنهاية للشيخ ايضا ص ٦٢ ، والوسائل ج ١٨ ص ٢٢١ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٢٩٩.
فيهم ان يصلحوه ؛ فانهم يكونون مسؤولين عن افسادهم ذاك عقلا ، وعرفا ، وشرعا ، لقاعدة : الضمان على كل متلف ... فاذا ادى ذلك الى الموت : فانه يضمن دية الخطاء كما هو معلوم.
وذلك امر مفروغ عنه بين الفقهاء « بلا خلاف في ذلك » بل في التنقيح : « الطبيب القاصر المعرفة ضامن لما يتلفه بعلاجه اجماعا »[١].
كما ان هذا الامر مجمع عليه لدى اهل العلم من غير شيعة اهل البيتعليهمالسلام[٢].
كما انهم قد رووا عنه (ص) قوله : « من تطبب ولم يعلم منه الطب ( قبل ذلك ) فهو ضامن ». وبمعناه غيره[٣].
وفي نص آخر : « من تطبب ولم يكن بالطب معروفا ، فاذا اصاب نفسا فما دونها ؛ فهو ضامن »[٤]... والتعبير بتطبب ظاهر بأنه يريد : انه قد دخل فيما فيه عسر وكلفة ، من قبيل تشجع ، وتصبر ، ونحو ذلك ...
[١]راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٤ و ٤٥ والمسالك كتاب الديات ، موجبات الضمان ، والرياض ج ٢ ص ٥٣٧ ومباني تكلمة المنهاج ج ٢ ص ٢٢٢ ، وعن مجمع البرهان كتاب الديات ص ١. فان هؤلاء جميعا قد نصوا على عدم الخلاف في ذلك ، او نقلوا الاجماع عن التنقيح.
[٢]الطب النبوي لابن القيم ص ١٠٩.
[٣]كنز العمال ج ١٠ ص ١٦ ، ورمز الى : مستدرك الحاكم ، وسنن ابي داود ، وابن ماجة ، والبيهقي ، والنسائي ، والطب النبوي لابن القيم ص ١٠٧ عن بعض من ذكر ، والتراتيب الادارية ج ١ ص ٤٦٦ عن الدار قطني وغيره.
[٤]التراتيب الادارية ج ١ ص ٢٦٦ ، وكنز العمال ج ١٠ ص ١٧ عن ابن عدي في الكامل ، وابن السني ، والبيهقي ، وابي نعيم في الطب ، وراجع المصنف لعبد الرزاق ج ٩ ص ٤٧٠.
ضمان العارف بالطب :
هذا .. ولاريب في ضمان العارف بالطب ، اذا قصر في اداء مهمته ، سواء اخذ البراءة من المريض ، او من وليه ، ام لا ، وسواء عالجه باذن منه ، ام لا. والظاهر عدم الخلاف في ذلك. هذا ... عدا عما يترتب على ذلك من مسؤولية شرعية.
والظاهر : ان ما ورد : من ان علياعليهالسلامقد ضمن ختاناً قطع حشفة غلام[١]. قد كان من اجل تقصيره في اداء وظيفته ...
قال ابن ادريس ، « والرواية هذه صحيحة لا خلاف فيها »[٢]، وقد حمل الرواية على صورة التفريط ؛ فراجع.
واما اذا لم يقصر في اداء مهمته ، وكان حاذقا ماهرا ، وتلف المريض ، او تعطل بعض اعضائه بسببه ، فان كان المريض صغيرا ، او مجنونا ، وكان الطبيب قد اخذ البراءة من وليه ، او كان المريض بالغا عاقلا وقد اخذ البراءة منه .. فانه لا يضمن.
وقد روى عن ابي عبد اللهعليهالسلام، انه قال : قال امير المؤمنينعليهالسلام: « من تطبب او تبيطر ، فليأخذ البراءة من وليه ، والا فهو له ضامن »[٣].
وضعف سندها منجبر بعمل المشهور. بل ادعى عليه الاجماع[٤]. وليس هذا
[١]التهذيب للشيخ ج ١٠ ص ٢٣٤ ، والسرائر ص ٤٢٩ ، والكافي ج ٧ ص ٣٦٤ ، والوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ ، والمسالك ، كتاب الديات ، بحث موجبات الضمان ، والرياض ج ٢ ص ٥٣٩ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٤٠٤ ، ومباني تكملة المنهاج ج ٢ ص ٢٣٣.
[٢]السرائر ص ٤٢٩.
[٣]الكافي ج ٨ ص ٣٦٤ ، التهذيب ج ١٠ ص ٢٣٤ ، والوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ ؛ والنهاية للشيخ ص ٧٦٢ ، وقصار الجمل ج ١ ص ٤٠٤ ، والمسالك ، كتاب الديات ، في موجبات الضمان. والشرايع نفس البحث ج ٤ ص ٢٤٩ والرياض ج ٢ ص ٥٣٧ ، ومباني تكملة المنهاج ج ٢ ص ٢٢٢ وبمعناه عن عليعليهالسلامفي المصنف لعبد الرزاق ج ٩ ص ٤٧١.
[٤]راجع : المسالك ج ٢ كتاب الديات باب موجبات الضمان والجواهر ج ٤٣ ص ٤٦ / ٤٧.
من الابراء قبل ثبوت الحق ، وانما هو من قبيل الاذن في الشيء ، المقتضى لعدم ثبوت الحق ، مضافا الى انه لو لم يجز التبري لم يقدم طبيب على علاج[١].
