النبيّ6ويوالونهم ، ومعروفون بالانقطاع إليهم:والمتابعة لهم ، والقول بخلافتهم بعد النبيّ6وبطلان خلافة غيرهم مطلقا كما هو صريح كلّ من جاء على تعريف الشيعة من اللّغويين كتاج العروس ، ولسان العرب ، والقاموس فكيف يجوز أن يقال ذلك فيهم ، أجل إنما يصح هذا القول في الآلوسي وغيره من المنقطعين إلى سواهم والموالين لأعدائهم:والقائلين بخلافة غيرهم ، ومما يدلك بوضوح على كذب الرجل في مقاله وعدم رجوعه فيه إلى دين وعقل ما حكاه كبير علماء خصوم الشيعة ابن خلكان في ( ص : ٣٥٠ ) من وفيات الأعيان في ترجمة : ( عليّ بن جهم ) وإليك نصّ قوله : ( وكان عليّ بن جهم مع انحرافه عن عليّ بن أبي طالب7وإظهار التسنن مطبوعا مقتدرا على الشعر ) وأنت ترى من خلال هذه العبارة أن معنى التسنن هو الانحراف عن عليّ وبنيه الطاهرين:فكيف يزعم هذا الخرّاص أنه هو وإضرابه من المنحرفين عن أهل البيت:طبعا من أتباع أهل البيت ، ويخالف بذلك صريح قوله وفعله وقول أئمته وفقهاء مذهبه الّذين عوّل عليهم في أخذ دينه.
أيريد الآلوسي بهذا التمويه والافتراء أن يغري العامة ويلبس عليهم الحقيقة؟
ولكن أنّى يمكن له ذلك وقد اتضح لدى العام والخاص انحرافهم عن أهل البيت:وانقطاعهم إلى غيرهم ، وأما تسمية نفسه بأهل السنّة ففي الحقيقة اسم على غير مسماه ( وتسمية الشيء باسم ضدّه ) لأن حقيقة هذه التسمية تعني متابعة السنّة النبويّة6والعمل على طبقها والنزول على حكمها ، وهو قد نبذها نبذا ورفضها رفضا ، وتمسّك بخلافها وأخذ بغيرها ، فالحق والحقيقة أن أهل السنّة هم الشيعة الإمامية التابعون لأهل البيت7والمتمسكون بسنة جدّهم خاتم النبيّين وسيّد المرسلين6كأحاديث الثقلين ، والسّفينة ، والنجوم ، وباب حطّة المتواترة بين الفريقين ، الدالّة على وجوب انقياد الأمة بأسرها إلى أهل البيت النبويّ6والرجوع إليهم في كلّ أمر ونهي وتكليف وحكم ، وأنه لا يجوز العدول عنهم إلى غيرهم أيّا كانوا ، لأن فيه أكبر محذور وهو الوقوع في الضلال والهلاك.
هذه هي عقيدة الشيعة الإمامية في أهل البيت:وهذا ما نراه واجبا عليهم من الله ورسوله6في لزوم إطاعتهم وتنفيذ أمرهم والابتعاد عن غيرهم.
أما الآلوسي وغيره من أعداء الشيعة فقد عدلوا عنهم:وتشبثوا بأذيال غيرهم ، ولم يكفهم هذا الانحراف حتى أوجبوا على أهل البيت الّذين قد عرفت قول الله وقول رسوله6بوجوب انقياد الناس إليهم وامتثال أوامرهم أن يتبعوا أولئك المتقدمين على العترة النبويّة6ممن صفق على يده ( الخليفة ) عمر بن الخطاب (رض) وأربعة نفر من أتباعه في السّقيفة ، ومع ذلك كلّه يزعم هذا الآلوسي أنهم متّبعون لأهل البيت ، وأنهم شيعة لهم:وخصوم الشيعة أنفسهم يعلمون قطعا بانحرافهم عنهم:ورجوعهم إلى الآخرين ممن لا صلة لهم بهم ، وليسوا هم منهم:في شيء ، ولا أولئك:منهم على شيء.
رابعا : قوله : « كيف لا وأبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء الأعلام قد أخذوا العلم من أولئك الأئمة العظام ».
