اللاَّعِنُونَ)كما في آية (١٥٩) من سورة البقرة ، وقد عرفت أن حديث نزولها في عليّ7كان من المتفق عليه بين المفسّرين من أهل السنّة والشيعة ، وإنّما تفرّد برواية نزولها في أبي بكر (رض) عكرمة وهو العدوّ الألدّ للأمير7وقد طعن فيه أئمة الجرح والتعديل وقالوا فيه أنه كذوب ، وكان لا يحسن الصّلاة ، ويكذّب على عبد الله بن عباس ، وكان على رأس الخوارج ، ويميل إلى استماع الغناء ، ودخل في مذهب الخوارج فراجع ترجمته في معجم ياقوت وص : ( ٢٠٨ ـ ٢٠٩ ) من ميزان الاعتدال للذهبي من جزئه الثاني كما مرّ ، لتعلم ثمة سقوطه عن درجة الإعتبار عند علماء الدراية والرجال من أهل السنّة ، وأن حديثه لا يساوي عندهم قدر شعرة ، فكيف يتجرأ مسلم أن يعدل عمّا أجمع المسلمون عليه من نزولها في عليّ7خاصّة إلى رواية تفرّد بنقلها عكرمة الكذوب الخارجي عدوّ الوصيّ وآل النبيّ6.
الحادي عشر : قوله : ( ولا يعد المحدثون من أهل السنّة روايات الثّعلبي قدرة شعيرة ).
فيقال : أما الثّعلبي فهو أبو إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي النيشابوري المفسّر المشهور ، وهو من أعاظم أئمة أهل السنّة وأفذاذ رجالهم ، لذا قال ابن خلّكان في وفيات الأعيان ص : (٢٢) من جزئه الأول ( أحمد الثعلبي ) كان أوحد زمانه في علم التفسير ، وصنّف التفسير الكبير الّذي فاق غيره من التفاسير ـ إلى أن قال ـ قال أبو القاسم القشيري : رأيت ربّ العزّة في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه ، فكان في أثناء ذلك أن قال الربّ تعالى : أقبل الرجل الصالح ، فالتفت فإذا أحمد الثعلبي مقبل ).
ويقول النووي في شرحه لصحيح مسلم ص : (٧٧) من جزئه الأول : ( إن أبا إسحاق أحمد بن محمّد بن إبراهيم الثعلبي كان إماما من الأئمة ، انتهى )[١]نقله بالمعنى فراجع ثمّة حتّى تعلم كذب الآلوسي وخرصه ، وأنه لم يتجرأ على إمامه
[١]في باب صدق الإيمان وإخلاصه.
الثّعلبي هذه الجرأة إلاّ لأنه روى حديث نزول الآية في عليّ7في تفسيره ، ولمّا كان نزولها في الأمير يخالف فكرته الخارجية رمى إمامه بالدجل وقال فيه إنه لا يميّز بين الرطب واليابس.
أما عكرمة الخارجي الكذّاب الّذي لا يحسن الصّلاة فقد تلقّى روايته بالقبول ، لأنه روى حديث نزولها في أبي بكر (رض) ونسب نزولها إلى الجمّ الغفير ، مع أن الراوي له عكرمة وحده ، ولو كان الأمر معكوسا لانعكس أمره عند الآلوسي ، ولو جاهر بالحقيقة فقال إني أبغض عليّا7وبنيه7ولا اعترف بهم بشيء من الفضل لأراح نفسه واستراح من سرد هذه المفتريات.
لفظ الوليّ في الآية بمعنى الأولى بالتصرّف
الثاني عشر : قوله : ( إن لفظ الوليّ مشترك فيه المعاني ، ولا يمكن أن يراد من المشترك معنى معيّن بلا قرينة ).
