بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 252

القياس ) ويعني هذا أن حجيّة القياس عند أهل السنّة تثبت بحكم العقل ، ولا شك في أن هذا هو الآخر أيضا من حكم العقل في أمر من أمور الدين عندهم ، وقد نفى هنا أن يكون للعقل حكم في أمر من أمور الدين ، فالآلوسي يريد أن يحتج على خصومه بالمتناقضات الباطلة على إثبات مذهبه المتناقض الباطل دون أن يهتدى إلى أن ذلك كلّه باطل.

ثانيا : قوله : « ومذهب الإمامية هنا مخالف للكتاب وللعترة ».

فيقال فيه : لا شكّ في أن من يطّلع على كتاب الآلوسي يراه يضرب أخماسا بأسداس ، ويعتمد الشّبهات وينكر البديهيات ، فإذا ما كشفنا لك عن حال زعمه هذا فستقف مستغربا حينما ترى الأمر فيه معكوسا عليه من وجهين.

بطلان ما زعمه الآلوسي أنّ وجوب النّظر شرعي من وجهين

أما الأول : فلأنه لو كان النّظر في معرفة الله واجبا بالسّمع لا بالعقل لزم الدور الصريح المعلوم بالضرورة بطلانه ، وذلك لتوقف معرفة الوجوب على معرفة الموجب ، فإذا كنّا لا نعرف الموجب بشيء من الاعتبارات فنعلم بالبداهة أنّا لا نعرف أنّه موجب ، فلو توقّف معرفته على معرفة الموجب كان دورا صريحا.

وبعبارة أوضح أنّ وجوب معرفة الله موقوف على أمره تعالى بوجوب معرفته ، فلو توقّف أمره بمعرفته على وجوب معرفته لزم الدور ، فتعليل وجوب معرفته بأمره محال باطل.

الثاني : إنّ المعرفة لو كانت واجبة بالأمر الشّرعي لكان الأمر بها إمّا أن يتوجه إلى العارف والعالم بالله تعالى أو إلى غيرهما ، والتاليان باطلان بالضرورة ، أما التالي الأول فلأنه تحصيل حاصل وهو باطل لأن الشيء لا يحصل مرتين ، وأمّا الثاني فلأن غير العارف بالله يستحيل أن يعرف أن الله تعالى أمره لأن كون الأمر من الله يتوقف على معرفته ، فلو توقفت معرفته على أمره فقد جاء الدور الصريح بل أمره في نفسه مستحيل ، وذلك لأن كون امتثال أمره واجبا يتوقف على أن يعرف أنّ الله تعالى قد أمره وأن امتثال أمره واجب ، وإذا كان من المستحيل أن


صفحه 253

يعرف أن الله أمره لأنه غير عارف به كان أمره مستحيلا وإلاّ كان تكليفا بما لا يطاق ، وكلّ ذلك معلوم بالبداهة بطلانه.

الآلوسي لم يأت على دليل الشيعة بتمامه في وجوب النّظر عقلا لا شرعا

ثم إنّ الآلوسي لم يقرر دليل الشيعة بتمامه ، على أن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل وممتنعة بالسّمع ، وإنما ارتكب ذلك التدليس لعلمه بأنه لا يستطيع بتقريره له بتمامه أن يقوم بردّه وتفنيده ، ولا يمكنه تحريفه لجهله بمرماه وعدم إحاطته بمعناه لقصور باعه وقلّة اطلاعه ، لذا تراه أعرض عن ذكر أدلّتهم القالعة لخلطه ولغطه وأورد آيات لا صلة بينها وبين وجوب النّظر سواء أكان عقليا أم شرعيا ، بل هي أوضح دليل على ارتباكه وإزجاء بضاعته وجهله بمثل هذه المسائل العويصة والأمور الصعبة التي يقصر إدراكه عن نيل واحدة منها.

أما كون معرفة الله مستفادة من العقل ، وأنّ مجيء السّمع بقوله تعالى :(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ)[ محمد : ١٩ ] مؤكد لحكومته في مورده فيدلّ عليه وجهان :

الأول : أنّ شكر المنعم واجب بالضرورة ، ولا شكّ في أنّ آثار نعمه على النّاس أظهر من الشّمس وأبين من الأمس فيجب شكر فاعلها ، وشكره لا يحصل إلاّ بمعرفته.

