بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 376

فتنتفي الفائدة من نصبه ، لأن غير المعصوم قد يخطئ وقد يجور فتقع منه المفاسد ، فمن يا ترى يزيل مفاسده إن لم يكن ثمة إمام معصوم.

عدم مانعية الاجتهاد والعدالة من ضياع الشريعة

رابعا : قوله : ( بل الاجتهاد والعدالة ).

فيقال فيه : كان على الآلوسي أن يفكر في مقاله قبل إيراده ليرى أن الاجتهاد لا يغني صاحبه من حفظ نفسه عن الخطأ ، فكيف يمكنه أن يغني من حفظ الشريعة عن الضياع ، فإن المجتهد قد يخطئ فيؤدي خطؤه إلى تفرّقها وتلاشيها لا حفظها ورعايتها.

أما العدالة التي هي دون مرتبة العصمة فلا تجدي نفعا ، لأن العادل قد يجور خطأ فيصرف أموال بيت الإسلام في أغراض نفسه ، ويقيم الحدود في غير محلّها ، ويتركها في موضعها بالاجتهاد كما فعل ذلك عثمان بن عفان (رض) الّذي يقول الخصم باجتهاده ، فالعصمة لا بدّ منها في الإمام ولا محيص عن القول بها فيه.

بطلان قول الآلوسي بانتهاء المتسلسل إلى النبيّ6

خامسا : قوله : ( سلّمنا لكن التسلسل ممنوع لانتهاء السلسلة إلى النبيّ6).

فيقال فيه : أنه فاسد من وجوه :

الأول : إن انتهاء السلسلة إلى النبيّ6باطل ، لأن الآلوسي يزعم عدم عصمة النبيّ6وأنه يجوّز عليه الزلاّت والخطأ والنسيان كما تقدم نقله عن صحيح البخاري ، واعتراف الخصم بثبوت الزلاّت له6.

الثاني : كان بحثنا في أن الحاجة لنصب الإمام هو جواز الخطأ من الأمة فلو جاز الخطأ من الإمام لاحتاج إلى إمام آخر فيلزم التسلسل ، فلا بد من انتهائه إلى إمام لا يجوز عليه الخطأ وهو الإمام في الأصل ، وما كان بحثنا في النبوّة التي هي غير الإمامة حتّى يزعم الآلوسي بانتهاء السلسلة إلى النبيّ6وكم من فرق بين الموضوعين ، موضوع النبيّ وموضوع الإمام الّذي يدركه من يفهم.


صفحه 377

الثالث : إنّ التسلسل هو وجود سلسلة المعلولات المتعددة في الأزمنة المتعددة قبل وجود عللها وهو محال عقلا كتوقف وجود زيد على وجود بكر وبكر على خالد إلى ما لا نهاية له في الوجود ، ولا شكّ في أن وجود فعلية الإمامة موقوف على فقد النبيّ6لا على وجوده ، فكيف يصح أن تنتهي السلسلة إليه بعد فقده ، والإمام لو لم يكن معصوما لوجب أن يكون له إمام آخر موجود لا مفقود ، فيخرج ما ذكره عن موضوع التسلسل أصلا وفرعا ، لأن أحد الموقوف عليه مفقود والآخر موجود ، وشرط التسلسل الترامي في الوجود إلى ما لا نهاية له وهو هنا لا وجود له إطلاقا ، ولكن خلط الرجل وخبطه بين الموضوعين وعدم تميّيزه بين النبيّ والإمام ، وعدم فهمه لمورد التسلسل ، وأنه في أي شيء يكون ومتى يكون دعاه إلى أن يقول : ( لكن التسلسل ممنوع لانتهاء السلسلة إلى النبيّ ) يروم بهذه القفزة التي كسرت ساقيه أن يمنع هذه السلسلة التي غلّ بها عنقه.

المجتهد غير الإمام فلا ينتقض أحدهما بالآخر

سادسا : قوله : ( سلّمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة ).