فيقال فيه : أولا : إن المعنى الشائع المنصرف إليه الإطلاق من لفظ الولي هو مالك الأمر فوليّ الصغير من يملك أمره ، ووليّ المرأة من يملك أمر نكاحها ، ووليّ الأمر من له المطالبة بالقود ، ووليّ المقتول من له القصاص ، ووليّ العهد من يملك عهد السلطنة وهذا واضح عند من له أدنى فهم بلغة العرب وما تستعمله في كلامها وما تنطق به في محاوراتها ، فالوليّ بمعنى الأولى والأحقّ هو الظاهر المتبادر من هذه اللّفظة عند إطلاقها فهو الّذي يتعيّن الأخذ به لا سواه.
ثانيا : إن القرينة على إرادة الأولى والأحقّ من لفظ الولي في الآية ثابتة في منطوقها من وجهين :
الأول : لمّا كان إسناد الوليّ في قولنا وليّ الصغير ووليّ المرأة ووليّ العهد ونحوها قرينة عند أهل العرف على إرادة مالك الأمر على وجه لا يحتمل أحد من أهل اللّسان إرادة الحبّ أو الناصر في تلك الجمل ويحكمون جازمين بإرادة مالك الأمر ، فكذلك إسناد الوليّ إلى من كانت له السّلطة الثابتة شرعا أو عرفا قرينة قطعية عندهم على إرادة مالك الأمر ، لذا تراهم لا يفهمون من قولك : ( وليّ
الرعيّة السّلطان ووليّ عهده والقائم مقامه ) إنك تريد المحبّ أو الناصر ، بل يحكمون قاطعين أنك تعني مالك الأمر لا سواه.
فالوليّ في الآية من هذا القبيل ، وذلك لأن سلطان الله تعالى ثابت على الخلائق أجمعين بالضرورة عقلا ، وكذلك سلطان رسوله6على الأمة جميعا من حيث رسالته وخلافته6عن الله تعالى ، وإذا تسجّل هذا لديك تعيّن الوليّ في الآية بمالك الأمر ، وأن عطف ولاية الّذين آمنوا الّذين يقيمون الصّلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون على ولاية الله تعالى أو على رسوله6قرينة قطعية على إرادة اشتراك المعطوف مع المعطوف عليه في الحكم كما يقتضيه العطف ، وحينئذ فيلزم أن تكون الولاية الثابتة لمن آتى الزكاة في حال الركوع هي عين الولاية الثابتة لله تعالى ولرسوله6وهي الولاية بمعنى الأولوية والأحقّية وملك الأمر بالتصرف في شئون الناس كافة.
الثاني : إن أداة الحصر وهي كلمة : ( إنّما ) المفيدة للحصر باتفاق أهل اللّغة قرينة قطعية على أن الآية تريد من الوليّ من له السلطة وولاية الأمر وأولوية التصرف لا سواه من المعاني لو صح شيء منها من لفظ الوليّ في منطوقها ، وذلك لأن غيرها من المعاني غير منحصرة في الله ورسوله6والمؤمنين فيها بل يتعدى إلى غيرهم من المؤمنين أجمعين.
لا قرينة في سياق الآية على إرادة المحبّ من الوليّ
الثالث عشر : قوله : ( والقرينة من السّياق وهو ما بعده هذه الآية تعيّن إرادة المحبّ ).
فيقال فيه : إنّ الآية بحكم الوجدان مفصولة عمّا قبلها من الآيات الناهية عن اتخاذ الكفار أولياء ، ومجرد كون الولي في آية أخرى سابقة أو لاحقة مفصولة عن هذه الآية بمعنى المحبّ لا يستلزم أن يكون معنى الوليّ في آية الولاية بمعناها إطلاقا لعدم الملازمة بينها وبين الآية ، بل المناسب لسابقها ولاحقها أن يكون معنى الولي في هذه الآية بمعنى ولي الأمر والأولى والأحق بالتصرف في الأمور
فهي ترشد المؤمنين إلى ولي أمركم هو الله ورسوله6والمؤمنون الموصوفون بإيتاء الزكاة حال الركوع ، وأنتم أيها الناس كلّكم تحت ولاية أمرهم ، ولا يجوز لكم الإختيار في اتخاذ المودّة بينكم وبين الكافرين بهم سواء في ذلك أهل الكتاب أو غيرهم ، وعليكم بالطاعة لمواليكم وامتثال أمرهم والانتهاء بنهيهم ، فالآية فيها من التأكيد للنهي في السّابق واللاّحق من الآيات ما لا يخفى على أولي الألباب ، كما أن وجود القرينة القطعية في هذه الآية على إرادة الأولى بالتصرف لا سيما وقد انضم إلى ذلك ما لا يمكن الترديد في إرادة الأولى والأحق بالتصرف وهو ولاية الله تعالى لأوضح دليل على إرادة الولاية العامة في كلّ شيء ، وقد عرفت أن ولاية الله تعالى عامة فكذلك الحال في ولاية النبيّ6والوليّ7والتفكيك مخالف للحصر ومخالف للسياق ولنصّ الآية وموجب لبطلانها.