فيقال فيه : إن انحراف أبي حنيفة ومالك وغيرهما من أئمة خصماء الشيعة الّذين تقرر إجماع المتأخرين من السّلف على وجوب تقليدهم والأخذ بقولهم وحرمة ما عدا ذلك مما لا يختلف فيه اثنان من أهل البصيرة ، فإن كنت في شك من ذلك فقارن بين عقائدهم وفقههم وبين عقيدة الأئمة العظام من أهل البيت:وفقههم ، فإنك تجد انحرافهم عن الأئمة الهداة من آل رسول الله6ماثلا للعيان بأجلى المظاهر ، وأما كونهم أخذوا العلم عن أولئك الأئمة العظام فمضافا إلى أنه أعظم شهادة من خصماء الشيعة على أفضلية أهل البيت:وأن لهم الفضل كلّه على أئمته إلاّ أنهم قابلوهم بالخلاف لهم والعدول عن علومهم:حتى لقد أصحروا بالمخالفة لهم في مختلف أعمالهم بمختلف أسفارهم.
ثم إن أراد الآلوسي من قوله : ( إنهم أخذوا العلم عنهم ) أنهم أخذوا علم الأحكام الشرعية منهم:وعملوا بها في شتى مجالات حياتهم فكذبه في هذا أوضح من أن يخفى على الأغبياء ، ويشهد لذلك مخالفة أفعالهم وآرائهم لأفعال أهل البيت وأحكامهم:والشاك في ذلك مكابر متعصب مبطل ، وإن أراد أنهم تعلّموا العلم منهم وتلمذوا عليهم فهو وإن كان صحيحا إلاّ أن ذلك لا يدل
على إتباعهم لأولئك الأئمة العظام:لأنه أعم منه والعام لا يدل على إرادة الخاص ، لا سيما قد أعلنوا مخالفتهم لهم:في سائر شئونهم الاعتقادية والعملية ، لأن مجرد أنهم طلبوا العلم والتعلّم منهم لا يوجب كونهم متّبعين لهم في شيء بعد ثبوت انحرافهم عنهم ، واختراعهم أحكاما من عند أنفسهم حسبما يؤدي إليه آراؤهم وأهواؤهم ، زاعمين أنهم مجتهدون فيها تاركين وراءهم تلك التعاليم القيمة والأحكام العالية ، أحكام الله المتعلقة بحلّ مشكلات الدين والدنيا التي أخذوها عن صادق أهل البيت:الإمام جعفر بن محمّد7ضاربين بها عرض الجدار ، ومقيمين أركان آرائهم وأحكامهم على رواية الضعفاء ، وسوانح الأقيسة والظنون ، التي ما أنزل الله بها من سلطان ، وقد طعن الخطيب البغدادي في عقيدة أبي حنيفة وفي دينه ، على ما جاء تسجيله في تاريخ بغداد ( ص : ٣٩٣ ) إلى ما بعدها من جزئه الثالث عشر ، ويقول الغزالي كما في ( ص : ١٠٦ ) من كتاب غاية الكلام لمحمّد بشير الدين القنوجي : ( إن أبا حنيفة قلب الشريعة ظهرا لبطن ، وشوّه مسلكها ، وخرم نظامها ) فراجع ثمة حتى ترى ما سجله علماء أهل السنّة في قدح أبي حنيفة الّذي يرجع إليه الآلوسي في أخذ دينه.
الآلوسي ونهج البلاغة
قال الآلوسي ( ص : ٢٦ ) : بعد أن عزا إلى الشيعة ما من شأنه الكذب : « أنهم ـ أي الشيعة ـ ينسبون إلى الأمير من الروايات ما هو بريء منها ، ويحرفون ما ورد عنه ، فمن ذلك نهج البلاغة الّذي ألّفه الرضي وقيل المرتضى ، فقد وقع فيه تحريف كثير ، وأسقط منه العبارات حتى لا يكون به مستمسك لأهل السنّة ».
