بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 304

إليه ، لثار وفار وباء بغضب منه ، فكيف يجوز أن ينسب إلى ربّه ما لا يرضى به أقلّ النّاس قدرا ولا يبوء بغضب من الله وعقابه.

الإنسان هو الفاعل لأفعاله وليست من خلق الله تعالى

قال الآلوسي ص : (٦٤) : « جميع ما يصدر من الإنسان أو الجنّة أو الشياطين أو غيرهم من المخلوقين ، من خير وشرّ وكفر وإيمان وطاعة ومعصية وحسن وقبح من خلق الله بإيجاده ، وليس للعبد قدرة على خلقه ، نعم له كسبه والعمل به ، وبهذا الكسب والعمل سيجزى إن شرّا فشر وإن خيرا فخير ، فهذا هو مذهب أهل السنّة ، وقالت الإمامية إن العبد يخلق أفعاله ولا دخل لله في أفعالهم الإرادية ، وهذه العقيدة مخالفة للكتاب والعترة ، أما الكتاب فقوله تعالى :(وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)[ الصافات : ٩٦ ] وقوله تعالى :(خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)[ غافر : ٦٢ ] وأما العترة ، فقد روى الإمامية بأجمعهم عن الأئمة : أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى ».

المؤلف : أولا : إن الضرورة العقلية قاضية بالفرق بين الحركتين الاختيارية والاضطرارية ، فإن العقلاء جميعا يفرّقون بينهما وينسبون الأول إلى الإرادة ، ويقولون في الثاني إنها خارجة عنها غير داخلة فيها ، ويقولون إن الأولى مقدورة كتحريك يده أو عضو من أعضائه اختيارا ، والثانية غير مستطاعة ولا مقدورة كحركة المرتعش ، والواقع من أعلى المنارة وغير ذلك من الموارد التي يفرّق بينهما أهل العقول ، وهذا من الأمور المشاهدة بالعيون الّذي لا يشكّ فيه اثنان منهم.

ثانيا : إنه من القبيح على الله تعالى أن يكلّف العبد بفعل الطاعة واجتناب المعصية ، وهو لا يقدر على مخالفة القديم ، وذلك لأنه إذا كان الفاعل للمعصية فينا هو الله تعالى ـ كما يزعم الخصوم ـ لم يقدر العبد على الطاعة ، لأن الله تعالى إن خلق فيه فعل الطاعة كان لازم الحصول دائما وإن لم يخلقه كان ممتنع الحصول أبدا ، فلو لم يكن العبد قادرا على الفعل والترك كانت أفعاله جارية مجرى حركات الجمادات التي يحرّكها الإنسان كيفما شاء ، والضرورة العقلية


صفحه 305

قاضية بامتناع أمر الجماد ونهيه ومدحه وذمه وإثابته وتعذيبه ، فعلى زعم الخصوم يجب أن يكون الأمر كذلك في فعل العبد ، لأنه تعالى يريد منه فعل المعصية ويخلقها فيه ، فكيف وهو العاجز الضعيف يستطيع أن يمانع الجبّار القوي ، ألا ترى أن المنشار الّذي بيد النجّار لا يستطيع أن يمانعه في تحريكه يمنة ويسرة فكذلك يكون الإنسان من هذا القبيل لو صح ما زعمه الخصم.

على أنه إذا طلب الله من العبد أن يفعل فعلا وهو لا يمكن صدوره منه وإنما هو صادر من الله ، كان الله تعالى ـ على زعمه ـ من العابثين اللاّعبين وكان من المكلّفين بغير المقدور القبيح الّذي يستحيل أن يفعله.

ما زعمه الآلوسي أن للعبد كسبه وعمله باطل

وأما قول الآلوسي : « إن للعبد كسبه وعمله ».

فيقال فيه : كان اللاّزم على الآلوسي أن يفكر في جملته هذه قبل أن يوردها مقلّدا للآخرين فيها ، ليعلم ثمة أن خصوم الشيعة إنما التجئوا إلى هذه الكلمة ليدفعوا بها عن أنفسهم ما يترتب على مزعمتهم من إنكار البديهيات الأولية كالواحد نصف الإثنين ، إلاّ أنهم ألقوها وهم على غير بيّنة من أمرها ولا بصيرة من معناها ، وذلك لأن أصل القدرة والإرادة وإن كانتا مخلوقتين في العبد لكن الفعل إنما يتحقق بالإرادة الجازمة الجامعة للشروط والفاقدة للموانع وهي بالطبع اختيارية.

