نفي الآلوسي اشتراط العصمة في الإمامة
قال الآلوسي ص : (٨٤) : « العدالة شرط الإمامة لا العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء:خلافا للشيعة الإمامية وهو مخالف للكتاب والعترة ، أما الكتاب فقوله تعالى :(إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً)[ البقرة : ٢٤٧ ] فكان واجب الطاعة بالوحي ولم يكن معصوما بالإجماع ... ثم أورد بعض الآيات من هذا القبيل وبعض الأحاديث المكذوبة ونسبها إلى الشيعة ، ثم قال :
« وأدلّتهم هو أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة فلو جاز الخطأ عليها لزم التسلسل ، ويجاب بمنع ما ذكر بل المحوج له هو تنفيذ الأحكام ودرأ المفاسد وحفظ بيت الإسلام سلمنا ، لكن التسلسل ممنوع بل تنتهي السلسلة إلى النبي6سلمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية وليس بمعصوم إجماعا ، ومن أدلتهم أنه حافظ للشريعة ، ويجاب : بالمنع بل هو مروج والحفظ من العلماء وأيضا ، إذا كان الحفظ بالعلماء زمن العترة وفي الغيبة على ما في كشكول الكرامة ففي الحضور كذلك سلّمنا ، لكن الحفظ بالكتاب والسنّة والإجماع لا بنفسه ممتنع الخطأ في هذه الثلاثة والآراء لا دخل لها سلّمنا ، ولكن ذلك منقوض بالنائب ، وقد يقال : بأن وجود المعصوم لو كان ضروريا للأمن من الخطأ لوجب أن يكون في كلّ قطر بل في كلّ بلدة إذ الواحد لا يكفي للجميع بل هو مستحيل ببداهة العقل ، لانتشار المكلفين في الأقطار والحضور مستحيل عادة ونصب نائب لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك لا سيّما في الغيبة ... إلى نهاية ما قاله ».
المؤلف : أولا : قوله : « وهو مخالف للكتاب ».
فيقال فيه : إنما خالف الكتاب من نسب إلى الأنبياء:العظائم ، وعزا إليهم المخازي والمرديات ، وأجاز عليهم الكفر والعصيان دون الّذين اتّبعوا آياته وتلوا نصوصه ، واقتفوا أثره ونزّهوا أنبياء الله تعالى من وصمة الكذب والخطأ والنسيان والعصيان وهم الشيعة لا غيرهم.
وأما قوله :(إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ)فأوضح دليل على جهله وبهتانه لأن ما أورده من الآيات في هذا المقام فمع أخصيته من المدّعى لا دلالة في شيء منه على نفي العصمة مطلقا ، فكيف يكون دليلا على نفيها عن الأئمة:ولو سلّمنا جدلا دلالته على عدم عصمة طالوت فأيّ ربط يا ترى بين عدم عصمته وبين عصمة الأئمة من أهل البيت:ألا ترى أن الآية لا تدل على وجود هذه الصفات في آخرين غيره ، وعدم عصمة طالوت لو سلّمناه لا يدل على انتفاء العصمة عن أئمة أهل البيت:ودعواه أن طالوت كان واجب الطّاعة بالوحي مناقضة لدعواه عدم عصمته ، لأن من تجب طاعته بالوحي لا يكون إلاّ نبيّا والنبيّ7لا يكون إلاّ معصوما على ما اعترف به هذا المتناقض بقوله : ( العصمة بمعنى امتناع صدور الذنب كما في الأنبياء:).
فالآلوسي أما أن يقول بعصمة طالوت لوجوب إطاعته بالوحي أو يقول بعدم عصمته ، فإن قال بالأول ـ وهو قوله ـ بطل قوله الثاني الّذي ادّعى الإجماع عليه ، وإن قال ـ بالثاني وهو قوله ـ بطل قوله الأول ، ولو سلّمنا جدلا أن طالوت لم يكن نبيّا يوحى إليه ولكن وجوب طاعته على الإطلاق بتنصيص نبيّ آخر عليه موجب لعصمته ، وإلاّ لم تجب طاعته مطلقا ، ولما وجبت طاعته مطلقا علمنا أنه معصوم وحسبك هذا التناقض دليلا على فساد قوليه.
