الفصل الثالثأدلّة الأحكام الشرعية
الآلوسي وتشريعهم الأحكام
قال الآلوسي ( ص : ٢٢ ) : « ومن مكايدهم أنهم يقولون : إن أهل السنّة يشرّعون أحكاما من عند أنفسهم ، كما جعلوا القياس دليلا شرعيا لثبوت كثير من الأحكام به.
والجواب : أن هذا الطعن يعود حينئذ على أهل البيت:فإن الزيدية وأهل السنّة يروون القياس عن الأئمة ، وقال أبو نصر هبة الله بن الحسين أحد علماء الإمامية بحجّية القياس ، وتبعه على ذلك جماعة ، وقد ثبت ذلك في كتبهم بطرق صحيحة ، فمن ذلك ما روى أبو جعفر الطّوسي في التهذيب ، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر ، قال : جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبيّ6فقال : ما تقولون في رجل يأتي أهله ينزل؟ فقال الأنصار الماء من الماء ، وقال المهاجرون : إذا التقى الختانان وجب الغسل ، فقال عمر (رض) لعليّ7: ما تقول يا أبا الحسن : فقال توجبون عليه الحدّ ولا توجبون عليه صاعا من ماء.
قال : فقاس هاهنا الغسل على الحدّ بالصراحة ، وأجاب الشيعة عن هذا القياس بأن ما قاله الأمير ليس بقياس بل هو استدلال بالأولوية ، كدلالة :(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ)[ الإسراء : ٢٣ ] على حرمة الضرب والشتم ، وسواء في فهمه المجتهد وغيره ، وفيه خبط لأن المساحقة موجبة للتعزير عند أهل السنّة وللحدّ عند الإمامية ، ولا توجب الغسل بالإجماع ، وكذا اللّواط إن كان بطريق الإيلاج فهو موجب للحدّ عند أهل السنّة والإمامية وموجب للتعزير عند غيرهم ولا غسل في كتب أصول أهل السنّة ».
المؤلف : ليس في نسبة الشيعة تشريع الأحكام إلى خصومهم من الكيد ـ كما يزعم ـ الّذي لم ير شيئا من كتب أشياخه ليعلم صحة هذه النسبة وغيرها في تشريع الأحكام إليهم ، وإليك جانبا من ذلك ، فمنه :
تشريعهم الحكم بعدالة الصحابة أجمعين على ما حكاه عنهم خاتمة حفاظ أهل السنّة ابن حجر العسقلاني في الإصابة ، والسيوطي في خصائصه الكبرى ، والنووي في منهاجه ، وابن عبد البر في استيعابه ، وابن حجر الهيتمي في صواعقه ، وهذا شيء لا يختلفون فيه وقد اعترف الآلوسي بصحة هذه النسبة في بعض كلماته مع أن القرآن والسنّة لم يأتيا بتشريعه ، وفي القرآن :(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍعَظِيمٍ)[ آل عمران : ١٠١ ] ويقول الكتاب مخاطبا الصحابة أنفسهم لا غيرهم :(وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)[ آل عمران : ١٤٤ ] وقال تعالى :(وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)[ التوبة : ٥٦ ] وقال تعالى :(وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً)[ الأحزاب : ١٥ ] وقال تعالى :(عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ)[ التوبة : ٤٣ ] وقال تعالى :(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ)[ النساء : ٧٧ ] وقال تعالى :(كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ)[ الأنفال : ٥ ـ ٨ ] وقال تعالى :(وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِراراً)[ الأحزاب : ١٣ ] وقال
تعالى :(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ)[ التوبة : ٣٨ ] وقال تعالى :(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)[ التوبة : ٤٥ ـ ٤٧ ].
فإن الخطاب في هذه الآيات وأضعاف أمثالها كلّه موجه للصحابة قصدا وأولا وبالذات ، وهي صريحة في وجود الكذابين والمنافقين والعصاة والمجادلين لرسول الله6على القتال ، والمتثاقلين عنه ، والمنكرين عليه6والكارهين الخروج معه ، والمصغين للفساد ، والسّامعين كلمة الكفر من المشركين ، والقاعدين عن القتال معه كما نصّت عليه هذه الآيات ، فالحكم عليهم جميعا بالعدالة تشريع محرّم وحكم بغير ما أنزل الله تعالى فيهم في القرآن.
وأما السنّة فحسبك أحاديث الحوض ، والبطانتين ، ولتتبعنّ سنن من كان قبلكم شبرا بشبر المروية في الصحيحين[١]البخاري ومسلم وغيرهما من صحاح أهل السنّة مما لا خلاف فيه بين الأمة.