ولنضرب لك مثلا تستطيع من ورائه أن تقطع بصحة ما قلناه وفساد ما زعموه ، وذلك فيما إذا علم أحدنا أن في هذا الفعل نفعا فلا شك في تعلّق إرادته على إختياره ، ولكن مجرد تعلق إرادته به وحدها لا تكفي في حصول مراده ما لم تكن جازمة محركة لعضلاته نحوه ، فلا بدّ حينئذ من انتفاء ردع النفس عنه حتى تكون إرادته جزمية موجبة تامة لفعله ، فإنّا بالوجدان قد نريد شيئا ومع ذلك نأباه ، وهذا أمر طبيعي ثابت لكلّ إنسان له عقل ، وليس من شك في أن ذلك الكفّ والمنع أمر اختياري يستند وجوده على تقدير تحققه إلى وجود الداعي المحرّك إليه ، إذ أن عدم علّة الوجود علّة العدم.


صفحه 306

فالإرادة الجازمة اختيارية لاستنادها إلى عدم الكفّ المعتبر فيها إلى الإختيار وإن لم تكن نفسها اختيارية ، ولا يلزم التسلسل المحال بدعوى توقف عدم الكفّ على عدم كفّ آخر لأنها مدفوعة بأنه من التسلسل في الأعدام وهو لا محال فيه إطلاقا ، وبعبارة أوضح أنهم إن أرادوا بالكسب الّذي أضافوه إلى العبد أن وقوع الفعل بإيجاد المكلّف وبفعله بطل قولهم : إن جميع ما يصدر من الإنسان من خلق الله وبإيجاده ، وإن أرادوا أنه ليس بإيجاد المكلّف ولا هو من فعله لزمهم أن يقولوا بجواز التكليف بغير المقدور وهو محال باطل ، وأيّا قالوا فهو دليل على بطلان القول بالكسب.

ثم كان على الآلوسي أن يوضح لنا معنى قوله : ( للعبد كسبه والعمل به ) ومعنى قوله : ( ليس للعبد قدرة على خلقه ) وعلى ما ذا يعود الضمير في قوله :

( العمل به ) وفي : ( خلقه ) فإن كان يعود إلى الكسب فلا معنى لقوله : ( والعمل به إلاّ إرادة تحصيل الحاصل ) وهو باطل ، لأن كسب العبد عمله ولا شيء غيره[١].

وإن كان يريد إعادته إلى فعل العبد فلا معنى له أيضا ، لأن فعل العبد وكسبه وعمله كلّها نظائر وهو قادر عليه فلا معنى لقوله : ( ليس للعبد قدرة على خلقه ) إلاّ إرادة تحصيل الحاصل الباطل أيضا ، ثم إنّا لا نرى في مظانّ اللّغة فرقا بين قولنا للعبد كسبه وعمله وقولنا للعبد فعله وخلقه ، وذلك لأنه إذا كان قادرا على كسبه كان قادرا على فعله وعمله وخلقه ، فإن المعنى في الجميع واحد وحكمه واحد فلا يصح سلب القدرة عنه في واحد دون الآخر بعد أن كان معنى الجميع واحدا ، ومن حيث أن الآلوسي لم يأت على توضيح مزعمته علمنا أنه ألقاها وهو لا يفهم معناها فهو فيها أشبه بقول القائل :

كأنّنا والماء من حولنا

قوم جلوس حولهم ماء

[١]والدليل على ذلك قوله تعالى :(لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ)[ البقرة : ٢٨٦ ] أي لها ثواب ما عملت من الطاعات وعقاب ما عملت من المعاصي ، وعليه يكون معنى قوله : ( وللعبد كسبه والعمل به ) هكذا وللعبد كسبه والكسب به وهو لا ينطق به عربي ، وكذا الحال في قوله : ( ليس للعبد قدرة على خلقه ) لأن خلق العبد هو فعله لا سواه ، وهو ما يتعلق بإيجاد الشيء وهكذا فعله وكسبه وهذا لا غبار عليه.


صفحه 307

فإن المعنى في البيتين واحد.