الثاني : إنّ معرفة الله دافعة للخوف الحاصل من التردد والاختلاف عند النّظر في مسألة وجود الله تعالى ، وإنّ لهذه النّعم الظّاهرة منعما الأمر الّذي لا يشكّ اثنان من أهل المذاهب والأديان في كونه من أبرز أفراد محلّ الاختلاف بينهم ، ولا شكّ في أنّ دفع الخوف واجب فطري وهو لا يتحقق إلاّ بالمعرفة ، فحينئذ تكون المعرفة واجبة بالضرورة.

ما أورده الآلوسي من الآيات خارج عن موضوع وجوب النظر

ثالثا : إنّ ما ذكره الآلوسي من الآيات لا ينطبق شيء منها على موضوع وجوب النظر وإنما هي من الشواهد للشيعة على بطلان مذهب هذا الخصم ـ لو كان يشعر ـ أما قوله تعالى :(إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ)فنقول فيه :


صفحه 254

الأول : إنّ جميع ما أورده الآلوسي من الآيات إن كانت دالّة على ذلك فهي مؤكدة لحكم العقل وهو لا نزاع فيه.

ثانيا : إنّ كون هذا الحكم من الله يتوقف على معرفة الله ، فلو توقفت معرفته تعالى على أن هذا الحكم منه لزم الدور المعلوم بطلانه.

ثالثا : إنّ الآية صريحة في بطلان القياس لأنه ليس من حكم الله بل حكم الله تعالى ببطلانه كما تقدم بيانه وصريحة في بطلان خلافة الخلفاء (رض) لأن خلافتهم لم تكن بحكم الله ولا من أمره ، وإنّما كانت بحكم أهل السّقيفة ـ وهم غير الله قطعا ـ وصريحة في بطلان المذاهب الأربعة لأنها لم تكن من حكم الله ولا من أمره ، وإنّما كانت من حكم بيبرس البنقداري وأمره ـ كما تقدمت الإشارة إليه ، إلى غير ذلك مما دان به خصوم الشيعة ـ ولم يكن من حكم الله ولا من أمره في شيء يضيق الكتاب عن تعداده.

وأما قوله تعالى :(لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ)فمعناه واضح وهو : أنّه لا رادّ لحكمه ولا ناقض لقضائه ، ومع خروجه عن موضوع وجوب النّظر فيردّ على الاستدلال به عليه ما ورد على الاستدلال بما قبله من أن كون ذلك من حكمه يتوقف على معرفته ، فلو توقفت معرفته على معرفة كونه من حكمه لزم الدور الباطل ولازم الباطل مثله باطل.

وأما قوله تعالى :(يَفْعَلُ ما يَشاءُ)و(يَحْكُمُ ما يُرِيدُ)فيردّ على الإحتجاج به :

أولا : إنّ كونه من حكمه أو من فعله يتوقف على معرفته تعالى ، فلو توقفت معرفته عليه لزم الدور المحال.

ثانيا : أن هذه الآية ونحوها من الآيات من أظهر الأدلّة على بطلان خلافة الخلفاء (رض) وفساد المذاهب الأربعة وبطلان القياس والرأي والاستحسان وغيرها من عقائد خصومنا لأنه تعالى حكم :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ)[ آل عمران : ١٩ ] وليس في القرآن آية تدلّ على أن المذاهب الأربعة من حكمه تعالى ، وكذلك خلافة الخلفاء (رض) لم تكن من حكمه ولا من فعله ، وإنّما هو من فعل


صفحه 255

عمر (رض) وحكمه والأربعة الّذين كانوا معه ، ويقول القرآن :(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[ القصص : ٦٨ ] فالله تعالى هو الّذي خلق عليّا7واختاره إماما بعد نبيّه6دون الثلاثة (رض) بنصّ هذه الآية ، وبقرينة ما تقدم من الرواية المتواترة بين الفريقين ، كما فيها دلالة صريحة على أنّ من اختار غير ما اختاره الله فقد أشرك مع الله غيره كما صنع ذلك أهل السّقيفة ، فما ارتكبوه لم يكن مختارا لله ولا كان من أمره ، وقال تعالى :(ما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)[ الأحزاب : ٣٦ ] فهي صريحة في بطلان خلافة المتقدمين عليه ، وذلك لأن خلافتهم إن كانت مما قضى الله ورسوله6بنفيها فليس لأهل السّقيفة ولا لغيرهم إطلاقا إثباتها ، لأنهما قضيا بإثباتها لعليّ7دونهم (رض) وإن قضيا بإثباتها فليس لهم الخيرة فيها مطلقا لا نفيا ولا إثباتا ، وأيّا كان فهو دليل واضح على بطلانها لهم وصحتها لعليّ7كما دلّت عليه نصوص الفريقين المتواترة.

