بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 179

وعقل ، فهو حرّف ذلك فوضع مكان السنّة ( الخبر ) ليوهم أن السّنة ليست من الأدلة عند الشيعة ، في حين أن السّنة عندهم هي : قول المعصوم7أو فعله أو تقريره ، أما الخبر فهو الحاكي لها وهي الأخرى غيره كما مرّ ذكره.

الإجماع وما يعتبر في حجيته عند الشيعة

قال الآلوسي ( ص : ٣٨ ) : « أما الإجماع فباطل أيضا ، لأن كونه حجّة ليس بالأصالة بل لكون قول المعصوم في ضمنه ، فمدار حجيّته على قول المعصوم لا على نفس الإجماع ، وثبوت عصمة المعصوم وتعيّينه إما بخبره أو بخبر معصوم آخر فقد جاء الدور ، وأيضا إجماع الصدر الأول أو الثاني يعني قبل حدوث الاختلاف في الأمة غير معتبر ، لأنهم أجمعوا على خلافة أبي بكر وعمر (رض) وحرمة المتعة ، وتحريف الكتاب ، ومنع ميراث النبيّ6وغصب فدك من البتول ، وبعد حدوث الاختلاف في الأمة وتفرقهم بفرق مختلفة كيف يتصور الإجماع ولا سيّما في المسائل الخلافية المحتاجة إلى الاستدلال » إلى نهاية أساطيره.

المؤلف : أولا : قوله : « أما الإجماع فباطل ».

فيقال فيه : إن أراد من بطلانه عدم صحة إطلاق الإجماع على اتفاق الجماعة التي علم دخول المعصوم فيهم لوجود مناط الحجيّة فيه كما يعتقد الشيعة من عدم خلوّ عصر من العصور عن المعصوم7وقد تقدم ثبوت ذلك من طريق خصوم الشيعة على سبيل القطع مما لا سبيل إلى إنكاره ففاسد جدا ، لصحة إطلاق الإجماع على مثل ذلك شرعا ولغة ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ)[ يوسف : ١٥ ] والمجمعون يومئذ هم أخوة يوسف7لا غيرهم.

وفي اللّغة : أجمع القوم على الأمر اتفقوا عليه ، ويطلق على الكثير والقليل فالموضوع له ( الإجماع ) في أصل وضع اللّغة هو ما يعم الكثير والقليل لا خصوص الأخير ، وإن أراد من بطلانه عدم كونه اصطلاحيا ففاسد أيضا ، لأنه إنما يكون باطلا على مذهب مخالفي الشيعة القائلين بأن الإجماع هو اجتماع جميع


صفحه 180

علماء الأمة على أمر أو أمور في وقت واحد وإن كان فيهم من لا دليل على اعتبار قوله ، بل وإن قام الدليل على عدم اعتباره بأن كان من الكاذبين أو المنافقين أمثال المنقلبين على الأعقاب والمتمردين على النفاق في المدينة ، كما دلّ عليه كلّ من آية الانقلاب على الأعقاب والمرود على النفاق ، وحديث الحوض والبطانتين المرويّين في الصحيحين وغيرهما من الصحاح عندهم.

أما في اصطلاح الأصوليّين من الشيعة فيكفي في تحققه اتفاق طائفة من علماء الشيعة على أمر ديني علم دخول قول المعصوم7في أقوال المجمعين ، بحيث يكون دلالته عليه بالتضمن ، وإن أراد من بطلانه عدم حجيّته فأشدّ فسادا من سابقيه ، إذ كيف لا يكون حجّة وقد تضمن قول المعصوم7الّذي لا يجوز عليه الخطأ ، وإنما لا يكون حجّة إجماع من خلا إجماعهم من قول المعصوم7ودخل فيه الدجالون والمنافقون كما تقدم منا ذكره مفصلا.

عصمة الأئمة من أهل البيت النبويّ6ثابتة بالأدلة الثلاثة

ثانيا : قوله : « وثبوت عصمة المعصوم وتعيينه إما بخبره أو بخبر معصوم آخر فقد جاء الدور ».

