بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 350

إمام الأمة مثل رئيس كلّ فرقة عند الآلوسي

المؤلف : أولا : قوله : والفطرة شاهدة ، إذ كلّ فرقة تقرر لأنفسهم رئيسا ».

فيقال فيه : لقد التقط الآلوسي هذه المقالة من بعض من تقدمه من أسلافه دون أن يفكر في فساده لأنه جاهل بمعنى الإمامة ولا يدري ما هي ، لذا تراه قاس ما تفعله كلّ فرقة من تقرير رئيس لأنفسهم على الإمامة العامّة والحكومة المطلقة بعد رسول الله6ولكن كان عليه قبل هذا القياس أن يسأل العلماء عن الفرق بين الخلافة والجلافة ، وبين ما يفعله الله تعالى وما يفعله الناس ليكون على بصيرة من أمره ، فإن الناس غالبا ما يختارون لأنفسهم رئيسا جاهلا وفاسقا فاجرا ، وقد يختارون الرضيع والطفل الصغير لأنه ابن الرئيس الهالك أو ابن عمه أو أقرب الناس إليه ، وقد يختارون زوجة الرئيس الميّت وهكذا ، فلا يفرّقون بين الأحمق الجاهل وبين الطفل الصغير في اختياره رئيسا عليهم ، وأين هذا من خلافة النبوّة ونيابة الرسالة حتى يصح قياسه عليه.

معنى الخلافة

أما الخلافة : فهي الرئاسة العامّة والزعامة الكبرى في أمور الدين والدنيا ، وهي النيابة عن الرسول6في إقامة الحدود ، ونشر الأحكام ، ودرء الفساد ، وحفظ الشريعة ، والانتصاف للمظلوم ، وقطع دابر الشغب ، واستئصال شأفة الفتن وغير ذلك من فوائدها اللاّزمة على الوجه الشرعي والقانوني الإلهي.

وبالضرورة أن هذه الفوائد المعتبرة في الإمام شرعا لا يمكن معرفتها لكلّ أحد لأنها عبارة أخرى عن العصمة التي هي شرط أكيد في الإمام عند العقلاء ، وهي من الأمور الخفية التي لا يطّلع عليها إلاّ الله وليست هي من وظائف الناس ، فأي فطرة تستطيع إدراكها والإحاطة بها والوقوف عليها لتعيّنه في تقرير مصيرها في هذه الحياة وما يتصل بحياة الآخرة.

فإذا فقد الشخص واحدا من هذه الشروط بأن كان جاهلا بالأحكام وفاسقا متعدّ لحدود الله ، أو كان غير معصوم من السّهو والنسيان والخطأ والعصيان فلا


صفحه 351

يصلح أن يكون إماما على الأمة ونائبا عن النبيّ6في شيء ، بل يكون وجود مثله في الخلافة أو إختيار هذا اللّون من الناس ضررا على الدين وموجبا لضياع الشريعة واضمحلالها لا حفظها ورعايتها فحفظ الشريعة ورعايتها بالشكل الّذي أنزله الله تعالى على رسوله6لا يمكن أن يكون إلاّ بإمام جامع لجميع صفات الكمال ، عالم بسائر الأحكام ، معصوم من الزلل والعصيان والخطأ والنسيان كالنبيّ6.

وأما قياس الخصوم للإمامة على الرئاسة المختارة من بعض الفرق فبأقصى مراتب السّخافة ، لأن الشروط المعتبرة شرعا في الإمام غير ملحوظة ولا معتبرة ، حتى بعضها عندهم فيمن يختارونه رئيسا عليهم ، وأكبرها كونه محيطا بجميع أحكام الشريعة وألاّ يكون عاجزا عن حلّ أيّة مشكلة من المشكلات السّياسية والاجتماعية والاقتصادية والقضائية ونحوها ، وهذا الشرط من أهم الشروط المعتبرة في الإمام بعد العصمة.

