أدبارهم القهقري ، وفيهم التابعين لسنن من كان قبلهم ، فالحكم عليهم جميعا بالعدالة تشريع محرّم وحكم بغير ما حكم به رسول الله6عليهم.
ومن تشريع خصوم الشيعة في الدين : حكمهم بوجوب بيعة أبي بكر (رض) وهي أول حدث وقع في الإسلام بعد النبيّ6ومنه تتابعت الويلات على الشيعة بين آونة وأخرى ، وهي التي نقضوا بها السنن الشرعية وعفوا معالمها القيّمة ، فإن هذه البيعة التي صنعوها في السّقيفة لا سبق لها في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه6فالحكم بوجوب إتباعها تشريع محرّم ، وحكم بغير ما نزل به القرآن الكريم وجاءت به السنّة الشريفة.
بعض الموارد التي اختلف فيها خصوم الشيعة
ومن تشريعهم : حكمهم بوجوب الرجوع إلى أربعة أئمة في فقههم مع اختلافهم[١]في الآراء ، وتضاربهم في الأحكام ، وتصادمهم في الفتاوي ، وحكم
[١]وإليك بعض الموارد التي اختلفت أهواؤهم فيها لأن الإتيان على ذكرها جميعا يحتاج إلى كتاب مستقل.
فمنها : اختلافهم في كفن الزوجة ، فبعضهم على أنه واجب على الزوج ، وبعضهم أنه غير واجب ، كما في ( ص : ١٤ ) من الفتاوي الخيرية من جزئه الثاني ، مع أن حكم الرسول6في القضية واحد لا يختلف ، فأحد المذهبين لا شك في أنه غير صحيح ، لأن حكم رسول الله6هو الحجّة لا حكم غيره ، وحكم غيره إذا لم يكن من حكمه6كان كفرا وظلما وفسقا ، بدليل قوله تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)وقوله تعالى :(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ)كما في الآيات ٤٥ ـ ٤٧ من سورة المائدة.
ولدخوله في قوله تعالى :(أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)كما في الآية (٥٠) من سورة المائدة.
ودعوى الاجتهاد فاسدة لأنه مخالف لحكم الله وحكم رسوله6وكلّ ما كان كذلك فهو مشاقّة لله ولرسوله6لأن رسول الله6قد بيّن لهم حكم الله في كلّ قضيّة وهو لا تضارب فيه ، فاتباع الأهواء والضلالات في خلافه6خروج عن الدين جملة ، وفي القرآن يقول الله تعالى :(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً)كما في الآية (١١٥) من سورة النساء.
ومن ذلك : اختلافهم في النكاح إذا كان بغير لفظه الدالّ عليه ، فقال بعضهم : بانعقاده ، وقال : آخرون لا ينعقد ، كما في ( ص ١٩ ) من الكتاب نفسه ، ومنها اختلافهم في المرأة إذا تزوجت غير الكفؤ بلا رضا أوليائها ، فقال الكثير منهم : أنه لا ينعقد ، وقال الأكثر : ينعقد ، كما في ( ص : ٢٥ ) منه أيضا ،
ومنها : مسّ الرجل ذكره ، فقال جماعة منهم : أنه ينقض الوضوء ، وقال : آخرون ليس بناقض ، كما في ( ص : ٣٢ ) من ( الروضة الندية شرح درر البهية ).
ومنها : قول بعضهم ببطلان الصلاة بمرور الكلب الأسود والمرأة والحمار أمام المصلّي ، وبعضهم أنه غير مبطل ، كما في كتاب الرحمة بهامش الجزء الأول من ميزان الشعراني ( ص : ٣٩ ) من الطبعة الثالثة سنة ( ١٣٤٤ ه ).
