المحمّدي6ولو كان على إطلاقه موجبا للتفضيل لزم أن يكون الرهبان وأمثالهم أفضل من سليمان ويوسف7.
وأما ثامنا : فلأن تعزير الأمير7للمغالين في محبته لا يوجب تفضيله على عيسى7لأن المغالين في حبّ الأمير7قد أظهروا الكفر والفسق بمرأى منه ومسمع فتمكن من الانتقام منهم ، وغلاة عيسى7الّذين كانوا قائلين بالتثليث ظهروا بعد أن رفع إلى السّماء وفي القرآن :(قالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ)[ المائدة : ٧٢ ] فردّ عليهم ما زعموه ووبخهم غاية التوبيخ.
وأما تاسعا : فإن ما ذكر في ولادة عيسى7غلط محض وكذب صريح ، لأن الأصح أن مولده بيت لحم ، وقيل فلسطين ، وقيل مصر ، وقيل دمشق ولم يقل أحد من المؤرخين إن مريم:قد جاءها المخاض في المسجد الأقصى ، ولئن سلّم ذلك فمن أين علم أنها أخرجت بالوحي ، وأما القول بأنه قد أوحي إلى فاطمة بنت أسد بأن تضع في الكعبة فقول يضحك الثكلى وتضع منه الحبلى ، والصحيح في ذلك أن عادة الجاهلية أن تفتح باب الكعبة في اليوم الخامس عشر من رجب ويدخلون جميعهم للزيارة ، وكانت العادة أن النساء يدخلن قبل الرجال بيوم أو يومين ، وقد كانت فاطمة قريبة الوضع فاتفق أن ولدت هناك ، على أن ولادة الأمير7في الكعبة لو أوجبت تفضيله على عيسى7لأوجبت تفضيله على النبيّ6ولا قائل به ، لأوجبت تفضيل حكيم بن خزام بن خويلد ابن أخ أم المؤمنين خديجة:على سائر الأنبياء:وقد ولد في الكعبة وبطلان ذلك غير خفي ».
المؤلف : وأنت تجد أيها القارئ خلال هذه المزاعم المطلقة التي لا يقودها إلاّ القول الكذب من البغض لعليّ7والجحد لفضائله وجوها من الفساد :
القصص التأريخية لا يحكم بكذبها مطلقا
الوجه الأول : قوله : « إنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة وخرافات عجيبة ».
فيقال : إنما يحكم بوضع الحكايات التأريخية المدونة في كتب التأريخ والسير من أي ملّة ودين إذا خالفت قرآنا محكما ، أو سنّة قطعيّة ، أو إجماعا ثابتا ، أو دليلا عقليا قاطعا وإلاّ مجرد كونها مخالفة لهوى النفس لا يصلح دليلا للحكم على بطلانها ولا تدليلا على فسادها ، فضلا عن كونها شنيعة ـ كما يزعم وأخوه ـ والحكاية المذكورة سالمة من ذلك كلّه كما يأتي ، ومن المعلوم أن الّذي دفع الآلوسي إلى إنكار ما تضمنته هذه الحكاية التأريخية ، وحرّكت عضلاته المرتعشة ، وأثارت غضبه فجعلته يهذي هذيان المحمومين ، اشتمال هذه الحكاية على تفضيل عليّ7إمام الأمة بعد أخيه النبيّ6على أوليائه ، لذا ترى روح العداء لعليّ أمير المؤمنين7ماثلة في يراعه ومنطقه.
الوجه الثاني : قوله : « انتهت الحكاية المكذوبة والقصة الأعجوبة ».