المؤلف : أولا : كان اللاّزم على الآلوسي أن يذكر لنا رواية واحدة ترويها الشيعة الإمامية عن أميرهم وإمامهم ما هو يتبرأ منه ، ومن حيث أنه لم يأت على ذكر شيء من ذلك وإنما ألقى الكلام على عواهنه مبهما ، فقد علمنا أنه كذب وانتحال لا أصل له ، ثم يقال له : أترى أنهم رووا ما سجّله مسلم في صحيحه ( ص : ٩١ ) في باب حكم
الفيء من جزئه الثاني : « قال عمر لعليّ7والعباس (رض) فقال أبو بكر ، قال : رسول الله6ما نورّث ما تركناه صدقة ، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا ، ثم توفي أبو بكر ، قلت أنا ولي رسول الله6وولي أبي بكر ، فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا ) وأخرجه البخاري في صحيحه في أوائل ( ص : ١٢ ) من جزئه الثالث في باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله6فراجع ثمة حتى يتجلّى لك بوضوح صحة نسبة سائر الخطب المروية في نهج البلاغة إلى الأمير7لا سيّما الخطبة الشقشقية التي ذكر فيها تظلّمه من القوم لأخذهم حقّه ودفعهم عن مقامه الّذي أقامه الله تعالى فيه بعد نبيّه6وقد اعترف غير واحد من أعلام أهل السنّة بصحة نسبتها إليه7فمنهم : ابن أبي الحديد الحنفي المذهب المعتزلي العقيدة في شرحه ، وعبد الله بن مسلم بن قتيبة في الإمامة والسياسة ( ص : ٩ ) من جزئه الأول ، وهو مات قبل أن يتولد أبو السيّد الرضي ، وأبو هلال العسكري في كتاب الأوائل ، فلا سبيل إلى الإنكار.
ثانيا : قوله : « وقد وقع فيه تحريف كثير ».
فيقال فيه : على المسلم الناقد أن يبيّن مورد ما ينتقده وإلاّ فقد قال الكافرون إن كتاب الله سحر ، وقال آخرون أساطير الأولين ، وقال خصوم الشيعة وقع فيه تحريف ، فهل يا ترى ترك المسلمون كتاب ربهم لأن الكافرين يقولون بسحره ، أو يا هل ترى أوجب ذلك وهنا في كتاب الله ، أم أنهم قوم يجهلون وهو واحد منهم ، فإنه يزعم وقوع التحريف في النهج ، فكان لزاما عليه أن يبيّن لنا ذلك بأسانيد تفيد العلم ، وإلاّ فمجرد اشتماله على ثلب أوليائه ممن لا يرضى بثلبه لا يقال إن فيه تحريفا ، لا سيّما إذا كان هناك ما يشهد لصحته من صحيح الأحاديث ، ومن حيث أنه لم يأت على شيء من ذلك علمنا أن ذلك لا أصل له.
ثالثا : قوله : « وأسقط منه العبارات حتى لا يكون به مستمسك لأهل السنّة ».
فيقال فيه : إنه مدخول من وجوه : الأول : أن دعوى أنه أسقط منه العبارات من الدعاوى المجردة التي لا يقودها شيء من البرهان ، وإلاّ كان عليه أن يبيّن لنا تلك العبارات المزعوم إسقاطها منه ، نعم لما كانت تلك العبارات التي يزعم هذا
سقوطها بتقدير صحة هذا الزعم لم تكن من نهجه مطلقا ، علمنا أن إسقاطها كان كسقوط ما يتمسك به لإثبات باطله.
الثاني : إن عدم وجدان جامعه لأكثر من ذلك لا يصح أن يقال فيه أنه أسقط منه العبارات ، ولو كان يوجد غير ما جمعه لعثر عليه ، لا سيّما أن الجامع له قد بذل منتهى ما في وسعه وجهده من قوة في سبيل تأليف شتاته وجمع متفرقاته ، فلم يعثر على غير ما نجده بين دفتي النهج ، فعدم وجدانه لأكثر من ذلك وإن كان لا يدل على عدم وجوده واقعا ، ولكن لا يصح أن يقال فيه إنه أسقط منه العبارات على حدّ تعبيره.
الثالث : من أين علم خصم الشيعة أن في غير ما عثر عليه جامعه دليلا ومستمسكا لتصحيح ما يبتغيه؟ أو ليس من الجائز أن يكون ذلك بعد فرض وجوده دليلا ومستمسكا لخصمه الشيعي وحجّة له عليه لا له ، ويؤيد الأخير ـ بل يعينه ـ ما ورد عنه7في النهج في إبطال مذهبه وفساد خلافة من تقدم عليه ، وأنهم أخذوها من أهل البيت:غصبا ، ويدلك على هذا احتجاجه عليهم عند إبائه من البيعة فراجع ( ص : ١١ و ١٢ ) من الإمامة والسياسة لعبد الله بن مسلم بن قتيبة المطبوع بمطبعة مصر ، وغيره من أهل السير والتواريخ ممن جاء على ذكر البيعة كالطبري ، وابن الأثير في تاريخيهما ، وابن عبد ربه في العقد الفريد وغيرهم من علماء أهل السنّة ، لتعلم أن غير الموجود من كلماته الشريفة في النهج والتي لم يعثر عليها جامعه إنما يصلح دليلا ومستمسكا لخصوم الآلوسي على فساد مذهبه ، لا مستمسكا له على مذهبه في شيء لو صحت مزعمته.
