الفصل الثانيمباحث في آية الوضوء
آية الوضوء
قال الآلوسي ص : (٢٩) : « فمن مكايدهم يقولون إن أهل السنّة يخالفون القرآن المجيد ، فإنهم يغسلون الأرجل بدل المسح ، والكتاب يدلّ ظاهرا على المسح ، والجواب : أن آية الوضوء تواترت إلينا كسائر القرآن بالقراءات السّبع المتواترة ، تواتر قراءتين منها ثابت بإجماع الفريقين بل بإجماع المسلمين ـ وهما قراءتا ـ النصب والجر في الأرجل ، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين المتواترين إذا تعارضتا في آية واحدة فهما في حكم الآيتين ، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما ، وهاهنا كذلك إذ يمكن الجمع بينهما حسب قواعدنا بوجهين :
الأول : بحمل المسح على الغسل ، فإن قال الشيعة يلزم من ذلك الجمع بين الحقيقة والمجاز وهو ممتنع ، قلنا : لا يلزم ذلك ، لأنّا نقدّر لفظ اغسلوا قبل بأرجلكم أيضا ، وإذا تعدد اللّفظ فلا بأس أن يتعدد المعنى ، فالمسح الّذي يتعلّق بالرءوس حقيقي والمتعلق بالأرجل مجازي.
الثاني : أن الجرّ بالجوار وهو بالتنزيل كثير الوقوع ، فتئول قراءة الجرّ إلى قراءة النّصب ، وجوّز سيبويه ، والأخفش ، وأبو البقاء وسائر المحققين من النحاة جر الجوار بالنعت والعطف ، أما النعت فكقوله تعالى :(عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)[ هود : ٢٦ ] فقد جر ( أليم ) بمجاورة ( يوم ) مع أنه نعت للعذاب ، وأما العطف فكقوله تعالى :(حُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ)[ الواقعة : ٢٢ ـ ٢٣ ] على قراءة حمزة والكسائي ، فإنه مجرور بمجاورة :(بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ)[ الواقعة : ١٨ ] مع أنه معطوف
على :(وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ)[ الواقعة : ١٩ ] وقد وقع هذا الجر في كلام العرب العرباء فلا يلتفت إلى إنكار الزجاج وقوع جرّ الجوار في المعطوف ».
المؤلف : يريد الآلوسي وغيره من المموهين لوجه الحقائق أن يصرفوا آية الوضوء[١]عن وجهها ، ويحملوها على معنى لا صلة بينها وبينه ، لأجل هذه التمحلات الباردة والتمويهات العاطلة التي لا يأتي احتمالها في شيء من كلام أهل العربية فضلا عن مثل الكتاب المنزل ـ لبيان تفهيم الأحكام ـ معجزة لنبوّة سيّد الأنام6.
وسأوضح لك أيها القارئ ما في هذا الكلام من الخلط والتزوير وعدم الانتظام في طي أمور :
فساد ما قاله الآلوسي في آية الوضوء في طي أمور
الأمر الأول : ( قوله ) : « ومن مكايدهم يقولون إن أهل السنّة يخالفون القرآن ».
فيقال فيه : إن كان ثمة من يقول بوجوب المسح على الأرجل ومخالفة خصوم الشيعة له فهو الله تعالى في محكم كتابه العزيز ، حيث يقول لعباده المؤمنين :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ)[ المائدة : ٦ ] ويفهم من هذا كلّ عربي حتى الغبي منهم أنه تعالى يريد منهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ، ولا يريد غيره ولو أراد غيره لبيّنه لهم ، ولما لم يرد منهم الغسل فصّل بين قوليه ، فقال :(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)فعلمنا من هذه الآية أنه يريد أن نمسح الرءوس والأرجل ، ولو أراد منّا غسلهما أو غسل أحدهما لعبّر به كما عبّر بالغسل في الآية الأولى حينما أراده ، فكما لا يفهم أحد من الآية الأولى إلاّ غسل الوجوه والأيدي فكذلك لا يفهم من الآية الثانية إلاّ مسح الرءوس والأرجل ، ولا يجوز على الله تعالى أن يقول وامسحوا وهو يريد واغسلوا كما يزعم الآلوسي ، واللّفظ بظاهره لا يدلّ عليه ولا يفيده.