إرادة المحبّ من الوليّ في الآية تضر الآلوسي
ولو سلّمنا جدلا أنها تريد بالولي المحبّ ومع ذلك فهو يستلزم الإمامة لقوله تعالى :(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)[ آل عمران : ٣١ ] وتعني هذه الفقرات الكريمة بمقتضى ( إن ) الشرطية عدم تحقق المحبّة بدون الطاعة ، فعليّ7واجب المحبّة مطلقا ، وكلّ واجب المحبّة مطلقا واجب الطاعة مطلقا ، وكلّ واجب الطاعة مطلقا صاحب الإمامة فعليّ7صاحب الإمامة.
ودليل الصغرى آية الولاية وآية المحبّة دليل الكبرى في القياس ، ولو تفطّن الآلوسي إلى هذه النتيجة لاختار للآية معنى آخر لا تمت إليها بصلة لئلاّ تدلّ على خلافة عليّ7بعد رسول الله6إلاّ أنه وجد من كان قبله يقول إن الولي في الآية بمعنى المحبّ ، فقال بمقالته تقليدا وبدون أن يشعر بهذه النتيجة الحاصلة مما عيّنه من إرادة المحبّ من الوليّ فيها ، وهو ما تقدّم ذكره من ثبوت إمامة عليّ7بنصّ ما عيّنه من معناها فتأمل.
الرابع عشر : قوله : ( وثالثا : إن العبرة بعموم اللّفظ فمفاد الآية حصر الولاية لرجال معدودين ).
فيقال فيه :
أولا : إن إرادة العموم موجبة لإبطال الوصف الثابت في الآية وهو إيتاء الزكاة حال الركوع وهو باطل ، ولأنه يلزم أن يكون من شرط المؤمن إيتاء الزكاة حال الركوع وبطلانه واضح ، فإرادة العموم للمؤمنين أجمعين كما يزعم باطلة.
ثانيا : إن إرادة العموم لا تجدى الآلوسي فتيلا ، وذلك لعدم دخول من يريد الآلوسي إدخالهم في الآية لخروجهم عنها ولا دليل له على دخولهم فيها إطلاقا إذ لا ولاية لهم على أحد البتة ، على أن من الجائز أن يكون الإتيان بصيغة الجمع لأجل التعظيم للّذين آمنوا وهو عليّ7وهو كثير الوقوع في القرآن الكريم فلا يفيد العموم لا سيّما بلحاظ ما ورد في نزولها فيه7كما يجوز أن يكون الإتيان بلفظ الجمع للدلالة على لزوم تعدد الإمام ، فيكون معناها مطابقا لحديث النبيّ6المتواتر بين الفريقين بقوله6: ( يكون بعدي إثنا عشر خليفة كلّهم من قريش ) الّذي قد عرفت عدم انطباقه إلاّ على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت:لا سواهم مطلقا.
ثالثا : إن إرادة العموم موجبة لبطلان معنى الآية ، وذلك لأن قوله تعالى :(إِنَّما وَلِيُّكُمُ)يقتضي قطعا أن مرجع الضمير في : ( وليّكم ) المؤمنون أنفسهم ، فلو كان يريد العموم كما يزعم الخصم لزم أن يكون معنى الآية هكذا : ( إنما ولي المؤمنين المؤمنون ) فيكون من إسناد الشيء إلى نفسه ، وهو محال باطل لا يجوز حمل كلام الله عليه.
