على النهج الحديث).
و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.
و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشيء الكثير.
و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين(رحمه اللّه)و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.
المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه)[1]:
خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت(عليهم السلام)طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.
و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...
و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين
[1]رياض العلماء 2: 58.
أدخلوا الدقّة العقليّة في أبحاث هذا العلم و التي استمرّت فيما بعد، و كانت صفة متميّزة للدراسات الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة.
و لا تزال كلمات هذا العالم المحقّق موضع عناية و اهتمام المحقّقين من علماء الأصول حتّى اليوم.
المحقّق الشيرواني (المتوفّى سنة 1099 ه)[1]:
لديه تعليقة معروفة على المعالم، أكمل دراساته في النجف و طلب منه الملك سليمان الصفوي أن ينتقل إلى أصفهان فانتقل إليها و تخرّج على يده جمع من العلماء، منهم مؤلّف (الرياض).
و تحقيقات هذا العالم الجليل حول محور كتاب (المعالم) تدلّ على عمق و دقّة و استيعاب.
الصراع بين المدرسة الأصوليّة و الأخباريّة:
رغم ظهور علماء كبار في هذه الفترة في العراق و إيران (في النجف و كربلاء و أصفهان) من أمثال الفاضل التوني و المحقّق الخوانساري فإنّ الاتّجاه الأخباري بقي قويّا و نافذا و متحرّكا في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة في (العراق) و (البحرين) و (إيران) و (جبل عامل) و هي الأوساط الفقهيّة الشيعيّة الأربعة المعروفة في ذلك الوقت.
و نحن نجد في هذه الفترة دعوة قويّة إلى هذا الاتّجاه من قبل علماء معروفين في هذه الحواضر الأربعة درسوا و ألّفوا و حقّقوا على الطريقة الأخباريّة و منحوا هذه الطريقة قوّة و عمقا. و كان من أبرزهم و أفقههم الفقيه
[1]أعيان الشيعة 9: 142.
الجليل المحقّق صاحب (الحدائق الناضرة)(رحمه اللّه).
و قد استمرّ هذا الصراع قائما خلال هذه الفترة في حواضر الفقه الإمامي.
أثر العامل السياسي في الصراع بين المدرستين:
و لا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع و توسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يوم ذاك يحكمون إيران و العراق. و هما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت(عليهم السلام)، و كانوا يتقرّبون إلى الفقهاء، و يقرّبونهم، و يضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة. و يدعمون حكمهم بتأييد و دعم الفقهاء، و قد استضافوا خلال هذه الفترة جمعا غفيرا من العلماء من جبل عامل و العراق و البحرين.
و لكنّ الّذي يتتبّع سير الأمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، و رغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة ملكهم كانوا يراقبون اتّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم و فيما بين الناس بقلق ... و قد كان ذلك يؤدّي بهم أحيانا إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من أصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقّق الكركي(رحمه اللّه). فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم و سلطانهم و شعبيّتهم. و لنا أدلّة و شواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها و دراستها.
و على ذلك فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دور في اتّساع رقعة الخلاف و تعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخباريّة و الأصوليّة).
و مهما يكن من أمر فقد اتّسعت دائرة هذا الصراع، و اكتسب عمقا أكثر ممّا يستحقّ، و كاد أن يكون له دور سلبي في نموّ و تكامل هذا العلم الشريف الّذي لا بدّ منه في الاجتهاد.
و شاء اللّه أن يحتدم هذا الصراع الفكري في كربلاء بين اثنين من أبرز فقهاء هاتين المدرستين، و أكثرهما عمقا و إنصافا و دينا و ورعا و هما صاحب الحدائق(رحمه اللّه)و الوحيد البهبهاني(رحمه اللّه).
و لنقرأ قصّة هذا الصراع في كربلاء.
الصراع بين المدرستين في كربلاء:
انتقل الشيخ يوسف صاحب الحدائق(رحمه اللّه)إلى كربلاء، و ازدهرت به هذه الحاضرة العلميّة و انتعشت المدرسة الأخباريّة، و كانت هي الاتّجاه السائد للاجتهاد في هذه المدينة المقدّسة يوم ذاك، و كانت الدروس و التحقيقات العلميّة تجري على هذا المنوال.
الصراع الفكري بين الوحيد و صاحب الحدائق في كربلاء:
كان الوحيد البهبهاني (المتوفّى سنة 1206 ه)[1]يوم ذاك في مدينة بهبهان، تعز له هذه المدينة المنزوية عن المشاركة الفعّالة في الصراع الدائر بين هاتين المدرستين، و كان يشعر بفداحة الخسارة لو أنّ الفكر الأصولي انزوى عن الساحة، و فقد دوره في إدارة الاجتهاد و الاستنباط ... فهاجر إلى كربلاء، و انتقل إلى هذا الجوّ العلمي الحافل بالصراع و الأخذ و الردّ، و حضر
[1]أعيان الشيعة 9: 182، نقلا عن أمل الآمل.
درس الشيخ يوسف صاحب الحدائق بعض الأيّام. و يومئذ لا يعرفه أحد ممّن حضر درس الشيخ، و لا يعرف ما قدّر اللّه له من دور كبير في هذا الصراع. فقام في بعض الدروس- بعد أن انفضّ الدرس- على قدميه و نادى بجماهير الطلبة الذين كانوا يحضرون دروس الشيخ يوم ذاك بصوت عال:
(أنا حجّة اللّه عليكم) و شرح لهم الأخطار التي تحيق بالاجتهاد بعزل علم الأصول عن الحوزات العلميّة ...