فيقال فيه : أولا : إن الظاهر من قول هذا الرجل ، وهو : ( أنهم يذكرون في كتب التأريخ حكايات موضوعة ومن ذلك حكاية حليمة السّعدية ) أن هذه الحكاية بما هي حكاية تاريخية مكذوبة وموضوعة ، والّذي يظهر من كلامه أخيرا أن ما فيها مكذوب ، فهي إنما صارت مكذوبة عنده وأعجوبة لديه لما فيها من تفضيل عليّ7على الخلفاء الثلاثة (رض) لا من حيث تفضيلها له على الأنبياء:فإن تفضيلها له على الأنبياء:أهون عند ( الشيخ ) من تفضيلها له7على خلفائه (رض) لذا تراه تصدّى لتفنيد ما فيها بوجوه تكاد إذا نفخت لها تذوب.
ثانيا : أن الظاهر المشهور بين أمناء التأريخ ثبوت هذه الحكاية عن ابنة حليمة السّعدية ـ وأظنها حرّة ـ وإنما نسب الحكاية إلى أمها ليوهن به جانب القصة ، ويحكم بوضعها بدعوى عدم وجودها في عصر الثقفي على ما حكاه من تاريخ حياتها ، وهبها لم تكن موجودة وأن الحكاية موضوعة كما يدّعي ، فلما ذا يا ترى شمّر عن ساعديه ، وبذل كلّ ما في وسعه وجهده لإبطال ما فيها؟ وجاءنا بأمور تجهض الحبلى منها ، وأقبح من ذلك وأطم أن يحسب أولئك الّذين قرضوا
كتابه أن أبحاثه ذات قيمة ، مؤسسة على أساس رصين من الحكمة ، وهي في الحقّ ليست إلاّ شعر شعرور أو شويعر أو متشاعر[١]لا تليق إلاّ بمثل ذلك الكتاب الخارج عن الإعتبار في أعين الناس.
وعقيدتي أن الآلوسي وغيره لو عارضوا عاميّا من الشيعة بما جاء به في كتابه من الأضاليل المنكرة والمزاعم الفاسدة ، لاستطاع ذلك العاميّ على ردّها وتفنيدها بكلّ سهولة ، فكان من اللاّزم عليه قبل تحريره أن يلقي آراءه وسخافات أحلامه على عوام الشيعة ، فإن وجدهم قادرين على ردّها وتزييفها كان ذلك كاف في ردعه وتنبيهه على ألاّ يضيّع شطرا كبيرا من عمره ، وقسطا وافرا من أمواله في سبيل تحريره ونشره ، إذ ما الفائدة في مزاعم وآراء يستطيع العوام على تفنيدها ، وإلاّ فليكتب ما يشاء بأمانة وأدب كي لا يكون موضعا للسخرية والاستهزاء بين طبقات ذوي الثقافة والفضل ولا أضحوكة الدهر بينهم ، فالآلوسي لم يحافظ على هذا الأصل الأصيل في كتابه ولم يعتدل في مشيه ، وكان كمن يمشي والقيد في رجليه فجاء بخرافات التقطها من وراء بعض الدجالين الّذين يرون الركض وراء كلّ بلية كياسة ، ثم هو لم يبرهن على بطلان ما في الحكاية كما يبرهن العقلاء على بطلان الأشياء بل كلّ ما هنالك استغرابات واستبعادات ودعاو مجردة عن الدليل ، وحكايات خالية إلاّ من الإفك والسباب ، خال الاستناد عليها يكون دليلا على ردّها ، وإذا ما كشفنا لك عنها تعلم أنها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف.
الوجه الثالث : قوله : « أما أولا فلأن تفضيل الأمير على الأنبياء لا سيما على أولي العزم خلاف ما عليه العقلاء ».
فيقال فيه : وأنت لا ترى في هذه المزعمة ما يدل على بطلان تفضيله7عليهم7سوى دعواه كون ذلك خلاف ما عليه العقلاء ومع ذلك ، فنقول له :
[١]الشعرور بضم الشين : الشاعر الضعيف جدا ، ودونه الشويعر ، ودون الشويعر متشاعر ، هكذا سجّله الفيروزآبادي في قاموسه المحيط في ( ص : ٥٩ ) من جزئه الثاني في مادة ( شعر ).