[١]وهي قوله تعالى في سورة المائدة ، آية ٦ :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
فهل تراه تعالى ملغزا مغريا بالجهل ويريد غير ما هو الموضوع له من ظاهر كلامه ، وهو قبيح يستحيل على الله تعالى أن يريده ، ولنضرب لك مثلا نشاهد به أنه لا يريد في الآية الثانية إلاّ المسح ، وذلك ما إذا قلت : ( اضرب معاوية وعمرا ، وأكرم عليّا وحسنا ) فإنك لا تفهم من الجملة الثانية أنك تريد ضرب حسن ، وإنما تفهم منها إكرام حسن وإكرام عليّ ، كما لا تفهم من الجملة الأولى إلاّ ضرب معاوية وعمرو ، ولو أردت خلاف ذلك من ظاهر كلامك لعدّك العقلاء من زمرة الملغزين المموهين ، والآية من هذا القبيل لا تريد سوى غسل الوجوه والأيدي في الفقرة الأولى ، ومسح الرءوس والأرجل في الفقرة الثانية ، وليس هناك شاهد على خلاف ما تريده مطلقا لا من ظاهرهما ولا من غيرهما ، فوجب الأخذ به والعمل عليه ، فلا يعدل عن الظهور لأجل التحريف الّذي يرتكبه بعض أهل الزيغ في كتاب الله ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وابتغاء تصحيح غير الصحيح.
الأمر الثاني : قوله : « وهما قراءتا النّصب والجرّ ، وقد ثبت في أصول الفريقين أن القراءتين المتواترتان إذا تعارضتا في آية واحدة ».
فيقال فيه : لا يلزم من تواتر القراءتين وتساويهما في آية واحدة أن تكونا متعارضتين ، وليس بين قراءة من قرأ بالجر وبين من قرأ بالنصب من تعارض حتى يحتاج إلى الجمع العرفي بينهما ـ كما يزعم الآلوسي ـ إذ بتقدير الجرّ فإنه معطوف على ( رءوسكم ) فيجب الاشتراك في الحكم على معنى يجب مسح الأرجل ، لاتفاق أهل العربية على أن الواو تشرك في الإعراب والحكم ، فيثبت حكم المسح الثابت للرؤوس للأرجل أيضا ، وأما بتقدير النصب على قراءة من قرأ به فإنه معطوف على محلّ الرءوس إذ أن محلّها النصب ، والتقدير امسحوا رءوسكم وأرجلكم ، فأين التعارض الّذي يزعم هذا الخرّاص وجوده بين القراءتين ، ولعله إنما ادعى هذا التعارض الموهوم ليجمع بينهما حسبما يهوى وشاء له مذهبه ، وإن كان ذلك مخالفا لما عليه أهل هذا الفن في الجمع بين المتعارضين مطلقا ، لذا تراه يقول بكلّ اطمئنان : ( يحمل المسح على الغسل جمعا ) وقد عرفت عدم التعارض لكي نحتاج إلى الحمل والجمع والصرف والتأويل.
وجملة القول : ليس المقام من باب التعارض بعد تسليم تواتر القراءتين وتسليم كون التعارض في قراءة الآية الواحدة في حكم التعارض بين الآيتين ، لوضوح عدم التنافي والتعارض بينهما في شيء ، وأن المتعيّن في كلّ من القراءتين هو وجوب مسح الأرجل.
الأمر الثالث : أما قوله : « يحمل المسح على الغسل » فيرد عليه :
أولا : بالنقض بأن نقول : إذا جاز حمل المسح على الغسل بتقدير اغسلوا قبل بأرجلكم جاز حمل الغسل في الأيدي على المسح بتقدير لفظ امسحوا قبل أيديكم ، وإذا تعدد اللّفظ فلا بأس أن يتعدد المعنى ، ولا يختص ذلك بالآية لو صح شيء من ذلك بل يتعدى إلى غيرها ، فلو قال قائل : قتل زيد وخالد بكرا ، فلا يريد أن خالدا كان شريكا مع زيد في قتل بكر ، ولا يكون قاتلا لبكر مع زيد ولا شيء عليه شرعا ، لأنّا نقدّر كلمة ( أكرم ) قبل خالد ، فالقتل يتعلق بزيد حقيقي والمتعلق بخالد مجازي ، وهكذا كما يزعم ـ الفيلسوف العربي الكبير الآلوسي المهول ـ في لفظ المسح المتعلّق بالرءوس تبعا للأهواء والمشتهيات مما لا يعرفه العرب في محاوراتهم وموارد استعمالاتها ، أللهم إلاّ هذا الآلوسي وأخوه الهندي ، بل لا يذهب إليه أيّ أحد من العرب.