و تحوّلت مدرسة (كربلاء) يومئذ- بعد قدوم هذين العلمين- إلى ساحة لصراع فكري عنيف من أعنف ما يكون الصراع و في نفس الوقت من أنزه ما يكون الصراع بين هاتين المدرستين، و بشكل خاص بين هذين الشيخين الجليلين صاحب الحدائق و الوحيد البهبهاني(رحمهما اللّه).
حدّث الشيخ عبّاس القمّي في (الفوائد الرضويّة) عن صاحب (التكملة) عن الحاج كريم «فرّاش الحرم الحسيني الشريف» أنّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه، و ذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم الحسيني الشريف و هما واقفان يتحاوران، و طال حوارهما حتّى حان وقت إغلاق أبواب الحرم فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم و استمرّا في حوارهما و هما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن و هما يتحاوران، فلمّا حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الّذي ينفتح على القبلة، و استمرّا في حوارهما و هما واقفان فتركهما و ذهب إلى بيته و نام، فلمّا حلّ الفجر و رجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرّان في الحوار و النقاش، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى
الحرم ليقيم الصلاة جماعة و رجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن و افترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، و أذّن و أقام و صلّى صلاة الصبح.
و في أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه الفكريّين و يدحض شبهاتهم و يكرّس الاتّجاه الأصولي و يعمّقه.
و لا بدّ أن نقول مرّة أخرى اعترافا بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف (الحدائق): إنّ تقوى الشيخ و خلوصه و صدقه و ابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الّذي جرى على يد الوحيد في كربلاء، و لو كان الشيخ يوسف يبتغي الجدل العلمي في حواره مع الوحيد البهبهاني لطالب محنة هذه المدرسة الفقهيّة، و اتّسعت مساحة الخلاف فيها، و تعمّق فيها الخلاف، و لكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا اللّه و الحقّ على أيّ شيء آخر، و مكّن الوحيد البهبهاني في حركته الإصلاحيّة العلميّة.
و من غرائب ما يروى عن هذا العبد الصالح، أنّ الوحيد كان يحظر على تلاميذه حضور دروس الشيخ يوسف، و لكنّ الشيخ في المقابل كان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الوحيد، و كان يقول كلّ يعمل بموجب تكليفه، و يعذر الوحيد في ذلك، و هو نموذج رائع من نماذج سعة الصدر و التقوي في فقهائنا الأعلام.
و نشط الوحيد البهبهاني يومئذ في التدريس و حفل درسه بفضلاء الطلبة و علماء كربلاء، و برز في مجلس درسه عدد كبير من العلماء و المحقّقين و المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه.
و لو تحرّينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر وجدنا أنّهم جميعا يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني و لذلك يطلق عليه (أستاذ الكلّ)
أو (الأستاذ الأكبر) و هو لقب يختصّ به هذا المحقّق الجليل.
تآليف الوحيد:
خلف الوحيد البهبهاني من بعده كتبا قيّمة من آثاره و أفكاره، يقول تلميذه الشيخ أبو علي في (منتهى المقال): إنّ تآليف الأستاذ يقرب من ستّين كتابا، و قد خصّص الوحيد البهبهاني جملة من كتبه في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة، و دحض شبهات الأخباريّين، و نظريّاتهم من قبيل رسالة (الاجتهاد و الأخبار) و رسالة (حجّيّة الإجماع) و رسالة (الفوائد الحائريّة) القديمة و رسالة (الفوائد الجديدة) و غير ذلك من التآليف.
و كتب الوحيد متينة و مشحونة بالأفكار الفقهيّة و الأصوليّة، و تعتبر جملة من أفكاره التي دوّنها و التي درّسها لتلاميذه أسسا لعلم الأصول الحديث.
تلاميذ الوحيد البهبهاني و خلفاؤه:
و بعد الوحيد البهبهاني تولّى تلاميذه التدريس و التحقيق في هذا العلم و مارسوا نشاطا واسعا في التحقيق و الإبداع فيه و أثروا الأصول بكثير من الأفكار الجديدة و التحقيقات النقديّة نذكر منهم:
1- المحقّق الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن القمّي (1151 1231 ه)[1]صاحب (القوانين) و هو من أفضل ما كتب في الأصول، في مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة.
[1]الكرام البررة 1: 52.
و قد توسّع المحقّق القمّي في بحث حجّيّة الدليل العقلي و في بحث الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي بما لا نجد له نظيرا في أبحاث المتقدّمين عليه و ما يقلّ نظيره في أبحاث المتأخّرين.
2- و من هؤلاء الشيخ أسد اللّه بن إسماعيل الكاظمي (1186- 1234 ه)[1]مؤلّف كتاب (كشف القناع عن حجّيّة الإجماع) و هو كتاب قيّم في البحث عن حجّيّة الإجماع.
3- و الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهانيّ (1248 ه)[2]صاحب الحاشية المعروفة على معالم الأصول باسم (هداية المسترشدين) و هذا الكتاب هو واحد من أبرز و أفضل ما كتب في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، و قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه)كان يقول: إنّه اكتفي بما كتبه الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ على المعالم عن الكتابة في مباحث الألفاظ و اقتصر فقط في كتابه الفرائد على مباحث القطع و الظنّ و الشكّ.
و لا تزال الآراء التي طرحها الشيخ محمّد تقي في هذا الكتاب تعدّ مادّة للتحقيق و النقد عند المتأخّرين و خاصّة الشيخ الأنصاري(رحمه اللّه).
4- و منهم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (1250 ه)[3]صاحب كتاب (الفصول) و هو من الكتب القيّمة في علم الأصول، و كان هذا الكتاب و كتاب (القوانين) من الكتب الدراسيّة في علم الأصول إلى وقت قريب.
5- و محمّد شريف بن حسن علي الآملي المعروف ب(شريف العلماء
[1]الكرام البررة 1: 122.
[2]الكرام البررة 1: 215.
[3]الذريعة 16: 241.