بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 257

الحسن والقبح عقليان لا شرعيان

قال الآلوسي ص : (٥١) : « واعلم أن تحقيق هذه المسألة وبيان الاختلاف فيها يتوقف على تحقيق مسألة الحسن والقبح ، فلا بدّ من بيان ذلك فنقول :

الحسن والقبح يطلقان على ثلاثة معان ، أحدهما : كمال الشيء كالعلم ونقصانه كالجهل ، وثانيهما : ملائمة الطبع كالعدل والعطاء ومنافرته كالظلم ، ويقال لهما بهذا المعنى مصلحة ومفسدة ، وثالثهما : استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب عاجلا وآجلا.

ولا نزاع لأحد في كونهما عقليّين بالمعنيّين الأولين ، وإنّما النّزاع في كونهما عقليّين أو شرعيّين بالمعنى الثالث ، فقالت الأشاعرة : إنّ الحسن والقبح بهذا المعنى شرعيان لا غير ؛ بمعنى أن الشرع إذا قال بأن هذا الفعل حسن أي مستحق فاعله للمدح والثواب ، وذلك الفعل قبيح أي مستحق فاعله للذمّ والعقاب ، ولا يوصفان بالحسن والقبح ، إذ لا يحكم العقل مستبدا على الأفعال بهذا المعنى في خطاب الله لعدم كون الجّهة المحسّنة والمقبّحة في أفعال العباد هي عندهم مطلقا لا لذاتها ولا لصفاتها ولا لاعتباراتها فيها ، بل كلّ ما أمر به الشّارع فهو حسن وكلّ ما نهى عنه فهو قبيح ، حتّى لو انعكس الحكم لانعكس الحال كما في النسخ من الوجوب إلى الحرمة فليس للعقل حكم في حسن الأفعال وقبحها ، وإنّما الحسن ما حسّنه الشّارع والقبيح ما قبّحه الشّارع ، وتمسّكوا على ذلك بوجوه ، الأول : إنّ الأفعال كلّها سواء ليس شيء منها في نفسه يقتضي مدح فاعله وذمّه ، لأن اقتضاءها لما ذكر إما أن يكون لذاتها أو لصفاتها أو لاعتبارات فيها ، انفرادا أو اجتماعا ، تعيّينا أو إطلاقا ، فهذه ثمانية احتمالات كلّها باطلة ».

المؤلف : أولا : قوله : « فليس للعقل حكم في حسن الأفعال وقبحها بل الحسن ما حسّنه الشّارع والقبيح ما قبّحه الشارع ».

فيقال فيه : إنّ تلك الوجوه التي اعتمد عليها الآلوسي لنفي الحسن والقبح العقليّين فاسدة جدا ، لأن العقل إذا كان لا يحكم بالحسن والقبح فكيف يا ترى


صفحه 258

حكم بحسن القياس وجوازه في الأحكام عندهم؟ فالآلوسي إما أن يقول إن للعقل حكما في حسن الأفعال وقبحها أو لا ، فإن قال بالأول ـ وهو قوله ، في حجيّة القياس المستفادة لديه من حكم العقل على حد زعمه ـ هناك بطل قوله هنا ، وإن قال بالثاني ـ وهو قوله ـ بطل قوله هناك ، وكلّ ما يقوله هنا نقوله هناك لأن القياس داخل في الشّق الثالث من معان الحسن والقبح في تقسيمه ، وحسبك هذا التناقض على فساد قوليه معا.

العقلاء لا يشكّون في أن في الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح

ثم من الطبيعي إلى درجة البداهة عند كلّ ذي عقل سليم من أيّ ملّة ودين ومن أي صنف يكون أن في الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل الإنساني كعلمنا بحسن الصّدق النافع وقبح الكذب الضّار ، فإن العقلاء لا يشكّون في ذلك وليس قطع العقل بهذا الحكم البديهي بأقل من حكمه بحاجة الممكن الذاتي إلى السبب المؤثّر ، كما لا شكّ في أن هناك ما لا يقدر العقل على العلم والإحاطة بحسنه أو قبحه فيستفيد ذلك بكشف الشارع عنها للملازمة بين الحكومتين كالأفعال العبادية من الصّلاة ، والصّيام ونحوهما من العبادات.