رابعا : قوله : ( مع أن ذلك أمر ظاهر ).
فيقال فيه : إنك قد عرفت ظهور ذلك في خلاف ما يريد ، وأن ما جاء به معكوس عليه ، ودليل لخصمه الشيعي ، ولا شاهد له فيه على صحة مذهبه بل هو شاهد على بطلانه.
ثم أن أهل المعرفة بصياغة الكلام البليغ من ذوي الثقافة والعلم كلّهم لم يعلموا ما فيه من التحريف وإسقاط العبارات ، إلاّ هذا الآلوسي الّذي لم يعتمد في علمه إلاّ على العصبية الأثيمة المتمثلة في كلامه بأجلى مظاهرها.
حكاية الحجاج بن يوسف الثقفي
قال الآلوسي ص : (٢٩) : « ومن مكايدهم أنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة ، ومن تلك حكاية السّعدية مرضعة النبيّ6وأنها قدمت على الحجاج الثقفي في العراق ، وجرى بينها وبينه حديث فيه تفضيلها لعليّ على الأنبياء:وقالت في بعض ما خاطبت به الحجاج : وأي فضل لأبي بكر وعمر (رض) حتى أفضّل عليّا7عليهما ، وإنما أفضله على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى:فاشتدّ حينذاك غضب الثقفي ، فطلب منها أن تثبت ما ادّعت وإلاّ قطّعها إربا إربا ، ثم إنه سرد احتجاجها ، وقال : انتهت الحكاية المكذوبة والقصة الأعجوبة التي لا يخفى ما فيها من البطلان على الصبيان ».
وسنشير إلى ذلك عند تفنيدنا لمزاعم هذا الآلوسي الّذي حاول بها إبطال احتجاجها على الثقفي ، إلى أن قال الآلوسي ( ص : ٣٥ ) : « كما لا يخفى على من تصفح كتب التأريخ والسير فإنها لم تدرك زمن الخلفاء (رض) بل اختلف في أنها أدركت زمن البعثة وآمنت بالنبيّ6ثم إنّا إذا راجعنا إلى ما نسبوه إلى حليمة من الشبهات وهاتيك الدلائل الواهيات وجدناها كسراب ، وذلك من وجوه ، أما أولا : فلأن تفضيل الأمير7على الأنبياء:لا سيّما على أولي العزم خلاف ما عليه العقلاء من سائر أهل الأنام ، فضلا عن ملّة الإسلام ، فإن الوليّ لا يصل إلى مرتبة النبيّ6في كلّ شريعة من الشرائع ، ونصوص الكتاب على تفضيل الأنبياء:على جميع خلق الله.
وأما ثانيا : فلأن تلك الإحتجاجات مبنية على ملاحظة مناقب الأمير7مع زلاّت الأنبياء:ولو لوحظت مع كمالاتهم ومناقبهم لخفيت على الناظر ، ومع ذلك يلزم عليهم أن الأمير7وأبا ذر ، وعمار بن ياسر ، وسلمان وغيرهم من الصحابة أفضل من النبيّ6إذا نظرنا إلى ما ورد في حقهم من الآيات المشعرة بمدحهم مع ما ورد من معاباته7( وعلى آله ) في عدة مواضع ولا يقول ذلك عاقل.
وأما ثالثا : فلأن آدم7أبو البشر وأصل النوع للإنسان ، فكلّ ما يحصل لأولاده من الفضائل والأعمال الصالحة فهي عائدة إليه ، نعم خرج أولو العزم لخصوصيات أكرمهم الله تعالى بها.
