بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 8

النفوس ، وتقشعر منها الأبدان ، وقد بلغ به الشطط إلى الحكم عليهم بالخروج عن الإسلام ، بعد أن عزا إليهم كلّ أنواع المخازي والمرديات.

والحق أن الآلوسي كتب عن الشيعة ما كتب وهو على غير بيّنة من أمرهم ، ولا يعرف أحدا من رجالاتهم ، ولا قولا من أقوالهم ، ولا يعرف شيئا عن عقائدهم ، وخواصّهم ، وكتبهم ، وأحاديثهم ، وإنما كتب ما كتب معتمدا على أمثال ابن تيمية ، وابن خلدون ، وابن حزم ، والشهرستاني من خصوم الشيعة وأعدائها ، دون أن يشعر أن الخصم لا يكون حكما ، وما تفرّد به لا يكون حجّة على خصمه الّذي يتبرأ من مبدئه ورأيه.

وليته علم أن سوء التفاهم يجر إلى الاختلاف ، وحسن التفاهم والمجادلة بالتي هي أحسن يوجبان الائتلاف ، والمؤمن من عشاق البرهان يميل معه حيث مال لا يلوي جيدا إلى مخالفته لهواه.

ونحن قد فحصنا عبارات الآلوسي ودرسنا كلماته فلم نر فيها من ردّ ولا تفنيد ولا نقد ولا تدليل ، بل كلّ ما وجدنا تحت عباراته وخلال كلماته تهجمات العاجز ، وسباب المخذول ، فهو لم يتصدّ للردّ على شيء من أقوالهم كما يزعم ، ولم يبرهن على بطلانها كما تبرهن العلماء.

ولعل فيما أدلى من السباب والشتائم ما يحسبه أدلة رصينة وبراهين متينة لدحض أقوالهم ، ونحن نربا عن مقابلته بالمثل لأننا مؤمنون ، والمؤمن مثال الفضيلة ، وعنوان الإنسانية ، ودعامة الأخلاق ، وبيت العدل ، والذي يريد النزول في ميدان المناظرة ، ويخوض معمعة المجادلات للوقوف على الحقّ والصواب ، عليه أن يتسلح بسلاح الفضيلة ، ويتصف بالإنصاف ، ولا يزيل عقله بتيار هواه ، فلا يمسّ العواطف ، ويجرح الضمائر ، ويثير النقمة ، ويذبح الحقيقة ، ويميت الدين ، ويقضي على الحق واليقين ، وهكذا صنع الآلوسي في كتابه مع أخصامه ، فنال من الشيعة ومن علمائهم ، وتدارك عليهم بالكفر والإلحاد.

أيها القارئ : إن علماء السّوء الّذين يكتمون علمهم عن النّاس ولا يزودونهم بعلمهم الّذي يوصلهم إلى سعادتهم في الدارين ، بل يمرنونهم على حب


صفحه 9

الانتقام ، ويولدون فيهم روح الحط من كرامة الآخرين والنيل منهم ، ويوحون إليهم زخرف القول ، ويموهون عليهم الحقائق بألسنة المكر والخداع ليصدوهم عن دين الله ، أولئك الّذين شغفهم حبّ الذات ، وطاب لهم التبصبص حول العروش والتيجان ، فهم يتفانون في سبيل أطماعهم والاحتفاظ بوضعهم ، فيبيعون الأمة بالثمن القليل من رواد المنافع والأصفر الرنان ، لهم أضرّ على أمتنا من عدو الله إبليس اللّعين ، والعالم المخادع أضر على العالم من الشياطين.

إننا نمقت كلّ من يحيد عن طريق الحقّ ، وينحرف عن جادّة الصواب إزاء حبّ الإثرة والأطماع ، ونسمهم بسمات أهل الزيغ ، ونسجلهم في سجل المشاغبين وصحائف أهل البغي والضلال.

فها هي ذي كتب الشيعة الإمامية[١]مملوءة بالأدلة المفندة لآراء مخالفيهم ، ومشحونة بالبراهين القويّة التي تزيّف مزاعم خصومهم ، وتقلعها من جذورها ، وتقطعها من أصلها ، وقد ملأت الخافقين على كثرتها ، فليتصدّ من يروم التصدي للردّ عليها وتفنيدها بالأدلة المقبولة لا بالمفتريات والطعون الكاذبة والآراء الزائفة التي كانت تدلي بها عقول أناس لم يتفقهوا في الدين ، ولم يعرفوا شيئا من أصوله وفروعه ، الّذين ركبوا بغلة العناد ، وأخذوا بزمام التعصب ، وتسربلوا بسربال المكابرة ، وانصرفوا لوحي شياطين الإنس ، واندفعوا بمؤثراتها ، لا يعرفون باب الهدى ليدخلوا منه ، ولا باب العمى فيبتعدوا عنه.