فيقال فيه : أما عصمة الأئمة من أهل البيت:فليست بأخبارهم وإن كانت لعمر الحق تكفي في إثباتها عند من عرفهم:حق معرفتهم ، ولكننا نبرهن على عصمتهم بالأدلة القاطعة والبراهين السّاطعة من المجمع عليها بين الفريقين من الكتاب والسنّة والعقل التي يجب على كلّ من الفريقين الوقوف عندها والنزول على حكمها ، ولا محيص لهما عن الأخذ بها والعمل على طبقها والتي لا يجحدها إلاّ الّذي لربّه كنود.

أما من الكتاب فآيات ، منها قوله تعالى :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[ النساء : ٥٩ ] فإنه يفيد عصمة أولي الأمر ، وتلك قضية وحدة السّياق وتساوي المتعاطفات في الحكم ، وذلك لأن النبيّ6معصوم فوجب عصمة أولي الأمر ، وأولوا الأمر في منطوقها لا ينطبقون على غير الأئمة من آل رسول الله6فهم صغراها وكبراها ، فإن غيرهم


صفحه 181

لم يكن معصوما بالإجماع ، وقد اعترف الفخر الرازي في تفسير هذه الآية من تفسيره الكبير وغيره من أعلام أهل السّنة بأن الآية تريد عصمة أولي الأمر لأن من تجب طاعته كطاعة الله ورسوله6يجب أن يكون معصوما على أساس أن الله تعالى أمر بطاعته على سبيل الجزم والإطلاق ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والإطلاق يجب أن يكون معصوما ، فأولوا الأمر في منطوقها معصومون فهي لا تريد إلاّ عصمة الأئمة من البيت النبويّ6لا سواهم لوضوح بطلان عصمة غيرهم من الأمة إجماعا وقولا واحدا.

ومنها ، قوله تعالى :(وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)[ الأعراف :

١٨١ ] ، وتقريب الاستدلال بهذه الآية على عصمة الأئمة من البيت النبويّ6هو : أنهم:يهدون بالحق وبه يعدلون ولو بقرينة إطلاقات أحاديث السّفينة ، وباب حطّة ، والنجوم ، وحديث : ( فليتولّ عليّا وذريته من بعدي ، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم باب ضلالة )كما مضى ، فترك التفصيل مع إطلاق الحكم بأنهم يهدون إلى الحق مطلقا دليل على عصمتهم ، وبعبارة أخرى أن كونهم يهدون بالحق مطلقا يجب أن يكون ذلك في سائر أوقاتهم وفي مختلف أحوالهم وتلك قضية إطلاق الآية وهذا هو معنى عصمتهم ، وأنهم لا يقولون إلاّ الحقّ وإلاّ لم تكن من الهداية بالحق في شيء ، وقد ثبت أنها من الهداية به مطلقا فثبت أنهم معصومون.

فأهل البيت:يهدون بالحقّ وبه يعدلون مطلقا ، وكلّ من يهدي بالحق مطلقا مصيب مطلقا ، وكلّ مصيب معصوم ، فالنتيجة من هذا الشكل المنطقي أن أهل البيت النبويّ6معصومون ، ودليل صغرى القياس قطعي ، وأما كبراه فلأنه لو جاز عليهم الخطأ لجاز عليهم الضلال خطأ ولا شيء من الضلال خطأ ، يكون من الهدى بالحقّ ، وقد ثبت أنهم يهدون بالحقّ مطلقا فثبت أنهم معصومون:.

ومنها ، قوله تعالى :(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)[ النحل : ٤٣ ] ووجه الاستدلال بهذه الآية هو : أن المراد من أهل الذكر في منطوقها خصوص


صفحه 182

أهل العلم وأهل البيت النبويّ6هم المعنيون به دون الآخرين ، وذلك لأن وجوب السّؤال يستلزم وجوب الجواب ووجوب الجواب ، يستلزم وجوب العمل مطلقا ، ووجوب العمل مطلقا بجواب المسئول يقتضي عصمته ، وذلك لأنه لو لم يكن المسئول معصوما لأجاب بالخطإ ولا شيء من الخطأ يجوز العمل به ، ومن حيث أنه يجب العمل بالجواب مطلقا كما يقتضيه إطلاق الآية علمنا أنهم معصومون ، ولا قائل من الأمة بعصمة غيرهم:إطلاقا.

وإن كنت في شك مما أدلينا عليك فدونك السنّة المتفق عليها بين الفريقين فإنها توضح لك ما عسى أن تجده في الآيات من الإجمال على عصمة عترة النبيّ6أهل بيته:.

