كما فيمن بلغ الحلم عالما متمكنا من الاجتهاد فان مرجع الشك هنا إلى وحدة المخرج، و تعدده لا إلى بقاء الحكم في الزمان اللاحق للمخرج و عدمه فافهم و اغتنم، و أما عدم وجوب السؤال و وجوب قبول إنذار المنذرين فإن المأمور بسؤال أهل الذّكر غير أهل الذّكر و المراد به على تقدير كونه أهل العلم هم المتمكنون من تحصيل العلم بمجرد المراجعة إلى الكتاب و السنة لا العلماء بالفعل، و حينئذ فالمأمور بالسؤال من لم يتمكن من تحصيل العلم بمراجعة الأدلة فيختص بالعاجز عن الاجتهاد و قوله تعالىإِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[1]لا تدل على إرادة أهل العلم الفعلي مضافا إلى تفسير أهل الذّكر بالأئمة(عليهم السلام)[2]فدلت على وجوب رجوع كل أحد إلى الأئمة(عليهم السلام)و أقوالهم خرج منه العاجز عن ذلك و هو العامي فالآية من أدلة المنع لا الجواز و أما آية النفر فان قلنا[3]بدلالتها على وجوب قبول خبر الواحد، فهي أيضا من أدلة المنع لا الجواز كما لا يخفى، و ان قلنا بعمومها للخبر و الفتوى فنقول ليس في الآية تعرض لتفصيل من يجب إنذاره بالإفتاء و من يجب إنذاره بالأخبار و إطلاقها مسوق لبيان حكم آخر و هو وجوب الإنذار عليهم و وجوب الحذر على المنذرين و أما وظيفة المنذرين في الحذر و ان حذر بعضهم بالأخبار و بعضهم بالفتاوى فليست الآية مسوقة له، و ان قلنا باختصاصها بالفتوى، فنقول ان الظاهر من جعل الإنذار بالفتوى غاية للتفقه أو النفر عجز المنذرين عن التفقه و لو بالرجوع إلى أخبار المنذرين فيختص بالعاجز عن الاجتهاد اللهم الا أن يقول حصول الغاية بالإفتاء مبنى على عجز أغلب القوم عن الاجتهاد و لكن لا يجوز أن يختص
[1]الأنبياء 7.
[2]لاحظ أصول الكافي ج 1 ص 120 إلى 212.
[3]التوبة 122.
القوم بالعاجزين لأجل هذه الغلبة لأن العام الأصولي لا يحمل على بعض أفراده بمجرد الغلبة مع ما تقدم منا في مسألة حجية خبر الواحد من عدم دلالة الآية على حجية الإنذار الّذي لا يفيد العلم للمنذرين سواء كان بطريق الأخبار أم بطريق الإفتاء و ذلك للأخبار المعتبرة المستفيضة التي وقع الاستشهاد فيها بالآية على وجوب تحصيل المعرفة بإمام الزمان(عليه السلام)لمن بعد عن بلد الإمام فراجع ما ذكرنا هناك[1]أو باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام من أصول الكافي[2].
و أما قوله(عجل اللّه فرجه)و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم[3]، فالجواب انا نقول ان المجتهد من الرّواة فهو مأمور بالرجوع لا بالرجوع إلى غير هذا إذا قلنا ان المرجع إلى فتاواهم و ان أريد الرجوع إلى روايتهم كان دليلا على المنع لا الجواز و يجب على كل أحد حينئذ العمل بالروايات خرج العاجز عن ذلك.
و أما ما ذكره من الاستدلال بالسيرة، و ان العلماء لا يزالون يتركون الاجتهاد فيما يحتاجون إلى المسائل و لذا يختارون الأسفار المباحة الراجحة مع العلم بعدم اجتهادهم فعلا فيما يحتاجون إليه.
فالجواب عن ذلك منع ذلك إلا مع سلوك طريق الاحتياط و أما لزوم الحرج عليهم بالتزامهم بالاجتهاد أو الاحتياط، فهو ممنوع لأن الواجب الاجتهاد في المسائل المحتاج إليها غالبا تدريجا الأهم فالأهم نظير ما يجب على المقلد التقليد فيه.
[1]لاحظ الرسائل مبحث حجية خبر الواحد.
[2]ج 1 ص 378 إلى 380.