وإذا راعك منه هذا التناقض فإليك ما أدلى به فيما مرّ من قوله : ( أن أهل البيت:مصيبون في أفعالهم ) فإذا كانوا مصيبين في أفعالهم كانوا معصومين إذ ليس المعصوم إلاّ من كان مصيبا في أفعاله مطلقا ، وتلك قضية الظاهر المستفاد من إطلاق كلامه ، ولكن سرعان ما نقض قوله هنا فزعم عدم عصمتهم ، ولتكن على يقين أن الآلوسي لمّا لم يجد دليلا من الكتاب والسنّة على نفي العصمة عن أهل البيت:وعلم قطعا أنهم:معصومون بنصّ الكتاب والسنّة كما مرّ عليك بيانه مفصلا ، ولم يستطع أن يعتق رقبته من رق التقليد لتأثره بالعاطفة وانقياده إلى العصبية البغيضة عمد إلى التمويه والمغالطة فأورد بعض الآيات فنصبها أدلة في غير محلّها كما هو الظاهر لمن نظر إليها وعرف وجه دلالتها ، وما
أوردناه لك من آية ( طالوت ) التي اعتبرها دليلا على نفي العصمة عن أهل البيت:شاهد عدل على ما نقول.
ثم إن الإجماع الّذي ادّعاه على عدم عصمة طالوت لم يكن إلاّ من مخترعاته واختلاقه ، ومثله لو كان من المحصل لكان الإحتجاج به على إثبات المدّعى ساقط لا حجّة فيه ، فكيف به وهو منقول خاصة والناقل له متهم لدى الوجدان في نقله بالكذب والافتراء.
رجوع الآلوسي في قوله إلى القول بعصمة الإمام7
ثانيا : قوله : « إن المحوج للإمام هو تنفيذ الأحكام ».
فيقال فيه : إن تنفيذ الأحكام ـ أحكام الله المتعلقة بأفعال المكلّفين ـ يجب أن تكون على الوجه الّذي أمر الله تعالى بها وجاء بها رسوله6وهذا بعينه رجوع من الخصم إلى القول بوجوب عصمة الإمام ، ولكن لما كان الآلوسي ينقل مفاسد الآخرين ومناقضاتهم في هذا الكتاب من غير تفكير لم يهتد إلى تناقضه في قوله ، وذلك لأن غير المعصوم قد يخطئ وقد يجور فيكون تنفيذه لها على غير ما أراد الله وغير ما جاء به رسوله6والتالي باطل فالمقدّم مثله ، فإذا بطل هذا ثبت وجوب عصمته على الإطلاق.
ثالثا : قوله : « والحاجة إليه لدرء المفاسد وحفظ بيت الإسلام ».
فيقال فيه : إنه فاسد من وجهين :
الأول : هلا حافظ ( الخليفة ) عثمان بن عفان (رض) على بيت الإسلام ، ولما ذا يا ترى قسّم أمواله على بني عمه من الأمويّين وصرفها في أغراضهم وأغراض نفسه؟ وأيّة مفسدة أعظم من استيلاء بني أمية على أموال المسلمين ورقابهم من المهاجرين والأنصار أهل الحلّ والعقد ـ عند خصوم الشيعة ـ الذين وثبوا عليه حينئذ فقتلوه ومنعوا الناس من دفنه ، فلو كان معصوما لم يقع منه كلّ هذا.
الثاني : لو جاز على الإمام الخطأ لوقع منه الفساد كما وقع غير مرة من المستخلّفين بعد رسول الله6والآلوسي يعترف أن الحاجة إليه لدرء المفاسد
فتنتفي الفائدة من نصبه ، لأن غير المعصوم قد يخطئ وقد يجور فتقع منه المفاسد ، فمن يا ترى يزيل مفاسده إن لم يكن ثمة إمام معصوم.
عدم مانعية الاجتهاد والعدالة من ضياع الشريعة
رابعا : قوله : ( بل الاجتهاد والعدالة ).
