النواصب والخوارج خارجون عن الآية وإن كانوا قلّة
رابعا : قوله : « وإن كانت الأحقية بالقلّة لكان النواصب والخوارج أحقّ من الإثني عشرية لأنهم أقلّ منهم ».
فيقال فيه : إن الظاهر من الآية اختصاص الأحقيّة بالقلّة بوصف كونهم شاكرين ، وغير المسلم لا يكون شاكرا ، فيلزم القطع بأنها تريد المسلمين ، فيخرج النواصب والخوارج وغيرهما من الفرق الكافر عن مورد الآية فلا ينطبق عليهم شيء من الآية ، فيتعيّن ذلك في خصوص الشيعة الإمامية لأنهم مسلمون وهم قليلون ، فهم الصغرى للآية فتنطبق عليهم وحدهم انطباق الكليّ على مصداقه والطبيعي على فرده.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
الفصل الرابعتحريف القرآن
نسبة الآلوسي تحريف القرآن إلى الشيعة
قال الآلوسي ( ص : ٢٣ ) : « ومن مكايدهم أنهم يقولون إن أهل السنّة حرّفوا القرآن ، يرومون بذلك الطعن على أبي بكر وعمر (رض) وكبار الصحابة مع أن الشيعة هم القائلون بتحريفه ».
المؤلف : أما القول بتحريف القرآن ونقصه فليس من عقائد الشيعة بل يحكمون بضلال من يقول بتحريفه ، وإنما نسب إليهم ذلك الدجالون من أعدائهم ، لأن الثابت بالضرورة من مذهبهم الإسلامي نفي التحريف عنه في الدين والعقل ، نعم هناك طائفة من الأحاديث وردت عن طريق خصوم الشيعة تدل بصراحة على تحريفه ، فمن ذلك ما أخرجه السّيوطي في إتقانه ( ص : ٥٧ ) من جزئه الأول ، وفي الدر المنثور عن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) قال : كنا نسمّي سورة التوبة الفاضحة حتى ظننا أنها تأتي على آخرنا.
وعن ابن عباس : كنا نسميها الفاضحة لنزول مثالب غالب الصحابة فيها بأسمائهم ، ويقول شيخ الحديث عند أهل السنّة البخاري في صحيحه من جزئه الرابع في أوائل ( ص : ١١٩ ) في باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت ، من كتاب الحدود ، عن ابن عباس ، عن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) في حديث طويل جاء في آخره ما لفظه :
على أن الله بعث محمّدا6بالحقّ ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، فقرأناها وعقلناها ووعيناها ، رجم رسول الله6ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال بالناس زمان ، أن يقول قائل : والله ما نجد آية الرجم في كتاب
الله ، فيضلّوا بترك فريضة أنزلها الله ، والرجم في كتاب الله حقّ على من زنا إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البيّنة ، أو كان الحبل أو الاعتراف ، ثم أنّا كنا نقرأ من كتاب الله : ( أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ، أو إن كفرا بكم أن ترغبوا عن آبائكم ).
ونحن نسأل الآلوسي عن هذه الأحاديث لا سيّما الحديث الأخير الّذي هو مسجل في أصح الكتب بعد كتاب الله عند خصوم الشيعة ، هل هي للشيعة أم هي من أحاديث أخصامهم؟ ثم نقول له : إنه لو جاز عليه التحريف لكان المحرّف له عثمان بن عفان ؛ لأنه هو الّذي جمعه باتفاق الأمة ، فكيف يا ترى يصح نسبة تحريف القرآن إليهم وهم أبرّ وأتقى من أن يكون ذلك من مذهبهم ، ويقول الله تعالى :(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ)[ الحجر : ٩ ] ويقول :(لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[ فصلت : ٤٢ ] والتحريف لا شك في أنه من الباطل فلا يأتيه مطلقا ، فظهر من ذلك أن التحريف ليس من كيدهم وإنما هو من كيده لوروده عن ثقات أعلامه.
