وهل قول الآلوسي في ذلك إلاّ كما قاله الشاعر العربي :
ألقاه في اليمّ مكتوفا وقال له
إيّاك إيّاك أن تبتلّ بالماء
ولعمر الحقّ إن استلزام الأمر والنهي للإرادة والكراهة وأنهما أمارتان عليهما يعرفه حتى الأطفال والمجانين ، فإذا كان العاقل المختار لا يأمر بشيء إلاّ وهو يريده ولا ينهى عن شيء إلاّ وهو يكرهه ، وإذا ما كان الأمر والنهي دليلين على الإرادة والكراهة عند العقلاء وأنهم ينسبون من يأمر بما لا يريد أو ما يكره وينهى عمّا لا يكره أو ينهى عما يريد إلى السّفاهة والجهالة ، فكيف استساغ الآلوسي أن ينسب ذلك إلى الله ، وكيف طاوعه ضميره ولم ينهه عن عكس القضية ، ولكن :(أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً)[ الفرقان : ٤٤ ].
الله لا يرضى بكفر أحد من عباده
قال الآلوسي ص : (٦٢) : « إنّ الله تعالى لم يرض بكفر أحد من عباده وضلالته لقوله تعالى :(وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ)[ الزمر : ٧ ] قال الإثنا عشرية يرضى ضلالة غير الشيعة ».
المؤلف : أما القول بأنّ الله يرضى بضلالة عباده فهو من معتقدات هذا الخصم الّذي مرّ عليك زعمه أنّ الله تعالى يريد جميع الكائنات كالشرور والمعاصي والفسوق ، وأنّه خالق أفعال العبد كالكفر والشرك والضلال والنفاق ، لأنّه خالق كلّ شيء فهي داخلة في ذلك الشيء كلّه ، وأنّه تعالى هو الّذي أراد ذلك منهم ـ كما يزعمون ـ أما الشيعة فإنهم بريئون مما يقوله الخصوم مطلقا.
آيات الهداية والضّلالة لا تريد غير ما أراده الله
أما آيات الهداية والضلالة ، فإن الهداية فيها مستعملة لغة بمعنى الدلالة والإرشاد والتوفيق ، نحو قوله تعالى :(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)[ اللّيل : ١٢ ] كما وأنها مستعملة فيها بمعنى الفوز والنجاة ، كقوله تعالى :(لَوْ هَدانَا اللهُ
لَهَدَيْناكُمْ)إبراهيم : ٢١ ] أي لو أنجانا الله لأنجيناكم ، ونحو قوله تعالى :(وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ)[ البقرة : ٢٦٤ ] أي لا ينجيهم ، ومستعملة بمعنى الحكم والتسمية ، نحو قوله تعالى :(فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ)ـ إلى قوله تعالى ـ(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ)[ النساء : ٨٨ ] والمعنى أتريدون أن تسموا مهتديا أو تحكموا عليه بالهداية من سمّاه الله تعالى ضالاّ وحكم عليه بالضّلال باختياره الضّلال وتقديمه له على الهدى.
وأما كلمة الضّلال الواردة في القرآن فإنها تطلق في اللّغة على معان كثيرة ، منها : الضياع نحو قوله :(وَوَجَدَكَ ضَالًّا)[ الضحى : ٧ ] أي ضائعا كما قيل : ( عالم ضاع بين جهّال ) ومنها الهلاك ، ومنها الحكم والتسمية ، ومنها المصادفة والوجدان ، كقوله تعالى :(وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ)[ الجاثية : ٢٣ ] أي وجده وصادفه ضالاّ ، ومنها العذاب والهلاك ، نحو قوله تعالى :(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ)[ القمر : ٤٧ ] أي في عذاب وهلاك ، ومنها النسيان نحو قوله تعالى :(أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى)[ البقرة : ٢٨٢ ].
ومنها الإبطال نحو قوله تعالى :(الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ)[ محمّد : ١ ] أي أبطلها ، ومنها الإغواء وليس في القرآن ولا في السنّة من ألفاظ الضّلال بمعنى الإغواء شيء يضاف إلى الله تعالى إطلاقا ، على أنّه لم يرد في لغة العرب أن لفظة أضلّ بمعنى خلق الضّلال في الإنسان ، ولا لفظة هدى بمعنى خلق الهداية فيه.