[3]وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9
و أما المسائل التي يتفق أحيانا فأما أن يحتاط فيه و ان قام دليل على عدم وجوب الاحتياط قلد فيه إذا لم يتيسر له الاجتهاد لاشتغاله بالاجتهاد في الأهم منه، أو بشغل آخر أهم منه و كذلك إذا لم يتمكن من الاجتهاد في المسألة لعدم الأسباب أو لوجود مانع.
ثم ان المجتهد فعلا لا يجوز له التقليد إجماعا و لا فرق ظاهرا بين من استنباط الحكم الواقعي بالعلم أو الظن و بين من توقف في المسألة لتعارض الأدلة أو عدمها فان وظيفته الرجوع إلى الأصول لا التقليد لعدم جريان أدلة التقليد لأن ظاهرها الجاهل الغير المتمكن من الرجوع إلى الأدلة لا من يراجع و لم يجد دليلا و اعتقد عدمه بخطإ من يدعي الدليل و مثله القول في الرجوع إلى الشاهد و أهل الخبرة فإنه لا يرجع إليهما مع العلم بخطائهما في توهم ما لا يصلح الاستناد إليه، لكن هذا يتم لو اطلع على خطاء ذلك المجتهد دون من احتمل استناده إلى مستند صحيح لم يطلع هذا المتوقف عليه فالأحسن الرجوع إلى الإجماع و سيرة المجتهدين.
و أما الكلام في المقلد بالفتح
، فنقول انه يعتبر فيه أي: في تحقيق عنوانه بعد تحقيق عنوان المجتهد فيه ضرورة تأخر عنوانه عن عنوان المجتهد أمور:
البلوغ، و العقل، و الإيمان و لا إشكال في اعتبار هذه الثلاثة و الظاهر أن الاجتهاد في حال الصغر، أو عدم الإيمان، و كذا الإفتاء حالهما لا يضر إذا كان في زمان العمل بالغا مؤمنا و لا إشكال أيضا في كون العدالة شرطا و انما الإشكال في ان المشروط بها هي قبول أخباره بفتواه أو جواز العمل بفتواه و تظهر الثمرة فيما لو علم صدقه بإخباره بفتواه، و أخبر بها حال عدالته، و علم فتواه من غير جهة أخباره و ظاهر تمسك بعضهم في اعتبارها بوجوب التثبت بخبر الفاسق و بعدم كونه أمينا و بعدم قبول شهادته المستلزم لقبوله بطريق أولى، هو الأول لكن
ظاهر معاقد إجماعاتهم في عدم جواز استفتاء المجتهد الغير الورع هي المنع عن العمل بقوله و ان علم بفتواه من خبره، أو الخارج و يؤيده عطف الورع على الاجتهاد في قولهم لا بد في صحة استفتاء العالم من اجتهاده و ورعه.
و يدل عليه مضافا إلى ظاهر الإجماعات المنقولة ما تقدم في التوقيع من قوله(عجل اللّه فرجه)فإنهم حجتي عليكم[1]فإن الحجية المطلقة في الفتوى و الرواية لا تكون الا مع العدالة فالمراد بالرواة عدولهم فينحصر الحجية في العدول لأن أمره(عليه السلام)بالرجوع إلى العدول في مقام السؤال عن المرجع يدل على الحصر كما لا يخفى الا أن يقال لا نسلم وجود الدليل على تقييد الرّواة بالعدول في الرواية إذ يحتمل أن يكتفي بالظن بالصدق مع كونه إماميّا، فيكون الحجة قول الإمامي المظنون الصدق في الرواية و الفتوى فلا يدل على اعتبار العدالة فضلا عن كونها معتبرة في العمل.
و ربما يستدل على اعتبار العدالة في العمل بقوله(عليه السلام)و أما من كان من الفقهاء حافظا لنفسه صائنا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه[2]لكن بملاحظة صدر الخبر و ذيله يعلم ان المراد اعتبار العدالة من جهة الأمن من الكذب في الرواية و الإفتاء بغير ما أنزل اللّه تعمدا.
و من جملة الشرائط حياة المجتهد فلا يجوز تقليد الميت على المعروف بين أصحابنا بل في كلام جماعة دعوى الاتفاق أو الإجماع عليه، ففي القواعد الملية في شرح الجعفرية حكاية الإجماع عن المحقق الثاني و غيره على ذلك بعد أن استظهر بنفسه الاتفاق على ذلك أيضا و عن مسالك دعوى تصريح الأصحاب باشتراط الحياة في العمل بقول المجتهد و عن الرسالة التي صنفها في هذه
[1]راجع ص 56.