وأما قوله تعالى :(وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ)فيرد على الاستدلال بها :

أولا : إنّ كون المبعوث رسولا من عند الله يتوقف على معرفة الله قطعا ، فلو توقفت معرفته على كونه رسولا من عنده لزم الدور الباطل.

ثانيا : إنّ هذه الآية من الأدلة المتينة على نفي العذاب شرعا على التكليف مع عدم البيان التام الواصل إلى المرتبة الفعلية والتنجز ، وهو تابع للمعرفة فلا يمكن أخذه دليلا في إثباتها ، وبعبارة أخرى أن هذا فرع ثبوت المعرفة والفرع لا يثبت قبل ثبوت أصله.

ثالثا : أن الآية موافقة لحكم العقل في غير ما استقلّ به ـ لقبح العذاب بلا بيان والمؤاخذة بلا برهان ـ على التكاليف الشرعية من الواجبات والمحرمات قبل إرسال الرسل وإقامة الحجّة ، وليس فيه ما يدلّ على وجوب المعرفة أو عدم جوازها بالعقل فهو خارج بموضوعه عن مورد الآية ، ولو علم الآلوسي استحالة ما ذهب إليه من وجوب المعرفة بالسّمع لاستلزامه الدور الصريح لعدل إلى إختيار


صفحه 256

وجوبها بالعقل ، ولكن قال هذا وهو على غير بصيرة من أمره وكذلك كان حاله في مسائله التي أوردها في كتابه وخالها أدلة لتفنيد أقوال خصمائه ، فإنّه جاء على ذكرها وهو لا يشعر بما في طيّها من المحاذير والممتنعات العقلية الباطلة.

ثم يقال للآلوسي لا ملازمة بين وجوب الشيء في نفسه ولزوم ترتب العقاب عليه مطلقا ، على أنّ في الشريعة أمورا كثيرا محرّمة ولكن لا يترتب على ارتكابها عقاب لإمكان التدارك مطلقا ، فما جاء به من التعليل عليل لا يشفى له غليل.

الشيعة غير مخالفة للعترة:في أن وجوب النّظر عقلي

رابعا : قوله : ( وأما مخالفته للعترة ).

فيقال فيه : إنّ الخبر الّذي أورده الآلوسي وعزاه إلى الشيخ الكليني ـ رضوان الله عليه ـ فمع اضطرابه في نفسه وإجماله لفظا لا دلالة فيه ، على أنّ وجوب المعرفة شرعي من وجوه :

الأول : من الجائز أن يكون المراد من قوله : ( ليس لله على خلقه أن يعرفوا ) ألاّ يعرفوا الأحكام الشرعية الصّادرة منه تعالى التي هي من متفرعات معرفته ، ويشهد لهذا ما في آخر الخبر بقوله : ( ولا للخلق على الله أن يعرّفهم ).

الثاني : أنه إذا لم يجب تعريفهم فلا يجب عليهم معرفته ، لأن وجوب معرفته يتوقف على أمره بالوجوب ـ كما يزعم الآلوسي ـ والخبر صريح في أنه لا يجب عليه أن يعرّفهم مطلقا ، وهذا هو مذهب الأشاعرة القائلين بأنه لا واجب عليه تعالى ولا قبح منه ، وعلى فرض التسليم جدلا فهو من آحاد الخبر لا يجدي الإحتجاج به نفعا ، ولو سلّمنا تنازلا فإن عدم وجوب تعريفهم إطلاقا كما يقتضيه صريح الخبر موجب لبطلان الاستدلال به على وجوب معرفته بالسّمع ، فيتعيّن وجوب معرفته بالعقل فيكون دليلا لنا عليه لا له.