فظهر لك من هذا كلّه أن القول بكون الله تعالى هو المغوي عن الدين ، والمضلّ عن الرشد ، وأنّ كلّ ضلالة هو فاعلها ـ تعالى عن ذلك ـ إنّما هو من مزاعم الآلوسي وغيره من خصماء الشيعة القائلين إنّ الله تعالى مريد وخالق لجميع أفعال الخلائق أجمعين ، كالكفر ، والشرور ، والمعاصي ، والعهور وغير ذلك من أنواع الفسق والفجور ، ولا شك في أنّ ذلك لو تم للخصوم لبطل كلّ أمر ونهيّ ، وسقط كلّ تكليف وفرض ، بل يبطل الإحتجاج عليهم بالكتب المنزّلة من عند الله والمرسلين المبعوثين من عنده تعالى ، ويبطل كلّ وعد ووعيد إذ لا فائدة حينئذ في
بعث الأنبياء:إليهم ما دام الله تعالى أراد لهم في زعم الخصوم أن يرتكبوا كلّ ألوان الفساد والكفر والزندقة والعناد ، وكلّ ذلك رجوع إلى شريعة الغاب وبه تقر عين الآلوسي وأخيه الهندي وأضرابهما.
ثم يقال لهذا الخصم : إنّ العقل حاكم بطبيعته بأنّ الله تعالى عادل حكيم لا يكلّف بغير الطاقة ولا يؤاخذ بغير ذنب ، فكيف يا ترى ينهى هو عن الإضلال والإغواء ، ثم هو نفسه تعالى عن ذلك يفعله على زعم الآلوسي ، فإن من الواضح الّذي لا شك يعتريه أنه لا يليق بأقل العقلاء أن يفعل ما ينهى عنه الآخرين ، فكيف يجوز في منطق العقل نسبة ذلك إلى الله ربّ العالمين ، وفي القرآن العربي المبين يقول الله العظيم :(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)[ البقرة : ٤٤ ] ولقد غفل الآلوسي وما أشدّ غفلته عن قول الشاعر العربي :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم
أ ترى يرضى الآلوسي وغيره من الخصوم إذا قلنا لهم إنكم فعلتم كلّ فساد وارتكبتم كلّ موبقة وعملتم كلّ قبيح وشنيع ، وأضللتم العباد وأغويتم الغافلين وأضللتموهم عن طريق الهدى والرشاد ، وأوصدتم الباب في وجوههم أللهم كلا ، بل يطعنون فينا كلّ الطعن ويرفعون عقيرتهم علينا بالسّباب إذا نسبنا إليهم تلك الصّفات الناقصة والرذائل الفظيعة.
فإذا كانوا لا يرضون لأنفسهم صفات النقص وتشمئز نفوسهم من إضافتها إليهم فكيف يا ترى ساغ لهم أن يضيفوا ذلك كلّه إلى الله المنزّه عن كلّ نقص وعيب ، والمستحق لكلّ كمال أعلاه وأسماه إله العالمين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ، وهم غير خائفين من سطوته وغير وجلين من غضبه بما نسبوه إليه تعالى عنه.
الآيات القرآنية دالّة على خلاف ما ذهب إليهم الخصم
ولو تعدينا ذلك إلى آيات الكتاب لوجدناها صريحة الدلالة على خلاف ما ذهب إليه الخصم ، قال تعالى :(إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)[ الإنسان : ٣ ] وقال تعالى :(وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)[ الشمس : ٧ ـ ١٠ ] وقال تعالى :(هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى)[ البقرة : ١٨٥ ] وقال تعالى :(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى)[ فصلت : ١٧ ] وقال تعالى :(وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى)[ الإسراء : ٩٤ ] إلى كثير من آيات القرآن الدالة بصراحة على أنّه تعالى قد هدى النّاس جميعا وما أضلّ أحدا منهم ، وإنّما أضاف الإضلال إلى أنفسهم ، فقال تعالى :(وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَما هَدى)[ طه : ٧ ] وقال تعالى :(إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ)[ ص : ٢٦ ] وقال تعالى فيما اقتصه من خبر إبليس اللّعين :(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ)[ النساء : ١١٩ ] وقال تعالى :(وَأَضَلُّوا كَثِيراً)[ المائدة : ٧٧ ] وقال تعالى :(قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ)[ المائدة : ٧٧ ] وقال تعالى :(لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ)[ إبراهيم : ٣٠ ] وقال تعالى :(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ)[ البقرة : ٣٦ ] وقال تعالى :(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ)[ الأنعام : ٤٣ ] وقال تعالى :(رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا)[ الأعراف : ٣٨ ] وقال تعالى :(رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ)[ فصلت : ٢٩ ] وقال تعالى :(وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ)[ التوبة : ١١٧ ] وقال تعالى :(رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا)[ الأحزاب : ٦٧ ] إلى كثير من آيات الذكر الحكيم ما يضيق المقام عن تعداده ، وحسبكها برهانا قاطعا لإرجاف المرجفين ودليلا ساطعا لدفع أقوال الآلوسي.
