و أما ما ورد من الأمر بمخالفة العامة في الفتاوي و الروايات فهي مسوقة لبيان كون فتاواهم و رواياتهم مخالفا للحق و ليس الكلام في ذلك إذ الكلام فيمن علم موافقة فتواه و اجتهاده لفتاوي الخاصة و اجتهاداتهم لكونه منهم حين الاستنباط ثم رجع عن الحق.
بقي الكلام في دوران الأمر بين الصغير و الفاسق و الميت
و لا يبعد ترجيح غير الفاسق عليه لا لعدم الأمن من كذبه لما عرفت من اعتبار العدالة في العمل و ان فرض القطع بصدقة في فتواه بل لعلو منصب الإفتاء و عدم كون الفاسق لائقا به و لأن العمل بقوله ركون إلى الظالم منهي عنه و في ترجيح غير البالغ على الميت و من صار عاصيا و العكس وجهان و لا يبعد الأول بناء على ما استدلوا به من ان مناط التقليد هو الظن القائم بنفس المجتهد الّذي ينتفي بالموت لكن المنتفي في الصغير هو وصفه، و هو كون الظن قائما ببالغ فالأمر حينئذ يدور بين فوات الموصوف و الصفة و ارتكاب الثاني أولى.
ثم هل تمضي تصرفات المجتهد مما يتعلق بالمنصب كالحكومات و غيرها بعد الموت مطلقا أو لا مطلقا أو يفصل بين ما كان من قبيل الوكالة كوكيله في بيع مال الصغير فتبطل و غيره فلا؟ وجوه: أوجهها الأخير فيما يرجع من تصرفاته إلى فعل اللّه تعالى كحكمه و سائر تصرفاته المنصبية يمضي.
و أما ما إلى فعله كوكالته و استنابته و قيمومته و توليته فلا بمعنى عدم بقاء النيابة بعد الموت لا عدم مضى ما مضى من تصرفات النواب لرجوعه إلى تصرفات الراجع إلى فعله أيضا شروط المقلد بالفتح فلو كان متحدا فهو غير المتعين و ان كان متعدد فان تساووا و اتفقوا في الفتوى جاز العمل بجنس الجميع و بكل واحد.
معين لا بواحد لا بعينه و لا بالمجموع بحيث يلاحظ في كل واحد انضمام الآخر فإن قلد على أحد الوجهين لزمه ذلك ما دام أحدهم على صفة صحة التقليد له في تلك الفتوى و لا يبعد ذلك فيما لو قلد المجموع.
و بالجملة فالظاهر ان حال الفتواءين المتفقين حال الأمارتين المتعاضدين و الأحوط تعيين المجتهد في جميع الصور، و ان اختلفوا في الفتوى كان مخيرا بينهما و ان كان أحدهما أعلم، فإن اختلفوا في الفتوى تعين العمل بقول الأعلم على المشهور بل لم يحكى الخلاف فيه عن معروف و ان تأمل فيه أو في دليله بعض المعاصرين و قد اعترف الشهيد الثاني قده في منية المريد بأنه لا يعلم في ذلك خلافا و نحوه و غيره بل صرح المحقق الثاني قده في مسألة تقليد الميت بالإجماع على تعين تقليد الأعلم و مثله المعتضد بالشهرة المحققة ينبغي أن يكون هو الحجة بعد الأصل على ما سيأتي توضيحه.
و يدل عليه مقبولة عمر بن حنظلة[1]و رواية داود بن الحصين[2]و رواية موسى بن أكيل[3]مضافا إلى بناء العقلاء على ترجيح الأعلم من أهل الخبرة في كل مقام من المقامات الشرعية و العرفية فلاحظ.
و قد يورد على الأصل بأنه إن أريد أصالة عدم براءة الذّمّة و بقاء الاشتغال بدون تقليد الأعلم، ففيه مع انه معارض بما سيجيء من تمسك المخالف بالاستصحاب منع جريانه بناء على ان المرجع في أمثال ذلك إلى أصالة البراءة، و ان أريد أصالة عدم حجية قول غير الأعلم في مقابل الأعلم.
[1]وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 1.
[2]نفس المصدر الباب 9 الحديث: 20.
[3]نفس المصدر الحديث: 45.