[2]وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب صفات القاضي الحديث: 20.
المسألة دعوى قطع الأصحاب على انه لا يجوز النقل عن الميت و ان قوله يبطل بموته.
و عن الوحيد البهبهاني قده في بعض كلامه «انه أجمع الفقهاء على ان المجتهد إذا مات لا حجية في قوله»، و في المعالم العمل بفتاوى الموتى مخالف لما يظهر من اتفاق أصحابنا على المنع من الرجوع إلى فتوى الميت مع وجود الحي»، و في رسالة ابن أبي جمهور الأحسائي ما يظهر منه دعوى إجماع الإمامية على انه لا قول للميت، و في كلام بعض مشايخنا المعاصرين دعوى تحقق الإجماع على ذلك إلى غير ذلك مما ربما يطلع عليه المتتبع.
و قد بلغ اشتهار هذا القول إلى ان شاع بين العوام ان قول الميت كالميت و هذه الاتفاقات المنقولة كافية في المطلب بعد اعتضادها بالشهرة العظيمة بين الأصحاب حتى أن الشهيد أنكر من ادعى وجود القائل به، فقال: ان بيد أهل العصر فتوى مدونة على حواشي كتبهم ينسبونها إلى بعض المتأخرين يقتضي جواز ذلك ثم أخذ في تزييف ذلك بعد القدح فيها بمخالفتها لفتوى المعروفين من أرباب الكتب و التصانيف من الإمامية بوجوه:
منها انها غير مصححة السند و لا متصلة بالنسبة إلى من نمى إليه.
و منها انها مشتملة على جواز الحكم و القضاء للقاصر عن درجة الاجتهاد مع ان الإجماع واقع على بطلان ذلك، ذلك منقول و مصرح، فيكفي بها عارا و منقصة انتهى موضع الحاجة.
و يدل على المنع مضافا إلى ما ذكر أصالة عدم الحجية لعدم شمول ما دل على جواز التقليد و الرجوع إلى العلماء لما نحن فيه أما الإجماع فواضح الاختصاص و نحوه آية السؤال و النفر[1]فان الموجود فيهما الأمر بالرجوع
[1]الأنبياء 7 و التوبة 122.
إلى العلماء عموما و خصوصا.
و أما العقل فهو لا يدل على جواز التقليد الا بعد ثبوت انسداد باب العلم و الظن الخاصّ للمقلد و المفروض قيام الأدلة الثلاثة على اعتبار قول المجتهد الحي فلا يجوز التعدي منه إلى ما لم يعم عليه دليل الا بعد عدم كفاية الظن الخاصّ و المفروض تمكن المقلد من الحي.
و ربما يتمسك للمنع بوجوه أخر ضعيفة لا تنهض للدلالة عليه مطلقا أو ما لم يرجع إلى الأصل المتقدم مثل ان المناط في العمل ظن المجتهد الّذي ينعدم بموته و مثل ان الميت لا عبرة بمخالفته بتحقق الإجماع.
ثم ان بعض المتأخرين من المحدثين و المجتهدين مال إلى تقوية خلاف ما عليه المشهور من جواز تقليد الميت و بما يستظهر من كلام الصدوق رضي الله عنه في ديباجة الفقيه بل و من الكليني قده في ديباجة الكافي و من العلامة في بعض كلماته على ما حكاه ولده عنه و كل ذلك ضعيف دلالة و سندا.
و ربما استدل عليه بعض من انتصره بوجوه أقواها وجوه:
أحدها الاستصحاب لأن المجتهد في حال حياته كان جائز التقليد و لا دليل على ارتفاع الجواز بالموت فيستصحب.
الثاني ان عمدة أدلة التقليد دليل الانسداد حيث ان باب العلم بالواقع مسند و ليس للمقلد أقرب إلى الواقع أمارة أقرب من قول المجتهد و من المعلوم ان لا فرق في القرب إلى الواقع بين الحي و الميت و لا فرق في مقتضاها بين قول الحي و الميت.