ما نسبه الآلوسي إلى الشيعة في معنى قولهم يجب على الله
قال الآلوسي ص : (٦٢) : « إنّ الله لا يجب عليه شيء كما هو مذهب أهل السنّة ، وقالت الشيعة واتفقوا على وجوب كثير من الأشياء عليه ، وليس هذا يلائم مرتبة الربوبية ، وقال جميع الإمامية أيضا بوجوب التكليف عليه تعالى ، بمعنى يجب عليه أن يكلف المكلفين بأن يأمرهم وينهاهم وأن يخبرهم بذلك بواسطة الرسل ، ولا يقتضي العقل أصلا أن يكلّف الكافر بالإيمان والفاجر بالطاعة.
وأيضا لو وجب التكليف لكان لا بد أن يرسل في كلّ قرية وبلدة الرسل متواليا. ولم يقع زمن الفترة ، ولم يخل قطر وناحية من الرسل ، لأن العقل لا
يكفي في معرفة التكاليف بالإجماع ، والحاجة للرسل ماسّة بالضرورة ، وأيضا كان على الله تعالى أن ينصّب بعد موت النبيّ6إماما غالبا غير خائف ... إلى آخر أقواله ».
المؤلف : ليس الوجوب الّذي تقول به الشيعة كما صوره الخصم ، وإنّما هو بمعنى أن الله تعالى بمقتضى حكمته وعدله أوجب على ذاته القدسية ألاّ يخلّ بالواجب ولا يفعل القبيح كما جاء التنصيص عليه في كثير من آيات القرآن الكريم ، كقوله تعالى :(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)[ الأنعام : ٥٤ ] وقوله تعالى :(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)وقوله تعالى :(وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)[ الروم : ٤٧ ] وقوله تعالى :(قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)[ الأنعام : ١٢ ] وقوله تعالى :(وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)[ الحج : ٤٠ ].
ومفهوم هذه الآيات واضح ، وهو يدلّ بصراحة على أنّه تعالى كتب على نفسه وأوجب عليها نصر المؤمنين ونصر من نصره ، كما أوجب عليه الرحمة وكتبها على نفسه ، وذلك لا يعني إيجاب غيره عليه إطلاقا على خصومه ، وكم من فرق بين ما أوجبه الله تعالى على نفسه بنفسه المدلول عليه في هذه الآيات ، وبين ما يوجبه غيره عليه ، والّذي ذهب إليه الشيعة هو الأول دون الثاني فإنه لا قائل به.
وأما قول الآلوسي : ( إنّهم يقولون إنه يجب على الله أن يكلّف المكلفين ) فهو كذب لا أصل له ، لأنهم إنّما يقولون إنّ الله تعالى لم يكلّف أحدا فوق طاقته ، ولم يلزمه الإتيان بغير المقدور ، وإنّه تعالى لم يفعل شيئا عبثا ، بل إنما يفعله لمصلحة وحكمة كما جاء القرآن به ، كقوله تعالى :(وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ)[ الأنبياء : ١٦ ] وقوله تعالى :(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ)[ المؤمنون : ١١٥ ] وقوله تعالى :(ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)[ الذاريات : ٥٦ ] ولكن الآلوسي وغيره من خصماء الشيعة خالفوا هذه الآيات ونحوها ، وقالوا إنّه لا يجوز أن يفعل الله تعالى لغرض ولا لمصلحة ، ويجوز أن يؤلم العبد بغير غرض ولا مصلحة تعود إلى العبد.