وبعبارة أخرى : إن تلك الرئاسة غير شرعية ولا دينية لعدم وجود شيء من القيود المعتبرة شرعا فيها في تلك الرئاسة وهي فاسدة بنظر الشرع ، فكيف تحكم الفطرة بقياس ما هو شرعي على ما ليس بشرعي ـ كما يزعم الآلوسي ـ ولكن الّذي فات عليه ولم يهتد إليه هو إنه أبطل بهذه الفطرة خلافة الخلفاء (رض) ولم يثبتها ؛ وذلك لأن الثابت بحكومة الفطرة ليست هي خلافة النبوّة شرعا كما اعترف به فيما يأتي من اعتبار ما لا يعتبر فيما هو الثابت بالفطرة في الخلافة الشرعية ، والآلوسي يزعم ثبوت خلافتهم (رض) بالفطرة ، والثابت بها طبعا غير شرعي على حدّ اعترافه فخلافتهم حينئذ غير شرعية ولا دينيّة ، فهي ليست من الدين :(وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ)[ آل عمران : ٦٨ ].

تناقض الآلوسي

وأما قوله : ( إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام ).

فيقال فيه : إنه فاسد من وجهين :


صفحه 352

الأول : إن القارئ ليفقه من هذه الجملة أن الشارع قد اعتبر شروطا في الإمام وهي بطبيعة الحال غير ملحوظة ولا معتبرة في أمر الرئاسة التي تقررها كلّ فرقة لأنفسهم كالإحاطة بكافة الأحكام الشرعية التي هي شرط أصيل في الإمام وليس هو بالبداهة شرطا فيمن تقرره للرئاسة على أنفسهم.

فبالله عليك إذا كان هذا الخصم يعترف أن هناك شروطا أوضحها الرسول6في الإمام وأنها قيود شرعية معتبرة فيه فكيف يقيس أمرها على أمر الرئاسة التي تقررها كلّ فرقة لأنفسهم فتختار من بينها من تريد مطلقا وإن كان جاهلا بالأحكام الشرعية والقوانين الإلهية ، وهل هذا إلاّ قول متناقض لا يفهم ما يقول.

الثاني : إن قول الآلوسي : ( إن رسول الله6أوضح شرائط الإمام ) يدلّك بوضوح على أنه6لم ينصّ على إمام بعينه ، وإنما أوضح شروطه وأوكل أمر تعيينه إليهم ، وقد عرفت فساد هذا الزعم فيما مرّ من أن أمر التعيين ليس من وظائف الأمّة لأن من أهم شروطه العصمة قطعا ، فلا يقدر أحد من أفراد الأمة أن يطّلع عليها ، فإذا تعذر عليهم الإطلاع على ما هو شرطه فلا يستطيعون تعيينه إطلاقا ، فإذا بطل تعيينه من الأمة ثبت وجوب تعيينه من الله تعالى وحده ، ثم كيف يا ترى يكون من الممكن المعقول أن يجعل أمر تعيينه إلى الأمة مع علمه6بما هم عليه من حبّ الجاه واختلاف الأهواء والطباع ، بل فيه أعظم الفتن وإيثار الفساد ، وذلك لا يمكن صدوره من الرسول6في حال.

ثانيا : قوله : ( وأيضا لا معنى للوجوب عليه تعالى ).

فيقال فيه : إن كان لا معنى للوجوب عليه على حدّ زعمه فلا معنى لقوله تعالى :(كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ)[ الأنعام : ١٢ ] لأن الإمام من الرحمة فيجب ، ولا معنى لقوله تعالى :(إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)[ الليل : ١٢ ] والإمام من الهدى أو طريقه فيلزم ، فلو لم يكن واجبا لكانت هذه الآيات مهملة لا معنى لها وليس لها في الوجود صورة وهو باطل ، وذلك مثله باطل فالوجوب متعيّن.


صفحه 353

ثم إذا كان لا معنى له ـ كما يزعم الخصم ـ فكيف أوجبه الله تعالى على نفسه؟ وهل يجوز لمسلم أن يريد خلاف ما أراد الله وخلاف ما كتبه على نفسه من الهدى والرحمة في تعيين الإمام ونصبه على عباده ، وما كان لمسلم ولا مسلمة أن يتبعا الآلوسي في مزعمته ويخالفا بذلك كتاب الله ويكونا حرب الله.

المقدمة غير واجبة إلاّ بوجوبه فيها

ثالثا : قوله : ( لأن مقدمة ما يجب على أحد واجب عليه ).