الشيعة لا تضع الأحاديث
قال الآلوسي ص : (٢٤) : « ومن مكايدهم أن جماعة من علمائهم اشتغلوا بعلم الحديث وسمعوا الأحاديث من ثقات أهل السنّة ومن محدثيهم ، وحفظوا الأحاديث الصحيحة فأدرجوا في أثناء رواياتهم الأحاديث الصحيحة وموضوعاتهم ».
المؤلف : أولا : كان على الآلوسي أن يذكر لنا واحدا من علماء الشيعة الّذين اشتغلوا بعلم الحديث وسمعوا الأحاديث من ثقات أهل السنّة من هو؟ وأين هو؟
وما هو اسمه؟ وما هي تلك الكتب التي أدرج تلك الموضوعات فيها؟ أهي الصحاح الستة بما فيها صحيحا البخاري ومسلم اللّذان أجمعوا على أنهما أصح الكتب بعد القرآن؟ أم غيرها من مسانيدهم؟ ولمّا لم يأت على ذكر واحد منهم علمنا أن ذلك من كذبه وزوره.
ثم كيف يا ترى يخفى ذلك على محدثي أهل السنّة وحفاظهم لا سيّما أهل الصحاح وهم الثقات عنده في جمع الحديث؟ ولما ذا لم يستخرجوا تلك الموضوعات المدرجة في أثناء رواياتهم الأحاديث الصحيحة ـ على زعمه ـ من صحاحهم؟ وهل بلغ بهم الجهل والغباوة إلى درجة لم يميّزوا بها بين الموضوعات المزعومة وبين غيرها من الصحاح؟ ولم يبلغ الجهل والغباوة بالآلوسي ذلك المبلغ فلم يخف عليه ذلك ، وإذا كان هذا شأنهم في عدم التمييز بين الغث والسّمين فكيف يصح للآلوسي أن يصفهم بالثقات ، وأنهم من علماء الحديث ، لأن من الواجب على العالم بالحديث أن يكون عارفا بصحيحه وضعيفه ، وقويّه وجيّده ، وموثّقه وحسنه ، ومقبولة وموضوعه إلى غير ذلك مما يلزم العالم بالحديث أن يكون بصيرا به وواقفا عليه لكي يصح وصفه بأنه من الثقات في علم الحديث ، ولا جائز أن يخفى أمر ذلك كلّه على علماء الحديث من أهل السنّة الّذين بذلوا وسعهم في تنقيب الأحاديث ، ووضعوا كتبا للجرح والتعديل ومعرفة طرق الحديث ورجاله ومبلغ صدقهم من كذبهم بالحديث وتميّزهم بها الصحيح من غيره ، ولا يخفى أمره على هذا الآلوسي وأخيه الهندي ، إن ذلك ليس بالممكن ولا بالمعقول أبدا.
ثانيا : لو سلّمنا جدلا أن هناك جماعة من علماء الشيعة أدرجوا الموضوعات في أثناء روايتهم الأحاديث الصحيحة وخفى أمر ذلك على حفاظ أهل السنة ، فذلك يعني سقوط صحاح أهل السنّة عن آخرها ، لتقر به عين الآلوسي وغيره ، وتلك قضية العلم الإجمالي بوجود الموضوعات في ضمن صحاحهم ، وليس هناك ما يميّزها عن صحيحها ، ولا طريق لمعرفة غثها من سمينها ؛ لأن كلّ ما فرضناه صحيحا نفرضه موضوعا لعلمنا بوجودهما في تلك الكتب ، وهذا باطل لا يصح وذلك مثله باطل.