أما كلمة ( الخلق ) فلا دليل على حرمة إطلاقها على ما يصدر من العبد ، وحينئذ فلا فرق بين أن نقول خلق الخمر أو عملها وبين أن نقول فعل الخمر أو صنعها ، لأن المدلول عليه في الجميع واحد مفهوما ومصداقا للترادف بينها.

ومن هنا يتضح جليا بأن الآلوسي لما رأى المتقدمين عليه من خصوم الشيعة يقولون إن العبد مكلّف بالكسب فرارا من الممتنعات العقلية التي وقعوا فيها ـ كما ألمعنا ـ سجل تلك الكلمة في كتابه ظنا منه بأن لها معنى محصلا مقصودا ، فهو لا يدري ولا هم يدرون ما معناها ولا يعرفون مغزاها ، ولكن الناس كلّهم يعلمون أنها لا ترجع إلى معنى محصل مفهوم إلا إذا كان المقصود فعله ، ومعه يبطل قوله.

ثالثا : لو كان الخالق لأفعالنا هو الله ولسنا فاعلين شيئا لزمهم أن ينكروا بداهة العقل ، وذلك فإن العقل حاكم بالضرورة بأن مدح المحسن حسن وذمه قبيح ، وذمّ المسيء حسن ومدحه قبيح ، وهذا شيء لا يختلف فيه اثنان من أهل العقل ، لذا ترى العقلاء يحكمون جازمين بحسن من يفعل الطاعات دائما ولا يفعل شيئا من المعاصي ، لا سيّما إذا أكثر في إحسانه إلى النّاس وبذل الخير لكلّ أحد وساعد الضعفاء في أمور معاشهم وما يتصل بمعادهم ، وقضى حوائجهم وسدّ حاجاتهم ، كما أنهم يحكمون جميعا بقبح ذم من كان سلوكه في فعل الطاعة وعمل الخير ، ولا يشكّون في نذالة الذام له وسفالته ويبالغون في ذمه وإهانته وتحقيره ، ويزداد حكمهم بقبحه إذا كان ذمه لأجل إحسانه وفعله الطّاعة وعمل الخير ، ولو انعكس الأمر لانعكس حكمهم.

لذلك تراهم يحكمون حكما قطعيا بقبح المدح لمن يفعل الظلم والجور والغصب والعدوان ، لا سيّما على من بالغ في ظلمه وعدوانه ، ويحكمون طبعا بسفاهة المادحين له على ظلمه واعتدائه ، ويكونون مذمومين مدحورين عندهم ، كما أنهم يحكمون بالضرورة بقبح من ذمّ إنسانا لأجل كونه طويلا أو قصيرا ، أو لأن السّماء فوقه والأرض تحته ، ولا مماراة في أنه إنما يحسن هذا المدح والذم


صفحه 308

لو كان الفعلان صادرين من الإنسان نفسه ، فإنه لو لم يصدر عنه لم يحسن مدحه وذمه ، وهذا لعمر الله من المرتكزات الفطرية والأمور الجبلّيّة التي لا يشك فيها من يميّز بين يمينه وشماله ، وأنت ترى الآلوسي يمنع هذا الحكم العقلي البديهي ، فهو يمنع حسن مدح الله على نعمه ، ويمنع حمده على آلائه الظاهرة والباطنة على عباده ويمنع شكره والثناء عليه ، ويرى من القبيح ذم إبليس ولعنه ولعن من كان مثله من المنافقين والكافرين ، فكيف يا ترى تنخدع أيها العاقل اللّبيب بهذه المزاعم التي تأباها الفطرة السليمة وينبذها التوحيد الخالص.

ثم نقول للآلوسي : إن وجود الإختيار والقدرة في الفاعل الّذي هو العبد وكسبه ومباشرته للأفعال إن كانت داخلة في إيجاده الفعل تم مطلوبنا من استناد الفعل إليه لا إلى الله تعالى ، وإن لم تكن داخلة فيه لزم الجبر الباطل مطلقا ، وذلك لأنه إذا لم يكن لقدرة العبد في إيجاد الفعل دخل لم يبق فرق بين إيجاده وعدمه ، فيكون تعذيبه حينئذ من تعذيب العبد على فعل لم يكن منه وهو قبيح عقلا وشرعا ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)[ الأنعام : ١٦٤ ].