ففيه ان حجية قول غير الأعلم ثابتة بما ثبت من حجية قول المجتهد لو خلى و طبعه انما الكلام هنا في ترجيح معارضته عليه، و هو فتوى الأعلم فمدعي حجية الأعلمية يحتاج إلى البينة لأن المرجعية كالحجية توقيفية يحتاج إلى دلالة عقلية أو نقلية.
و على الشهرة و الإجماع المحكي أن الاطلاع على فساد مدرك المشهور توجب الوهن فيها و سقوطها عن الحجية مع ان مدعي الإجماع قد ادعاه على تقليد الأعلم و الأورع، و الظاهر عدم الإجماع في الأورع، و على المقبولة و أخواتها باختصاص موردها بالحكم فتعديتها إلى الفتوى تحتاج إلى تنقيح المناط، أو إجماع مركب و هما مفقودان مع ان المرجحات المذكورة فيها غير معمولة في تعارض الفتوى إجماعا.
و أما بناء العقلاء فهو مسلم فيما إذا كان من قبيل الأمارات التي يؤخذ فيها عند التعارض بأقواها و حيث كان التقليد عندهم من هذا القبيل كان عملهم فيه على الترجيح بالقوة و كونه كذلك عند الشك ممنوع بل الظاهر ان الرجوع إلى أهل الخبرة عند العرف من قبيل الأمارات حيث يرجعون فيه عند التعارض إلى الأعلم و عند الشارع من قبيل البينة التي هي من الأسباب و لا ترجع فيه عند التعارض إلى الأقوى، و حينئذ فالتقليد و ان كان عند العقلاء من باب الأمارات لأنه من قبيل الرجوع إلى أهل الخبرة الا انه لا يبعد أن يكون عند المشهور من باب البينة كالرجوع إلى أهل الخبرة في الموضوعات.
و الجواب أما عن الأصل الأول فبان المقام ليس مما اختلف فيه في الحكم بالتخيير عملا بالبراءة أو بالتعيين عملا بالاحتياط لأن مرجع الشك في جواز العمل بفتوى المفضول إلى الشك في انه تتحقق العبادة المطلوبة يقينا إذا أخذ
فيها بقول المفضول نظير ما إذا علمنا يقينا بوجوب عبادة مجملة و دار الأمر في تعيينها بين الرجوع إلى خصوص زيد و بين التخيير في الرجوع إلى زيد أو عمرو، لا إلى الشك في مقدار ما اشتغلت الذّمّة به من العبادة المطلوبة في الجملة نظير ما إذا علمنا بوجوب شيء في الجملة و دار الوجوب بين شيء مخصوص و بين أحد الشيئين منه و من الآخر و المختلف فيه من حيث الحكم بالتخيير أو اليقين هو ما كان من قبل الثاني دون الأول هذا كله لو أردنا إجراء الأصل من حيث الحكم التكليفي المتعلق بالتقليد من حيث كونه من باب المقدمة العلمية لامتثال الواجبات الواقعية و إلا فالشك في طريقيه فتوى المفضول لإثبات الأحكام الشرعية مع مخالفتها لفتوى الفاضل و مجرد ثبوت حجيتها في نفسها لو خلت عن معارضة فتوى الفاضل لا يجدي لأن الحجية بذلك المعنى، و هو تعين العمل به قد ارتفعت قطعا بسبب المعارضة و بقاء الجواز بعد ارتفاع الوجوب غير معقول فلا يثبت جواز العمل الا بدليل جديد من النقل و العقل و المفروض انتفاء الأول و الثاني غير حاكم بالتخيير الا بعد القطع بعدم المرجح و احتماله في كلا المتعارضين و هذا مفقود فيما نحن فالمرجع إلى أدلة عدم جواز العمل بما لا ينتهي إلى العلم و تعين العمل بفتوى الفاضل لأن جوازه يقيني.
فإن قلت قد ثبت ان كون الشيء مرجحا ككونه حجة توقيفي يحتاج إلى توقيف و مع عدمه فيعامل معه معاملة عدم المرجحية فإذا ثبت ان كلا من فتوى المفضول و الفاضل حجة و المفروض عدم العلم بكون الأعلمية مرجحة، فمقتضى القاعدة بل أصالة العدم عدم كونها مرجحة فيثبت التخيير لأن تعارض الحجتين مع عدم المرجح موجب للتخيير.