دلالة السنّة على عصمة الأئمة من البيت النبويّ6

فمن السنّة روايات : منها حديث الثقلين المتواتر نقله عن نيف وثلاثين صحابيا على رواية الترمذي في سننه الصحيحة ، وقد اعترف الآلوسي بإجماع الفريقين على ثبوت صدوره وصحته عن النبيّ6فهو من الأدلة القطعية على إثبات عصمتهم:وهو الّذي يكشف لك غامض ما في الكتاب من الآيات التي ترمز إلى عصمتهم:من قوله6: ( إنّي مخلّف فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا ، ولن يفترقا حتى يردّا عليّ الحوض ).

وهو نصّ صريح في عصمتهم:ذلك لأن أهل البيت مع القرآن دائما ، وكلّ من كان مع القرآن دائما مصيب دائما ، وكل مصيب دائما معصوم ، فالنتيجة من هذا القياس أن أهل البيت:معصومون ؛ وذلك لأن أهل البيت يأمرون بالصواب مطلقا ، وكلّ من يأمر بالصواب مطلقا معصوم فأهل البيت معصومون ، ودليل الصغريّين من القياسين حديث الثقلين ، أما دليل الكبريّين : فلأنه لو جاز عليهم الخطأ لفارقوا القرآن ، إذ لا شيء من القرآن بخطإ ، ومن حيث أنهم لم يفارقوا القرآن أبدا علمنا أنهم معصومون ، ولأنه لو جاز عليهم الخطأ لجاز التمسك بهم في الأمر بالخطإ ، ولا شيء من الخطأ يجوز التمسك به مطلقا ، ولمّا


صفحه 183

علمنا وجوب التمسك بهم مطلقا من ظاهر إطلاق الأمر علمنا أنهم معصومون:وحسبنا من السنّة هذا القدر لأنّا لو أردنا استقصاء ما جاء من الأحاديث في عصمتهم:لضاق به الكتاب.

دلالة العقل على عصمة الأئمة من أهل البيت:

أما العقل فتقريره من وجوه.

الأول : إنّ الحاجة لنصب الإمام بعد النبيّ6إنما هو جواز الخطأ من الأمة ، لأن غير المعصوم مطلقا قد يخطئ فيحصل بسبب ذلك الجهل والضلال في كثير من الأحكام المتعلقة بأمور الدين والدنيا ، فلو جاز الخطأ على الإمام أيضا لاحتاج إلى إمام آخر فيتسلسل أو يدور وهما محالان عقلا ، فلا بد أن ينتهي إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ وهو الإمام في الأصل.

الثاني : إن الأئمة حافظون للشريعة وقوامون بها ، فيجب أن يكونوا معصومين لأن غير المعصوم يخطئ فيؤدّي خطأه إلى عدم إقامتها على الوجه الّذي أمر الله به ، كما أن الاجتهاد يخطأ فيؤدي إلى إضاعتها لا حفظها ورعايتها ، ومن حيث أن حفظها واجب فالعصمة أيضا واجبة ، وليس في الأمة من يدّعي العصمة لغير العترة من آل النبيّ6فوجب أن يكونوا هم الأئمة المعصومين:لا سواهم.

الثالث : لو كان الإمام يخطأ لوجب الإنكار عليه ، وهو مناف لأمر الطاعة في قوله تعالى :(وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[ النساء : ٥٩ ] وقد تقدم أن تخصيص الآية بغير المعصية غير ممكن ؛ وذلك لأن المعصية لا تعرف إلاّ من طريقه ، فلو فعل شيئا أو أمر به وجبت إطاعته سواء أكان ذلك في الواقع واجبا أو حراما ، أما الأول فواضح ، وأما الثاني فلدلالة الأمر على الوجوب اللازم إطاعته فيه ، واللاّزم باطل فتجب عصمته مع أن الآية صريحة في الإطلاق وآبية عن التخصيص ، على أنه موجب للتفكيك بين المتعاطفات من غير دليل وهو باطل ، كما أن الإمام لو عصى لانحطّت بذلك درجته فيكون أقل درجة من العوام ، لأن عقله أقوى ومعرفته بالله أكثر وعقابه أعظم وهذا باطل لا يجوز على الإمام مطلقا.