نحن وأيم الله قوم نحترم الدليل ، ونستضيء بنور البرهان ، ونجلّ الأحاديث النبوية المتفق عليها بين الأمة ، ونحتج بها على خصمائنا في إثبات أقوالنا ، ونبرهن على صحتها بدلالتها ، ونعرب عن جميل أصلها بحسن فرعها ، فهلموا إلينا بما لديكم من حجج وأدلة مقبولة عند أهل النظر ، ومعتبرة عند أهل العرفان لنذعن للحقيقة والصواب ، أما أنكم تسيرون على طرق معوجة ، وخطوط متعرجة ، وتدلون علينا بالمفتريات ، والشتم والسباب ، فذلك ما نحن عنه بمعزل

[١]الشيعة الإمامية هم الذين يقولون بإمامة اثني عشر إماما ، تسعة من ولد الإمام الحسين7كما نصّت عليه أحاديث الفريقين المتواترة.


صفحه 10

لا نحرك له قلما ، ولا نضيّع في سبيله ورقا ولو لا خشية أن تنطلي بمر الأيام على أذهان البسطاء فيحسبوها يوما ما كحقائق راهنة لها أثرها وقيمتها.

إذ من المؤكد أن الأكاذيب الملفقة ، والحكايات المموهة إذا تناولتها الأقلام بالضبط لا بد أن تصبح يوما ما كحقائق عند الزعانف والأغرار ، لذا ترى كثيرا من الناس مخدوعين بتلك المفتريات التي ألصقوها بالشيعة ، دون أن يشعروا بما يفرضه العقل عليهم من التثبت والتحقيق تجاه تلك الأضاليل والتشنيعات الشائنة ، خاصة إذا كانت مخالفة للعيان والوجدان.

فالمذهب الشيعي عند الآلوسي مؤسس على الكيد والخداع ، وملفق من اليهودية والنصرانية ، والمجوسية والخارجية ، بل مؤسس على الكفر والإلحاد ، والزندقة والعناد ، والشيعة أنفسهم كافرون منافقون ، يكتبون بعض الكتب وينسبونها إلى أعلام السنّة ، ومع ذلك فهم كذابون ضالّون ، يضعون الأحاديث في المسانيد ، ولا يتوقفون عن الإنتصار لمذهبهم بكلّ وسيلة يأملون من خلالها إظهار مذهبهم وإن كانت لا صلة بينها وبين الحق أبدا ، فهم يضعون الأحاديث التي توافق فكرتهم وينسبونها إلى مشاهير علماء أهل السنّة ، وبهذا أضلّوا كثيرا من أهل السنّة ، بل وقد انخداع الكثير من أعلام أهل السنّة بهذا التمويه والخداع ، وهم يضعون على لسان عليّ7ما من شأنه الكذب ، وهم الّذين استفادوا مذهبهم بدون واسطة من رئيس المضلّين إبليس اللّعين ، وكانوا منافقين جهروا بكلمة الإسلام وأضمروا في بطونهم عداوة أهله ، وتوصلوا بذلك النفاق إلى الدخول في زمرة المسلمين ، كلّ ذلك مما سجله الآلوسي على الشيعة ونسبه إلى مذهبهم ، على أننا لم نذكر سائر كلماته التي كلّها على هذا النمط.

وسأوضح لك أيها القارئ ما اشتمل عليه كتابه وأدلته التي هي أو هي من بيت العنكبوت ، وإنه لأوهن البيوت ، وكيف أنه لم يحو سوى التناقض القبيح ، وكيف أنه لم يقصد من ورائه إلاّ التضليل وإثارة الفتنة المائتة ، وإهاجة الضغائن الهادئة ، تلميحا تارة وتصريحا أخرى ، وطريقتي في نقده هو أني أضع ملخص ما تناوله من المباحث المهمّة والمواضيع التي تستحق المناقشة ثم نعود إلى ما نراه


صفحه 11

جديرا بالتفنيد ، فنحكي ألفاظه بعينها ، ونتبعها بما يزيح تمويهها ويجتث فسادها من منبته.