إن أراد من العقلاء نفسه ومن كان مثله من المخبولين فإنا لا نشك في أنهم من الجهلاء الّذين يتقحمون فيما لا يعرفون ويفسدون ولا يشعرون ، وإن أراد من العقلاء غيرهم من المسلمين فالمسلمون لا يشكّون في أن عليّا7أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين:إلاّ محمّدا6وليس عند العقل ما يمنع ذلك مطلقا ، ثم أن الحكم بتفضيل شيء على آخر يدور مدار المعرفة والإحاطة بفضل كلّ من الأفضل والمفضول ، وليس للإنسان أن يحكم على ما في باطن الغيب ما لم يطّلع عليه ، ولا يصح أن يبدي رأيه فيه ما لم يحط به علما ، وتفضيل بعض الأنبياء:على بعض كتفضيل بعض الأولياء على بعض الأنبياء:لا يعلمه إلاّ الله والرسول6فليس لغير الله وغير رسوله6من قبله تعالى أن يطّلع عليه أو يحيط به حتى يحكم فيه بنفي أو إثبات ، ولمّا كان أمر التفضيل راجعا إلى الله تعالى كان تعيين الأفضل من قبله ، وإن كان ثمة من هو أفضل من جميع الأنبياء:إلاّ رسول الله محمّد بن عبد الله خاتم الأنبياء6فهو عليّ بن أبي طالب8بنصّ كتاب الله ، قال تعالى في آية المباهلة :(وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ)[ آل عمران : ٦١ ] ولا خلاف بين الأمة في أن المراد من :(أَنْفُسَنا)في الآية الكريمة نفس عليّ7[١]ولا جائز أن يريد أن هذه النفس هي عين تلك النفس بما هي على نحو الحقيقة لأنها قطعا هي غيرها ، وإنما يريد أن هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك ما يقضي بالمشاركة والمساواة للنبيّ6في كلّ شيء نزولا على حكم عموم المنزلة والمشاركة في صريح الآية ، إلاّ أننا تركنا العمل بذلك
[١]راجع ( ص : ٢٧٨ ) من صحيح مسلم من جزئه الثاني في باب فضائل عليّ7وحكاه ابن حجر في صواعقه ( ص : ٧٢ ) في الفصل الأول من الباب التاسع في فضائل عليّ7في الحديث الثالث ، وأخرجه جماعة آخرون من حفاظ أهل السنّة ومفسريهم ، منهم : البيضاوي في تفسيره ( ص : ٢٢ ) من جزئه الثاني ، وابن جرير الطبري في تفسيره ( ص : ١٩٢ ) من جزئه الثالث ، والخازن في تفسيره ( ص : ٣٠٢ ) من جزئه الأول ، والنيشابوري في تفسيره بهامش الجزء الثالث من تفسير ابن جرير ( ص : ٢٠٦ ) والفخر الرازي في تفسيره الكبير عند تفسيره للآية ، وابن حجر العسقلاني في إصابته ( ص : ٢٧١ ) من جزئه الرابع في ترجمته لعليّ7والبغوي محيي السنّة عند أهل السنّة في ص : (٣٠٢) من تفسيره بهامش الجزء الأول من تفسير الخازن ، وجلال الدين السيوطي في الدر المنثور عند تفسيره للآية ، وقد أجمع كلّهم على أن المراد من : ( أنفسنا ) هو نفس عليّ7لا غير فلتراجع فإنه متواتر.
العموم في حق النبوّة والفضل بالنسبة إلى خصوص سيّد الأنبياء7لقيام الدليل القطعي على أن محمّدا6كان نبيّا6وعليّ7لم يكن كذلك ، ولانعقاد الإجماع القطعي على أن محمّدا6كان أفضل من عليّ7فيبقى ما عدا ذلك من العموم معمولا به ، ومن ذلك ما ثبت بإجماع الفريقين أن نفس محمّد6أفضل من نفوس جميع الأنبياء:والمرسلين:فيجب أن يكون نفس عليّ7أفضل من جميع الأنبياء والمرسلين:نزولا على عموم ذلك الحكم فيما عدا ما خرج عن عمومه من الفضل والنبوّة6في شأن النبيّ6خاصة.