ثانيا : ليس هذا القول من غلطات الآلوسي وحده ، وإنما التقطه من وراء بعض أشياخه من غير تفكير ولا تعقّل ، وهو شيء اخترعه الزمخشري وغيره لما تفطّنوا إلى فساد ما تكلّفوه من العطف للقول بوجوب الغسل ، فاعتذروا عن وقوع عطف الأرجل التي حكمها الغسل على مذهبهم في الآية على الرءوس التي حكمها المسح بأن قالوا : إن المراد بالمسح الغسل وإنما عبّر عنه بلفظ المسح للدلالة على وجوب غسل الأرجل غسلا خفيفا ، هذا تقرير كلام أئمة الآلوسي هذا ، وليس فيهم من يزعم ما زعمه من التعارض بين القراءتين وأنه يحمل المسح على إرادة الغسل ، ولو تفطّن إلى معنى كلامه قبل إيراده لسبق لسانه إلى إختيار ما ذكرنا.
وأما الاعتذار المذكور فهو أشدّ فسادا من العطف على وجوهكم لتصحيح الغسل لكونه من استعمال اللّفظ الواحد ، وهو المسح الموضوع له معنى واحد ،
وهو المسح في أكثر من معنى وهو لا يجوز حتى على القول بجواز استعمال المشترك اللّفظي في أكثر من معنى ، وأعطف عليه فساد قوله : ( وإنما عبّر عنه بلفظ المسح للدلالة على وجوب غسل الأرجل غسلا خفيفا ) وذلك لعدم دلالة المسح على وجوب الغسل مطلقا حتى يعبّر به عنه ويريد الدلالة عليه ، لأن المسح هو غير الغسل لفظا ومعنى ، فلا يكون التعبير عن أحدهما تعبيرا عن الآخر ، ولو أراد الغسل لعبّر به أو بما يدلّ عليه ولو بالقرينة ، ألا تراه لما أراد غسل الوجوه والأيدي عبّر به ولم يعبّر بغيره ، وكذا الحال لمّا أراد مسح الرءوس والأرجل عبّر بالمسح لا بغيره ، وإنما عبّر بلفظ المسح للدلالة على أنه يريد معناه المطابقي وهو المسح.
والخلاصة أن المسح غير الغسل لغة وعرفا وشرعا ، ولا يدلّ المسح على الغسل بإحدى الدلالات المنطقية لا بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام ، والموجود في الفقرة الثانية من الآية هو المسح ، فكيف يا ترى ينقلب إلى الغسل؟! ولأي شيء جاز حمله على الغسل وهو لا يفيده ولا يدلّ عليه ولا يجوز الاعتماد فيه على هوى النفس ، كما لا يجوز أن يقول من له عقل إن الله يقول وامسحوا ويريد اغسلوا ، أو أنه كان عاجزا من أن يقول اغسلوا لو كان يريد الغسل ، أو أن الآلوسي يريد غير ما يريد الله ، وهل إرادته الغسل إلاّ من قبيل : أراد الله المسح وأردت الغسل وحينئذ نقول له : نحن نريد ما أراد الله لا ما أراده الّذين :(يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا)[ المائدة : ١٣ ] ويتقولون على الله ويكذبون عليه ، وينسبون إليه النقص والعيب ، وهو المستحق لكلّ كمال أنفس ، وكيف يتجرأ من له دين أن يصرف الآية عن معناها ويسلخها عن وجه دلالتها تبعا لهوى النفس ، الأمر الّذي جعله الآلوسي أصلا يسير عليه في كتابه ، لذا تراه يحمل ظواهر الآيات المحكمات ونصوص القرآن الواضحات على خلاف ما يريد الله تعالى من ظاهرها.