الخامس عشر : قوله : « فحمل الجمع على الواحد متعذر وحمل العام على الخاصّ خلاف الأصل ».
فيقال فيه : إنه مردود من وجهين :
الأول : ما تقدم من إن إرادة جميع المؤمنين بمقتضى العموم تعنى حمل الآية على إرادة المحال وهو معلوم البطلان.
الثاني : إنما يتعذر حمل الجمع على الواحد ويكون حمل العام على الخاص خلاف الأصل إن لم يكن ثمة قرينة توجب حمله على الواحد أو لا يوجد خصوص
يقتضي حمل العام عليه ، أما مع القرينة والخاص فهو المتعيّن عند الراسخين في العلم ، وقد عرفت وجود الخاص والقرينة فلا محالة أنه متعيّن فيه لا في غيره.
السّادس عشر : قوله : ( أين ذكرت هذه الآية أن التصدق لم يكن من أحد غير عليّ7).
فيقال فيه : إنّما ذكر ذلك أعاظم أعلام أهل السنّة في تفاسيرهم وأخرجوه في صحاحهم ، وأنه لم يتصدّق يومئذ أحد غير عليّ7وكان ذلك هو السبب في نزول الآية فيه7ومن لا يدري أين ذكرت هذه القصة لا ينبغي له أن يبني على عدم درايته علما ومن يدري حجّة على من لا يدري وجهلك بذلك لا يكون علما بخلافه ، وإذا كانت الآية لم تأت على ذكر المتصدّق باسمه ونعته فقد جاء حديث النبيّ6على ذكره وتعيينه بما أخرجه حفاظ أهل السنّة ، وقال تعالى :(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)[ الحشر : ٧ ] فهو6الّذي ذكر أن التصدّق لم يكن يومئذ من أحد غير عليّ7لذا فلا يجوز لمسلم أن يعدل عنه إلى غيره.
وإذا كان هذا ثابتا في صحاح أهل السنّة فلا يهمنا بعد ذلك أن ينكره الآلوسي وغيره من المبغضين للوصيّ وآل النبيّ6.
استعمال الركوع بمعنى الخشوع في القرآن لا يوجب
إرادة الخشوع من الركوع في آية الولاية
السابع عشر : قوله : ( الركوع بمعنى الخشوع مستعمل في القرآن ).
فيقال فيه : إنه مردود من وجوه :
الأول : إن استعمال الركوع بمعنى الخشوع خلاف الأصل الموضوع له من المعنى في اللّغة ، فإطلاق أحدهما لا يفيد معنى الآخر إلاّ مع القرينة وهي مفقودة في الآية.
الثاني : إن استعمال الركوع بمعنى الخشوع في القرآن مع القرينة في بعض الآيات لا يقتضى حمل الركوع المستعمل في غيرها بمعناه الحقيقي المتبادر منه عند إطلاقه على الخشوع بلا قرينة ، لذا فلا يصح العدول في الآية عن معناه
الحقيقي الموضوع له في اللّغة وهو الانحناء كالهيئة المرعية في الصّلاة شرعا إلى معنى الخشوع لأنه لا يفهم منه ولا يفيده.
الثالث : إن الأمر في آية الولاية معكوس على الآلوسي ، وذلك لوجود القرينة في الآية على عدم إرادة الخشوع من الركوع ، وهي قوله تعالى :(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ)فيكون المعنى الّذين يؤتون الزكاة حال ركوعهم في الصّلاة ، والركوع في الصلاة هو الانحناء المرعي فيها في الشريعة وهذا ما يفهمه كلّ عربي عرف لسان العرب وعرف ما تستعمله في كلامها ، كما أن إجماع المفسّرين القائم على أنه7أعطى السّائل خاتمه وهو راكع في صلاته قرينة أخرى على عدم إرادة الخشوع من ظاهر لفظ الركوع.