فلو لم يكن عليّ7أفضل منهم عند الله ، لما جعل الله نفسه7كنفس نبيّه6وآتاه من الفضل ما لم يؤت أحدا من العالمين بعد نبيّه وصفيّه خاتم النبيّين6ولعمري إن هذه الآية من أقوى الأدلة على أفضليته7منهم7وهي تكفي لقلع جذور إنكار الآلوسي تفضيله7عليهم7.
استلزام قول الآلوسي الكفر
الوجه الرابع : قوله : « فإن ذلك خلاف ما عليه العقلاء ».
فيقال فيه : إن الآلوسي يكتب ولا يدري ما يكتب ، فهو يكتب بدافع من عصبيته البغيضة ، لذا تراه أورد هذه الكلمة دون أن يشعر بما تنطوي عليه من الكفر والنفاق ، لأنه إن كان ثمة من يقول بأفضلية عليّ7من سائر الأنبياء7بعد كتاب الله هو رسول الله6فعلى زعمه أن أعقل العقلاء وأفضل الأنبياء6ـ والعياذ بالله ـ ما كان من العقلاء حينما فضّله7عليهم7في حديثه6الّذي يرويه المؤالف والمخالف ـ وهو من الأحاديث المقبولة عند الفريقين ـ قوله6: ( من أراد أن يرى آدم في علمه ، ونوحا في طاعته ، وإبراهيم في خلّته ، وموسى في هيبته ، وعيسى في صفوته ، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب )[١]وهو نص لا يقبل التأويل في أن عليّا7كان
[١]أخرج هذا الحديث جماعة من أعلام أهل السنّة وثقاتهم ، منهم الفخر الرازي في تفسيره الكبير ( ص : ٤٧٢ ) من جزئه الثاني عند تفسير آية المباهلة ، ومنهم محبّ الدين الطبري في الرياض النضرة ـ
جامعا لجميع الفضائل المتفرقة فيهم:وذلك أقوى دليل وأمتن برهان لمن لم يتسربل بسربال العصبية ، ولم يزل عقله بتيار الجهل والعمى على أفضلية عليّ7من جميع الأنبياء:والفخر الرازي مع ما اشتهر عنه من التشكيك في الأمور البديهية حتى سمي : سيّد المشككين ) لم يناقش في صحة هذا الحديث ولم يناقش في دلالة الآية على ذلك ، ولكن زعم انعقاد الإجماع على : أن النبيّ6أفضل ممن ليس بنبيّ ، وأجمعوا على أن عليّا ما كان نبيّا ، فيلزم القطع بأن عليّا ليس بأفضل من جميع الأنبياء:هذا تقرير كلام الرازي.
ولكن كان على الرازي أولا : أن يحكي لنا ذلك الإجماع على صحة كبرى قياسه بأسانيد تفيد العلم ، كما هو الشرط المعتبر في حجيّة الإجماع عند علماء الأصول ، وإلاّ فمجرد دعوى الإجماع على ذلك لا يثبت فتيلا. ثانيا : أن دعوى الإجماع على هذه الكلية من أن النبيّ6على الإطلاق يكون أفضل ممن ليس بنبيّ لا سند له لا من الكتاب ولا من السنّة ، فهي أشبه بدعوى الإجماع على خلافة أبي بكر (رض) التي لا سند لها لا في القرآن ولا في سنّة النبيّ6لذا فإن الشيعة لا تعرف هذا الإجماع وتنكره. ثالثا : أن الحديث المتقدم سابق على الإجماع المدّعى لوضوح دلالته على بطلان تلك الكلية فيتعين الأخذ به ، فنحن لا نرفع اليد عن عموم الآية ودلالتها القوية على أفضلية عليّ7من جميع الأنبياء:بما فيهم أولو العزم ـ كما يقتضيه صريح الحديث ـ ولا نعدل عنه لأجل الدعاوى المجردة ، ألّلهم إلاّ إذا رجعوا في تخصيص عموم الآية إلى بغض الوصيّ وآل النبيّ6.