رابعاً: لو لم تكن الأفعال صادرة عنّا ـ كما يزعم الخصوم ـ لزمهم أن يقولوا بجواز ما لا يجوز بالضرورة ، وذلك لأن فعلنا إنما يقع على الوجه الّذي نريده ونقصده ولا يقع على الوجه الّذي نكرهه ، وكلّنا يعلم أننا إذا أردنا الحركة إلى اليمين لم يقع منّا إلى اليسار وبالعكس لو أردنا الحركة إلى اليسار لم يقع منّا إلى اليمين ، وهذا أمر طبيعي يشعر به كلّ إنسان ، فلو كانت أفعالنا مخلوقة لله تعالى وصادرة منه تعالى وليست صادرة منّا لجاز أن تقع على عكس ما نريده ، فيجوز أن تقع الحركة إلى اليمين ونحن نريد الحركة إلى اليسار ، وأن تقع إلى اليسار ونحن نريد اليمين ، وهذا معلوم بالضرورة بطلانه.

فقدرتنا على أفعالنا إن لم تكن مؤثرة في إيجادها فليست من القدرة لنا في شيء ولا هي منّا على شيء.

خامسا : لو كان الخالق لأفعالنا هو الله تعالى دوننا ـ كما يزعمون ـ لزمهم أن يقولوا بأن الله الرءوف الرحيم أظلم الظّالمين ـ تعالى عن ذلك ـ وذلك فإنه


صفحه 309

تعالى إذا خلق فعل المعصية فينا ولم يكن لنا فيها أثر إطلاقا ثم عذبنا على فعله تعالى تلك المعصية التي خلقها فينا وعاقبنا على صدورها منه لا منّا ـ كما يزعم خصمنا ـ كان ذلك بأقصى مراتب الظلم ـ تعالى الله عمّا يصفون ـ فكيف يا ترى يرضى من له عقل أو شيء من الإيمان أن يقول في الله تعالى أنه أظلم الظالمين ، ويكذب الله فيما وصف به نفسه المقدّسة بأرحم الراحمين وأكرم الأكرمين ، فهل يا ترى هناك راحما سواه أو كريما غيره ، أو يا هل ترى من الرحمة واللّطف والعفو والكرم أو يعذبنا على فعل صدر عنه ومعصية لم تصدر عنّا بل منه لا حيلة لنا في دفعها كما يزعم خصومنا.

سادسا : لو كانت أفعالنا صادرة عن الله تعالى لا من أنفسنا ـ كما يزعمون ـ لزمهم أن يقولوا بكذب القرآن ، وذلك لأن صراحة آياته قاضية باستناد أفعالنا إلينا وصدورها عنّا لا عن خالقنا تعالى عن ذلك.

صريح القرآن حاكم بأن أفعال العبد صادرة عنه لا عن الله تعالى

أما الآيات الصريحة في أننا فاعلون لأفعالنا وأنها صادرة عنّا لا عن الله تعالى ـ كما يزعم الآلوسي ـ فكثيرة ، وإليك قسم منها ، فمن ذلك قوله تعالى :(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ)[ البقرة : ٧٩ ] وقوله تعالى :(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَ)[ الأنعام : ١١٦ ] وقوله تعالى :(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا)[ مريم : ٣٧ ] وقوله تعالى :(بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً)[ يوسف : ١٨ ] وقوله تعالى :(كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ)[ الطور : ٢١ ] وقوله تعالى :(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ)[ النساء : ١٢٣ ] وقوله تعالى :(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ)[ المائدة : ٣٠ ].

وقوله تعالى حكاية عن إبليس :(ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي)[ إبراهيم : ٢٢ ] وقوله تعالى :(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ)[ الزلزلة : ٧ ] ونحوها من الآيات الكريمة التي هي نصوص صريحة تدل على أننا فاعلون أفعالنا دون الله.

وأما التأويل بالرأي في نصوص الآيات المحكمة فهو من تحريف الكلم عن مواضعه والإضلال بكلامه على غير ما أنزل الله ، والقول على الله بغير علم ولا


صفحه 310

هدى ولا كتاب منير ، وقديما قال رسول الله6: ( من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار ).