فيقال فيه : كان على الآلوسي أن يفكر في مقاله قبل إيراده ليرى أن الاجتهاد لا يغني صاحبه من حفظ نفسه عن الخطأ ، فكيف يمكنه أن يغني من حفظ الشريعة عن الضياع ، فإن المجتهد قد يخطئ فيؤدي خطؤه إلى تفرّقها وتلاشيها لا حفظها ورعايتها.
أما العدالة التي هي دون مرتبة العصمة فلا تجدي نفعا ، لأن العادل قد يجور خطأ فيصرف أموال بيت الإسلام في أغراض نفسه ، ويقيم الحدود في غير محلّها ، ويتركها في موضعها بالاجتهاد كما فعل ذلك عثمان بن عفان (رض) الّذي يقول الخصم باجتهاده ، فالعصمة لا بدّ منها في الإمام ولا محيص عن القول بها فيه.
بطلان قول الآلوسي بانتهاء المتسلسل إلى النبيّ6
خامسا : قوله : ( سلّمنا لكن التسلسل ممنوع لانتهاء السلسلة إلى النبيّ6).
فيقال فيه : أنه فاسد من وجوه :
الأول : إن انتهاء السلسلة إلى النبيّ6باطل ، لأن الآلوسي يزعم عدم عصمة النبيّ6وأنه يجوّز عليه الزلاّت والخطأ والنسيان كما تقدم نقله عن صحيح البخاري ، واعتراف الخصم بثبوت الزلاّت له6.
الثاني : كان بحثنا في أن الحاجة لنصب الإمام هو جواز الخطأ من الأمة فلو جاز الخطأ من الإمام لاحتاج إلى إمام آخر فيلزم التسلسل ، فلا بد من انتهائه إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ وهو الإمام في الأصل ، وما كان بحثنا في النبوّة التي هي غير الإمامة حتّى يزعم الآلوسي بانتهاء السلسلة إلى النبيّ6وكم من فرق بين الموضوعين ، موضوع النبيّ وموضوع الإمام الّذي يدركه من يفهم.
الثالث : إنّ التسلسل هو وجود سلسلة المعلولات المتعددة في الأزمنة المتعددة قبل وجود عللها وهو محال عقلا كتوقف وجود زيد على وجود بكر وبكر على خالد إلى ما لا نهاية له في الوجود ، ولا شكّ في أن وجود فعلية الإمامة موقوف على فقد النبيّ6لا على وجوده ، فكيف يصح أن تنتهي السلسلة إليه بعد فقده ، والإمام لو لم يكن معصوما لوجب أن يكون له إمام آخر موجود لا مفقود ، فيخرج ما ذكره عن موضوع التسلسل أصلا وفرعا ، لأن أحد الموقوف عليه مفقود والآخر موجود ، وشرط التسلسل الترامي في الوجود إلى ما لا نهاية له وهو هنا لا وجود له إطلاقا ، ولكن خلط الرجل وخبطه بين الموضوعين وعدم تميّيزه بين النبيّ والإمام ، وعدم فهمه لمورد التسلسل ، وأنه في أي شيء يكون ومتى يكون دعاه إلى أن يقول : ( لكن التسلسل ممنوع لانتهاء السلسلة إلى النبيّ ) يروم بهذه القفزة التي كسرت ساقيه أن يمنع هذه السلسلة التي غلّ بها عنقه.
المجتهد غير الإمام فلا ينتقض أحدهما بالآخر
سادسا : قوله : ( سلّمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة ).
فيقال فيه : أنّه مردود لوجهين :
الأول : إنّ من شروط النقض وحدة الموضوع والمحمول والزمان والمكان وغيرها من الشروط المعتبرة في تحقق التناقض وهي ثمانية عند علماء المنطق ، والمجتهد هو غير الإمام مطلقا سواء في ذلك زمان حضوره أو زمان غيبته ، فكيف ينتقض هذا بذاك وبين الموضوعين صغرى وكبرى وقياسا بون شاسع ، ولكن يهون على الآلوسي أن يلقي الكلام جزافا ويهون عليه أن يمشي والقيد في رجليه.