قول محمّد عبده في آية المباهلة وفساده
نعم يقول محمّد عبده فيما حكاه عنه تلميذه محمّد رضا صاحب منار الخوارج : إن الروايات متفقة على أن النبيّ6اختار للمباهلة عليّا وفاطمة
( ص : ٢١٨ ) من جزئه الثاني ، عن جماعة من الصحابة ، وأخرجه أيضا في ذخائر العقبى من الطبعة الأولى بمصر القاهرة ، عن جماعة من حملة العلم والحديث من أهل السنّة ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ( ص : ١٤٦ ) من جزئه الثالث ، والذهبي في تلخيصه وصححاه على شرط البخاري ومسلم ، وغيرهم من حفاظ أهل السنّة.
وولديهما8ومصادر هذه الروايات الشيعة ومقصدهم منها معروف ، ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية ، فإن كلمة : ( نساءنا ) لا يقولها العربي ويريد بها بنته لا سيما إذا كان له أزواج ، ولا يفهم هذا من لغتهم ، وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا عليّ.
ونحن نقول في جوابه : ألا هلمّ فاستمع أيها الناقد البصير ـ وما عشت أراك الدهر عجبا ـ فإن تعجب فعجب قول محمّد عبده : ( ولكن واضعيها لم يحسنوا تطبيقها على الآية وأن مصادرها الشيعة ) لأنك قد عرفت أن مصادرها حفاظ أهل السنّة وكبار مفسريها المعول عليهم في الحديث والتأريخ والتفسير ، تجاهل عنها محمّد عبده وتلميذه ليبنيا على تجاهلهما هذا الرأي السخيف ، وما ذنب الشيعة إذا قصدوا بذلك نشر الحقيقة التي أخفاها الدجالون تبعا للعصبية الجاهلية فغيروا دين الله بأمور تافهة ، وكتموا حقائق شريعته ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا)[ البقرة : ١٦٠ ].
وأما قوله : فإن كلمة : ( نساءنا ) ( لا يقولها العربي ويريد بها بنته ) فدليل الجاهل أو المتجاهل بلغة العرب الّذي لم يعرف شيئا من لغتهم وموارد استعمالاتهم وذلك لصدق النساء على البنات في لغتهم ، وإليك قول الله العربي المبين :(فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ)[ النساء : ١١ ] فإنه يريد البنات بالإجماع لأنهن من أفراد النساء ، فعلى زعم محمّد عبده وتلميذه أن القرآن ليس عربيا ، وأن الله تعالى لا يعرف لغة العرب فأطلق ما لا يفهمون وكلف ما لا يعرفون ، وهم عرفوا ذلك فأنكروا عليه هذا الإطلاق ، نعوذ بالله من الكفر والهذيان ، وبغض الوصيّ وآل النبيّ6. ويقول الكتاب :(إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[ يوسف : ٢ ] فمن أنكر عربية القرآن فقد خرج عن الإسلام.
وأما قوله : ( وأبعد من ذلك أن يراد بأنفسنا نفس عليّ ) فكلمة لا ينبغي صدورها ممن ترعرع قليلا عن رتبة العوام ، ألم تعلم أيها ( الشيخ ) أن هذا الاستعمال مما شاع وذاع في كلام العرب ، كما يقول قائلهم لمحبوبه : ( أنت
نفسي ) فإنه يريد أنه أحبّ الناس إليه وأقربهم منه منزلة وأكثرهم عنده جاها ، ولكن قاتل الله العصبية العصبية البغيضة والحقد المقيت فإنها تجعل صاحبها لا يبصر بعينه ولا يفكر بعقله ولا يفقه بقلبه ، وما أدلى به هذا ( الشيخ وتلميذه ) هنا يدلك بوضوح على صدق ما قلناه.