فهذا البخاري يقول في صحيحه ( ص : ١٥٠ ) في باب بطانة الإمام وأهل مشورته من جزئه الرابع ، عن أبي سعيد ، وأبي أيوب ، وأبي هريرة بأسانيدهم عن النبيّ6أنه قال : ( ما بعث الله من نبيّ ولا استخلف من خليفة إلاّ كانت له بطانتان : بطانة تأمره بالمعروف وتحضّه عليه ، وبطانة تأمره بالشرّ وتحضّه عليه ، فالمعصوم من عصمه الله ).
ويقول البخاري في ( ص : ٩٤ ) من صحيحة من جزئه الرابع ، في باب الحوض كغيره من أهل الصحاح ، بإسناده عن أبي هريرة ، عن رسول الله6أنه قال : ( بينا أنا قائم فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال :
[١]ويقول الهيتمي في الصواعق المحرقة ، في الباب الأول الّذي عقده لبيان كيفية خلافة أبي بكر ، في الفصل الأول ( ص : ٥ ) من طبعة ( ١٣٢٤ ه ) ما لفظه : روى الشيخان في صحيحهما اللّذين هما أصحّ الكتب بعد القرآن بإجماع من يعتدّ به.
هلمّ ، فقلت : أين؟ فقال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، قلت : أين؟ قال إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم؟ قال : إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم ، فلا أرى يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم ) وفي النهاية الهمل : الضّالّ من الإبل ، أي أن الناجي من الصحابة من النار في قلّة الإبل الضالّة.
وأخرج البخاري أيضا في ( ص : ٩٤ ) من جزئه الرابع في باب الصراط جسر جهنّم ، عن سهل بن سعد ، قال رسول الله6: ( إنّي فرطكم على الحوض ، من مرّ عليّ شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا ، ليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم ، فأقول : إنهم منّي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : سحقا لمن بدّل بعدي ).
وفي ( ص : ٩٤ ) من صحيحه أيضا من جزئه الرابع في الباب نفسه ، عن النبيّ6أنه قال : ( يرد عليّ الحوض رجال من أصحابي فيجلون عنه ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى ).
وأخرج أيضا في أواخر ( ص : ٨٥ ) في باب وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ، من جزئه الثالث ، عن النبيّ6أنه قال : ( يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فيقال : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ).
ويقول البخاري في صحيحه ( ص : ١٧٤ ) من جزئه الرابع في باب لتتبعن سنن من كان قبلكم عن النبيّ6أنه قال : ( لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ، وذراعا بذراع ، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لتبعتموهم ، قلنا : يا رسول الله6اليهود والنصارى ، قال : فمن ).
وأنت ترى هذه الأحاديث الصحيحة المتواترة عند أهل السنّة كلّها تنادي بصراحة بعدم عدالة الصحابة جميعا ، وأن فيهم بطانة الشرّ ، وفيهم المرتدين على
أدبارهم القهقري ، وفيهم التابعين لسنن من كان قبلهم ، فالحكم عليهم جميعا بالعدالة تشريع محرّم وحكم بغير ما حكم به رسول الله6عليهم.
ومن تشريع خصوم الشيعة في الدين : حكمهم بوجوب بيعة أبي بكر (رض) وهي أول حدث وقع في الإسلام بعد النبيّ6ومنه تتابعت الويلات على الشيعة بين آونة وأخرى ، وهي التي نقضوا بها السنن الشرعية وعفوا معالمها القيّمة ، فإن هذه البيعة التي صنعوها في السّقيفة لا سبق لها في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه6فالحكم بوجوب إتباعها تشريع محرّم ، وحكم بغير ما نزل به القرآن الكريم وجاءت به السنّة الشريفة.
بعض الموارد التي اختلف فيها خصوم الشيعة
ومن تشريعهم : حكمهم بوجوب الرجوع إلى أربعة أئمة في فقههم مع اختلافهم[١]في الآراء ، وتضاربهم في الأحكام ، وتصادمهم في الفتاوي ، وحكم
[١]وإليك بعض الموارد التي اختلفت أهواؤهم فيها لأن الإتيان على ذكرها جميعا يحتاج إلى كتاب مستقل.
فمنها : اختلافهم في كفن الزوجة ، فبعضهم على أنه واجب على الزوج ، وبعضهم أنه غير واجب ، كما في ( ص : ١٤ ) من الفتاوي الخيرية من جزئه الثاني ، مع أن حكم الرسول6في القضية واحد لا يختلف ، فأحد المذهبين لا شك في أنه غير صحيح ، لأن حكم رسول الله6هو الحجّة لا حكم غيره ، وحكم غيره إذا لم يكن من حكمه6كان كفرا وظلما وفسقا ، بدليل قوله تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)وقوله تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)كما في الآيات ٤٥ ـ ٤٧ من سورة المائدة.