فيقال فيه : إن وجوب المقدمة فرع وجوب ذي المقدمة ، فلا يجب على المكلّف تحصيل ما يتوقف عليه الواجب من الإطاعة والامتثال والانقياد للإمام إلاّ بعد وجوبه من الله دون ما أوجبه الناس على أنفسهم من الانقياد والإطاعة لبعضهم ممن يجعلونه رئيسا على أنفسهم ، فإن ذلك حرام محرم في الشريعة مأثوم ومعاقب صاحبه بدليل قوله تعالى :(اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ)[ الأعراف : ٣ ] فهذه الآية صريحة في أن إتباع الناس لمن يجعلونه رئيسا على أنفسهم فيما توحيه إليهم أهواؤهم إتباع من دون الله أولياء ، وكلّ من اتبع من دون الله أولياء مشرك ، والأطمّ من ذلك قول الخصم : ( إنّه حيث كان تحصيل ما يتوقف الواجب عليه واجبا عليهم أن ذلك الواجب أيضا واجب عليهم ) إذ كيف يجب عليهم ما ليس بواجب من الله عليهم لوضوح أن وجوب تحصيل المقدمات يتوقف على ما أوجبه الله على الإطلاق وإلاّ فلا وجوب حيث لا يكون هناك واجب منه تعالى ، ولا يجب أبدا تحصيل مقدمات ما لا واجب منه ، وأما إيجاب الناس فلا يساوي عند الله جناح بعوضة ومخالفة إيجابهم قد أمر بها كتاب الله ورسوله6وأطبق على وجوب مخالفتهم أهل السّماء والأرض من المؤمنين أجمعين.

رابعا : وقوله : ( ألا ترى أن الوضوء ).

فيقال فيه : لو لا وجوب الصّلاة وتكليف الإله عباده لها لما وجب عليهم تحصيل مقدماتها من وضوء وغيره مما هو من مقدماتها شرعا ، وليس في هذا ما يدل على أن وجوب مقدماتها كان لأجل أن وجوبها من النّاس ، بل هو لعمر الحق


صفحه 354

معكوس عليه ودليل لنا عليه لا له ، لأن وجوب تحصيلها كان لأجل وجوبها من الله تعالى لا من الوثنيين الّذين يطيعون المخلوقين من دون الله تعالى.

فوجوب الانقياد للإمام ولزوم إطاعته ما هو إلاّ لوجوبه من الله تعالى وحده لا يشاركه في ذلك أحد من العالمين كما يقول القرآن :(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)[ الأعراف : ٥٤ ] لا لسواه من العاكفين على عبادة العجل ، فما يوجبه العبيد لا يجوز على الناس امتثاله والانقياد إليه فضلا عن وجوبه عليهم ليجب تحصيل مقدماته ، إذ لا دليل على جواز الانقياد لمن اختاره بعضهم بل كلّهم لو صح حصوله من كلّهم وجعلوه رئيسا على أنفسهم طمعا أو خيفة بل الدليل قائم على حرمته وضلاله ضلالا مبينا ، وإنّما يجب عليهم ما أوجبه الله تعالى وحده فلا قيمة في اختيارهم ولا في قولهم ، ولو كان في إختيار النّاس قيمة عند الله لكان ما اختاره بنو إسرائيل من عبادة العجل قيمة عند الله بل اختيارهم لمن يعقل أشد ضررا على العباد والبلاد من اختيارهم ما لا يعقل بدليل قوله تعالى :(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ * يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُ وَما لا يَنْفَعُهُ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)[ الحج : ١١ ـ ١٣ ].

فالفقرة الأولى من الآية تدل بصراحة بقرينة ( ما ) الموصولة التي تستعمل غالبا لغير العاقل ، على أن إطاعة غير العاقل والدعوى إليه والعكوف على عبادته لا يدفع عن المرء ضرا ولا يجلب له نفعا ، فهي تعني الأصنام المصنوعة من الأحجار ونحوها من الجمادات.