ومنها : قول أبي حنيفة : إنه لا يجب التسليم في الصلاة ، وقول الشافعي وأحمد ومالك بوجوبه ، على ما في ( ص : ١٤٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعض أئمتهم إن الستر شرط في الصلاة ، وقول بعض إنه ليس بشرط ، على ما في ص : (١٣٥) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول بعضهم بوجوب الأذان والإقامة ، وقول بعضهم إنهما سنّة غير واجبة ، على ما في ( ص : ١٣٢ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعضهم بوجوب غسل اليدين قبل الوضوء ، وقول بعض إنه ليس بواجب ، على ما في ( ص : ١١٦ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة بعدم وجوب القراءة بالفاتحة في الصلاة ، وقول الثلاثة بوجوبها ، على ما ( ص : ١٤٠ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول بعضهم بوجوب التّسمية عند الوضوء ، وقول بعضهم بعدم وجوبها ، على ما في ( ص : ١١٦ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول بعضهم بوجوب المضمضة في الوضوء ، وقول بعضهم بعدم وجوبها ، على ما في كتاب الميزان للشعراني ( ص : ١١٦ ) من جزئه الأول ، ومنها : قول مالك وأحمد : بوجوب مسح جميع الرأس في الوضوء ، وقول أبي حنيفة والشافعي بوجوب مسح البعض ، واختلفا في قدره ، كما في ميزان الشعراني ( ص : ١١٧ ) من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة والشافعي ومالك بعدم الاجتزاء بالمسح على العمامة في الوضوء ، وقول أحمد كفاية المسح على العمامة بدل الرأس المنصوص عليه في القرآن ، كما في ( ص : ١١٧ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة ، ومالك : بعدم وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء ، وقول أحمد ، والشافعي بوجوبه فيه ، على ما في ( ص : ١١٩ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول.
ومنها : قول أبي حنيفة إنه لا يتعيّن لفظ ( الله أكبر ) بل تنعقد الصلاة بكلّ لفظ يعطي التعظيم مثل الله العظيم والجليل ، وقول الشافعي إنه يتعيّن لفظ الله أكبر فقط ، كما في ص : (١٣٧) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، ومنها : قول أبي حنيفة بجواز القراءة بالفارسية ، وقول الثلاثة بعدم جوازها بغير العربية ، على ما في ص : (١٤٣) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، إلى غير ذلك وأضعاف أمثاله من الموارد التي اختلفت آراؤهم وأنظارهم فيها.
ومن أراد المزيد فليراجع كتبهم الفقهية فإنه يجد الكثير من هذا القبيل ، والله يعلم والناس كلّهم يعلمون أن فعل رسول الله6واحد وسنّنته واحدة وقوله وتقريره واحد لا يتبدل ولا يتغير مطلقا بعد انقطاع الوحي والتحاقه بالرفيق الأعلى ، فأحد المذاهب لا شك في أنه غير صحيح ، فعلى أيّها يا ترى كان رسول الله6وبأيّها كان يعمل ، وأيّها باطل وخطأ؟ وفي القرآن يقول الله تعالى :(فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ
الله في القضية الواحدة في حالة واحدة لا يختلف ، فالحكم بوجوب اتباعهم وحرمة الرجوع إلى غيرهم تشريع محرم مخالف لما أنزل الله تعالى في القرآن بقوله تعالى :(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ)[ آل عمران : ١٩ ] وقوله تعالى :(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً)[ فاطر : ٤٣ ] ومخالف لقول رسول الله6فيما تقدم ذكره من حديثه6: ( إنّي مخلّف فيكم الثّقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي ، إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا ، ولن يفترقا حتى يردّا عليّ الحوض ، فلا تقدموهم فتهلكوا ، ولا تأخروا عنهم فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنهم أعلم منكم ) فالانحراف عنهم والحكم بوجوب إتباع غيرهم حكم بغير ما جاء به رسول الله6وأمر الناس باتباعه.
ومن تشريعهم : حكم الأئمة الأربعة بالاكتفاء في الوضوء للصلاة بغسل الرأس بدل المسح ، على ما في ( ص : ١١٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، وهو تشريع محرّم مخالف لنصّ القرآن الآمر بمسح الرءوس ، بقوله تعالى :(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ)ومن تشريعهم : تجويزهم المسح على الخفين بدل القدمين ، والمسح على العمامة بدل الرأس كما في ( ص : ١١٥ ) من ميزان الشعراني من جزئه الأول ، وهو مخالف لنصّ لقرآن وصريح قولهم إن سورة المائدة محكمة فالقرآن يقول :(وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)والجماعة يقولون : واغسلوا رءوسكم وامسحوا على خفيكم فالحكم بذلك تشريع محرّم مخالف لما نزل به القرآن.
ومن تشريعهم : تشريع أبي حنيفة استحباب تأخير صلاة الصبح والظهر وصلاة الجمعة عن أوّل أوقاتها ، وهو مخالف لنصّ القرآن الآمر بالمسارعة إلى
إِلاَّ الضَّلالُ)أجل لا شك في أنه6كان يعمل بما كان يعمل به أهل بيته الطاهرين المعصومين ، لأنهم يعملون بما كان يعمل به6لا بغيره كما تقول الشيعة وتعتقد ، لأن قولهم واحد وعملهم واحد وتقريرهم واحد وهداهم واحد لا يتبدل بحال ، وهو ما كان عليه جدّهم رسول الله6وسيّد الأنبياء6لذا فإن الشيعة تمسّكوا بهم وانقطعوا إليهم وانحرفوا عن غيرهم كائنا من كان.