وقبل أن نخوض في هذه المباحث مع صاحب الكتاب يجب أن تعلم بأن الّذي يجب تحكيمه بيننا وبينه هو آيات كتاب الله البينات ، وأحاديث رسول الله6الجياد التي اتفق الفريقان على صحتها أو ما يشهد لصحته من صحيحها ، ونجعل ذلك أصولا موضوعة نرجع إليها في قطع الخصومة ورفع النزاع ، إذ لا مرجع إلاّ إليهما لاتفاق الخصمين على قبولهما ، فبهما تقوم الحجّة على المتناظرين كما تقوم الحجّة على أحدهما فيما تثبت صحته في مذهبه وإن لم يكن صحيحا عند خصمه الآخر لكونه حجة عنده يلزمه العمل على طبقه ، وكلّ دليل لم يكن من هذا النوع فهو تضليل ساقط لا قيمة له.

ونحن لا نسلك في اقتناص الحقيقة غير هذا الطريق ، ولا ننحو في طلب الحق غير هذا المنحا ، وهو الكفيل في الحصول عليه لا سواه.

ويجدر بنا قبل أن نخوض في تزييف هذه المزاعم أن نذكر للقارئ صورة صغيرة من عقائد الشيعة توقفه على حقيقة أمرها في طي تمهيد يتضمن ثلاثة مباحث :

المبحث الأول : في معنى الشيعة الإثني عشرية.

المبحث الثاني : في ما تعتقده الشيعة من الأصول.

المبحث الثالث : في اعتقاد الشيعة في الفروع.


صفحه 12

این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة


صفحه 13

تمهيد

المبحث الأول : في معنى الشيعة الإثني عشرية

الشيعة في القاموس : ـ شيعة الرجل بالكسر ـ أتباع الرجل وأنصاره ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته حتى صار اسما لهم خاصا.

وفي تاج العروس : كلّ قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعة.

وفي لسان العرب : ـ الشيعة ـ أتباع الرجل وأنصاره ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ حتى صار لهم اسما خاصا ، فإذا قيل فلان من الشيعة عرف أنه منهم ، وأصل ذلك من المشايعة وهي المتابعة والمطاوعة.

وقال الأزهري : والشيعة قوم يهوون هوى عترة النبيّ6ويوالونهم.

وفي المنجد : الشيعة أتباع الرجل ، وقد غلب هذا الاسم على من يتولّى عليّا وأهل بيته.

وهكذا صرح به بطرس البطراي في محيط المحيط.

ويقول ابن عباس حبر الأمة : لما نزلت هذه الآية(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ)[ البينة : ٧ ]

قال رسول الله6لعليّ : « هم أنت وشيعتك ، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيّين ، ويأتي عدوّك غضابا مقمحين »[١].

[١]أخرجه ابن الصباغ المكي المالكي في الفصول المهمة : ١٢٢ ، وابن حجر الهيتمي في صواعقه في الآية الحادية عشرة من الآيات الواردة في فضائل أهل البيت النبويّ6من الباب الحادي عشر : ١٥٩ ، ويشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه ص ٦ من جزئه الأول في باب حب الأنصار وعليّ7من الإيمان من كتاب الإيمان ، والعسقلاني في إصابته : ٢٧١ من جزئه الرابع في الباب ـ


صفحه 14

وقال الشيخ أبو محمّد الحسن بن موسى النوبختي : أصول الفرق أربع فرق ـ وعدّ منهم الشيعة ـ وقال : فالشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب7المسمون بشيعة عليّ في زمان النبيّ6وما بعده كانوا معروفين بانقطاعهم إليه والقول بإمامته ، منهم المقداد بن الأسود ، وسلمان الفارسي ، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري ، وعمار بن ياسر ومن وافق مودّته مودّة عليّ ، وهم أول من سمي باسم التشيع في هذه الأمة ؛ لأن اسم التشيع قديما كان لشيعة إبراهيم7وهكذا قال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني في كتاب الزينة.