قلت ثبوت التخيير عند تعارض الحجتين مع عدم المرجح حكم يستقل به العقل و معلوم ان العقل لا يستقل به بمجرد أصالة عدم المرجح لأن من جملة
مقدمات ذلك الحكم العقلي استقلال العقل بعدم المرجح، أو احتمال المرجح في كل منهما على السواء و أصالة عدم مرجحية الأعلمية لا يوجب استقلال العقل به و ليس حكم العقل بالتخيير من الأحكام المجعولة للمشهور حتى يترتب على حكم المشهور بأصالة عدم المرجح، و أما حكم الشارع بالتخيير فهو لو ترتب على عدم المرجح فهو من جهة تقرير حكم العقل فهو تابع له و المفروض انتفاء المتبوع.
و بالجملة فقد تقرر في محله ان الأصول لا يترتب على مجاريها الا أحكامها الشرعية الثابتة بثبوتها الواقعي لا الأحكام الشرعية التابعة لأحكام واقعية عقلية أو عادية ثابتة بثبوتها الواقعي.
و أما الجواب عمّا أورد على المقبولة و أخواتها فبان التأمل فيها و في القواعد الشرعية يشهد بكون الترجيح لحكم الأعلم منها من جهة ترجيح فتواه و ان مورد ترجيح السؤال هو تعارض النصوص لا الحكمين فان المرجحات المذكورة في تلك الروايات.
و منها ما يرجع إلى الترجيح بقوة الاستنباط كالترجيح بالأعلمية.
و منها ما يرجع إلى ترجيح الرواية التي استند إليها أحدهما على ما استند إليه الآخر و معلوم ان الترجيح بهما انما يوجب الترجيح في الفتوى أولا ثم في الحكم الناشئ عن ذلك الفتوى.
و بالجملة فما ذكرنا من ان الترجيح للحكم في تلك الروايات انما هو من جهة رجحان في أصل الفتوى أمر ظاهر للمتأمل و لعله لذا ادعى الشهيد الثاني(قده)ان المقبولة نصّ في المطلوب و أما ما ذكر في الإيراد أخيرا من ان المرجحات المذكورة في تلك الروايات لا يعمل بها في تعارض الفتواءين إجماعا فهو إشكال مشترك بين جعلها واردة في تعارض الحكمين أو الفتواءين
و يمكن دفعه بالتزام وجوب إعمال تلك المرجحات في تعارض الفتويين في ذلك الزمان بالنسبة إلى الجاهل بالحكم الشرعي القادر على الاستنباط إذا وصل إليه الروايات أو الفتوى النازلة منزلة الروايات فان فتاوى المفتين في أزمنة صدور هذه الروايات كانت بمنزلة الروايات يعمل بها العامي و غيره عند سلامته عن المعارض و عند معارضتها مع فتوى أخرى التي هي أيضا بمنزلة الروايات كان وظيفة المستفتي القادر على أعمال الترجيح العمل بها أجمع و وظيفة العامي العاجز عن ذلك الاقتصار على المرجح الّذي يقدر على معرفته أعني أعلمية أحد المفتين أو أورعيته دون ما لا يقدر على معرفته من ذلك على ما ينبغي و معرفة ما يوهنه، و يعارضه إذ المرجح مثل الدليل في وجوب الفحص عن معارضة إلى أن يتحقق المجتهد المعجز عن نفسه فوظيفة العامي الترجيح بالأعلمية لا غير فيتخير مع التساوي في العلم فتخييره حينئذ نظير تخيير المجتهد إذا تساوت الفتويان عنده من جميع الجهات.
و بالجملة فالمقبولة و أخواتها محمولة على تعارض الفتويين المستندتين إلى الروايات بالنسبة إلى القادر على أعمال التراجيح المذكورة فالتراجيح المذكورة فيها مقيدة بالقدرة عليها، و أما العاجز و هو العامي فيقتصر على ما هو في وسعه من المرجح الّذي يقدر على معرفته و هي الأعلمية دون غيرها فتأمّل.
فإن قلت قد تقرر في باب التعارض و الترجيح ان الاقتصار على المرجحات المذكورة في المقبولة و نحوها و الجمود على الترتيب المذكور فيها خلاف ما أجمع عليه العلماء عملا، فيحمل على بيان إرادة تلك المذكورات على إراءة الطريق لطريق الترجيح بالقوة و الضعف و حينئذ يجب على المقلد الترجيح بين الفتويين المستندين إلى الروايات بجميع ما يقدر على معرفته من
المرجحات مثل اعتضاد أحدهما بفتوى المشهور، أو بفتوى أعلم الأموات و نحو ذلك لا الاقتصار على الترجيح بالأعلمية أو بها و الأورعية.