تحصيل ما يوجب المغفرة من الله تعالى ، والمسابقة إلى استيفاء الخير ، بقوله عزّ من قائل :(وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)[ آل عمران : ١٣٣ ] فالحكم بتأخيرها عن أوّل أوقاتها حكم بغير ما أنزل الله تعالى ، وهو تشريع محرّم مخالف للقرآن.
ومن ذلك : تشريع أبي حنيفة جواز افتتاح الصّلاة بأي اسم من أسمائه تعالى ، مثل : الله العظيم ، والله الجليل إلى غير ذلك ، وهو مخالف لما كان عليه النبيّ6والسّابقون الأوّلون ، ومخالف لسنّته6ومخالف لأئمتهم الثلاثة ، فالحكم بذلك تشريع محرّم.
ومن ذلك : تشريع الشافعي جواز الزيادة على كلمة الله أكبر ، مثل الله عزّ وجلّ أكبر ، والله الجليل أكبر ، وهو مخالف لفعل رسول الله6وقوله : ( الله أكبر ) فقط ، ويقول شارح الينابيع على ما في السنن الصحيحة : لقد جرت سيرة النبيّ6على هذا فقط ، فالحكم بذلك تشريع محرّم.
ومنه : تشريع أبي حنيفة كفاية آية واحدة في الصلاة ولو من غير الفاتحة ، وهو مخالف للسنّة المتواترة بين الفريقين ، من قوله6: ( لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب ) فالحكم بذلك تشريع محرّم.
إلى غير ما هنالك وأضعافه مما يجده القارئ في أمهات كتبهم الفقهية[١]من التشريعات التي ما أنزل الله بها من سلطان ، ومن أراد المزيد فليراجع ثمة حتى يعلم صحة ما نسبه الإمامية إليهم من تشريع الأحكام في الدين ، كأنهم على ما يرون أنهم شركاء لله في تشريع أحكامه من حلاله وحرامه ، أو يرون أن رسول الله6ـ والعياذ بالله ـ كان جاهلا بتشريعها وأحكامها ، فلم يأت6بشيء مما جاء به هؤلاء من التشريعات وألصقوها بدينه ، أو أن الله تعالى كان لا يعلم بها وهم علموا بها ، وهل هناك طعن في قداسة النبيّ6وقداسة دينه غير هذا؟
[١]تجد كلّ هذه الآراء المخالفة لنصوص القرآن والسنّة القطعية في كتاب الميزان لمحمّد بن عبد الوهاب الشعراني ، في جزئه الأول والثاني فلتراجع.
رواية القياس ليست من روايات الشيعة
وأما قوله : « مع أن طعنهم هذا يعود حينئذ على أهل البيت فإن الزيدية وأهل السنّة يروون القياس عن الأئمة ».
فيقال فيه : إنما يرد الطعن إذا كان ذلك ثابتا في مذهبهم ، وأما إذا كان مخالفا للضروري من دينهم ـ كما هو التحقيق ـ فليس من الطعن عليهم في شيء ، وإنما هو من الطعن على القائلين بتشريعه وهم غيرهم ، وأما قوله : ( وقد قال أبو نصر هبة الله بن الحسين أحد علماء الإمامية بحجيّة القياس ).
فيقال فيه : ليس في علماء الإمامية من يقول بحجّية القياس ولا يصح نسبة ذلك إليهم بحال ، وهو مخالف للضروري من مذهب أئمتهم ، والأخبار عنهم:في عدم حجيّته متواترة لا يشك فيها اثنان منهم ، وإنما القائلون به هم خصوم الشيعة من المنحرفين عن الوصيّ وآل النبيّ6الّذين لا يتحرجون من التقول على الله وتشريع الأحكام في الدين مما ينفيه الشرع القويم.