الثاني : إنّما يجوز الاجتهاد عند تعذر العلم وانسداد بابه وعدم إمكان تحصيله ، أما مع إمكان العلم وانفتاح بابه فلا يجوز الركون إليه لأنه من الظنون التي يمنع العقل من الرجوع إليها مع العلم ، وإنما أجاز الرجوع إلى الظن مع تعذر العلم لكونه يؤدّي الوظيفة العملية في ذلك الحال ولا سبيل له سواه لا مطلقا وعلى كلّ حال.
سابعا : قوله : ( إنّ الإمام هو مروج الأحكام والحافظ العلماء ).
فيقال فيه : إن أراد بالعلماء نفسه ومن كان مثله فنحن لا نشك في أنهم من الجاهلين ، وإن أراد بهم المجتهدين في الأحكام وأنهم حافظون للشريعة من الزيادة أو النقصان والضياع والاضمحلال ففيه ما تقدم ذكره من أن المجتهدين قد يخطئون فيؤدي خطؤهم إلى إضاعة الشريعة وإدخال النقص أو الزيادة فيها ، وأن اجتهادهم لا يغنيهم من حفظ أنفسهم من الخطأ فكيف يحفظون غيرهم ، فإذا كانوا لا يسلمون على حفظ أنفسهم فكيف يا ترى يسلم غيرهم : ( والفاقد لا يعطى والناقص لا يكمل ).
زعم الآلوسي حفظ الشريعة بالكتاب والسنّة والإجماع
ثامنا : قوله : « سلّمنا لكن الحفظ بالكتاب والسنّة والإجماع ».
فيقال فيه : أمّا الكتاب فهو نفسه يحتاج إلى حافظ وذلك الحافظ يجب أن يكون معصوما ، لأن غيره ينسى ويخطأ فلا يصلح أن يكون حافظا ، ولو كان نفسه حافظا من دون قيّم عليه لبطل قول النبيّ6: ( إنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ) لأنه6إنما قرن عترته أهل بيته:بكتاب الله ليكونوا قائمين به ، ومبيّنين للناس أحكامه ، وحافظين له من تحريف الضالّين وانتحال المبطلين ، والقول ببطلان قول النبيّ6كفر وضلال ، ومن ثم لا يمكن أن يكون حافظا للشريعة لعدم إتيانه على كافة الأحكام التفصيلية من صلاة وزكاة وحج ونحوها ، ولاشتماله على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.
وغير المعصوم يخطئ فيختلط عليه أمر الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ولا يهتدى إلى فهم معناه كلّ أحد ، وقال تعالى :(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)[ يس : ١٢ ] فلا بد أن يكون هناك إمام مبيّن لغوامضه وأسرار دقائقه وتفصيل أحكامه وناسخه ومنسوخه ، وهذا شيء لا يستطيع عليه حتى المجتهدون فضلا عن غيرهم من الجاهلين الّذين يحكمون في الدين بالرأي والهوى والعصبية
العمياء ، وأما السنّة فكذلك لعدم إتيانها على جميع الأحكام التفصيلية وإلاّ لبطل الاجتهاد وفسد القياس المعتبر عند الآلوسي وغيره من خصوم الشيعة ، وبطلت المذاهب الأربعة التي يرجع إليها الآلوسي وغيره في أخذ دينهم.
وأما الإجماع فكذلك ، لأنه إذا جاز على كلّ واحد من المجمعين الخطأ جاز الخطأ على المجموع إن لم يكن ثمة معصوم معهم ، وذلك فإن معناه ضم من يجوز عليه الخطأ إلى مثله في جواز الخطأ عليه فلا عاصم لهذا المركب مع عدم وجود المعصوم فيهم ، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلاّ لاشتهرت ولا لإمارة إذ من الممتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الإمارة الواحدة ، إذ لا يمكن اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد كما هو معنى الإجماع.
وجهة أخرى أن الإجماع عند خصوم الشيعة من الأمور المستحيلة وأنه ليس بالممكن المعقول وجوده بالمرّة على ما حكاه العضدي في شرحه للمختصر ، والبيضاوي في منهاجه ، والآمدي في أصول أحكامه[١].