وخالفت الأشاعرة جميع العقلاء في ذلك فذهبوا إلى أن الحسن والقبح شرعيان ، فما حكم الشّارع بحسنه فهو حسن وما حكم بقبحه فهو قبيح ، ولا يحكم العقل بقبح شيء ولا بحسنه بالمرّة ، فجعلوا الأفعال سواء في نفس الأمر وأنها غير منقسمة في ذواتها إلى حسن وقبح ، ولا يتميّز القبيح بصفة تقتضي قبحه بأن يكون هو هذا القبيح ، وكذا لا يتميّز الحسن بصفة تقتضي حسنه بأن يكون هو الحسن ، فليس العقل عندهم منشأ لحسن شيء أو قبحه ، ويعني هذا أنه لا فرق عندهم بين السّجود لإبليس والسّجود لله في نفس الأمر ، ولا بين الصّدق والكذب ، ولا بين النكاح والسّفاح ، إلاّ أن الشرع أوجب هذا وحرّم ذاك ، فمعنى كونه حسنا أنه مأمور به من الشارع وكونه قبيحا أنه منهي عنه من الشرع ، لأن منشأ قبحه كونه منهيا عنه ومنشأ حسنه كونه مأمورا به ، وصرائح العقول تحكم ببطلان ذلك كلّه ، بل الفطرة السّليمة تشهد بفساده وكتاب الله صريح في فساده ، لأن الله


صفحه 259

تعالى فطر النّاس على استحسان الصّدق النافع والعدل والإحسان والعفّة والنجابة ، وفطر نواميسهم على استقباح أضدادها ، ونسبة هذا إلى مرتكزاتهم الفطرية كنسبة الحلو والحامض إلى أذواقهم ، والرائحة الطيّبة والنتنة إلى مشامّهم ، والصوت الحسن وعدمه إلى أسماعهم على حدّ سواء ، إلى غير ما هنالك مما يفرقون بفطرتهم قبحه وحسنه ، ونفعه وضره وهذا كلّه هو القبح العقلي وحسنه.

وأما ما ذكره الآلوسي من الأقسام وأنه يعترف لحكم العقل بتحسين كمال الشيء وقبح نقصانه كالجهل ، ويعترف بحسن العدل وقبح الظلم فهو بعينه راجع إلى التحسين والتقبيح العقليّين الّذي أنكر حكمه بهما من استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، ونفى من أن يكون له حكم في شيء من ذلك لأن الكمال والنقص إنما يجريان في الأفعال ، والاعتراف بالحسن والقبح بهذا المعنى في الأفعال مستلزم للقول بالحسن والقبح الّذي جعله محلّ النّزاع من استحقاق المدح والذم والثواب والعقاب ، لأن بداهة العقل تحكم بأنه لا يجوز على الحكيم الكامل أن ينهى عن الصّدق النافع ويجعله متعلّقا للذم والعقاب ، ولا يجوز عليه أن يأمر بالكذب الضارّ ويجعله متعلّقا للمدح والثواب ، كما زعم ذلك هذا الرجل في قضية النّسخ من الواجب إلى الحرام وبالعكس ، فإنكار هذا لا شكّ في أنه من كمال المناقضة مع الاعتراف بذلك.

ثانيا : قوله : « وتمسّكوا على ذلك بوجوه ».

فيقال فيه : إنّ تلك الوجوه التي أشار إليها هذا الآلوسي والتي أخذها تقليدا لنفي الحسن والقبح العقليّين وأنه لا حسن ولا قبح عندهم بالعقل هي بعينها واردة على ما اعترف به من القسمين الأولين الّذي زعم أنهما قسيمان للمعنى الثالث مع أن الجميع واحد في المعنى فحكمه واحد ، أما التقسيم الّذي جاء به فإنما هو من مخترعات المتأخرين من الخصوم ، حاولوا به الفرار من فساد سلعتهم وبطلان مزعمة رئيسهم الأشعري ، فإن هذا التقسيم قديما لم يكن في أقوالهم كما يتضح لمن راجع كلماتهم لا سيما كلمات الأشعري في هذا الباب ، وقد ألمعنا غير مرّة إلى وجود كمال المناقضة بين اعترافهم بحكمه بهما في الأولين من النقص


صفحه 260

والكمال والعدل والعدوان وإنكارهم لحكمه بهما في الأخير من المدح والثواب والذم والعقاب الّذي هو الآخر مستلزم لذلك وتابع للأفعال الحسنة ، وأنّه من المستحيل الّذي لا يكون أبدا أن يأمر الحكيم الكامل بالقبيح في نفسه كالكذب الضارّ ويمدح فاعله ويثيبه ، أو ينهى عن الحسن في نفسه كالصّدق النّافع ويذم فاعله ويعاقبه عليه ، وهذا شيء يدرك قبحه حتّى الجهلاء والأغبياء فكيف الحال بالعلماء.