ولدخوله في قوله تعالى :(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)كما في الآية (٥٠) من سورة المائدة.
ودعوى الاجتهاد فاسدة لأنه مخالف لحكم الله وحكم رسوله6وكلّ ما كان كذلك فهو مشاقّة لله ولرسوله6لأن رسول الله6قد بيّن لهم حكم الله في كلّ قضيّة وهو لا تضارب فيه ، فاتباع الأهواء والضلالات في خلافه6خروج عن الدين جملة ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)كما في الآية (١١٥) من سورة النساء.
ومن ذلك : اختلافهم في النكاح إذا كان بغير لفظه الدالّ عليه ، فقال بعضهم : بانعقاده ، وقال : آخرون لا ينعقد ، كما في ( ص ١٩ ) من الكتاب نفسه ، ومنها اختلافهم في المرأة إذا تزوجت غير الكفؤ بلا رضا أوليائها ، فقال الكثير منهم : أنه لا ينعقد ، وقال الأكثر : ينعقد ، كما في ( ص : ٢٥ ) منه أيضا ،
ومنها : مسّ الرجل ذكره ، فقال جماعة منهم : أنه ينقض الوضوء ، وقال : آخرون ليس بناقض ، كما في ( ص : ٣٢ ) من ( الروضة الندية شرح درر البهية ).
ومنها : قول بعضهم ببطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار أمام المصلّي ، وبعضهم أنه غير مبطل ، كما في كتاب الرحمة بهامش الجزء الأول من ميزان الشعراني ( ص : ٣٩ ) من الطبعة الثالثة سنة ( ١٣٤٤ ه ).
ومنها : قول أبي حنيفة : إنه لا يجب التسليم في الصلاة ، وقول الشافعي وأحمد ومالك بوجوبه ، على ما في ( ص : ١٤٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعض أئمتهم إن الستر شرط في الصلاة ، وقول بعض إنه ليس بشرط ، على ما في ص : (١٣٥) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول بعضهم بوجوب الأذان والإقامة ، وقول بعضهم إنهما سنّة غير واجبة ، على ما في ( ص : ١٣٢ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعضهم بوجوب غسل اليدين قبل الوضوء ، وقول بعض إنه ليس بواجب ، على ما في ( ص : ١١٦ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة بعدم وجوب القراءة بالفاتحة في الصلاة ، وقول الثلاثة بوجوبها ، على ما ( ص : ١٤٠ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعضهم بوجوب التّسمية عند الوضوء ، وقول بعضهم بعدم وجوبها ، على ما في ( ص : ١١٦ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول بعضهم بوجوب المضمضة في الوضوء ، وقول بعضهم بعدم وجوبها ، على ما في كتاب الميزان للشعراني ( ص : ١١٦ ) من جزئه الأول ، ومنها : قول مالك وأحمد : بوجوب مسح جميع الرأس في الوضوء ، وقول أبي حنيفة والشافعي بوجوب مسح البعض ، واختلفا في قدره ، كما في ميزان الشعراني ( ص : ١١٧ ) من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة والشافعي ومالك بعدم الاجتزاء بالمسح على العمامة في الوضوء ، وقول أحمد كفاية المسح على العمامة بدل الرأس المنصوص عليه في القرآن ، كما في ( ص : ١١٧ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة ، ومالك : بعدم وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء ، وقول أحمد ، والشافعي بوجوبه فيه ، على ما في ( ص : ١١٩ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة إنه لا يتعيّن لفظ ( الله أكبر ) بل تنعقد الصلاة بكلّ لفظ يعطي التعظيم مثل الله العظيم والجليل ، وقول الشافعي إنه يتعيّن لفظ الله أكبر فقط ، كما في ص : (١٣٧) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول أبي حنيفة بجواز القراءة بالفارسية ، وقول الثلاثة بعدم جوازها بغير العربية ، على ما في ص : (١٤٣) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، إلى غير ذلك وأضعاف أمثاله من الموارد التي اختلفت آراؤهم وأنظارهم فيها.
ومن أراد المزيد فليراجع كتبهم الفقهية فإنه يجد الكثير من هذا القبيل ، والله يعلم والناس كلّهم يعلمون أن فعل رسول الله6واحد وسنّنته واحدة وقوله وتقريره واحد لا يتبدل ولا يتغير مطلقا بعد انقطاع الوحي والتحاقه بالرفيق الأعلى ، فأحد المذاهب لا شك في أنه غير صحيح ، فعلى أيّها يا ترى كان رسول الله6وبأيّها كان يعمل ، وأيّها باطل وخطأ؟ وفي القرآن يقول الله تعالى :(فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ
الله في القضية الواحدة في حالة واحدة لا يختلف ، فالحكم بوجوب اتباعهم وحرمة الرجوع إلى غيرهم تشريع محرم مخالف لما أنزل الله تعالى في القرآن بقوله تعالى :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)[ آل عمران : ١٩ ] وقوله تعالى :(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً)[ فاطر : ٤٣ ] ومخالف لقول رسول الله6فيما تقدم ذكره من حديثه6: ( إنّي مخلّف فيكم الثّقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، ولن يفترقا حتى يردّا عليّ الحوض ، فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم ) فالانحراف عنهم والحكم بوجوب إتباع غيرهم حكم بغير ما جاء به رسول الله6وأمر الناس باتباعه.