و توهم وجوب الانتصار في مقتضى دليل الانسداد على القدر المتيقن و هو قول الحي، مدفوع في محله بأن دليل الانسداد ليس كاشفا عن حكم الشرع بالعمل بالظن النوعيّ للمقلد حتى تكون القضية مهملة يجب الاقتصار فيها
على المتيقن و انما هو حاكم و منشأ للحكم بتعين الإطاعة الظنية بعد عدم وجوب الإطاعة العلمية للتعذر أو التعسر و لا إهمال و لا إجمال في حكم العقل حتى يؤخذ المتيقن و يترك المشكوك و تمام الكلام في محله.
الثالث إطلاق بعض الاخبار مثل قوله(عليه السلام)في التوقيع المروي في الاحتجاج و الغيبة و إكمال الدين من قوله(عجل اللّه فرجه)و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم و انا حجة اللّه[1]فان صدره و ان كان ظاهرا بل صريحا في كون المرجع حيا الا ان التعليل بكونهم حجة على الناس يقتضي عدم الفرق بين حالتي حياتهم و موتهم.
و يرد على الاستصحاب ما مر مرارا من عدم جريانه فيما يحتمل مدخلية وصف في عنوان الحكم كالحياة فيما نحن فيه مع انه يجب رفع اليد عنه على تقدير الجريان للحكايات المتقدمة للإجماع و الاتفاق المعتضدة بالشهرة العظيمة حتى انه لم يوجد مخالف معروف إلى زمان بعض المتأخرين.
و على دليل الانسداد انه لا يجزى فيما إذا لم يكن لمكانته طريق خاص منصوص من الشارع، و التقليد طريق خاص ورد التعبد به بالإجماع، و سيرة المسلمين، و الاخبار المتواترة الدالة على جواز الإفتاء و الاستفتاء في الجملة و حينئذ فلما لم يعلم ان الطريق الخاصّ تقليد المجتهد مطلقا أو خصوص الحي وجب الأخذ بالمتيقن و هو الحي.
و نظير هذا إذا قام الدليل الخاصّ على حجية خبر الواحد بالخصوص في الجملة و كان هناك قدر متيقن كاف في معظم الاخبار عنه وجب الأخذ به و لم يصر إلى حجية مطلق الظن، و على الروايات ان الظاهر من موردها على تقدير دلالتها على التقليد هو الرجوع إلى الحي و ان لم تدل على اعتبار
[1]راجع ص 58.
الحياة بل يمكن ان يستدل من الحصر المستفاد من مقام تحديد المرجع على عدم جواز الرجوع إلى غير الحي فافهم.
و ينبغي التنبيه على أمرين:
الأول: انه لا فرق في ظاهر كلمات الأكثر و معاقد إجماعاتهم و موارد استدلالاتهم على عدم جواز تقليد الميت بين تقليده ابتداء و البقاء على تقليده
لأن لفظ التقليد سواء جعلناه بمعنى العمل بقول الغير أو الأخذ و الالتزام به ليس من الأمور التي ينعدم بمجرد حدوثه كالمتكلم مثلا بل قابل للاستمرار فلفظة يصدق على وجوده الأولي المعبر عنه بالحدوث و الثانوي المعبر عنه بالبقاء هذا ما كان من فتاواهم و موارد اتفاقهم مشتملا على لفظ التقليد.
و منه يظهر وجه الإطلاق فيما اشتمل منها على لفظ العمل بقول الميت أو الأخذ به، و أما باقي موارد اتفاقاتهم و استدلالاتهم فدلالته على الشمول للبقاء أوضح مثل استدلالهم على المنع بان مناط المقلد هو ظن المجتهد و هو يزول بزواله فان هذا الاستدلال و ان فرض فساده الا انه يكشف عن عموم المنع في موارد الاستدلال للبقاء أيضا و نحوه استدلالهم بانعقاد الإجماع على ان بعد موته لا يعبأ به.
و مثل ما تقدم من الوحيد البهبهاني(قده)من دعوى إجماع الفقهاء على ان المجتهد إذا مات فلا حجة في قوله و حكاية بعض المعاصرين عن شيخه الأحسائي إجماع الإمامية على انه لا قول للميت و كذا ما اشتهر بين الخواصّ و العوام من ان قول الميت كالميت و تأويل كل ذلك بما يرجع إلى ابتداء التقليد من دون دليل عارف يوجب فتح باب التأويل و ردّ الاستدلال بالظاهر في كل كلام.
و مما ذكرنا يظهر انه لا وجه للتمسك للجواز بالاستصحاب مع انك قد