وهناك طائفة أخرى من الآيات نزلت في مدح المؤمنين على إيمانهم ووعدهم بأثواب على إطاعتهم وذم الكافرين على كفرهم ، والوعيد لهم بالعقاب على معصيتهم ، فكيف يمكن أن يجتمع هذا مع ما يزعمه الآلوسي أن أفعالنا كلّها مخلوقة لله وصادرة عنه ، لأنه لو كان كذلك لم يصح شيء من المدح ولا الذم ـ كما تقدم ذكره ـ لأنا لم نفعل شيئا نستحق عليه المدح أو الذم بعد أن كان الفاعل له غيرنا كما يدّعي الخصم.

ما نزل في القرآن في مدح المؤمنين وذمّ العاصين

فمن تلك الآيات قوله تعالى :(هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ)[ الرحمن : ٦٠ ] وقوله تعالى :(هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[ النمل : ٩٠ ] وقوله تعالى :(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)[ الأنعام : ١٦٠ ] وقوله تعالى :(وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي)[ طه : ١٢٤ ] وقوله تعالى :(أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا)[ البقرة : ٨٦ ] وقوله تعالى :(قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ)[ آل عمران : ٨٦ ] وقوله تعالى :(الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ)[ غافر : ١٧ ].

وقوله تعالى :(وَلا تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[ يس : ٥٤ ] وقوله تعالى :(لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى)[ طه : ١٥ ] وقوله تعالى :(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)[ الأنعام : ١٦٤ ] وقوله تعالى :(وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى)[ النجم : ٣٧ ] وقوله تعالى :(هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ)[ المطففين : ٣٦ ] وهذه الآية صريحة الدلالة ونصّ لا يقبل التأويل في نسبة الفعل إلى الكفار لا إلى الله تعالى كما يقول الإمامية.

إلى غير ما هنالك من الآيات الدالّة بصراحة على أننا فاعلون لأفعالنا لا سوانا ، فلو لم يكن ذلك باختيارنا لما حسن مدحنا ولا ذمّنا إطلاقا ، وإنّما يحسن لو كنّا فاعلين.


صفحه 311

وجملة القول : إن مدح المؤمنين على إيمانهم لا يصح إلاّ إذا كانوا مؤمنين باختيارهم ، فلو لم يكونوا مختارين في إيمانهم فلا موضوع حينئذ لمدحهم على أساس إيمانهم لانتفائه بانتفاء إيمانهم ، وكذا الحال في الكافرين فإنه إنما يحسن ذمّهم وعذابهم إذا كانوا كافرين باختيارهم ، فلو لم يكونوا كافرين بسوء اختيارهم لم يبق محلّ لعقابهم لأجل كونهم كافرين ، لأن الكفر لم يكن من فعلهم بل كان من خلق الله وفعله ـ كما يزعمون ـ والقرآن يبطله بقوله :(ما كانُوا يَفْعَلُونَ).

آيات تنزيه الله من كون فعله مثل أفعال عباده

وهناك طائفة أخرى من الآيات تدلّ بصراحة على أن أفعال الله تعالى منزّهة من أن تكون كأفعالنا وما فيها من التفاوت والظلم والاختلاف.

فمن ذلك قوله تعالى :(ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ)[ الملك : ٣ ] وقوله تعالى :(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)[ السّجدة : ٧ ] والكفر وغيره من أقذار الجرائم والمعاصي ليست حسنة فليست من خلقه ولا من فعله.

وقوله تعالى :(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِ)[ الحجر : ٨٥ ] والشرك والظلم وغيرهما من الشرور ليست حقا فليست من خلقه ولا من فعله.

وقوله تعالى :(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ)[ النساء : ٤٠ ] وقوله تعالى :(وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ)[ فصلت : ٤٦ ] وقوله تعالى :(وَما ظَلَمْناهُمْ)[ هود : ١٠١ ] وقوله تعالى :(وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً)[ النساء : ٥٩ ] وقوله تعالى :(فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ)[ يس : ٥٤ ].

فهذه الآيات واضحة الدلالة في أن الظلم ليس من خلقه ولا من فعله وإنما هو من فعل العبيد وظلم بعضهم بعضا ، كما يقول الله تعالى :(وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)[ هود : ١٠١ ] ويقول تعالى :(إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[ يونس : ٤٤ ] فكيف يصح لمن يؤمن بالله ورسوله6وكتابه أن ينسب خلق الظلم وفعله إلى الله تعالى وهو يرى هذه