صفحه 184

ثالثا : قوله : « أو بخبر معصوم آخر فقد جاء الدور ».

فيقال فيه : لا دور في إخبار المعصوم بعصمة معصوم آخر ، وذلك لعدم التوقف من الجانبين في شيء ، لأن الّذي أخبر بعصمتهم هو النبيّ6فعصمتهم موقوفة على إخبار النبيّ6وعصمته6موقوفة على إخبار الله تعالى بعصمته6لا على إخبارهم7لكي يستلزم الدور ، هذا كله من جهة النصّ الشرعي ، أما من جهة العقل فلا دور مطلقا لأن المعصوم الّذي أخبر بعصمة معصوم آخر قد ثبتت عصمته بدليل العقل لا بإخبار المعصوم ، ولو كان خبر المعصوم بعصمة معصوم آخر يستلزم الدور ـ كما زعم ـ لكان إخبار الله تعالى بعصمة نبيّه6أيضا يستلزم الدور وبطلانه واضح ، نعم إنما يلزم الدور في اعتبار خلافة المستخلفين بعد رسول الله6وذلك لأن اعتبار خلافتهم موقوف على اعتبار قول من أجمعوا عليهم ، فلو توقف اعتبار قولهم على اعتبار خلافتهم لزم الدور وعلى عكسه كذلك دور صريح.

إجماع الصدر الأول وما فيه

رابعا : قوله : « أيضا إجماع الصدر الأول والثاني ـ يعني قبل حدوث الاختلاف في الأمة ـ » ، فباطل من وجهين :

الأول : إن أول إختلاف حدث في الأمة ومنه نشأت الاختلافات بينهم هو الاختلاف الّذي حدث يوم السّقيفة ( سقيفة بني ساعدة ) الّذي كثر فيه اللّغط والنّزاع ، وقام فيه على ساق يبتغون بذلك عرض الحياة الدنيا فانتزعوا الأمر من أهله اختلاسا ، وقول الآلوسي : ( وقد أجمعوا على خلافة أبي بكر ) كذب وانتحال لا أصل له إذ كيف يا ترى أجمعوا عليه ـ لو سلّمنا جدلا صحة مثل هذا الإجماع ـ وقد تخلّف عن بيعتهم عيون الصحابة وأفذاذهم وفي طليعتهم إمام الشيعة وسيّد أهل البيت:أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب7فإنه7لم يبايع أحدا منهم قط ، وتخلّف عنها سعد بن عبادة فإنه لم يبايع أحدا من أبي بكر وعمر (رض) حتى قتل غيلة بحوران على ما سجّل ذلك كلّ من جاء على ذكره من أهل التاريخ والسيرة كالطبري وابن الأثير في تاريخيهما وغيرهما من مؤرخي أهل


صفحه 185

السنّة ، كما تخلّف عنها قومه من الخزرج وجماعة من قريش ، وإنما بايعه الخليفة عمر (رض) الّذي كان السّابق إليها والمحرّك الكبير فيها ، ووافقه على ذلك جماعة من أحلاس الدنيا وطلاّب أطماعها ، فلم يكن هناك إجماع ولا بعض إجماع.

ومعلوم أنه بعد ما استتب الأمر لهم وتربعوا على ذلك الدست الّذي خصّه الله لوليّه7لا لهم ، أخذوا يطاردون الّذين تخلّفوا عن بيعتهم فأجبروهم على الدخول معهم حتى قتلوا الصحابي الكبير مالك بن نويرة وجماعة من قومه إزاء أطماعهم ، ولم يمتنع عنها إلاّ عليّ7وبنو هاشم وسعد فما استطاعوا على قهره لكثرة أقوامه من الخزرج فخافوا فتنتهم فراجع ( ص : ٣٤٢ ) من استيعاب ابن عبد البر من جزئه الثاني ، ( ص : ٩ ) من الإمامة والسياسة للمؤرخ الكبير عند أهل السنّة عبد الله بن مسلم بن قتيبة من جزئه الأول ، و ( ص : ١٨٨ ) من تاريخ الخميس من جزئه الثاني ، وآخر ( ص : ٣٧ ) من صحيح البخاري من جزئه الثالث في باب غزوة خيبر من كتاب المغازي ، لتعلم ثمة كيف ينعقد إجماع مثل هذا وقد تخلّف عنه وجوه أصحاب النبيّ6وأهل بيته:ودخل الباقون فيما دخل فيه الأولون ـ على فرض دخولهم ـ كرها وقهرا.