وأما رابعا : فلأن الأزواج لا دخل لهن في المفاضلة ، لأن الأمور العارضة لا دخل لها في الفضل الذاتي والكمال الحقيقي ، وإنما المناط بالأمور الذاتية والصفات الحقيقية ، فتفضيل زوجة عليّ7على زوجة نوح7غير مستلزم لتفضيل عليّ7ألا ترى أن زوجة فرعون كانت أفضل من زوجة نوح ولوط7وكذا زوجة الأمير7أفضل من أزواج النبيّ6ولا قائل بالتفضيل.
وأما خامسا : فلأن حديث : « لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا » موضوع لا أصل له في كتب الحديث الصحيحة عند الفريقين ، وعلى فرض تسليم صحته فهو غير مفيد للتفضيل ، لأن معناه لو رفعت الأحجبة عن وجه الواجب جلّ شأنه لازداد على اليقين الحاصل لي بوجوده وصفاته الكاملة وكمال قدرته ، وإبراهيم7كان في ذلك أعلى كعبا من الأمير7.
وأما سادسا : فلأن الأمير7كان يعلم أنه صبي ، وعداوة الكفار له ليست بالذات ، فلا طمع لهم في قتله ، ومع ذلك فقد أخبره النبيّ6أن الكفار لن يضروه إن هو نام على فراشه ، فزيادة إيمانه بذلك القول كان سببا لاطمئنانه ، بخلاف موسى7فإنه ما كان له شيء من ذلك بل كان الغالب على ظنه حسب العادة أن فرعون يقتله.
وأما سابعا : فلأن سليمان7كما صرح المرتضى في كتابه ( تنزيه الأنبياء والأئمة:) إنما طلب ذلك الملك ليكون له معجزة على نبوته ، وشرط المعجزة ألاّ يكون للغير قدرة عليها ، ولا مزية للأمير7في تطليقه الدنيا عليه7على أن طلب الملك لا ينافي التطليق ، ألا ترى أن الأمير طلب الخلافة بعد ذلك لأن مثله وأمثاله من الرجال إنما يطلبون المال والملك للجهاد في الدين ، مع أن ترك الدنيا على الإطلاق ليس محمودا في الدين
المحمّدي6ولو كان على إطلاقه موجبا للتفضيل لزم أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف7.
وأما ثامنا : فلأن تعزير الأمير7للمغالين في محبته لا يوجب تفضيله على عيسى7لأن المغالين في حبّ الأمير7قد أظهروا الكفر والفسق بمرأى منه ومسمع فتمكن من الانتقام منهم ، وغلاة عيسى7الّذين كانوا قائلين بالتثليث ظهروا بعد أن رفع إلى السّماء وفي القرآن :(قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ)[ المائدة : ٧٢ ] فردّ عليهم ما زعموه ووبخهم غاية التوبيخ.
وأما تاسعا : فإن ما ذكر في ولادة عيسى7غلط محض وكذب صريح ، لأن الأصح أن مولده بيت لحم ، وقيل فلسطين ، وقيل مصر ، وقيل دمشق ولم يقل أحد من المؤرخين إن مريم:قد جاءها المخاض في المسجد الأقصى ، ولئن سلّم ذلك فمن أين علم أنها أخرجت بالوحي ، وأما القول بأنه قد أوحي إلى فاطمة بنت أسد بأن تضع في الكعبة فقول يضحك الثكلى وتضع منه الحبلى ، والصحيح في ذلك أن عادة الجاهلية أن تفتح باب الكعبة في اليوم الخامس عشر من رجب ويدخلون جميعهم للزيارة ، وكانت العادة أن النساء يدخلن قبل الرجال بيوم أو يومين ، وقد كانت فاطمة قريبة الوضع فاتفق أن ولدت هناك ، على أن ولادة الأمير7في الكعبة لو أوجبت تفضيله على عيسى7لأوجبت تفضيله على النبيّ6ولا قائل به ، لأوجبت تفضيل حكيم بن خزام بن خويلد ابن أخ أم المؤمنين خديجة:على سائر الأنبياء:وقد ولد في الكعبة وبطلان ذلك غير خفي ».
المؤلف : وأنت تجد أيها القارئ خلال هذه المزاعم المطلقة التي لا يقودها إلاّ القول الكذب من البغض لعليّ7والجحد لفضائله وجوها من الفساد :
القصص التأريخية لا يحكم بكذبها مطلقا
الوجه الأول : قوله : « إنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة وخرافات عجيبة ».