ومن تشريعهم : حكم الأئمة الأربعة بالاكتفاء في الوضوء للصلاة بغسل الرأس بدل المسح ، على ما في ( ص : ١١٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، وهو تشريع محرّم مخالف لنصّ القرآن الآمر بمسح الرءوس ، بقوله تعالى :(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ)ومن تشريعهم : تجويزهم المسح على الخفين بدل القدمين ، والمسح على العمامة بدل الرأس كما في ( ص : ١١٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، وهو مخالف لنصّ لقرآن وصريح قولهم إن سورة المائدة محكمة فالقرآن يقول :(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)والجماعة يقولون : واغسلوا رءوسكم وامسحوا على خفيكم فالحكم بذلك تشريع محرّم مخالف لما نزل به القرآن.
ومن تشريعهم : تشريع أبي حنيفة استحباب تأخير صلاة الصبح والظهر وصلاة الجمعة عن أوّل أوقاتها ، وهو مخالف لنصّ القرآن الآمر بالمسارعة إلى
إِلاَّ الضَّلالُ)أجل لا شك في أنه6كان يعمل بما كان يعمل به أهل بيته الطاهرين المعصومين ، لأنهم يعملون بما كان يعمل به6لا بغيره كما تقول الشيعة وتعتقد ، لأن قولهم واحد وعملهم واحد وتقريرهم واحد وهداهم واحد لا يتبدل بحال ، وهو ما كان عليه جدّهم رسول الله6وسيّد الأنبياء6لذا فإن الشيعة تمسّكوا بهم وانقطعوا إليهم وانحرفوا عن غيرهم كائنا من كان.
تحصيل ما يوجب المغفرة من الله تعالى ، والمسابقة إلى استيفاء الخير ، بقوله عزّ من قائل :(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[ آل عمران : ١٣٣ ] فالحكم بتأخيرها عن أوّل أوقاتها حكم بغير ما أنزل الله تعالى ، وهو تشريع محرّم مخالف للقرآن.
ومن ذلك : تشريع أبي حنيفة جواز افتتاح الصّلاة بأي اسم من أسمائه تعالى ، مثل : الله العظيم ، والله الجليل إلى غير ذلك ، وهو مخالف لما كان عليه النبيّ6والسّابقون الأوّلون ، ومخالف لسنّته6ومخالف لأئمتهم الثلاثة ، فالحكم بذلك تشريع محرّم.
ومن ذلك : تشريع الشافعي جواز الزيادة على كلمة الله أكبر ، مثل الله عزّ وجلّ أكبر ، والله الجليل أكبر ، وهو مخالف لفعل رسول الله6وقوله : ( الله أكبر ) فقط ، ويقول شارح الينابيع على ما في السنن الصحيحة : لقد جرت سيرة النبيّ6على هذا فقط ، فالحكم بذلك تشريع محرّم.
ومنه : تشريع أبي حنيفة كفاية آية واحدة في الصلاة ولو من غير الفاتحة ، وهو مخالف للسنّة المتواترة بين الفريقين ، من قوله6: ( لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ) فالحكم بذلك تشريع محرّم.
إلى غير ما هنالك وأضعافه مما يجده القارئ في أمهات كتبهم الفقهية[١]من التشريعات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن أراد المزيد فليراجع ثمة حتى يعلم صحة ما نسبه الإمامية إليهم من تشريع الأحكام في الدين ، كأنهم على ما يرون أنهم شركاء لله في تشريع أحكامه من حلاله وحرامه ، أو يرون أن رسول الله6ـ والعياذ بالله ـ كان جاهلا بتشريعها وأحكامها ، فلم يأت6بشيء مما جاء به هؤلاء من التشريعات وألصقوها بدينه ، أو أن الله تعالى كان لا يعلم بها وهم علموا بها ، وهل هناك طعن في قداسة النبيّ6وقداسة دينه غير هذا؟
[١]تجد كلّ هذه الآراء المخالفة لنصوص القرآن والسنّة القطعية في كتاب الميزان لمحمّد بن عبد الوهاب الشعراني ، في جزئه الأول والثاني فلتراجع.