ثالثا : لا يمكن للآلوسي أن يستر الحقيقة بمثل هذه الأكذوبة التي يعرفها حتى الأغبياء ، فإن كتب أهل السنّة مشحونة بفضائل أهل البيت النبويّ6وآيات خلافتهم مروية من طريق أعاظم حفاظهم وثقاتهم المعول عليهم عندهم في
علم المنقول ، الّذين أفنوا أعمارهم في جمعها وتصحيحها ما يشهد لأئمة الهدى ومصابيح الدجى من آل رسول الله6بالتقدم على سائر خير أمة ، وأي شيء بقي من الفضل لم يروه علماء الحديث من أهل السنّة في جميع كتبهم المعتبرة حتى تضع الشيعة الإمامية أحاديث ملفقة في صحاحهم في فضلهم:ومن ثم فليس من الممكن المعقول أن يقول الآلوسي إن الشيعة تضع الموضوعات في كتبهم الصحيحة في فضل الوصيّ وآل النبيّ6إلاّ إذا كان يريد أن يكون مجنونا أو مخبولا.
فإذا قال : ذلك ـ وهو قوله ـ كان ساقط القول لأجل خباله وجنونه ، فالمعقول إذن إنه يروم بهذا الزعم المعلوم البطلان أن يسقط الصحاح المحمّدية التي دوّنها علماء أهل السنّة ومحدثوهم الثّقات الدالّة على أفضلية عليّ7وبنيه7على سائر أفراد الأمة ، ويحاول بهذا المنطق الأهوج أن ينكر ما تواتر نقله عن النبيّ6في فضل عترته ، وأنهم أولى وأحقّ بإمامة الأمة من غيرهم ، على أن هناك أحاديث كثيرة واردة من طرق أهل السنّة في فضل أهل البيت:وأفضليتهم من الآخرين مما لا وجود له في كتب الشيعة الإمامية ، فلو كانت الشيعة الإمامية تضع الأحاديث في فضلهم:في كتب أهل السنّة ـ كما يزعم ـ كان الأولى بهم أن يضعوها في كتبهم ثم في كتب غيرهم ، فهو بهذا يريد أن يدخل نفسه في قوله تعالى :(يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)[ الصف : ٨ ].
وظنّي ـ ورب ظن يقين ـ أن الرجل لما رأى اشتهار الأحاديث في فضل أهل البيت:وتواترها بكثرة في كتب أهل السنّة الدالّة بصراحة على أنهم:أفضل الناس بعد رسول الله6وأحقّ بإمامة الأمة من أئمة الآلوسي وخلفائه (رض) وأنه لم يرد العشر منها ولا فضيلة لهم ، ولم يجد بدا من النزول على حكمها التجأ إلى هذا الزور والبهتان والظلم والعدوان على النبيّ6وأهل بيته الطاهرين ، يحاول بذلك كتمان فضائلهم وإخفائها عن أعين المسلمين وهيهات له ذلك.
من هم التابعون لأهل البيت النبوي6
قال الآلوسي ص : (٢٥) : « ومن مكايدهم يقولون نحن أتباع أهل البيت الّذين قال الله تعالى فيهم :(إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)[ الأحزاب : ٣٣ ] وغير الشيعة تابعون لغير أهل البيت ، فلزم كون الشيعة هي الفرقة الناجية ، ويؤكدون ذلك بقوله6: ( مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح ، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق ).
والجواب : إن هنا كلاما قد اختلط فيه الحق والباطل ، إلى أن قال : فإنا نسلّم أن أتباع أهل البيت ناجون ، وأنهم هم المصيبون ، ولكن أين الشيعة الطعام من أولئك السّادات الكرام والأئمة العظام ، لما مرّ من بيان ما لهم من الأحوال ، وذكر ما اعتقدوه من الكفر والضلال ، إلى أن قال : بل أهل السّنة هم أتباع بيت الرسول6الأخيار ، كيف لا وأبو حنيفة ومالك وغيرهما من العلماء الاعلام قد أخذوا العلم من أولئك الأئمة العظام ».
قال المؤلف : أولا : « قوله إنهم يقولون نحن أتباع أهل البيت:».