وإنما يصح لو صح شيء من ذلك إذا دخلوا فيما دخل فيه الأكثر على فرضه طوعا ورغبة ، على أن احتمال رجوع المتقدم قبل دخول المتأخر موجب لانحلال الإجماع لو كان ثمة إجماع ولو من بعضهم ، ثم كيف يصح هذا الإجماع وفي المجمعين أقوام مردوا النفاق وانقلبوا على الأعقاب ، وفيهم بطانة الشرّ كما اقتص بذلك خبرهم القرآن وأخبر النبيّ6بوجودهم بأفصح بيان ، فأي أثر يا ترى لهذا الإجماع الملفق من هؤلاء في إثبات خلافتهم (رض) أجل وأي دليل دلّهم على اعتبار قول عمر (رض) ومن وافقه عليه إذ ليس في كتاب الله آية ولا في السنّة رواية تدل على اعتبار أقوالهم في شيء.

ولو فرضنا جدلا أن الخلافة فرع من الفروع وليست بأصل من أصول الإسلام ـ كما يزعمون ـ فلا يجوز للأمة أو لآحادها أن تشرّع أحكاما وفروعا من عند أنفسهم ، فهل يا ترى أنهم شركاء الله في تشريع أحكامه من حلاله وحرامه


صفحه 186

وسائر أحكامه؟ أو يا هل ترى قصّر النبيّ6في تبليغ رسالته6فترك دينه ناقصا ليكمّلوه بإجماعهم ، والقرآن يقول :(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً)[ المائدة : ٣ ].

وقد ثبت في صحاح القوم أن رسول الله6وقف فيهم موقفا بيّن لهم جميع ما يحتاجون إليه إلى يوم القيامة ، وثبت بالإجماع قوله6: ( حلال محمّد6حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه6حرام إلى يوم القيامة ) وليس في الأمة من يجهل حدوث بيعتهم لأبي بكر (رض) في السّقيفة بعد وفاة النبيّ6وعدم كونها من دينه6ولو كانت من دينه أو هداه لبيّنها رسول الله6قطعا ، ولحثّ الأمة على اعتناقها والمسارعة إليها كما أمرهم بالبيعة لعليّ7في يوم الغدير ، وأوجب عليهم المسارعة إلى التسليم عليه بإمرة المؤمنين كما دلّت عليه أحاديث الفريقين المتواترة.

بل لو كانت بيعة السّقيفة من الدين لدلّ النّاس عليها ولأقام أبا بكر (رض) علما في حياته6لئلاّ يقع الاختلاف بينهم بعد وفاته ، وكيف يرضى رسول الله6أن يترك شيئا يعلم أنه من دينه بل في تركه ذهاب الأحكام ودرس الشريعة وتعطيل الحدود ولا يبيّنه لهم أو يوكل أمره إليهم مع ما هم عليه من إختلاف الطباع وتضارب الآراء وتصادم الأهواء وجهلهم بالصالح وغيره ، ويخالف بذلك ربّه حيث يقول تعالى في الآية (١٢٣) من سورة هود :(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)[ هود : ١٢٣ ] وهو يفيد أن أمر الخلافة وغيره يعود إليه تعالى لا لغيره مطلقا ، لا سيّما إذا لا حظنا كلمة ( كلّ ) في الآية ـ والتي ستتلى عليك بعدها ـ الدالّة على الاستغراق والاستيعاب.

فليس لهم ولا من حقّهم أن ينصّبوا لأنفسهم إماما ويخالفوا الله ورسوله6في ذلك ، وقال تعالى :(يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)[ آل عمران : ١٥٤ ] ولا شك في أن أمر التكوين والتشريع في الآيتين يرجع إلى الله تعالى وحده لا شريك له في ذلك من أحد من العالمين أجمعين ، ومنه أمر الإمامة فإنه من أعظم الأمور وعليه تبتني مصالح العباد والبلاد الدينية والدنيوية ، وذلك كلّه لله وحده ليس لأحد أيّا كان نفيه أو إثباته إطلاقا ، ألا