وأما ما حكاه عن أبي نصر هبة الله ، وزعم أنه من الإمامية ، وأنه قائل بحجيّة القياس فمدخول ؛ بأن الإمامية لا تعرف هذا الرجل وليس هو من علمائهم في شيء ـ إن صح نسبة حجيّة القياس إليه ـ وإنما هو من أكابر علماء خصومهم ، إلاّ أن الأمر قد التبس فيه على الشيخ الآلوسي كما التبس الأمر عليه في غيره فظنّه من أعلام الإمامية ، وأكبر الظن أنه الحافظ الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين المعروف بابن عساكر ، وهو من أعاظم محدّثي أهل السنّة ، ومن أعيان فقهاء الشافعية ، كما في ( ص : ٣٣٥ ) من وفيات الأعيان لابن خلكان من جزئه الأول ، وأيّا كان فلا قائل من الإمامية بحجيّة القياس ، فدونك كتبهم في علم الأصول والفقه فإنهم صرّحوا ببطلانه ، وأن من أقوى العوامل لمحق الدين وإبطال أحكامه وتحليل حرامه وتحريم حلاله هو العمل فيه بالقياس والرأي والاستحسان والإعتبار والظنون التي ما نزل بها القرآن.
وأما قوله : « قد ثبت حجيّة القياس في كتبهم الصحيحة ، فمن ذلك ما رواه أبو جعفر الطوسي في التهذيب ».
فيقال فيه : الرواية إن صحت فلا دلالة فيها على اعتبار القياس في شيء ، لأن قوله7: ( أتوجبون عليه الحدّ ولا توجبون عليه صاعا من ماء ) مسوق لبيان الحكم الواقعي ، وأن حكم الله في هذه الواقعة هو وجوب الغسل مضافا إلى الحدّ ، ولكن لمّا أنكر القوم هذا ورتّبوا الحدّ عليه خاصة أجابهم بذلك للتنبيه ، والدلالة على ما ألزموا به أنفسهم من تجويزهم القياس في الأحكام ، فكأنه7أراد بذلك أن يقول : أتراكم تجوّزون القياس في الأحكام فكيف تمنعونه هنا ، مع أنه لو جاز شيء منه لكان هذا من أظهر مصاديقه وأبين أفراده ، ومن حيث أن الآلوسي لم يهتد إلى معنى كلامه7ولم يفهم شيئا من مغزاه ، ولم ينتبه إلى مرماه ، ظن أن ذلك من القياس الباطل ، وأيّ حاجة به7إلى القياس وهو باب مدينة علم رسول الله6وعديل كتاب الله ، وحامل علم رسول الله6الّذي لا ينطق عن الهوى وعنده علم الكتاب ، والقياس لا شك في أنه من الهوى ولا شيء منه من عند الله.
وجملة القول إنه7أراد بذلك أن يبيّن الحكم الواقعي ، وأن الغسل واجب عليه شرعا كوجوب الحدّ عليه ، وإنما عبّر بذلك ليلزم المنكرين عليه والمخالفين له بمثل هذا الجواب القاطع لإنكارهم ، والرافع للجاجهم ، والحاسم لنزاعهم ، ولو لم يجبهم بما هو عندهم حجّة لاختلفوا فيه ولامتنعوا عن قبوله ، لا أنه7يريد القياس أو إثبات الملازمة بين الغسل ومطلق ما عليه الحدّ ، بل ولا من باب الأولوية كما نسبه إلى الإمامية إفكا وزورا.
وأما قوله : « لأن المساحقة موجبة للتعزير والحدّ ولا توجب الغسل ».
فيقال فيه : إن أراد أن ذلك لا يوجب الغسل مطلقا وإن أنزلت ففساده واضح ، وإن أراد به نفي الملازمة بين الغسل والحدّ فقد عرفت عدم دلالة الرواية على اللّزوم ، وأن كلامه7كان مسبوقا لبيان الحكم الواقعي في هذه الواقعة ، على أنّا قد ألمعنا بأنه7ليس ممن يحتاجون إلى القياس لأنه أحد الثقلين الّذي لا يزال مع القرآن والقرآن معه ، وإنما يحتاج إلى القياس الجاهل بالأحكام فيقول به في الدين بغير علم ممن لا حريجة له في الدين وهو غيره.
الاستدلال بالأولوية جائز
ثم إن الاستدلال بالأولوية جائز هاهنا ولا ينتقض بما أورده ، لخروجه عن مورد الأولوية بالدليل القاطع لحكمه فيه لولاه لكان محكوما كذلك ولا محذور فيه ، وهب جدلا أن ذلك من القياس فما يجديه نفعا لوجوب الاقتصار على ما ثبت موضوعه بالدليل ولا يتعدى إلى غيره مطلقا ، وليس هذا من العمل بالقياس كما توهمه الآلوسي ، وإنما هو من العمل بالدليل الموافق للقياس في مورده وهو واضح لا غبار عليه.