الأمر الرابع : قوله : « إن الجرّ بالجوار وهو في التنزيل كثير الوقوع ، فتئول قراءة الجرّ إلى قراءة النصب ».
فيقال فيه ، أولا : أن المنصوص عليه عند أهل العربية أن تغيير الإعراب بالمجاورة من الشواذّ الّذي لا يقع في كلام الفصحاء ، مع أنه من القياس في اللغة والقياس فيها باطل ، لأنها مستفادة من الاستقراء فلا يجوز فيها القياس لخروجه عن كلام العرب وعمّا كانوا يستعملونه في كلاهم ، وإذا خرج إلى هذا الحدّ من الشذوذ نظير ما ورد شاذا في نصب الفاعل فيستحيل حمل كلام الله تعالى عليه.
ثانيا : قد صرّح جماعة من اللّغويين بامتناع الإعراب بالمجاورة في كتاب الله ، بل صرّح غير واحد بعدم جوازه مطلقا ومنهم الأخفش ، فإنه صرّح بعدم ورود الإعراب بالمجاورة في كتاب الله فكيف يصح حمله عليه مع إنكار مثل هذا من علماء اللّغة.
ثالثا : إن الإعراب بالمجاورة بتقدير جوازه إنما يسوغ بشرطين ، الأول : عدم وقوع الفصل بحرف الجرّ ونحوه كما ذكروه في الأمثلة ، كقولهم : ( جحر ضبّ خرب ) وذلك بخلاف الآية ، فإن حرف العطف فيها جاء فاصلا بين الجملتين للدلالة على إرادة حكمين كلّ واحد منهما متعلق بموضوعين في الخارج ، الأول : غسل الوجوه والأيدي ، والثاني : مسح الرءوس والأرجل.
الشرط الثاني : عدم وقوع الالتباس في المعنى لدى السّامع كما في المثال ، فإن كون ( خرب ) صفة ( لجحر ) لا ( لضبّ ) يعرفه كلّ من ترعرع قليلا عن رتبة العوام ، بخلاف ذلك في الآية لوقوع الالتباس بالعطف لدى السّامع بين كونه معطوفا على ما يليه أو معطوفا على المعطوف في الجملة السّابقة.
أما على قراءة النصب ، فهو معطوف على محلّ الرءوس ، لأن محلّها النصب على المفعولية وهو كثير الوقوع في كلام الفصحاء ، والقرآن مشحون بذلك ، فيلزم تأويل قراءة النصب إلى قراءة الجرّ كذلك لأنه كثير الوقوع في القرآن ، إلحاقا للفرد المشكوك بالأعمّ الأغلب ، والإعراب بالمجاورة شاذّ نادر بل غير واقع لا كما يزعمون فالجمع الّذي زعمه الآلوسي لتصحيح مذهبه معكوس عليه ومردود على وجهه ، فيقوى حينئذ تأويل قراءة النصب بالجرّ على فرض التعارض لا تأويل قراءة الجرّ بالنصب لشذوذه بل لامتناعه رأسا.
الأمر الخامس : قوله « نقدّر لفظ اغسلوا قبل بأرجلكم ».
فيقال فيه : إذا كان التقدير والصرف والتأويل في ظواهر الكتاب الكريم بيد الآلوسي فمتى شاء أن يقدّر قدّر ، وإن كان فيما لا يمكن فيه التقدير بدلالة القرآن ، ومتى شاء ألاّ يقدّر لا يقدّر ، وإن كان فيما يصح فيه التقدير بدلالة الكتاب ، وإذا كان كلّ قول لم يشفع بدليل ولم يعضد ببرهان يستقبله النّاس باحتفال وإجلال إذن فليتبوأ كلّ من الآلوسي وذلك الهندي مقعدا ليشار إليهما بالبنان.
فالآلوسي يرى أن الله تعالى لا يستطيع أن يثبت لفظة اغسلوا قبل أرجلكم لو كان يفيد ما يبتغيه ، أو يرى أنه تعالى لا يستطيع بيانه ، فأوكل أمر بيانه إلى ( شيخ الإسلام ) الآلوسي ، أو يرى أن في الله عيّا من أن يثبت لفظة اغسلوا قبل أرجلكم ليدلّ ـ لو كان فيه دلالة ـ على ما يريده الآلوسي ، ولا شك في أن مثل هذا النوع من التصرف والتأويل في آيات القرآن الكريم يغمز في إيمان صاحبه.