والفقرة الثانية من الآية صريحة الدلالة بقرينة ( من ) الموصولة التي تستعمل للعاقل ( ولام التأكيد الداخلة عليها ) على أن إطاعة الأوثان البشرية وهياكلها القذرة والدعوة إليها والالتفاف حولها وتطبيق رواسب أفكارها من دون الله لأجل إختيار الناس لهم لا خير فيهم ولا نفع بل ضرّ كلّهم ومذمومون كلّهم سواء في ذلك المطيع منهم والمطاع ، بدلالة قوله تعالى :(لَبِئْسَ الْمَوْلى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ)وإن


صفحه 355

كنت في شك مما قلناه في عدم جواز إطاعة من لم يكن مختارا من الله لإمامة النّاس فهذا كتاب الله شاهد عدل على ما نقول ، قال تعالى لنبيّه6:(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ)وفي هذا دلالة قوية وشهادة صريحة على أنه لا حجّة في قول من لم يقم دليل من الله ورسوله6على حجيّة قوله ، وأنه لا يجوز الأخذ بأمره ونهيه ولا يجوز الانقياد إليه ، وحينئذ فلا دليل على جواز إطاعة من إقامة بعض النّاس في السّقيفة ولا حجّة في قوله ، ولا قيمة لأمره ونهيه بل الدليل قائم على عدم اعتباره من الكتاب والسنّة كما مرّ عليك بيانه ، ولأن اعتبار قوله على أساس إمامته موقوف على اعتبار قول المختارين له ، فلو توقف اعتبار قول المختارين له على اعتبار قوله على أساس خلافته لزم الدور الصريح ، فإذا بطل أن يكون قوله حجّة بطل أن يكون إماما لانتفاء الغرض من إمامته وهو وجوب الانقياد إليه وإطاعة أمره ونهيه وغير ذلك من فوائده اللاّزمة الموقوفة على حجيّة قوله واعتبار فعله شرعا ، ولأن الإمام من تجب إطاعته والآلوسي يزعم أنه ليس بواجب على الله تعالى تعيين من يجب انقياد النّاس إليه في الأحكام وغيرها ، فإذا لم يكن واجبا من الله لم يجب على النّاس تحصيل مقدماته والمختار من النّاس لا يعتد بقوله ولا فعله إطلاقا.

وخلاصة القول : إن الناس كلّهم تابعون لتصرف الشارع بهم فليس لهم ولا لآحادهم أن يتصرفوا بأقل ما يتصور في شئون أنفسهم ، فكيف يجوز أن يتصرفوا في شئون أنفس الآخرين وفي أموالهم وأعراضهم ودمائهم ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)فعموم نفي الخيرة لهم مطلقا من أقوى الأدلة على عدم اعتبار ما يختارونه مطلقا ، وغير المعتبر شرعا لا حجّة فيه أصلا وفرعا.

ما زعمه من المفاسد في نصب الإمام من الله في بعث النبيّ6أيضا

خامسا : قوله : « إذا تأملنا علمنا أن نصب الإمام من قبل الله تعالى يتضمن مفاسد كثيرة ».

فيقال فيه : إن ما زعمه هنا فاسد من وجهين :


صفحه 356

الأول : إذا كان نصب الإمام وتعيينه من الله يتضمن مفاسد كثيرة ـ كما يزعم الخصم ـ لكان أيضا بعث النبيّ6وتعيينه من الله يتضمن مفاسد كثيرة ، وذلك لأن التعليل الّذي جاء به هذا الآلوسي لمنع أن يكون النصب من قبله تعالى للإمام هو أيضا موجود في بعث النبيّ6ونصبه من ( إختلاف آراء العالم وتفاوت أهوائهم وتفارق نفوسهم ) فالعلة فيهما واحدة ، فيجب أن يكون حكمهما واحدا لو صح شيء من تعليله.