وقالت الشيعة : إنّ الله تعالى لم يفعل القبيح ، ولم يخلّ بالواجب ، وإن جميع أفعاله صواب وحكمة ليس فيها ظلم ولا عدوان ولا كفر ولا بهتان ، لأنه غنيّ عن القبيح مطلقا ، وعالم به فلا يفعله.
وقد خالف هذا الخصم فزعم أنّه تعالى يفعل القبيح ، وأنه تعالى خالق لجميع القبائح والمفاسد والشرور ، وليس ذلك من فعل الإنسان لأنه لا قبح من الله ولا واجب عليه ، بل فاعل كلّ شيء وخالق كلّ شيء ومريد كلّ شيء ، والقبائح هي الأخرى داخلة في ذلك الشيء ، كما ترشد إليه كلمات هذا الآلوسي ، ويقول القرآن :(وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ)[ البقرة : ٢٠٥ ] ولا شك في أن نسبة حبّ الفساد وكونه مريدا له تكذيب لله تعالى عمّا يقول الكاذبون علوّا كبيرا.
وقالت الشيعة : إنّ الله تعالى يريد الطاعات سواء وقعت أو لا ، ويكره المعاصي سواء وقعت أو لا ، وخالف هذا الآلوسي فقال : إنّ إرادة الله عامّة لجميع الكائنات كالشرور والمعاصي ، وإنّ كلّ شيء يقع في الوجود من العبد هو مراد لله والله خالقه ، وليس العبد إلاّ آلة فيها ( كالمنشار بيد النجار ) هذا ما يقوله الآلوسي وغيره من خصوم الشيعة ، والقرآن يقول :(وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ)[ غافر : ٣١ ] ويقول :(كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً)[ الإسراء : ٣٨ ] ويقول :(وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ)[ الزمر : ٧ ] إلى كثير من أمثال هذه الآيات الدالّة على أنّه تعالى يريد الطّاعات ويكره المعاصي.
ومن جميع ذلك يتضح لك جليّا مخالفة الآلوسي لهذه الآيات ، وأنّه من الّذين هم عن الصراط ناكبون ، ( فأين تذهبون وأنّى تؤفكون والأعلام قائمة والآيات واضحة ، والمنار منصوبة ، فأين يتاه بكم بل كيف تعمهون ).
ما زعمه الآلوسي في اللّطف باطل
قال الآلوسي ص : (٦٣) : ( وأيضا يعتقدون أن اللّطف واجب على الله ، ومعناه ما يقرّب العبد إلى الطاعة ويبعده عن المعصية ، وهذا أيضا باطل لأن اللّطف لو كان واجبا لم يكن لعاص أن يتيسر له أسباب العصيان ، ثم أورد بعض الآيات التي تشهد على جهله بمعنى اللّطف ، وأنّها لا صلة بينها وبين ما جاء به من الهذر ).
المؤلف : اللّطف عبارة أخرى عن قوله تعالى :(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)وقوله تعالى :(وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها)[ الشمس : ٨ ـ ٩ ] وقوله تعالى :(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)فإنّه تعالى أوجب على نفسه بمقتضى حكمته أن يبيّن لعباده طرق السّعادة والنّجاة وطرق الشقاوة والهلاك ، ويدعوهم إلى الأول وينهاهم عن الثاني ، وليس ذلك علّة تامة لعدم العصيان أو علّة تامة لفعل الطاعة كما توهمه الخصم ، وفي القرآن يقول الله تعالى لعباده :(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ)[ المائدة : ٣ ] ويقول :(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ)[ البقرة : ٨٣ ] ويقول :(وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ)[ آل عمران : ٩٧ ] ويقول :(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى)[ الإسراء : ٣٢ ] ونحو ذلك من الآيات المتضمنة للأحكام الواجبة والمحرّمة فليس معناها أنها قاهرة للمكلّف ومجبرة له على فعل الطاعة وترك المعصية ، فإن ذلك لا يقول به ذو عقل ولا يفهمه من قولهم من له ذرّة من الفهم ، لأن اللّطف الّذي يقولون به هو ما كان من سنخ المقتضي الموقوف تأثيره على إختيار طاعة المكلّف فعل الواجب وترك الحرام ، وليس معنى الواجب ما لا يمكن لأحد تركه ، وليس معنى الحرام ما لا يمكن لأحد فعله.