فهذه كلمات أساطين أهل اللّغة ، وتلك السنّة النبوية الشريفة تلوناهما عليك لتعلم أن الشيعة هم فرقة عليّ بن أبي طالب7المسمون بشيعته في زمن النبيّ6وما بعده ، وأن القول بتفضيل علي7وموالاته الذي هو معنى التشيّع كان موجودا في عصر رسول الله6واستمر إلى اليوم ، وأنهم إنما سموا بهذا الاسم لأنهم شايعوا عليّا7وبنيه:وتابعوهم وأطاعوهم لأن النبي6أمر بطاعتهم ، وكان6ينظر إليهم بعين خاصة وجعلهم ولاة الأمر بعده.

فإذا كانت الشيعة قوما يهوون هوى عترة النبيّ6ويوالونهم ، ومعروفين بانقطاعهم إليهم:والقول بخلافتهم بعد سيّدهم رسول الله6فلما ذا يا ترى حكم هذا الآلوسي عليهم بالكفر؟ والغريب منه زعمه أنه من شيعة عليّ7في ص : (٢٥) من وريقاته! وهو قد حكم بكفر شيعته دون أن يشعر بأنه صار هو بذلك كافرا! بل ترقى وزعم أنه من المنتسبين إلى السلالة الحسينية الطاهرة وهو يدين بدين أعدائهم ومريدي إطفاء نورهم من الّذين تقدموا عليهم ودفعوهم عن مراتبهم التي رتبهم الله تعالى فيها ، لذا كان من الحقيق بنا أن نقول فيه وفي غيره من المتطفلين على أهل البيت:المنقطعين إلى مناوئيهم الألداء

نفسه ، والخطيب في تاريخ بغداد : ٤١٧ من جزئه الثامن ، وابن عبد البر في ترجمة عليّ7من الاستيعاب : ٤٧٢ و ٤٧٤ من جزئه الثاني ، وغيرهم من حفاظ أهل السنة عن النبيّ6أنه قال : ( يا عليّ لا يحبّك إلاّ مؤمن ، ولا يبغضك إلاّ منافق ).


صفحه 15

كمعاوية بن أبي سفيان ، وابن النابغة عمرو بن العاص ، وطلحة ، والزبير وغيرهم من المستبدين الظالمين للوصيّ وآل النبيّ6بما قاله الشاعر العربي :

إذا العلويّ تابع ناصبيا

بمذهبه فما هو من أبيه

فإن الكلب أشرف منه طبعا

لأن الكلب طبع أبيه فيه

ولو صح ما زعمه العدو من انتسابه إلى البيت النبويّ6أو إلى شيعتهم لاهتدى بهديهم ولم ينقطع إلى سواهم ممن لم يمتّ إليهم:بنسب ، ولم يتصل بهم بسبب ، ولما نظر إليهم:وإلى شيعتهم نظر العدو لعدوه البغيض ، واستسهل في شأنهم كلّ شنيع وفظيع.

أيها القارئ أليس من الظلم الفاحش أن يحكم الإنسان على أمة كبيرة من المسلمين بالكفر ، ولا يجد أمامه من مستند سوى ما يترامى إليها من أعدائها من نسب قبيحة ، ووصمات فظيعة تترفع عنها نقاوة ثيابهم النظيفة ، ويتبرءون منها براءتهم من إبليس.

وبعد فإنا لا نريد بالشيعة عند ما نطلق عليهم هذا الاسم سوى المذهب الإمامي الإثني عشري السائد في كثير من أنحاء العالم ، وهم الّذين ندافع عنهم وننافح عن شرفهم وقداسة مذهبهم حينما تنتابهم دواعي الخطر وعوادي السوء من أعدائهم ، أما سائر الفرق التي جاء الألوسي على ذكرها ، ومن أجلها ثار ، وفار ، وطغى ، وبغى عليهم فاجتاز خارج الحدود فهي مما لا تعرفه الشيعة ، وتتبرأ منهم وترفض آراءهم ، وتنبذ عقائدهم ، وتضرب بمذاهبهم عرض الحائط ، وتلعنهم كما تلعن من ينسبها إليهم بهتانا وزورا.

المبحث الثاني : فيما تعتقده الشيعة من الأصول

الشيعة مسلمون مؤمنون يعتقدون لله تعالى بالوحدانية ، ولمحمّد6بالرسالة ، وأنه6خاتم الأنبياء والمرسلين ، ويؤمنون بكلّ ما جاء به من عند الله بواسطة وحيه وأمينه جبرائيل7ويعتقدون بالمعاد الجسماني ، وأن الأجسام سوف تعاد بعد تفرقها في المعاد للحساب ، وأنه حق واقع ، وأن الإسلام