قلت بعد تسليم ما ذكر من العمل بالمقبولة و أخواتها يدفع الرجوع إلى غير الأعلمية من المرجحات بالإجماع و لولاه لقلنا به فتأمل و سيجيء تتمة الكلام في ذلك.
و أما الجواب عما أورد على بناء العقلاء فبان الظاهر من أدلة التقليد من الكتاب و السنة و الإجماع و العقل كونه من باب الأمارات.
أما الكتاب فلان أمر المقلدين بالسؤال و الحذر و أمر المجتهدين بالتفقه و الإنذار يدل على ان المقصود وصول المقلد و إيصاله إلى الواقع من أوامر اللّه و نواهيه.
أما الاخبار فظاهرها وجوب أخذ معالم الدين فيكون المقصود أيضا الوصول إليها.
و أما الإجماع فالعمدة منه هو العملي الثابت باستقرار السيرة و استمرارها على ذلك من زمان الأئمة(صلوات اللّه عليهم)إلى زماننا هذا و معلوم ان رجوع الناس من جهة قصد الوصول إلى الواقع.
و أما العقل فدلالته على كونه من باب الأمارة الكاشفة عن الواقع أوضح من الكل فالمستفاد من أدلة التقليد بأسرها أنه مطلوب لمجرد التوصل به إلى الواقع لكونه أقرب الطرق بعد العلم و مثل هذا يصار عند تعارض فردين منه إلى الأقوى باتفاق العقلاء و إجماع العلماء على ما يظهر منهم في تعارض الأمارات عند المجتهد هذا مع انه لو شك في كون التقليد من باب أمارات المجتهد أو من باب البينة وجب المعاملة معه معاملة الأمارات أخذا بالقدر المتيقن بل الأصل في تعارض ما كان من قبيل الأسباب العمل بما يحتمل كونه راجحا في نظر الشارع
و عدم أعمال الترجيح بقوة الظن في تعارض البينتين لو ثبت، فإنما هو بالإجماع و هذا و ان كان راجعا إلى الاستناد إلى الأصل لا دليل مستقل آخر الا انه يكفي في المقام و لو لم يكن ما عداه لعدم ما يتمسك به للتخيير بين الأعلم و غيره الّذي قواه بعض متأخري المتأخرين عدا استصحاب التخيير الثابت للمقلد في بعض الفروض المتعدي منه إلى غيره بالإجماع المركب و إطلاقات الرجوع إلى المجتهد مثل آيتي السؤال و النفر[1]و مثل قوله(عجل اللّه فرجه)في توقيع إسحاق ابن يعقوب في مقام تعليل الرجوع إلى رواة الحديث فإنه حجتي عليكم[2]فإنه دل على ان كل واحد منهم حجة و مثل قوله(عليه السلام)و أما من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه[3]و مثل قوله(عليه السلام)في مكاتبته لمن سأله عمن يعتمد عليه في أمور الدين فاصمدا في دينكما على كل مسن في حبنا و كل كثير القدم في أمرنا[4]و مثل مشهورة أبى خديجة انظروا إلى رجل يعلم شيئا من قضايا فاجعلوه بينكم فانى قد جعلته قاضيا[5]الدالة على اعتبار الأعلمية في المفتي بالإجماع المركب بل الأولوية و ما دل على ان العلماء أمناء الرسل[6]و خلفاء رسول اللّه(صلى اللّه عليه و آله)[7]و انهم كأنبياء بني إسرائيل[8]و ما دل على الأمر بأخذ معالم الدين من أشخاص خاصة كمحمد بن
[1]التوبة 122 و الأنبياء 7.
[2]الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 9.
[3]لم أقف على مستند هذه الرواية.
[4]الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي الحديث: 45.
[5]الوسائل الباب 1 من أبواب صفات القاضي الحديث: 5.
[6]مستدرك الوسائل ج 3 ص 187 باب 11 من أبواب صفات القاضي.
[7]الوسائل الباب 8 من أبواب صفات القاضي الحديث: 50 53.
[8]مستدرك الوسائل الباب 11 من أبواب صفات القاضي.