ثم كيف يا ترى يستطيع الآلوسي بتلك الوجوه الواهية أن ينكر ما يعلمه كلّ عاقل بفطرته من حسن الصّدق النّافع وقبح الكذب الضارّ ، وهما من أظهر مصاديق حكم العقل في هذه المسألة مطلقا سواء أكان هناك شرع أم لا ، وكيف لا يستقلّ بترتب المدح على الأول والذم على الثاني والعقاب على الثاني والثواب على الأول ، ولسنا نريد من حكم العقل بترتب الثواب والعقاب في الصورتين ترتبهما بخصوصياتهما المعلومة في عرف الشّرع ، وإنّما نريد حكمه بترتب الثّواب على العبد المطيع الفاعل لما يوجب المدح فيستحقّ العطاء من سيّده العدل الحكيم ، وحكمه بترتب العقاب على العبد العاصي الفاعل لما يوجب الذمّ فيستحقّ العقاب من مولاه اللّطيف الخبير.

وبعبارة أوضح : أنّ العقل بطبيعته يحكم حكما جازما لا مرية فيه بأنّ من فعل شيئا على وفق أمر الحكيم يجزيه خيرا ، وإذا فعل خلاف نهيه يجزيه شرا ، وهذا الأمر في الوضوح إلى درجة لا يختلف العقلاء بوجوده عند أنفسهم فكيف بإله العالمين.

وإذا عرفت هذا فهلم معي لأريك الوجوه الباطلة الّتي تمسّك بها الخصوم لإثبات مذهبهم :

قال الآلوسي : « أما بطلان الأول يعني اقتضاء ذوات الأفعال للمدح والذّم والثواب والعقاب فلأن فعلا واحدا قد يتصف بالحسن والقبح معا باعتبارين كلطم اليتيم ظلما وتأديبا ، فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل فقط كما هو المفروض في هذا الاحتمال فإن كانت الذات مقتضية لهما معا لزم صدور الأثرين المتضادين من


صفحه 261

مؤثر واحد واجتماع النقيضين أو لأحدهما مطلقا لزم تخلّف المعلول عن العلّة الموجبة في الأخرى ، وبالإطلاق تخلفهما جميعا وترجيح بلا مرجح في الاقتضاء واللّوازم كلّها باطلة ».

ما جاء به من الوجوه لإثبات أن الحسن والقبح شرعيان باطل

المؤلف : أولا : قوله : « فلأن فعلا واحدا ».

فيقال فيه : ويرد عليه بالنقض بأن نقول : إنّ الشيء الواحد قد يتصف بالحسن والقبح باعتبارين كجهل الإنسان بالفقه وعلمه بالنحو ، وقد اعترف الآلوسي بأنّ الحسن والقبح بمعنى النقص والكمال ، وملائمة الطبع وعدمه كالعدل والظلم مما يحكم العقل بهما ، وإذا كان كذلك فإن كانت الذات في المثال مقتضية لهما معا لزم صدور الأثرين المتضادين عن مؤثر واحد واجتماع النقيضين ، بل جميع ما ذكره من المحاذير العقلية التي زعم أن ذلك من موردها ، وكلّ ذلك باطل وما ذهب إليه أيضا باطل ، فإيراده بهذا الوجه ونحوه من الوجوه على القول بالتحسين والتقبيح العقليّين بمعنى استحقاق الذّم والمدح لو صح ورودها فليست واردة على الشيعة وحدها بل هي أيضا واردة عليه لأنه هو الآخر ممن يقول به بالمعنى المتقدم في مثاله ، فيكون قول الآلوسي موردا لإيراده بهذا الوجه وغيره ، وحينئذ فهو إمّا أن يقول بصحة هذا الإيراد بهذا الوجه ونحوه من الوجوه المذكورة ، وإما أن يقول بصحة حكم العقل بالحسن والقبح بمعنى النقصان والكمال والعدل والظلم ، فإن قال بالأول ـ وهو قوله أيضا ـ بطل قوله الثاني ، وأن قال بالثاني ـ وهو قوله أيضا ـ بطل قوله الأول ، وعلى هذا فاسحب سائر الوجوه الفاسدة التي جاء بها وظنها براهين متينة على فساد قول خصومه بلا تثبت ولا روية ، ولو كان الآلوسي ممن ينتبه إلى تناقضه وتناقض الآخرين من سلفه في بحثه ، وتفطن إلى أن آراءهم وأقوالهم تذبح بعضها بعضا وتنقض بعضها البعض من غير أن يحتاج الناقد البصير إلى التدليل بالأدلة على فسادها لسبق لسانه إلى إختيار ما ذكرنا ولعجّل بالرجوع إلى مذهبنا.