الثالث : أن مفاد الخبر أنّه لا يجب على الخلق معرفته بحقيقته وكنهه لأن ذلك مستحيل ، وليس عليه تعالى أن يعرّفهم ذلك لأنه غير ممكن ، وحينئذ فهو لا يريد أن معرفته غير واجبة قبل تعريفه المستلزم للدور الفاسد كما يزعم الخصوم.


صفحه 257

الحسن والقبح عقليان لا شرعيان

قال الآلوسي ص : (٥١) : « واعلم أن تحقيق هذه المسألة وبيان الاختلاف فيها يتوقف على تحقيق مسألة الحسن والقبح ، فلا بدّ من بيان ذلك فنقول :

الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان ، أحدهما : كمال الشيء كالعلم ونقصانه كالجهل ، وثانيهما : ملائمة الطبع كالعدل والعطاء ومنافرته كالظلم ، ويقال لهما بهذا المعنى مصلحة ومفسدة ، وثالثهما : استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب عاجلا وآجلا.

ولا نزاع لأحد في كونهما عقليّين بالمعنيّين الأولين ، وإنّما النّزاع في كونهما عقليّين أو شرعيّين بالمعنى الثالث ، فقالت الأشاعرة : إنّ الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان لا غير ؛ بمعنى أن الشرع إذا قال بأن هذا الفعل حسن أي مستحق فاعله للمدح والثواب ، وذلك الفعل قبيح أي مستحق فاعله للذمّ والعقاب ، ولا يوصفان بالحسن والقبح ، إذ لا يحكم العقل مستبدا على الأفعال بهذا المعنى في خطاب الله لعدم كون الجّهة المحسّنة والمقبّحة في أفعال العباد هي عندهم مطلقا لا لذاتها ولا لصفاتها ولا لاعتباراتها فيها ، بل كلّ ما أمر به الشّارع فهو حسن وكلّ ما نهى عنه فهو قبيح ، حتّى لو انعكس الحكم لانعكس الحال كما في النسخ من الوجوب إلى الحرمة فليس للعقل حكم في حسن الأفعال وقبحها ، وإنّما الحسن ما حسّنه الشّارع والقبيح ما قبّحه الشّارع ، وتمسّكوا على ذلك بوجوه ، الأول : إنّ الأفعال كلّها سواء ليس شيء منها في نفسه يقتضي مدح فاعله وذمّه ، لأن اقتضاءها لما ذكر إما أن يكون لذاتها أو لصفاتها أو لاعتبارات فيها ، انفرادا أو اجتماعا ، تعيّينا أو إطلاقا ، فهذه ثمانية احتمالات كلّها باطلة ».

المؤلف : أولا : قوله : « فليس للعقل حكم في حسن الأفعال وقبحها بل الحسن ما حسّنه الشّارع والقبيح ما قبّحه الشارع ».

فيقال فيه : إنّ تلك الوجوه التي اعتمد عليها الآلوسي لنفي الحسن والقبح العقليّين فاسدة جدا ، لأن العقل إذا كان لا يحكم بالحسن والقبح فكيف يا ترى


صفحه 258

حكم بحسن القياس وجوازه في الأحكام عندهم؟ فالآلوسي إما أن يقول إن للعقل حكما في حسن الأفعال وقبحها أو لا ، فإن قال بالأول ـ وهو قوله ، في حجيّة القياس المستفادة لديه من حكم العقل على حد زعمه ـ هناك بطل قوله هنا ، وإن قال بالثاني ـ وهو قوله ـ بطل قوله هناك ، وكلّ ما يقوله هنا نقوله هناك لأن القياس داخل في الشّق الثالث من معان الحسن والقبح في تقسيمه ، وحسبك هذا التناقض على فساد قوليه معا.

العقلاء لا يشكّون في أن في الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح

ثم من الطبيعي إلى درجة البداهة عند كلّ ذي عقل سليم من أيّ ملّة ودين ومن أي صنف يكون أن في الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل الإنساني كعلمنا بحسن الصّدق النافع وقبح الكذب الضّار ، فإن العقلاء لا يشكّون في ذلك وليس قطع العقل بهذا الحكم البديهي بأقل من حكمه بحاجة الممكن الذاتي إلى السبب المؤثّر ، كما لا شكّ في أن هناك ما لا يقدر العقل على العلم والإحاطة بحسنه أو قبحه فيستفيد ذلك بكشف الشارع عنها للملازمة بين الحكومتين كالأفعال العبادية من الصّلاة ، والصّيام ونحوهما من العبادات.

وخالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك فذهبوا إلى أن الحسن والقبح شرعيان ، فما حكم الشّارع بحسنه فهو حسن وما حكم بقبحه فهو قبيح ، ولا يحكم العقل بقبح شيء ولا بحسنه بالمرّة ، فجعلوا الأفعال سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبح ، ولا يتميّز القبيح بصفة تقتضي قبحه بأن يكون هو هذا القبيح ، وكذا لا يتميّز الحسن بصفة تقتضي حسنه بأن يكون هو الحسن ، فليس العقل عندهم منشأ لحسن شيء أو قبحه ، ويعني هذا أنه لا فرق عندهم بين السّجود لإبليس والسّجود لله في نفس الأمر ، ولا بين الصّدق والكذب ، ولا بين النكاح والسّفاح ، إلاّ أن الشرع أوجب هذا وحرّم ذاك ، فمعنى كونه حسنا أنه مأمور به من الشارع وكونه قبيحا أنه منهي عنه من الشرع ، لأن منشأ قبحه كونه منهيا عنه ومنشأ حسنه كونه مأمورا به ، وصرائح العقول تحكم ببطلان ذلك كلّه ، بل الفطرة السّليمة تشهد بفساده وكتاب الله صريح في فساده ، لأن الله


صفحه 259

تعالى فطر النّاس على استحسان الصّدق النافع والعدل والإحسان والعفّة والنجابة ، وفطر نواميسهم على استقباح أضدادها ، ونسبة هذا إلى مرتكزاتهم الفطرية كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم ، والرائحة الطيّبة والنتنة إلى مشامّهم ، والصوت الحسن وعدمه إلى أسماعهم على حدّ سواء ، إلى غير ما هنالك مما يفرقون بفطرتهم قبحه وحسنه ، ونفعه وضره وهذا كلّه هو القبح العقلي وحسنه.

وأما ما ذكره الآلوسي من الأقسام وأنه يعترف لحكم العقل بتحسين كمال الشيء وقبح نقصانه كالجهل ، ويعترف بحسن العدل وقبح الظلم فهو بعينه راجع إلى التحسين والتقبيح العقليّين الّذي أنكر حكمه بهما من استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، ونفى من أن يكون له حكم في شيء من ذلك لأن الكمال والنقص إنما يجريان في الأفعال ، والاعتراف بالحسن والقبح بهذا المعنى في الأفعال مستلزم للقول بالحسن والقبح الّذي جعله محلّ النّزاع من استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، لأن بداهة العقل تحكم بأنه لا يجوز على الحكيم الكامل أن ينهى عن الصّدق النافع ويجعله متعلّقا للذم والعقاب ، ولا يجوز عليه أن يأمر بالكذب الضارّ ويجعله متعلّقا للمدح والثواب ، كما زعم ذلك هذا الرجل في قضية النّسخ من الواجب إلى الحرام وبالعكس ، فإنكار هذا لا شكّ في أنه من كمال المناقضة مع الاعتراف بذلك.

ثانيا : قوله : « وتمسّكوا على ذلك بوجوه ».

فيقال فيه : إنّ تلك الوجوه التي أشار إليها هذا الآلوسي والتي أخذها تقليدا لنفي الحسن والقبح العقليّين وأنه لا حسن ولا قبح عندهم بالعقل هي بعينها واردة على ما اعترف به من القسمين الأولين الّذي زعم أنهما قسيمان للمعنى الثالث مع أن الجميع واحد في المعنى فحكمه واحد ، أما التقسيم الّذي جاء به فإنما هو من مخترعات المتأخرين من الخصوم ، حاولوا به الفرار من فساد سلعتهم وبطلان مزعمة رئيسهم الأشعري ، فإن هذا التقسيم قديما لم يكن في أقوالهم كما يتضح لمن راجع كلماتهم لا سيما كلمات الأشعري في هذا الباب ، وقد ألمعنا غير مرّة إلى وجود كمال المناقضة بين اعترافهم بحكمه بهما في الأولين من النقص