الأمر السّادس : قوله : « وجوّز سائر المحققين جرّ الجوار في النعت والعطف ».
فيقال فيه : أما قوله تعالى :(عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ)[ هود : ٢٦ ] فلا ربط له بما نحن فيه لوجود القرينة الحالية فيه ، فإن كون أليم صفة للعذاب لا ليوم يعرفه كلّ عربي ، ومثله لا يصلح أن يكون شاهدا على شيء من ذلك مطلقا ، فكيف يقاس هذا على ذاك وبينهما بون شاسع ، أضف إلى ذلك بطلان القياس في مثل ذلك في اللّغة.
وأما قوله تعالى :(وَحُورٌ عِينٌ)[ الواقعة : ٢٢ ] على قراءة من قرأ بالجرّ فمع أن أكثر القرّاء قرأ بالرفع ولم يقرأ بالجرّ غير حمزة والكسائي فليس معطوفا على :(بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ)[ الواقعة : ١٨ ] كما توهمه الآلوسي ، فهذا أبو عليّ الفارسي يقول في كتابه الحجّة : هو عطف على قوله تعالى :(أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)[ الواقعة : ١٩ ـ ١٢ ] ويكون قد حذف المضاف وتقديره أولئك في جنّات نعيم وفي مقارنة حور العين أو معاشرة حور العين.
الأمر السّابع : قوله : « ولا يلتفت إلى إنكار الزجّاج وقوع جرّ الجوار في المعطوف ».
فيقال فيه : إذا كان لا يلتفت إلى إنكار الزجاج وغيره من علماء اللّغة فأي عاقل يا ترى يلتفت إلى مزاعم الجاهلين كالآلوسي وأخيه الهندي ، ويترك قول هؤلاء العلماء من أهل اللّغة ، ثم لم يكن هذا من قول الزجّاج وحده بل هو قول كثيرين غيره من اللّغويين ، فإنهم صرّحوا بامتناع وقوع ذلك في كلام أحد الفصحاء فكيف بكلام الله تعالى ، فعدم وقوعه فيه أولى ، هذا كلّه فيما إذا كانت الآية داخلة في مورد جرّ الجوار ، أما إذا لم تكن من موارده ـ كما هو الصحيح ـ فلا يكون شاملا لها مطلقا ، فلما ذا إذن كلّ هذا الطنين السّمج والأنين المزعج من الآلوسي حول الآية ، وجلب جرّ الجوار في النعت والعطف عليها وهي واضحة لا غموض فيها ولا التباس ، ويفهم منها كلّ عربي له فهم مستقيم وذوق سليم أنها تريد غسل الوجوه والأيدي ومسح الرءوس والأرجل ، ومن أي يا ترى يفهم العربي من الفقرة المشتملة على الأمر بمسح الرءوس والأرجل أنها تريد مسح الرءوس وغسل الأرجل ، فقل عربيا وأنطق عربيا ولا تقل ما لا تفهمه العرب ، فإن العرب يقولون بامتناع وقوع شيء من ذلك في كلام الفصحاء ، فكيف يجوز وقوعه في كلام الله الّذي لا أفصح منه أبدا مطلقا.
فيما حكاه عن الشيعة في الجمع بين القراءتين
قال الآلوسي في ص : (٢٠) : « وقد ذكر الشيعة في الجمع بين القراءتين وجهين ، الأول : أن تعطف قراءة النصب على محلّ رءوسكم لا على المنصوب السّابق لاستلزامه الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية ، فحينئذ حكم الأرجل حكم الرءوس.
الثاني : أن الواو فيه بمعنى مع كقولهم استوى الماء والخشبة.
وفي كلا الوجهين نظر من وجوه ، أما الأول : فلان العطف على المحلّ خلاف الظاهر بإجماع الفريقين ، وقد استدلّوا على خلاف الظاهر بقراءة الجرّ فقد سبق وجه رجوعها إلى قراءة النصب ، على أنها لا تدل على مدّعاهم لاحتمال جرّ