ثانيا : قوله : « فلو كان هذا الاتصاف لذات الفعل ».


صفحه 262

فمدخول من وجوه :

الأول : إن اتصاف ذات الفعل بصفة من جهة واتصافه بأخرى من جهة أخرى ليس من باب استلزام صدور الأثرين المتضادين من مؤثر واحد ، ولا قائل بأن ذات الفعل من حيث هي بلحاظها أولا وبالذات تكون حسنة وقبيحة حتى يلزم منه صدور أثرين متضادين من مؤثر واحد كما توهمه الآلوسي ، وإنّما هو من صدور الأثرين المتضادّين من مؤثرين لأن المؤثر في حسنه هو ذلك الإعتبار والمؤثر في قبحه اعتبار آخر ، ومع الاختلاف في الاعتبار يكون ذلك من باب صدور الأثرين من مؤثرين ولا محذور فيه إطلاقا ، ولكن الآلوسي لما خلط بين كون الشيء حسنا باعتبار لأنه مؤثر في حسنه وقبيحا باعتبار آخر لأنه مؤثر في قبحه وبين كون الشيء الواحد بذاته يكون حسنا وقبيحا بلحاظه الأوليّ بنى على خلطه هذا البناء المنهار على رأسه.

فالقائلون بالتحسين والتقبيح العقليّين لا يقولون إن الشّيء من حيث هو يكون حسنا وقبيحا حتّى يستلزم تلك اللّوازم الباطلة في زعم الخصوم ، وإنّما يقولون إنّ العقل إذا ما أدرك حسن فعل لجهة اقتضت حسنه فإنه يحكم بحسنه ، وإذا ما أدرك قبح شيء لصفة اقتضت قبحه فإنه يحكم بقبحه ، فما هذر به الآلوسي كلّه خارج عن الموضوع يحاول به إرهاب قلوب الزعانف ليقال فيه إنه فنّد أقوال الشّيعة بأدلّة عقلية دون أن يشعر هو ويشعرون بأنه لم يأت بغير التخليط الّذي لا قوام له ولا يقوى به إلاّ على من اختلط عقله.

الثاني : إنّ ما زعمه هاهنا لا يتفق مع المثال الّذي جاء به من ضرب اليتيم ظلما وتأديبا ، وذلك لاختلاف الفعل فيه من جهتين كلّ واحدة منهما موجبة لأثرها ، لأن العقل يدرك قبح ضربه ظلما فيحكم بقبحه لهذه الجهة ويحكم بحسنه تأديبا لجهة أخرى لا صلة لها بتلك الجهة التي حكم من أجلها بقبحه ، وليس في هذا ما يقتضي أن يكون الضّرب بذاته حسنا وقبيحا ليكون منشأ جاء به من دعوى اجتماع النقيضين في واحد ، وتخلّف المعلّول عن علّته ، والترجيح بلا مرجح وغير ذلك مما هو معلوم الخروج عن الموضوع أصلا وفرعا ، نعم يلزم القول


صفحه 263

بإنكار التحسين والتقبيح العقليّين الخلوّ المحال المعلوم بالبداهة بطلانه ، وذلك لأن العقل لا يحكم بحسن شيء ولا بقبحه مطلقا ـ على حدّ زعمه ـ والشيء بلحاظ ما يعرض عليه إما أن يكون حسنا أو قبيحا ، ولا يعقل أن يكون بذلك اللّحاظ لا حسنا ولا قبيحا ، كضرب اليتيم مثلا مطلقا سواء أكان ظلما أم تأديبا ، وسواء أكان هناك شرع أم لا ليس بقبيح ولا حسن وهو محال عقلا ، لأنه على سبيل المنفصلة الحقيقية إما قبيح وإما حسن فتأمل.