وبعبارة أوضح : إن ما تأمله الآلوسي وتفكّر فيه ، أو على الأصح ما قلّد غيره فيه بلا تأمل ولا تفكير فأنتج هذا الرأي الذي ينبذه دين الله ويرفضه كتابه هو بعينه جار في نصب النبيّ6وتعيينه من إختلاف الطباع والأهواء والآراء والأذواق ، بل لو صح ما زعمه من دعوى الفساد في تعيين الله تعالى ونصبه لكان تعيين النبيّ6وبعثه من قبله أشدّ فسادا من تعيين الإمام ونصبه من قبله؟ وذلك لأن فيه إضافة على زعمه من لزوم المفاسد إذا كان التعيين من قبله تعالى ( اختلاف أديانهم وتباين مذاهبهم ) فهو يريد أن يدعو إلى دين جديد ويمنعهم عن العكوف على ما هم عليه من الدين السّخيف الّذي ما برحوا عاكفين عليه مدّة من الزمن حتى شغفهم حبّه وتعصّب الناس لأديانهم وعقائدهم والتفاني في سبيل الحفاظ عليها ، ومناجزة من يحاول النيل منها بشيء أمر لا ينكر ، وتلك قضية الأنبياء:مع أممهم ورسول الله6مع هذه الأمة ، فإذا جاز أن يكون في تعيين الإمام ونصبه من الله مفاسد كثيرة ـ كما يزعم ـ جاز أيضا أن يكون في تعيين النبيّ6وبعثه من قبل الله مفساد كثيرة بل أكثر ، والمنع فيه حينئذ يكون أولى وهذا ما لا يقول به من كان له دين أو شيء من العقل ، أترى يقول من له دين فضلا من أن يكون من المسلمين إن الله تعالى أراد بإرساله الرسل وتعيينه خلفائهم كثرة الفساد وشدّة الفتن ـ على حد زعم الخصم ـ فإذا بطل هذا وذاك وجب أن يكون النصب والتعيين من قبله تعالى لا من سواه.

الثاني : إن التعيين من قبل النّاس يتضمن أكبر المفاسد وأعظمها إضاعة الشريعة ، وتعطيل الحدود ، وإعانة الظالم ، وقتل النفس المحرّمة ، وصرف أموال


صفحه 357

بيت المسلمين في الأهواء والأغراض كما هو المعلوم من سيرة أمراء بني أمية وبني العباس وغيرهم من أمراء الجور وأئمة الضلال الّذين انتخبهم النّاس وجعلوهم أئمة على أنفسهم وأعانوهم على أن يظهروا في الأرض الفساد ، وقد ارتكب عثمان بن عفان (رض) المنصوب من قبل النّاس في أيام خلافته من تأميره بني عمومته على رقاب المؤمنين وعلى تخويله لهم السّلطة على بيت المال ، الأمر الّذي كان من أقوى العوامل المؤدية إلى فشله وقتله ، ولم يكن ذلك كلّه إلاّ لأن الّذي عيّنه الناس لم يكن معصوما فوقع منه هذا الفساد.

وهب أنا قلنا جدلا إنه من المجتهدين ولكن لا يمنع اجتهاده من أن يصرف الأموال في أغراض نفسه باجتهاد أنه فيما يجب صرفها فيه ، ويقيم الحدود في غير محلّها باجتهاد أنه مظلوم ، ويوقع المفاسد باجتهاد أنها مصالح ، والمجتهدون طبعا لا يستطيعون أن يحفظوا أنفسهم من الوقوع في الخطأ فكيف يستطيعون أن يحفظوا الشريعة من الضياع ، فإن غير المعصوم يخطئ ويجوز أن يقع منه الفساد خطأ ، فمن يا ترى يرفع فساده ويرجعه إلى الصّواب إن لم يكن ثمة إمام معصوم فينتفي الغرض من نصبه والحاجة إلى جعله.

وهذا بخلاف التنصيص من الله تعالى عليه فإن فيه أكبر المصالح وأعظمها عصمة الإمام القائم مقام نبيّه6في نشر الأحكام ( أحكام الله المتعلّقة بأمور الدين والدنيا ) على الوجه الّذي أمر الله تعالى به ، والاجتهاد من الإمام لا يجوز كما لا يجوز من النبيّ6وذلك لأن الإمامة صنو النبوّة وقائمة مقامها وسادّة مسدّها غير أن الإمام لا يوحى إليه كما يوحى إلى النبيّ6ومع الاجتهاد لو صح منه لا يحصل القطع بالحكم الإلهي ، وأن ما يقوله هو من عند الله ، لجواز أن يكون من رأيه وقد ورد النهي عن الأخذ بما ليس من الله وفي القرآن :(آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)[ يونس : ٥٩ ] والاجتهاد ـ كما مرّ ـ لا يغني صاحبه من الخطأ فبالأولى لا يغني من حفظ الشريعة من الضياع ، ولأنه لا يكون من نشر الأحكام وإقامة الحدود على الوجه الّذي أمر الله تعالى به لجواز خطأه ، ولأن المجتهد يمكن إفحامه فللمكلّف أن يقول له إني اجتهدت فأدّى نظري إلى عدم