قوله في دلائل تجويز القياس فاسد
وأما قوله : « وأما دلائل تجويز القياس فمذكورة في علم الأصول ».
فيقال فيه : لو كان الدليل على تجويزه نصوص القرآن فذلك ما نتلقاه بالقبول والإذعان ، وكذلك السنّة المتفق عليها بين الفريقين ، أما إذا كان الدليل على تجويزه هو القياس والاستحسان والآراء الفاسدة التي أدلوا بها في أصولهم فذلك لا يصلح أن يكون دليلا على إثبات فتيل فضلا من أن يكون دليلا على إثبات اعتبار ما به تثبت الأحكام الشرعية ، على أن صريح القرآن قاض بعدم حجيّته ، وفي القرآن :(إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)[ يونس : ٣٦ ] مطلقا أصلا كان أو فرعا ، وقال تعالى :(إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ)[ الأنعام : ١١٦ ] داخل في منطوقها ولا مخرج له ، وقال تعالى :(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)[ الإسراء : ٣٦ ] والقياس ليس بعلم قطعا فهو مشمول للآية ، وقال تعالى :(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ)[ الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦ ] ولا ريب في أن القياس من التقوّل عليه تعالى فهو داخل في منطوق الآية ، وقال تعالى :(آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)[ يونس : ٥٩ ].
ولا شك في أن الله تعالى لم يأذن بالقياس في دينه لكماله على عهد نبيّه6بواسطة الوحي ولا شيء من الوحي بقياس ، فبطل أن يكون القياس منه ، وقال تعالى مخاطبا نبيّه6:(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ
أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ)[ المائدة : ٤٩ ] فلو كان القياس مما يجوز اتباعه في الشرعيات ويجوز العمل به لكانت هذه الآية باطلة لا معنى لها ؛ لأن القياس من الأهواء التي حذّر الله تعالى من أتباعها ، وليس هو مما أنزل الله في شيء ولا هو منه على شيء ، لذا تراه أمر نبيّه6بأن يحكم بما أنزله ونهاه عن إتباع أهواءهم ، فمفهوم هذه الآيات واضح ، وهي لا تتفق مع ما يدعيه الآلوسي من اعتبار القياس ، بل هي أدلّة قويّة على فساده وسقوطه عن الحجيّة وأنه ليس من الدين في شيء.
وخلاصة القول ، نقول لهذا الآلوسي : هل القياس من الدين أو لا؟ وهل هو من هدى رسول الله6أو ليس من هداه؟ وهل هو كالقرآن والسنّة في وجوب إتباعه أو لا؟ فإن قال : إنه من الدين ـ وهو قوله ـ فيقال له : فهل بيّنه رسول الله6لأمته أو لا؟ فإن قال : بيّنه ، فيقال له : أين بيّنه ومتى بيّنه؟ وإذا كان بيّنه فهل عمل به أو لا؟ فإن قال : بيّنه ولم يعمل به ، كان بيانه له عبثا صرفا ولغوا باطلا ، تعالى رسول الله6عن ذلك ، إذ كيف يا ترى يكون القياس حجّة يجب العمل به كالقرآن والسنّة ورسول الله6لم يعمل به؟ أفهل يجوز لمسلم أن يقول : إن رسول الله6ترك الواجب حيث لم يعمل به ، ثم يقال إن ترك النبيّ6العمل به إن كان حقا كان العمل به باطلا ، وإن كان ترك العمل به باطلا لزم إلصاق الباطل بالنبيّ6وهو كفر وضلال.
وإن قال : بيّنه رسول الله6وعمل به ، فيقال له : إن ما يعمل به النبيّ6لا يكون إلاّ وحيا نازلا من عند الله ، وحينئذ يكون القياس وحيا نازلا من الله ، وهذا هو الكفر بعينه وذلك لأن العامل بالقياس لا يكون إلاّ الجاهل بحكم الله ، ولا شك في أن نسبة الجهل بالحكم إلى وحي الله كفر صراح.
وهكذا الحال لو قال : إنه من هدى رسول الله6لأن هداه6لا يكون إلاّ من وحي الله ، كما يقول القرآن :(وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى)[ النجم : ٣ ـ ٤ ] وإذا بطل أن يكون من هدى رسول الله6كان العمل به مشاقّة لرسول الله6لقوله تعالى :(وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