اقتضاء الذّات لصفتين متضادتين ليس علّة تامّة في التأثير

الثالث : إن اتصاف ذوات الأفعال بصفتين متضادتين بنحو الاقتضاء لا يستلزم صدور أثرين عن مؤثر واحد لعدم كون اقتضاء الذات لهما موجبة تامة في التأثير لتوقف تأثير المقتضى على عدم المانع وثبوت الشّرط ، لأن تأثير العلّة في معلولها مطلقا منوط بتحقق شروطها ومع فقدها لأحد الشروط المعتبرة في التأثير طبعا تنتفي العلّة الموجبة ، وشروط العلّة ثلاثة : ١ ـ وجود المقتضى. ٢ ـ عدم المانع لتأثير المقتضي بمقتض آخر ، ٣ ـ الشرط لتأثير المقتضي وهو قابلية الموضوع لتأثير المقتضى فيه ، فإذا تحققت هذه الشروط وتوفرت فيه تحققت الموجبة في التأثير وإلاّ فلا ، والمقام من هذا القبيل فلأن كون الذّات مقتضية لهما معا فمع قطع النظر عن كون ذلك باعتبارين موجبين لهما كما تقدم لا يلزم منه صدور أثرين متضادين من مؤثر واحد في آن واحد ؛ لأن تأثير أحد المقتضيّين بنحو الموجبة التّامة هو مانع من تأثير المقتضى في الآخر قطعا.

وبعبارة أخرى أن الذّات المقتضية لأحدهما خاصة تكون علّة موجبة في التأثير فتمنع من تأثيره المقتضي في الآخر فيكون القوي من المقتضيّين في التأثير مانع من تأثير الضعيف ، وذلك ما لو فرضنا أنّ العقل قد أدرك حسن شيء لجهة اقتضت حسنة فيكون موجبة تامّة للحكم بحسنه ، وهذا ما يمنع علّة الحكم بقبحه لعدم توفر شروطه ومجرد الاقتضاء لا يكون موجبة تامّة في التأثير لعدم تحقق شروطه كما ألمعنا.

ومن ذلك تعرف فساد قول الآلوسي : ( وإن كانت الذات مقتضية لأحدهما مطلقا لزم تخلّف المعلوم عن العلّة الموجبة في الآخر ) لأن التخلّف الباطل إذا


صفحه 264

كان الآخر علّة موجبة للتأثير إمّا إذا كان من سنخ المقتضي فلا تكون موجبة لعدم اجتماع شروطه فلا يكون الآخر علّة موجبة للتأثير مع وجود المانع ولا يلزم من ذلك الترجيح بلا مرجح في الاقتضاء كما توهمه الخصم ، لأن المرجح لأحد المقتضيّين هو العقل بعد إدراكه جهة الترجيح في أحدهما فيمنع ذلك من الرجحان بلا مرجح ، على أنّه رجوع إلى منع إدراك العقل بدعوى الترجيح بلا مرجح وهو عين الدعوى فلا يصح أن يكون دليلا على إثبات المدّعى.

قال الآلوسي ص : (٥٢) : « وإما بطلان الثاني ـ يعني أن اقتضاء الأفعال المدح والذم لصفاتها ـ فلأنه إن كانت الصّفات لازمة للذات لزم اجتماع النقيضين مطلقا والصدور والتخلف إن كانت العلّة الموجبة لهما صفة واحدة وهو ظاهر ، وإن كانت من العرض المفارق فلأن عروضها إما لذات الفعل أو لصفة أخرى لها لا سبيل إلى الثاني لبطلان التسلسل وكذا إلى الأول لبطلان قيام العرض بالعرض أو لمجموعها فينتقل الكلام إلى عروض تلك الصّفة الأخرى فحينئذ يلزم هاهنا ما لزم ثمة ».

هاهنا تضحك الثكلى وتجهض الحبلى

المؤلف : ينبغي هاهنا أن تضحك الثكلى وتجهض الحبلى ـ فيا للحكماء والمتكلمين هكذا فليكن سحر البيان والحكمة وإلاّ فلا ، والّذي يظهر من كلمات الآلوسي أنه في الأصل لم يفهم كلام ذلك الهندي فقصد تلخيص كلماته العربية في هذا الموضع ، ولكنه لم يهتد إلى فهمها بل ولم ينتبه ذلك الهندي إلى هذيانه هاهنا ، وإنّما أورده لأنه رأى شيئا مسطورا في كتب أشياخه من غير أن يفهمه أو يدري ما هو فجاء به وهو يحسب أن مثل هذا الهذيان والهراء دليل على إبطال التحسين والتقبيح العقليّين ، ونحن لا نعذله ولا نعذل ذلك الهندي على هذيانهم لأن مسألة الحسن والقبح العقليّين لا يتحملها إلاّ ذوو العقول النيّرة والأفهام المستقيمة ، ولا يدرك مغزاها إلاّ أولوا البصائر ، ولا يصل إلى غورها إلاّ أولوا الألباب ، أما الجاهلون الّذين لا يدركون حسن الشيء وقبحه فليس لهم أن يدخلوا في أمثال هذه المسائل التي زلّت فيها أقدام كثيرين من الأعلام ، وليس من حقّهم