وحكى عن إمامه أحمد بن حنبل ، أنه قال : ( من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب ) وغيرهم من أعلام أهل السنّة في أصولهم ، فكيف يكون المستحيل حافظا للشريعة على زعم هذا الخصم الّذي لم ير شيئا من مقررات أئمته وأعلام مذهبه ، ثم إن الموارد التي أجمعوا عليها في المسائل الشرعية قليلة جدا والموارد التي اختلفت فيها أهواؤهم وآراؤهم كثيرة وقد مرّ عليك بعضها فتذكّر ، فكيف يكون حافظا مع هذا الاختلاف الفاحش بينهم ، فلو صح أن يكون الإجماع حافظا كما يزعم الآلوسي لحفظهم من ذلك الاختلاف الّذي بدّلوا به الدين وسنن سيّد المرسلين6أرأيت كيف يجب أن يكون الإمام هو الحافظ وأنه هو الّذي يجب
[١]تجد أقوالهم مفصلا في ص : ( ٢٨٢ ـ ٢٨٤ ) من جزئه الأول المطبوع سنة ( ١٣٣٢ ه ) ، وحكى ذلك أيضا الصدّيق حسن أحد شيوخ أهل السنّة في كتابه ( مطالب الحصول في المأمول من علم الأصول ) ص : (٤٣) وما بعدها المطبوع سنة ( ١٢٨٩ ه ). وهو تلخيص كتاب ( إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ) للشوكاني ، وهكذا سجّله العضدي في شرحه ص : (١٢٣) من جزئه الأول المطبوع سنة ( ١٣٠٧ ه ).
الرجوع إليه ليبيّن للنّاس وجه الصواب فيما اختلفوا فيه ويرشدهم إليه حفاظا على أمر دينه ، وأن على النّاس أن يخضعوا له وينقادوا إليه.
زعم الآلوسي أن وجود المعصوم بالضرورة يوجب التعدد في كلّ محل
تاسعا : قوله : ( ولو كان وجود المعصوم ضروريا لوجب أن يكون في كلّ محلّ وقطر ).
فيقال فيه : من الغريب أن يقول الآلوسي إن وجود المعصوم بالضرورة يوجب تعدده في كلّ قطر بل في كلّ بلدة ، ألم أقل لك إنه يلتقط الآراء من هنا وهناك وهو على غير بيّنة من فسادها ، بربك قل لي ما هي الملازمة بين ضرورة وجود المعصوم وبين وجوب تعدده في كلّ قطر ، والقرآن يقول :(أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[ النساء : ٥٩ ] وعقيدتي أن الأغبياء لا يعسر عليهم فهم ما ينطوي عليه منطوق هذه الآية من وجود من تجب طاعته كطاعة الله وطاعة رسول الله6في كلّ زمان ، نعم لا يجوز بنظر الآلوسي أن يكون الواحد كافيا للجميع للتعليل الّذي جاء به : ( من انتشار المكلّفين وعدم عصمة النائب ) فيلزم على علّته التي ابتلي بها إما عدم عصمة الأنبياء:التي اعترف بعصمتهم أو تعدد الأنبياء:في كلّ قطر بل في كلّ بلدة : ( لأن الواحد لا يفيد للجميع بل هو مستحيل ببداهة انتشار المكلّفين والنائب عنه لا يكفي لأنه غير معصوم ) على زعمهم ، فالآلوسي إما أن يقول بعدم عصمة الأنبياء:للتعليل الّذي جاء به من وجوب تعدد المعصوم في كلّ قطر ومحلّ إذا كان وجود المعصوم ضروريا والّذي من أجله حاول مستحيلا إبطال وجوب عصمة الإمام أو يقول بعصمتهم ، فإن قال بالأول بطل قوله الثاني وهو اعترافه لهم بالعصمة ، وإن قال بالثاني ـ وهو قوله ـ بطل تعليله الفاسد من وجوب تعدده في كلّ قطر ومحلّ ، وأيّا كان فهو دليل على فساد مزعمته.
ثم نقول للآلوسي : أترى أن الله تعالى ما كان يعلم بانتشار المكلفين في الأقطار والبلدان؟ وما كان يعلم بكفاية الواحد المعصوم؟ فإن قال : يعلم ، فيقال له : فكيف يا ترى أرسل محمّدا نبيّا واحدا6وختم به الأنبياء:فدعا إلى