فيقال فيه : كيف لا تكون الشيعة الإمامية من أتباع أهل البيت النبويّ6وهم قد أثبتوا في مختلف أدوارهم بمختلف أعمالهم وأقوالهم أنهم يأخذون أحكام الإسلام وتشريعاته في المرحلة الاعتقادية والعملية عن أهل البيت:ولا يعتمدون على غيرهم من أئمة الضلال وبغاة صفين ، فها هي ذي كتبهم عليك بسبرها فإنك لا تجد فيها رواية واحدة يعتمدون عليها من غير طريق أهل البيت:إلاّ ما كان موافقا لروايتهم:فهم لا شك في أنهم ناجون باتّباعهم لأولئك الأئمة العظام:في أقوالهم وأعمالهم كافة على رغم آناف أعدائهم ومناوئيهم:.
ثانيا : قوله : « لما مرّ من بيان ما لهم من الأحوال وما اعتقدوه من الكفر والضلال ».
فيقال فيه : الشيعة الإمامية مسلمون مؤمنون لما مرّ من بيان ما لهم من الأحوال في أوائل الكتاب ، وما اعتقدوه من الاعتراف لله بالوحدانية ، ولنبيّه محمّد ابن عبد الله6بالرسالة ، وتصديقهم له6بكلّ ما جاء به من عند الله ، وما رماهم به الآلوسي من الكفر والضلال لم ينبعث إلاّ عن ضلاله لثبوت انحرافه عن القرآن وعن أعداله أئمة الدين من آل النبيّ6وموالاته لبغاة صين وأمثالهم من الناكثين والمارقين من أعداء أهل البيت:كما مرّ عليك بيانه مفصلا.
ثالثا : قوله : « بل الحق الحقيق أن أهل السنة هم أتباع أهل البيت:».
فيقال فيه : لا يصح للآلوسي أن يقول هذا القول وهو يعتقد بوجوب إتباع ما قامت عليه السّقيفة من عقد البيعة لغير أهل البيت7أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب7ويرى من الواجب على إمام الشيعة الإمامية وسيّد أهل البيت:متابعة المستخلفين بعد رسول الله6وأنه ليس له7ولا لغيره من أهل البيت:أن يخالفوا لهم أمرا ، أو ينقضوا لهم حكما ، أو يعارضوهم فيما يفعلون ، فهل يا ترى من شرط التابع أن يكون متبوعا لمن يدّعي أنه تابع له؟ أو من شرطه أن يكون مطيعا لمن ثبتت إطاعته عليه؟ وما أدري وليتني كنت أدري كيف صار من الحق الحقيق أن خصوم الشيعة صاروا من أتباع أهل البيت:أترى أنهم صاروا من أتباعهم:بإعطائهم الأجر والثواب لمن قاتل سيّد أهل البيت:عليّا7بصفين والجمل والنهروان؟ أو يا هل ترى صاروا من أتباعهم:في أخذ أحكامهم من طريق سمرة بن جندب الخارجي[١]، الّذي قتل الألوف من أصحاب عليّ7أو من مروان بن الحكم الوزغ بن الوزغ[٢]طريد رسول الله6أو من حريز بن عثمان الذي كان يسبّ
[١]تجده في ( ص : ٤٨٤ ) من الإستيعاب لابن عبد البر من جزئه الثاني ، و ( ص : ٣ ) من منهاج السنّة لابن تيمية من جزئه الثالث ، ويقول أحمد بن حنبل في : ( ص : ٢٥ ) من مسنده من جزئه الأول : أن سمرة بن جندب ، أحد ولاة معاوية ، وأمره في سفك دماء المؤمنين مشهور ، كان يبيع الخمر أيام عمر ، وكان عمر يقول : قاتل الله سمرة بن جندب أنه باع خمرا.[٢]أخرج الحاكم في صحيح مستدركه ( ص : ٤٧٩ ) من جزئه الرابع : أنه كان لا يولد لأحد مولود إلاّ أتي