الرابع : لو سلّمنا جدلا أن الآية تريد من الركوع الخشوع ومع ذلك فلا يدخل فيها من يريد الآلوسي إدخالهم ، إذ لا نسلّم له أنهم من الخاشعين حتّى يكونوا من أفرادها ، ومهما تكلّف الآلوسي في صرف الآية بالتأويل عن وجه دلالتها وسبب نزولها تبعا للهوى لإثبات دخول أئمته فيها ، فلا يجد به نفعا بعد أن كان ذلك كلّه منطوقا ومفهوما لا يتفق مع مزعمته أبدا.
ما زعمه من التناقض والتخالف في إرادة عليّ7من الوليّ في آية الولاية
الثامن عشر : قوله : ( ولا يجوز حمل كلام الله على التناقض والتخالف ).
فيقال فيه : كان على الآلوسي إن يذكر لنا موردا واحدا من التناقض والتخالف توجبه إرادة عليّ7من الوليّ في الآية ، ولو صح ما زعمه لزمه أن يقول إن رسول الله6كان جاهلا بمعنى هذا التناقض والتخالف ، فحمل كلام الله عليهما إذ نصّ على أن الوليّ في الآية بعده6هو عليّ7فرسول الله6بزعم الآلوسي ما كان يعلم بهذا التناقض الّذي علمه هو فامتنع من حمل كلام الله عليه دون النبيّ6أو كان6يعلم به ولكنه أراد أن يحمل كلام الله عليه بتنصيصه بالولاية فيها على عليّ7بعده وهل هناك كفور أعظم من هذا الكفور.
والغريب من هذا الآلوسي أنك تراه يزعم أن إرادة عليّ7من الولي في الآية توجب حمل كلام الله على التناقض والتخالف على زعمه دون أن يشعر إلى ما زعمه هنا في عليّ7بعينه يأتي على زعمه : ( وقد روى الجم الغفير نزول الآية في أبي بكر ) فإرادة عليّ7من الولي عند الآلوسي توجب حمل كلام الله على التناقض والتخالف ، أما إرادة أبي بكر (رض) فلا توجب شيئا من ذلك عنده.
وهل يا ترى هناك تناقضا وتعصّبا أعمى للباطل أقبح من هذا ، ومن ثم فإنه يرد عليه كلّ ما زعمه واردا على تفسير الآية في عليّ7أللهمّ إلاّ أن يخصصه بغض الوصيّ وآل النبيّ6ثم أن إيتاء الزكاة في الصّلاة لا ينافي الصّلاة مطلقا ، لأن الزكاة عبادة دخلت في عبادة أخرى ، وتداخل العبادات بعضها في بعض شيء جاءت به الشريعة ورجحته في كثير منها.
وأما قول الخصم : ( إن ذكر الزكاة بعد إقامة الصلاة مضر لكم لأن المراد بالزكاة الزكاة المفروضة لا الصدقة ).
فيقال فيه : إنه مردود لوجهين الأول : إن حمل الزكاة على إرادة خصوص الزكاة المفروضة من التصرف في عموم الآية بلا قرينة وهو باطل ، والزكاة في منطوقها أعمّ من المفروضة فتخصيصها بالمفروضة تخصيص بلا مخصص وهو باطل.
الثاني : لا دلالة في الآية على أن الزّكاة التي أعطاها الأمير إلى السّائل كان من التصدّق المندوب ، ولفظ الصدقة يعم المندوبة وغيرها ، والصدقات هي عين الزكوات المدلول عليها في القرآن بقوله تعالى :(إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ)[ التوبة : ٦٠ ] والآية تعني الزكوات المفروضة ، وقياس الآلوسي قول الله تعالى في الآية على قول القائل : ( إنما يليق بالسّلطنة من بينكم من له ثوب أحمر ) من أقبح القياس الموجب لإسقاط كلام الله وحمله على اللّغو ، وذلك فإن إيتاء الزكاة حال الركوع فضيلة لعليّ7لم تكن لسواه لوقوعها في خير مواضعها حتى أنزل الله تعالى فيه قرآنا ، وربّ صفة تعلو بصاحبها إلى ما شاء ربك ومن