فيقال فيه : أنّه مردود لوجهين :

الأول : إنّ من شروط النقض وحدة الموضوع والمحمول والزمان والمكان وغيرها من الشروط المعتبرة في تحقق التناقض وهي ثمانية عند علماء المنطق ، والمجتهد هو غير الإمام مطلقا سواء في ذلك زمان حضوره أو زمان غيبته ، فكيف ينتقض هذا بذاك وبين الموضوعين صغرى وكبرى وقياسا بون شاسع ، ولكن يهون على الآلوسي أن يلقي الكلام جزافا ويهون عليه أن يمشي والقيد في رجليه.

الثاني : إنّما يجوز الاجتهاد عند تعذر العلم وانسداد بابه وعدم إمكان تحصيله ، أما مع إمكان العلم وانفتاح بابه فلا يجوز الركون إليه لأنه من الظنون التي يمنع العقل من الرجوع إليها مع العلم ، وإنما أجاز الرجوع إلى الظن مع تعذر العلم لكونه يؤدّي الوظيفة العملية في ذلك الحال ولا سبيل له سواه لا مطلقا وعلى كلّ حال.


صفحه 378

سابعا : قوله : ( إنّ الإمام هو مروج الأحكام والحافظ العلماء ).

فيقال فيه : إن أراد بالعلماء نفسه ومن كان مثله فنحن لا نشك في أنهم من الجاهلين ، وإن أراد بهم المجتهدين في الأحكام وأنهم حافظون للشريعة من الزيادة أو النقصان والضياع والاضمحلال ففيه ما تقدم ذكره من أن المجتهدين قد يخطئون فيؤدي خطؤهم إلى إضاعة الشريعة وإدخال النقص أو الزيادة فيها ، وأن اجتهادهم لا يغنيهم من حفظ أنفسهم من الخطأ فكيف يحفظون غيرهم ، فإذا كانوا لا يسلمون على حفظ أنفسهم فكيف يا ترى يسلم غيرهم : ( والفاقد لا يعطى والناقص لا يكمل ).

زعم الآلوسي حفظ الشريعة بالكتاب والسنّة والإجماع

ثامنا : قوله : « سلّمنا لكن الحفظ بالكتاب والسنّة والإجماع ».

فيقال فيه : أمّا الكتاب فهو نفسه يحتاج إلى حافظ وذلك الحافظ يجب أن يكون معصوما ، لأن غيره ينسى ويخطأ فلا يصلح أن يكون حافظا ، ولو كان نفسه حافظا من دون قيّم عليه لبطل قول النبيّ6: ( إنّي تارك فيكم الثّقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ) لأنه6إنما قرن عترته أهل بيته:بكتاب الله ليكونوا قائمين به ، ومبيّنين للناس أحكامه ، وحافظين له من تحريف الضالّين وانتحال المبطلين ، والقول ببطلان قول النبيّ6كفر وضلال ، ومن ثم لا يمكن أن يكون حافظا للشريعة لعدم إتيانه على كافة الأحكام التفصيلية من صلاة وزكاة وحج ونحوها ، ولاشتماله على الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.

وغير المعصوم يخطئ فيختلط عليه أمر الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه ولا يهتدى إلى فهم معناه كلّ أحد ، وقال تعالى :(وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ)[ يس : ١٢ ] فلا بد أن يكون هناك إمام مبيّن لغوامضه وأسرار دقائقه وتفصيل أحكامه وناسخه ومنسوخه ، وهذا شيء لا يستطيع عليه حتى المجتهدون فضلا عن غيرهم من الجاهلين الّذين يحكمون في الدين بالرأي والهوى والعصبية


صفحه 379

العمياء ، وأما السنّة فكذلك لعدم إتيانها على جميع الأحكام التفصيلية وإلاّ لبطل الاجتهاد وفسد القياس المعتبر عند الآلوسي وغيره من خصوم الشيعة ، وبطلت المذاهب الأربعة التي يرجع إليها الآلوسي وغيره في أخذ دينهم.

وأما الإجماع فكذلك ، لأنه إذا جاز على كلّ واحد من المجمعين الخطأ جاز الخطأ على المجموع إن لم يكن ثمة معصوم معهم ، وذلك فإن معناه ضم من يجوز عليه الخطأ إلى مثله في جواز الخطأ عليه فلا عاصم لهذا المركب مع عدم وجود المعصوم فيهم ، ولأن إجماعهم ليس لدلالة وإلاّ لاشتهرت ولا لإمارة إذ من الممتنع اتفاق الناس في سائر البقاع على الإمارة الواحدة ، إذ لا يمكن اتفاقهم على أكل طعام معين في وقت واحد كما هو معنى الإجماع.

وجهة أخرى أن الإجماع عند خصوم الشيعة من الأمور المستحيلة وأنه ليس بالممكن المعقول وجوده بالمرّة على ما حكاه العضدي في شرحه للمختصر ، والبيضاوي في منهاجه ، والآمدي في أصول أحكامه[١].

وحكى عن إمامه أحمد بن حنبل ، أنه قال : ( من ادعى وجود الإجماع فهو كاذب ) وغيرهم من أعلام أهل السنّة في أصولهم ، فكيف يكون المستحيل حافظا للشريعة على زعم هذا الخصم الّذي لم ير شيئا من مقررات أئمته وأعلام مذهبه ، ثم إن الموارد التي أجمعوا عليها في المسائل الشرعية قليلة جدا والموارد التي اختلفت فيها أهواؤهم وآراؤهم كثيرة وقد مرّ عليك بعضها فتذكّر ، فكيف يكون حافظا مع هذا الاختلاف الفاحش بينهم ، فلو صح أن يكون الإجماع حافظا كما يزعم الآلوسي لحفظهم من ذلك الاختلاف الّذي بدّلوا به الدين وسنن سيّد المرسلين6أرأيت كيف يجب أن يكون الإمام هو الحافظ وأنه هو الّذي يجب

[١]تجد أقوالهم مفصلا في ص : ( ٢٨٢ ـ ٢٨٤ ) من جزئه الأول المطبوع سنة ( ١٣٣٢ ه‌ ) ، وحكى ذلك أيضا الصدّيق حسن أحد شيوخ أهل السنّة في كتابه ( مطالب الحصول في المأمول من علم الأصول ) ص : (٤٣) وما بعدها المطبوع سنة ( ١٢٨٩ ه‌ ). وهو تلخيص كتاب ( إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ) للشوكاني ، وهكذا سجّله العضدي في شرحه ص : (١٢٣) من جزئه الأول المطبوع سنة ( ١٣٠٧ ه‌ ).


صفحه 380

الرجوع إليه ليبيّن للنّاس وجه الصواب فيما اختلفوا فيه ويرشدهم إليه حفاظا على أمر دينه ، وأن على النّاس أن يخضعوا له وينقادوا إليه.

زعم الآلوسي أن وجود المعصوم بالضرورة يوجب التعدد في كلّ محل

تاسعا : قوله : ( ولو كان وجود المعصوم ضروريا لوجب أن يكون في كلّ محلّ وقطر ).

فيقال فيه : من الغريب أن يقول الآلوسي إن وجود المعصوم بالضرورة يوجب تعدده في كلّ قطر بل في كلّ بلدة ، ألم أقل لك إنه يلتقط الآراء من هنا وهناك وهو على غير بيّنة من فسادها ، بربك قل لي ما هي الملازمة بين ضرورة وجود المعصوم وبين وجوب تعدده في كلّ قطر ، والقرآن يقول :(أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)[ النساء : ٥٩ ] وعقيدتي أن الأغبياء لا يعسر عليهم فهم ما ينطوي عليه منطوق هذه الآية من وجود من تجب طاعته كطاعة الله وطاعة رسول الله6في كلّ زمان ، نعم لا يجوز بنظر الآلوسي أن يكون الواحد كافيا للجميع للتعليل الّذي جاء به : ( من انتشار المكلّفين وعدم عصمة النائب ) فيلزم على علّته التي ابتلي بها إما عدم عصمة الأنبياء:التي اعترف بعصمتهم أو تعدد الأنبياء:في كلّ قطر بل في كلّ بلدة : ( لأن الواحد لا يفيد للجميع بل هو مستحيل ببداهة انتشار المكلّفين والنائب عنه لا يكفي لأنه غير معصوم ) على زعمهم ، فالآلوسي إما أن يقول بعدم عصمة الأنبياء:للتعليل الّذي جاء به من وجوب تعدد المعصوم في كلّ قطر ومحلّ إذا كان وجود المعصوم ضروريا والّذي من أجله حاول مستحيلا إبطال وجوب عصمة الإمام أو يقول بعصمتهم ، فإن قال بالأول بطل قوله الثاني وهو اعترافه لهم بالعصمة ، وإن قال بالثاني ـ وهو قوله ـ بطل تعليله الفاسد من وجوب تعدده في كلّ قطر ومحلّ ، وأيّا كان فهو دليل على فساد مزعمته.

ثم نقول للآلوسي : أترى أن الله تعالى ما كان يعلم بانتشار المكلفين في الأقطار والبلدان؟ وما كان يعلم بكفاية الواحد المعصوم؟ فإن قال : يعلم ، فيقال له : فكيف يا ترى أرسل محمّدا نبيّا واحدا6وختم به الأنبياء:فدعا إلى


صفحه 381

دينه الحقّ جميع الخلق؟ فهل يا ترى توقف ذلك على أن يرحل بنفسه الزكية6إلى جميع الأقطار المسكونة ليدعوهم إلى اعتناق دينه والعمل على تطبيقه؟ أو يا هل ترى لم يكتف بنصب النائب وإرسال الداعي عنه مع علمه بعدم عصمة النائب والداعي ، أو يا هل ترى كان مقصّرا في تبليغ دعوته6مع عصمته6مطلقا عند المسلمين أجمعين ، فإن قال بكفاية الواحد المعصوم وكفاية من ينصّبه عنه من النواب مع علمه بعدم عصمتهم بطل قوله بعدم كفاية الواحد المعصوم ، وبطل قوله بعدم كفاية النائب عنه مع علمه بعدم عصمته ، وإن قال بأن الله تعالى ما كان يعلم بكفاية الواحد المعصوم وما كان يعلم بكفاية نائبة غير المعصوم فقد جعل نفسه أعلم من الله ، وهو كفر صراح يكفينا مؤنة الردّ عليه.

ومن ذلك تفقه أنّ الرجل يدسّ في الدين الإسلامي من عقائد الوثنية وعبادة البقر ما تأباه الفطرة السليمة وينبذه التوحيد الخالص.

وجوب النص على الإمام

قال الآلوسي ص : (٨٥) : ( الإمام لا يلزم أن يكون منصوصا عليه من البارئ ، وقالت الإمامية لا بد أن يكون منصوصا من قبله تعالى ، وهذا مخالف للعقل والنقل ، أما الأول : فقد مرّ ، وأما الثاني : فلقوله تعالى :(وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً)[ الأنبياء : ٧٣ ](وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً)[ القصص : ٥ ] ولم يكن في أحد من تلك الفرق نصّ ، بل كان برأي أهل الحلّ والعقد ).

المؤلف : لقد ألمعنا فيما تقدم منا إلى أن شرط الإمامة العصمة ، وأنها من الأمور الخفية التي لا يطّلع عليها إلاّ الله تعالى وحده ، لذا وجب أن يكون النصب من قبله ، وليس هو من وظيفة الأمة وليس لها ولا لآحادها أن تشرّع أحكاما وتضع قوانين ، ومن سمّاهم الآلوسي أهل الحلّ والعقد فقد أبطل القرآن حلّهم وعقدهم بقوله تعالى :(وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ)فليس لهم الخيرة في حلّ شيء أو عقده مطلقا أبدا بل ذلك لله تعالى وحده.


صفحه 382

وقال تعالى :(يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)فالأمر كلّه لله سواء في ذلك نصب الإمام أو غيره من الأمور بدلالة لفظة : ( كلّ ) الدالّة على الاستيعاب ، فبيده تعالى حلّ الأمور وعقدها لا بيد غيره ، وقال تعالى :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ)[ الحجرات : ١٠ ] فمن سمّاهم الآلوسي أهل الحلّ والعقد إن كانوا مؤمنين فقد حرّم الله عليهم أن يحلّوا أو يعقدوا لأن ذلك تقديم منهم بين يدي الله ورسوله6وقد نهاهم عنه أشدّ النهي وأبلغه ، فليس لهم أن ينصّبوا أحدا مطلقا لحرمته عليهم ، وقال تعالى :(وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ)فنصب الإمام مما قضى الله ورسوله6به ، فليس لهم في نصبه حظ ونصيب إطلاقا ، فما أوجب الله هو الواجب وما حرّمه هو الحرام ، ومن نصّبه فهو المنصوب ومن عزله فهو المعزول ، دون ما أوجبه بعض النّاس أو كلّ النّاس على أنفسهم أو أنفس غيرهم ، فإنه ليس بجائز الطاعة فضلا عن وجوبها ، فإيجاب خصوم الشيعة بيعة السّقيفة على النّاس فمع أنه مما أوجبه ( الخليفة ) عمر (رض) دون غيره من أفراد الأمة ليس هو مما أوجبه الله تعالى عليهم بل منعه وحرّمه ورتّب العقاب على من ارتكبه في الدين كما أشار إليه قول مبدعها والمحرّك الكبير فيها عمر (رض) نفسه : ( إن بيعة أبي بكر فلتة وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ) فهو يعني بقوله فلته أنها زلّة وبدعة عظيمة وضلالة كبيرة يستحق فاعلها القتل لذا تراه قال (رض) : ( فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ).

وأما الآيتان اللّتان ذكرهما الآلوسي فهما من الأدلة الصريحة والحجج القوية لنا عليه لا له.

نصب الإمام من الله دون الناس

أما الأولى : فصريحة في أن جعل الأئمة من قبله تعالى لقوله تعالى :(وَجَعَلْناهُمْ)[ الأنبياء : ٧٣ ] فأضاف الجعل إلى نفسه لا إلى الأمة ، ولأنه لم يقل وأوكلنا أمر جعلهم إلى الناس حتّى يفهم منه أنه تعالى خولهم صلاحية جعلهم حتى يزعم الخصم خلافا لله وإنكارا عليه وجحودا لنصوص آياته أن الجاعلين لهم


صفحه 383

هم ما أسماهم بأهل الحلّ والعقد ، وكم من فرق بين إسناد الجعل إليه تعالى لهم كما هو صريح الآية وبين إسناده إلى النّاس الّذي تأباه الآية ولا تفيده إطلاقا ، بل في الآية دلالة على المنع من جعل النّاس ، وأنه ليس من وظائفهم وإنما هو من وظائفه تعالى وحده.

أما الثانية : فصريحة في أن الإرادة من قبله والجعل منه ، وما قال فيها وأوكلنا إرادة جعلهم من الناس والإرادة المقرونة بالمنّة المسندة إليه تعالى في الآية دلالة على وقوع الفعل للمراد ، فيتعيّن إرادته منه لا من سواه لا سيّما إذا لاحظنا اقتران إرادته تعالى بالمنّة فإن ذلك لا يصح من غيره.

فالآلوسي أورد الآيتين وهو يحسب أنهما دليلان له على إلزام خصمه دون أن يهتدى إلى أنهما دليلان لخصمه على فساد مذهبه ، ولو كان من الّذين يفهمون معناهما ويفهمون أنهما دلائل لخصمه عليه لا له لكفّ عن إيرادهما ، إلاّ أنه لم يزل هو وأخوه من الّذين :(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ)[ البقرة : ١٧ ].

وأما قوله : ( ولم يكن في تلك الفرق نص ) فمردود :

بأن ظاهر الآية أن جعل الأئمة من قبله تعالى لا من سواه ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا وجب أن يكون المجعول معصوما قطعا لاستحالة أن يكون المجعول من قبله تعالى غير معصوم ، فإذا كان الجعل الإلهي لا يتعلق إلاّ بالمعصوم وإرادته لا تتعلق بغيره لعدم أهلية غير المعصوم لتعلق إرادته بنصبه كان من القبيح في أوائل العقول تعلّق الجعل والإرادة من الله تعالى بغيره ، وإذا كانت العصمة من الأمور الخفيّة التي لا يعرفها إلاّ الله دلّ ذلك أبلغ الدلالة على أن التعيين من قبله لا من قبل النّاس مطلقا.

وجوب كون الإمام أفضل أهل زمانه

قال الآلوسي ( ص : ٨٥ ) : ( لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر ، والشيعة على خلاف ذلك وقد علت ردّهم ).