وبعبارة أخرى أن الأمر والنهي إذا تعلّقا بفعل المكلّف فإنّما يراد بهما الإرادة التشريعية الممكن تخلّفها وليست هي من الإرادة التكوينية التي لا يمكن تخلّفه عنها إطلاقا ، لذا لم يكن فعل المكلّف من لوازم الواجب المأمور به والمحرّم المنهي عنه بحيث لا يمكنه التخلّف عنهما أبدا ، ألا ترى إلى الآلوسي فإنّ الله تعالى قد حرّم عليه الغش والتدليس والظلم والعدوان والكذب والبهتان والقذع والسباب بغير حق ، وأوجب عليه العدل والإنصاف وقبول قول الحقّ ، ومع ذلك تراه قد ارتكب تلك المحرّمات وترك تلك الواجبات ، فلو كان كلّ من الأمر والنهي علّة تامة للترك والفعل لاستحال عليه التخلّف عنهما.
ومن غريب تناقض الآلوسي أنّك تراه يزعم تارة أنّ إرادة الله عامّة لجميع الكائنات كالشرور والمعاصي والفسوق والكفور ، وأخرى يقول إنّ الله تعالى لا يريد الكفر لعباده ولا يرضى لهم الضّلالة أبدا ، ولا شك في أنّ كلّ متناقض مبطل.
فعل الأصلح واجب
قال الآلوسي : « وأيضا يعتقدون ـ أي الشيعة ـ وجوب الأصلح عليه وهذا باطل ، ولو كان الأصلح واجبا لما يسلّط الشيطان على بني آدم وهو عدوهم ».
المؤلف : إنّ الله تعالى لم يسلّط الشّيطان ، وإنّما اتبع الشيطان وعبده من تابع هواه فأعمى بصره وبصيرته ، والله تعالى قد حذره ونهاه عن متابعة هواه بقوله تعالى :(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ)[ يس : ٦٠ ] وقوله تعالى :(إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ)[ الحجر : ٤٢ ] وقوله تعالى :(إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ)[ النحل : ٩٩ ـ ١٠٠ ] ونحوها من الآيات الصريحة في وجوب الابتعاد عن مسالكه وحرمة إتباع خطواته.
فالله تعالى لم ينه عن الركون إليه ولم يأمرهم باجتنابه والكفر به إلاّ رحمة بعباده ، وقد كتبها على نفسه وأوجبها على ذاته بذاته ليتميّز الخبيث من الطيّب ، والضالّ من المهتدي ، والمبطل من المحق فكيف يزعم هذا الخرّاص أنّ ذلك خلاف الأصلح دون أن يصغي إلى قول الله تعالى ، ويعرف به فساد ما ذهب إليه.
ثم أن المراد من الأصلح في علمه وحكمته هو أنّه تعالى لا يفعل القبيح ولا يخلّ بالواجب ، وقد كتب ذلك على نفسه كما تقدمت الإشارة إليه في غير واحد من آيات كتابه ، وأما تعليل الآلوسي بطلان وجوب الأصلح بتسليط الشيطان على بني آدم وهو عدوّهم ـ على حدّ تعبيره ـ فباطل وغير صحيح بدليل ما تقدم من الآيات الكريمة الدالّة على أنّه ليس له سلطان على الّذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون ، وإنّما سلطانه على الّذين اتبعوه وتولّوه والّذين هم به مشركون ، فكان سلطانه عليهم ناشئا عن سوء اختيارهم لقيادته وإتباعهم خطواته فأعطوه المقادة فسلك بهم سبيل الغواية فأوردهم النّار وبئس القرار.
ثم لا يخفى على الفطن أن كلمة الشيطان صفة تنطبق على الإنس والجن لا خصوص الجن كما يعتقده الجهال ، وإن كان الشيطان الأول من الجن وذلك