وهل يكفي اذن المريض او وليه للطبيب بالعلاج من دون ابراء في عدم ضمانه؟ ربما يقال : انه لا يضمن حينئذ ، وذلك « لان الضمان يسقط بالاذن ، ولأنه فعل سائغ شرعا » فلا يستعقب ضمانا[٢].
ولكن هذه الحجة غير كافية ، فان كونه سائغا شرعا لايوجب سقوط الضمان[٣]، والسائغ هو المعالجة لا الاتلاف ، وهو لم يؤذن به .. ، واما قوله : ان الضمان يسقط بالاذن ... فيمكن ان يكون له وجه ، اذا قلنا : انه من قبيل اقدام المريض ، او وليه على تحمل نتائج عمل الطبيب ، ورضاهم بها ، لو اتفق وقوعها ... فهو من قبيل الابراء ... ولكن الظاهر : هو ان اذنهم لا يدل على عدم مطالبتهم بالدية والضمان في صورة التلف ، فهم يأذنون بالعلاج استنادا الى ان الشارع قد ضمن لهم حقهم في صورة اتلاف الطبيب لمريضه ، او لعضو منه ، فتبقى قاعدة : الضمان على من اتلف على حالها .. ولاجل كون ذلك مرتكزاً لدى العرف نجد : انه لو اخذ البعض ولده الى الطبيب ، فعالجه ، فمات بسبب ذلك العلاج ؛ فانه يشتكي عليه ، ويعتبر مسؤولا عن اتلاف ولده[٤].
واما الاستدلال على الضمان هنا بالاجماع ، فهو في غير محله ، لان الظاهر ، او على الاقل يحتمل : انه اجماع على القاعدة ، التي هي : الضمان على من اتلف ؛ فلا يكون حجة ..
وكذا لايصح الاستدلال باطلاق رواية تضمين عليعليهالسلامللختان ... على الضمان هنا ، لانها قضية في واقعة لا اطلاق فيها ، فيحتمل قويا ان يكون تضمينه
[١]راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٨ ،٤٧ وهامش الوسائل ج ١٩ ص ١٩٥ والشرايع ج ٤ ص ٢٤٩.
[٢]الشرايع ج ٤ ص ٢٤٩ والجواهر ج ٤٣ ص ٤٥.
[٣]الجواهر ج ٤٣ ص ٤٦ ومثل له بالضرب للتأديب.
[٤]راجع : الجواهر ج ٤٣ ص ٤٦.
له بسبب تفريطه وتقصيره في اداء مهمته ، كما اشرنا اليه سابقا. وقد اشار الى ما ذكرناه ايضا في الجواهر ، فراجع.
ولو اقدم الطبيب الحاذق على العلاج من دون اذن احد ، استناداً الى وجوب ذلك عليه ، لرواية : التارك شفاء المجروح من جرحه شريك جارحه لا محالة ، وذلك مقدمة لحفظ النفس المحترمة ، فتلف المريض بسببه ، فانه يضمن ايضا ، لان التلف سبب للضمان ، فهو من قبيل تأديب الصبي ، ونحوه[١].
روايتان لا ربط لهما بالضمان :
وفي رواية « قلت ( اي للامام الصادقعليهالسلام) : انا نبط الجرح ، ونكوى بالنار؟ قال : لابأس ، قلت : نسقى هذه السموم : الاسمحيقون ، والغاريقون؟ قال : لا بأس : قلت : انه ربما مات ، قال : وان مات[٢]».
وعن حمدان بن اسحاق ، قال : كان لي ابن ، وكانت تصيبه الحصاة ، فقيل لي : ليس له علاج الا ان تبطه ، فبططته ، فمات ، فقالت الشيعة : شركت في دم ابنك قال : فكتبت الى ابي الحسن ، صاحب العسكر ، فوقع ـ صلوات الله عليه ـ يا احمد ليس عليك فيما فعلت شيء ، انما التمست الدواء ، وكان اجله فيما فعلت[٣].
فالرواية الاولى ليست ناظرة للضمان ولا لعدمه ... وانما هي ناظرة الى جواز الاقدام على ذلك وعدمه ... وان ادى الى موت المريض.
وفي الثانية كان الممارس لبط الجرح هو الولي نفسه ، وتعليلهعليهالسلامبقوله : انما التمست الدواء وكان اجله فيما فعلت ، ليس تعليلا لعدم الضمان ، ليؤخذ بعموم التعليل ، بل هو ناظر لنفي العقاب الاخروي ، حيث اعتبر الشيعة :
[١]راجع : المسالك والجواهر ج ٤٣ ص ٤٥.
[٢]روضة الكافي ص ١٩٣ والفصول المهمة ص ٤٠٢ والبحار ج ٦٢ ص ٦٧ والوسائل ج ١٧ ص ١٧٧ وطب الامام الصادق ص ٥٩.
[٣]الكافي ج ٦ ص ٥٣ والبحار ج ٦٢ ص ٦٨.
أنه قد شرك في دم ابنه ... هذا بالاضافة الى عدم وضوح سند الرواية.
والخلاصة : انه لابأس بأن يأخذ الطبيب الحاذق البراءة من ولي المريض ، اذا كان المريض صبيا او مجنونا ، او من المريض نفسه ، اذا اراد ان يقدم على العلاج الذي يحتمل فيه الخطر على المريض ، حتى لا يتعرض للضمان الذي ينشأ عن التلف المحتمل.
اين صفحه در کتاب اصلي بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة