بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 38

لما ذا اختار الشيعة عليّا7إماما بعد النبيّ6دون غيره

ثم إننا معاشر الشيعة إنما اخترنا عليّا وبنيه الأحد عشر7أئمة لنا بعد رسول الله6دون الآخرين ؛ لأن الله تعالى قد اختاره لنا إماما وهاديا ، وأمر نبيّه6أن ينصّ عليه بالخلافة العامة على الأمة من بعده ، وذلك لما أخرجه لنا حفاظ أهل السنّة في صحاحهم ، وأمناء الحديث عندهم في مسانيدهم المعتبرة لديهم من أنه6نصّ عليه بالإمامة بعده ، وكان يذكّرهم بذلك طيلة حياته وفي مختلف أوقاته بمختلف حالاته ، حتى في مرضه الّذي توفي فيه6والحجرة مملوءة بأصحابه ، فقال وهو6في ذلك الحال من شدّة المرض : ( أيّها النّاس إنّي مخلّف فيكم الثّقلين ؛ كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا ، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم )[١].

[١]أخرجه الترمذي في سننه ( ص : ٢٢٠ ) من جزئه الثاني عن نيف وثلاثين صحابيا ، وهو من الأحاديث المشهورة المتواترة بين الفريقين ، وأخرجه الحاكم في مستدركه ( ص : ١١٠ و ١٤٨ ) من جزئه الثالث وصححه على شرطي البخاري ومسلم ، ونقله ابن حجر في صواعقه عن نيف وعشرين صحابيا في الفصل الأول من الباب الحادي عشر في فضائل أهل البيت النبويّ6في الآية الرابعة ( ص : ٨٩ ) من طبعة سنة ( ١٣٢٤ ه‌ ) وأخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ( ص : ٤٤٢ ) من جزئه الثامن ، والإمام أحمد بن حنبل في مسنده ( ص : ١٧ و ١٤ و ٢٦ و ٥٩ ) من جزئه الثالث ، وأخرجه مسلم في صحيحه ( ص : ٢٧٩ و ٢٨٠ ) من جزئه الثاني في فضائل أهل البيت:.

حديث الثقلين ودلالته على خلافة الأئمة من أهل البيت

وفي هذا الحديث من الدلالة على خلافتهم بعد رسول الله6من وجوه تمسّك بها الشيعة تبعا للنبيّ6ونزولا عند سنّته القطعية :

الأول : إنه نصّ في الدلالة على عدم خلو البيت النبويّ من رجل في كلّ زمان هو في وجوب التمسك به كالقرآن الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مطلقا.

الثاني : إن النبيّ6جعل عترته أحد الثقلين أو الخليفتين ، وحكم بأنهما لن يفترقا ما دامت الدنيا ؛ لأن لن لنفي المستقبل عند أهل العربية فهو يفيد عدم افتراقهما في المعنى أبدا حتى يردا عليه6الحوض ، وهو دليل على عصمتهم لعصمة القرآن فيتعين عصمة أعداله ، والمعصوم أحقّ بالإمامة بل لا تصلح إلاّ له ، والآخرون لم يكونوا معصومين إجماعا وقولا واحدا.

الثالث : إن الحديث نصّ صريح في أن عندهم علم القرآن ، وهو دليل على أفضليتهم من جميع


صفحه 39

الأمة ، والأفضل لا يجوز أن يكون مأموما للفاضل فضلا عن المفضول لقول الرسول6: ( أحقكم بالإمامة أقرؤكم ) أي أفضلكم ، على ما أخرجه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده ( ص : ٣ و ٥١ و ٨٤ ) من جزئه الأول ، ويقول ابن حجر في ( ص : ١٠ ) من صواعقه في الفصل الثالث من الباب الأول ، قال : قال رسول الله6: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ) أي أعلمهم بالقرآن ، ويقول البخاري في ( ص : ٤٣ ) من جزئه الثالث في باب وقال اللّيث : حدثني يونس ، من كتاب المغازي ، قال رسول الله6: ( ليؤمكم أكثركم قرآنا ) وأخرج مسلم في صحيحه ( ص : ٢٣٦ ) من جزته الأول في باب من أحقّ بالإمامة عن النبيّ6أنه قال : ( أحقهم بالإمامة أقرؤهم ) وقال6: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فأعلمهم بالسنّة ).

ولأن إمامة المفضول للفاضل فضلا عن الأفضل قبيحة عقلا لذا لا يصح عند العاقل تقديم المبتدئ بالعلوم العربية على الفقيه الجامع لشروط الفتوى ، وتقديم الحائز على شهادة الثانوية العامة على الحائز لشهادة الدكتوراه.

الرابع : أن النبيّ6جعل عترته أعدال القرآن بنصّ حديثه وهو واجب الاتباع ، فكذلك يجب إتباعهم في كلّ أمر ونهي وهو لازم الإمامة ، وهذا معنى وجوب التمسك بهم.

الخامس : أن النبيّ6رتب الضلال على تركهما معا والهدى على التمسك بهما جميعا ، فالأخذ بأحدهما دون الآخر لا يغني من الحق شيئا ، بل التمسك بأحدهما دون الآخر لا يكون من الأخذ بأحدهما في شيء ، فكما أن المتخلّف عن القرآن لا يصيبه إلاّ الضلال فكذلك المنحرف عن عترته6لا يصيبه إلاّ الضلال ، وهذا هو معنى لا علم ولا هدى إلاّ ما كان من طريقهم ، ولا سعادة ولا نجاة إلاّ في سلوك مذهبهم.

السادس : أنه6نهى عن التقدم على عترته6في كلّ شيء ، ورتب الهلاك على المتقدمين عليهم والمتأخرين عنهم أيّا كانوا ، فهو نصّ صريح لا يقبل التأويل في هلاك المتقدمين عليهم من الغرباء والمتأخرين عنهم من الأجانب ، ولقد فات الآلوسي أن يتمثل بقوم الإمام الشافعي :

ولمّا رأيت النّاس قد ذهبت

بهم مذاهبهم في أبحر الغيّ والجهل

ركبت على اسم الله في سفن النّجا[١]

وهم أهل بيت المصطفى خاتم الرسل

وأمسكت حبل الله[٢]وهو ولاؤهم[٣]

كما قد أمرنا بالتمسك بالحبل

إذا افترقت في الدين سبعون فرقة[٤]

ونيّف كما قد جاء في محكم النقل

ولم يك ناج منهم غير فرقة

فقل لي بها يا ذا الرجاحة والعقل

أفي الفرق الهلاّك آل محمّد

أم الفرقة اللاّتي نجت منهم قل لي

فإن قلت في الناجين[٥]فالقول واحد

وإن قلت في الهلاّك حفت عن العدل

فخلّ عليّا لي إماما ونسله

وأنت من الباقين في أوسع الحلّ

[١]يشير إلى حديث السفينة المشهور بنى الفريقين والمتفق على صحته بين الطائفتين من قوله6: ( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ـ وفي آخر هلك ـ وفي ثالث


صفحه 40

وهناك غير هذا كأحاديث السفينة ، والنجوم ، وباب حطّه ، وحديث : ( من أراد أن يحيى حياتي ، ويموت ميتتي ، فليتولّ عليّا وذريته من بعدي ، فإنهم لن يخرجوكم من باب هدى ، ولن يدخلوكم باب ضلالة ) فكيف يجوز على شيعتهم أن يرجعوا إلى غيرهم ، ويعدلوا بالخلافة عنهم إلى الآخرين ممن لم يمتّ إليهم بنسب ولم يتصل بهم بسبب ، ويكونوا حرب الله وحرب رسوله6فيكونوا داخلين في قوله تعالى :(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)[ النساء : ١١٥ ] كما دخل فيها غيرهم من المنحرفين عنهم إلى أعدائهم.

لهذا كلّه وأضعاف أمثاله من الأحاديث الصحيحة التي رواها لنا أعلام أهل السنّة الناصّة على إمامة الأئمة من البيت النبويّ6دون غيرهم ، تجد الشيعة لا تأخذ أحكام الشريعة إلاّ منهم ، ولا تصغي إلى مقالة غيرهم أيّا كانوا ، ولا تعتدّ بمزاعم المنحرفين عنهم مهما كبروا في أعين النّاس ، وغثاء البشر تمسكا منهم بسنّة النبيّ6وامتثالا لأمره ، وفرارا عما رتبه من الهلاك والضلال على المنحرفين عنهم والمتمسكين بغيرهم ، وكيف ينقطعون إلى غيرهم كما صنع هذا الآلوسي وصاحبه الهندي وأضرابهما ممن ثبت انحرافهم عن الوصيّ وآل

هوى ـ ). وقد اعترف الآلوسي بثبوت صحته في صحاح قومه كما تأتي الإشارة إليه.

[٢]يشير إلى ما سجّله ابن حجر الهيتمي في ( ص : ٩٠ ) من صواعقه في الفصل الأول في الآيات الواردة فيهم:في الباب الحادي عشر في الآية الخامسة ، عند قوله تعالى :(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)فقال إنهم:هم حبل الله الّذي يجب التمسك به.[٣]يشير إلى ما أخرجه ابن حجر في الآية الثامنة من الباب الحادي عشر في الفصل الأول ، في فضائل أهل البيت النبويّ6من الصواعق المحرقة عند قوله تعالى :(وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى)أي اهتدى إلى ولاية أهل بيته6.[٤]يشير إلى الحديث الصحيح من قوله6: ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ، فرقة منها ناجية والباقية في النار ) وقد أخرجه السيوطي في جامعه الصغير ص (٤٢) من جزئه الأول ، وصححه ، والحاكم في مستدركه ، والذهبي في تلخيصه ( ص : ١٢٨ ) من جزئه الثاني بطريقين ، قالا : وهذه أسانيد تقوم بها الحجّة ، وأخرجه الخطيب في تاريخ بغداد ( ص : ٣٠٧ ) من جزئه الثالث عشر ) والإمام أحمد بن حنبل في مسنده : ٤ / ١٠٢.[٥]يشير إلى حديث السفينة المارّ ذكره.


صفحه 41

النبيّ6والشيعة يرون بأمّ أعينهم رسول الله6شدد الأمر على المتأخرين عنهم والمتقدمين عليهم حتّى رتّب عليهم أكبر محذور وهو الهلاك والضلال :(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)[ النساء : ٨٨ ].

الطوائف التي ذكرهم الألوسي ليسوا من الشيعة

ذكر الآلوسي بعض الطوائف وشيئا ليس بقليل من عقائدها ونسبها إلى الشيعة ، ولمّا لم تكن تلك الطوائف من الشيعة في شيء وليست هي من تلك على شيء ، رأينا أن من الأحرى أن نضرب الصفح عن ذكرها ونعدل إلى تزييف مزاعمه الزائفة :

الآلوسي وكيده

قال الآلوسي : « إذ قد فرغنا من عدّ الفرق فقد آن أن نشرع في ذكر بعض مكايدهم التي توصّلوا بها إلى ترويج مذهبهم الباطل وإضلال العباد ، وهي كثيرة جدا لا تدري اليهود بعشرها وهذا الكتاب يضيق عن حصرها ».

المؤلف : تعرّض الآلوسي لبعض الفرق المتسمية باسم الشيعة ، وعدّ رجالا من الشيعة كعبد الله بن عمر وغيره ممن هو على شاكلته ، وقد عرفت أنهم ليسوا من الشيعة في شيء ، وليست هذه منها على شيء لثبوت انحرافهم عن الوصيّ وآل النبيّ6في عقائدهم وسلوكهم ، فهو إذ يعزو إليهم الكيد لترويج مذهبهم ـ على حدّ تعبيره ـ لا يعتمد إلاّ على الجهل بحال الشيعة تارة وعلى العصبية المقيتة أخرى ، وهي التي تركته يرتكب من الشيعة ما حرّم الله فلا غرو من رواد المنافع إذا تقحموا في كلّ شيء ولم يبالوا بما يقول النّاس فيهم ، فإنك تراهم في كلّ ملّة ودين يبرزون صفحتهم للخزي ، ويطرحون أنفسهم في الفضائح فيرتطمون في مراغة الذم ، وحينئذ يصبحون مضغة في أفواه القارضين ، والغريب ممن يتلقى أباطيله وأضاليله بالقبول ـ كمحبّ الدين الخطيب المجدد لطبع هذا الكتاب من جديد في القرن العشرين قرن العلم والنور كما يقولون ـ ويحسب أن قذائفه وسبابه أدلّه رصينة وبراهين مفنّدة لأقوال خصومه رافعا بها عقيرته ، في حين أنها علامة العجز والخذلان لا قيمة لها ولا وزن في سوق الحقائق.


صفحه 42

ولتعلم أيها القارئ أن هذا الشاتم لشيعة آل محمّد6لم يتوخ من رميهم بتلك القذائف ، ولم يقصد من نيلهم بتلك الشتائم سوى إظهار فضيلته عند أبناء مذهبه ليقولوا فيه إنه من الراسخين في العلم في ردّه على الشيعة ، وتفنيده لأقوالهم دون أن يشعر ويشعروا إلى أنه من الجاهلين الّذين يملئون أشداقهم بالادعاء ، وهم خالو الوطاب فارغوا الجراب إلاّ من الإفك والسباب.

ولا نقول ذلك عن تكهن وهذا كتابه بين أيدينا يشهد لنا بصحة ما نقول ، وكم من أمثاله بين ظهرانينا ممن لا يفرقون بين سوانح الخير وبوارح الشر ، ولا يميزون بين السرّاء والضرّاء تربعوا على دست العلم في هذه الأمة وهم يفسدون ولكن لا يشعرون ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

ما تقتضيه المصلحة العامة

ونحن بدافع المصلحة العامة والأخوّة الصادقة التي نتحراها لإخواننا المسلمين أجمعين من سنيّهم وشيعيهم ، نريد أن ننصحهم بكلمة صغيرة تعود عليهم جميعا بأكبر الفوائد وتتقدم ، بهم في شئونهم الاجتماعية كافّة ، سواء في ذلك النواحي السياسية والأدبية والقضائية والصناعية والعسكرية ، وأعظمها أن يجتنبوا أمثال أولئك الدجّالين الّذين همهم فتق الرتق وإشعال نيران الفتن بين المسلمين ، بغية الوصول إلى شهواتهم البهيمية ومشتهياتهم الرخيصة ، وإن أدّى ذلك إلى هلاكهم والقضاء على أرواحهم.

نريد أن يحيدوا عنهم لئلاّ ينخدعوا بآرائهم السّخيفة ومزاعمهم الهزيلة ، فإنهم يا قوم يريدون أن يرجعوا بكم إلى الوراء ، لذا ترونهم بأم أعينكم يذكرون أمورا تؤدي إلى انحلال جامعتكم ، وفتق رتقكم وتشتت شملكم ، حتى إذا أصبحتم هزيلي القوى تناولتكم أيدي ـ أرذل خلق الله وأشدّهم عداوة للّذين آمنوا ـ اليهود بالشر والسوء ، فيدوسونكم دوس الحنظل ، ويحصدونكم حصد السّنبل ، نريد ألاّ تمدوهم بالمال ولا تبذلوا لهم من أنفسكم كلّ نفيس وغال ، فكونوا يا أخوان أكياسا أذكياء ولا تكونوا بلها بسطاء ، فتنطلي عليكم أضاليلهم بألسنة مكرهم وتمويهاتهم بخداعهم ، فإنها وأيم الحق لا توصل إلاّ إلى تمزيق


صفحه 43

وحدتكم وتفريق كلمتكم وتصديع كيانكم :(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً)[ النحل : ٩٢ ] ،(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً)[ آل عمران : ١٠٣ ] ونعمة الله هو إسلامه العظيم الّذي أمركم بالتوحيد وتوحيد الكلمة :(وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)[ الأنفال : ٤٦ ] ،(وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ)[ آل عمران : ١٠٥ ].

ومن المؤكد لدينا ومن خلال الحوادث التأريخية التي مرّت على هذه البسيطة بتداول الأيام وتعاقب الأجيال ، أن معظم الأمم السّالفة من القرون الخالية في العصور المتقدمة إنما استمرت قاعدة على هامات مجدها ، وغارب رقيّها ، وضخامة ملكها ، واتساع سلطتها ، وقوّة سلطانها زمنا طويلا من عمرها لمكان من فيها من أفذاذ الرجال وكبراء المصلحين الّذين غرسوا في نفوسهم جمع الكلمة ، وتوحيد الصف ، وتعارف الأرواح بين مختلف طبقاتهم وتباين مذاهبهم ، وتضارب أهوائهم ، وكانوا يطاردون داعية كلّ شحناء وبغضاء في أقصى البلاد وأدناها ، لئلاّ يؤدّي السّكوت عنها إلى انحلالهم واضمحلالهم ، وكانوا يحثونهم على الاتحاد والتعاضد في المصالح المشتركة ، وذلك لا شك في أنه عامل فعال من شأنه في الأقل أن يأخذ بيد تلك الأمة وهاتيك الشعوب وترفعها إلى أعلى مراتب المجد والرقي ، ولمّا كان الأمر على عكس ذلك في بعض القرون المنقرضة لم تلبث إلاّ أياما قليلة حتى أصبحت عبرة لغيرها من الأمم والشعوب المتأخرة ، وما ذاك إلاّ لقيام بعض المفسدين فيهم من أهل الأهواء والضلالات والنفوس الشريرة التي لا يهمها إلاّ إشباع رغباتها الفاسدة ولو على أشلاء الآخرين من أبناء الأمة ، فأعطوه المقادة وسلّموا إليه القيادة فانتزع منهم روح الإخاء والوحدة ، وبث فيهم روح العداء والنقمة ، فتدحرجت كرة عزّهم من جراء تلك الروح الخبيثة التي تسلقت إلى أدمغتهم بألسنة المكر والخداع ، فمزقت جسمهم ، ونخرت عظامهم ، وأنزلتهم إلى أعماق مهاوي الهوان والذّل والخسران :(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ)[ إبراهيم : ٢٨ و ٢٩ ].

فإلام يا قوم تقابلون اليقظة بالسّنة ، والنباهة بالبلاهة ، وحتام لا تثقف


صفحه 44

عقولكم التجارب والعبر وقد أصبحت بمرأى منكم عدد الرمل والحجر ، وبالطبع أن التباعد والتباغض والعداء والتفرقة التي نراها ما بين المسلمين في القرون الأولى والعصور المتوسطة وما بعدها إلى هذه الآونة ، ما هي إلاّ من جراء دسائس أولئك الدجالين ووساوسهم الشيطانية ، ونبزاتهم التي ألصقوها بالشيعة ، ووضعوها على ألسنتهم ليباعدوا بينهم وبين العامّة ، ويغرسوا في أذهانهم ما يعزونه إليهم من نسب قبيحة وتهم شنيعة مما هم أبرّ وأتقى من أن يكون ذلك منهم.

وبهذا استمر العداء عبر القرون بين الفريقين ، واستحكم الغلّ في نفوس الطائفتين ، لذا ترى على الأثر أن العامة مخدوعون بما خطّه لهم أولئك الغواة الخرّاصون من الهمزات حول الشيعة حتى طفق ينظر كلّ فريق منهم إلى الفريق الآخر نظر العدوّ لعدوّه البغيض ، ويتربص كلّ منهما بصاحبه الدوائر ويبتغي له الغوائل ، ويريد الوقيعة فيه عند سنوح أية فرصة يستطيع من ورائها القضاء على أخيه والإتيان على آخر نفس من أنفاس حياته ، ولو أن هؤلاء الدجالين كفوا عن مهاجمة الشيعة ولم يزيدوا على ذلك الطعن في أعراض من عرضهم أنقى من الثلج ، وخفضوا قليلا من عضب لسانهم ، لوجدوا الشيعة أقرب النّاس إليهم مودّة ، وأشدّهم لهم رعاية ، ولكن ما ذا تصنع الشيعة وهؤلاء يلجئونهم إلى تنظيم خطوط الدفاع لمّا وجدوهم هاجمين عليهم بالمكشوف ، وزاحفين إليهم معلنين لهم القتال ، ولمّا لم يجدوا هناك ممن بيده السّلطة الزمنية من الحكّام المعاصرين من يقف حائلا دون هذا الهجوم المدمّر ، ولم يروا من ينتقم من الزاحفين المعتدين عليهم ، ولا من ضارب على أيدي العابثين بيد من حديد ، كانوا أبعد الفريقين طبعا عن المسئولية التي تستتبعها هذه المنازلة وذلك الدفاع ، بل لا تتحمل شيئا من المسئولية تجاه ذلك الموقف ، بعد أن كانوا مضطرين للدفاع عن أنفسهم وعن قداسة مذهبهم الّذي يحاول هؤلاء أن يدنّسوه بذنوبهم ويلوثوه بأكاذيبهم ، وإلاّ فالشيعة إلى السّلم أجنح منها إلى المناجزة ، وإلى إيثار الدعة أميل منها إلى الدخول في المجادلة ، وحسبك شاهدا على ذلك أقوالهم وأعمالهم في مختلف أزمانهم بمختلف أجيالهم.


صفحه 45

الفصل الثانيمباحث في آية الوضوء

آية الوضوء

قال الآلوسي ص : (٢٩) : « فمن مكايدهم يقولون إن أهل السنّة يخالفون القرآن المجيد ، فإنهم يغسلون الأرجل بدل المسح ، والكتاب يدلّ ظاهرا على المسح ، والجواب : أن آية الوضوء تواترت إلينا كسائر القرآن بالقراءات السّبع المتواترة ، تواتر قراءتين منها ثابت بإجماع الفريقين بل بإجماع المسلمين ـ وهما قراءتا ـ النصب والجر في الأرجل ، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين المتواترين إذا تعارضتا في آية واحدة فهما في حكم الآيتين ، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، وهاهنا كذلك إذ يمكن الجمع بينهما حسب قواعدنا بوجهين :

الأول : بحمل المسح على الغسل ، فإن قال الشيعة يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممتنع ، قلنا : لا يلزم ذلك ، لأنّا نقدّر لفظ اغسلوا قبل بأرجلكم أيضا ، وإذا تعدد اللّفظ فلا بأس أن يتعدد المعنى ، فالمسح الّذي يتعلّق بالرءوس حقيقي والمتعلق بالأرجل مجازي.

الثاني : أن الجرّ بالجوار وهو بالتنزيل كثير الوقوع ، فتئول قراءة الجرّ إلى قراءة النّصب ، وجوّز سيبويه ، والأخفش ، وأبو البقاء وسائر المحققين من النحاة جر الجوار بالنعت والعطف ، أما النعت فكقوله تعالى :(عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)[ هود : ٢٦ ] فقد جر ( أليم ) بمجاورة ( يوم ) مع أنه نعت للعذاب ، وأما العطف فكقوله تعالى :(حُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)[ الواقعة : ٢٢ ـ ٢٣ ] على قراءة حمزة والكسائي ، فإنه مجرور بمجاورة :(بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ)[ الواقعة : ١٨ ] مع أنه معطوف