الخبر و متنه و دلالته و رفع تعارضه و غير ذلك، إذ ليست حجّة ما لم تتعلّق بالأدلّة الخمسة، و الأدلّة لا تكون حجّة بدون تلك الظّنون، و قس على ذلك شرائط سائر الأدلّة مع تلك الأدلّة.
و ممّا ذكر ظهر أيضا أنّه إذا وقع التّعارض بين الضّعيف المنجبر بالشّهرة و الصحيح الغير المنجبر، يكون الضّعيف مقدّما عليه، كما هو طريقة القدماء و أكثر المتأخّرين- كما لا يخفى على المطّلع و التنبيه على مواضع تقديمهم إيّاه عليه يوجب بسطا طويلا غاية الطّول- خصوصا بعد ملاحظة أنّ العدالة عندهم شرط في قبول الخبر، فمع وجود الشّرط في الصّحيح، و عدمه في الضّعيف لا يعدلون منه إليه إلاّ لداع عظيم، بعد ملاحظة كونهم من أهل الخبرة و المهارة و قرب العهد بالأئمّة(عليهم السلام)، و كونهم مشايخ الإجازة، و مؤسّسي مذهب الشيعة، و متكفّلي أيتام الأئمّة(عليهم السلام)بعد الغيبة، و فقهاء الشيعة في الحضور و الغيبة، و مجدّدي دين الرّسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلم)في كلّ قرن و رأس كلّ مائة، و حجج اللّه على العباد بالنّصّ من الأئمّة(عليهم السلام)، و الحكّام عليهم بنصّهم(عليهم السلام)في مقبولة ابن حنظلة و رواية أبي خديجة، إلى غير ذلك ممّا ورد في شأنهم أو ظهر من حالتهم، و خصوصا بعد ملاحظة تحريمهم التّقليد على المجتهد، و إيجابهم استفراغ الوسع و أمرهم بالاحتياط و مبالغتهم فيه و في الاهتمام به و عدم المسامحة.
هذا مع نهاية كثرتهم و موافقة كلّ منهم الآخر، مع غاية الاختلاف بينهم في تأسيس الأصول، و تفريعهم الفروع، بل الواحد منهم كثر اختلافه في الفقه فكيف المجموع؟! إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في حجّيّة إجماعهم في (الفوائد) و (الرّسالة)، فلاحظ و تأمّل جدّاً.
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة
فائدة (32) [عدم جواز التقليد في أصول الدين]
الاجتهاد و التّقليد إنّما يتمشّيان في الأمور التّكليفية، و التي وقع الحاجة إلى معرفتها، و مع ذلك يكون باب العلم إلى معرفته مسدودا، و يكون الطّريق منحصرا في الظنّ، و لو لم يكن أحد هذين الشّرطين لم يجز فيه الاجتهاد و التّقليد عند المجتهدين.
أمّا جريانهما فيما اجتمع فيه الشرطان فواضح، و عرفت أيضا. و إذا انتفى الشرط الأوّل فعدم الجريان واضح أيضا، لعدم داع إلى اعتبار الظنّ، مع كون الأصل فيه عدم الاعتبار، و كونه مذموما شرعا، و منهيّا عن العمل به، كما عرفت في الفائدة الأولى.
و أمّا إذا انتفى الشرط الثاني: بأن يكون باب العلم غير مسدود فيه:
كأصول الدّين، و موضوعات الأحكام الّتي ليست من قبيل الألفاظ و القرائن
و المرجّحات الاجتهاديّة الّتي يعرف بها الأحكام من الكتاب و السنّة و ما يتوقّف عليها.
أمّا أصول الدّين فلا شكّ في عدم انسداد باب العلم فيها كما بيّن في الكلام، و ظهر منه، مع أنّه مع الانسداد كيف يكون الخاطئ فيه غير معذور، مع أنّ الخطأ غير مأمون على الظنون، و لا معنى للظنّ إلاّ بأن يجوز خلافه، مع أنّه لو كان ظنّيّا فلا وجه لجعله من أصول الدّين و سائر الظنيّات فروعه.
و لما ذكرنا اجتماع الشيعة على عدم جواز التّقليد في أصول الدّين الخمسة.
و ما صدر من البعض غفلة قد عرفت حاله.
و أمّا تلك الموضوعات، مثل: صيرورة شيء نجسا بملاقاة النّجاسة، أو طاهرا بالمطهّر الشرعي، أو حراما بعروض المحرّم، أو حلالا بطروّ المحلّل، أو كون الرّجل عادلا ليصلّى خلفه، إلى غير ذلك من أمثال ذلك ممّا يكن العلم به بالمشاهدة، أو الخبر المحفوف بالقرينة، أو التّواتر، فلا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد.
و ربّما جوّز الشارع ثبوتها بالظنون الشرعيّة أيضا مثل: شهادة العدلين، أو كونه في اليد، أو القسم، أو الإقرار، أو الظنّ بدخول وقت الصلاة مثلا مع عدم إمكان العلم، و أمثال ذلك، و هذه ليست بظنون اجتهادية و تقليديّة، بل أمور خاصّة صدرت من الشرع بخصوصها إمّا للقاضي من حيث هو قاض، أو للكلّ مثل: الظنّ بدخول الوقت و أمثاله.
و بالجملة هذه الموضوعات لا يجري فيها الاجتهاد و التّقليد لما عرفت من أنّ المجوّز لهما، و المبيح إيّاهما، ليس إلاّ اجتماع الشرطين جميعا لما عرفت وجهه، و عرفت من الأدلّة و من كلام المجتهدين في موضوعه، و أشرنا إليه في الجملة.
فظهر أنّ ما قال بعض: من أنّ نجاسة المتنجّس- يعني انفعاله بملاقاة النّجاسة- يكفي فيها المظنّة- اشتباه منه لأنّ مقتضى الأدلّة اشتراط العلم، مثل قولهم(عليهم السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» [1]، و قولهم(عليهم السلام):
«كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر»[1]إلى غير ذلك، و كون ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمرة العلم إنّما هو بدلائل عرفتها، و كون موردهما ما اجتمع فيه الشرطان أيضا قد عرفت. و ليس فيما[2]نحن فيه منه قطعا، بل التّقليد إنّما هو في نفس الأحكام الشرعيّة، و الاجتهاد فيها و في الموضوعات و المرجّحات الّتي يتوقّف عليها تلك الأحكام، لا مثل ما نحن فيه و التّقليد لا يجري في الموضوعات مطلقا، و قد عرفت الوجه.
مع أنّ ما نحن فيه من ظنون المكلّفين من حيث أنّهم مكلّفون مثل:
الظنّ بدخول الوقت، لأنّ المجتهد لا يبذل جهده لتحصيل ظنّه بملاقاة
[1] الوسائل 1: 99 كتاب الطهارة الباب 1، الحديث 2: «كل ماء طاهر إلاّ ما علمت انه قذر» و في ص 100 حديث 5: «الماء كلّه طاهر حتى يعلم انّه قذر» و في ص 106 الباب 4 من أبواب الماء المطلق من كتاب الطهارة حديث 2 لكن ورد فيه «حتى تعلم» و ذكر الفيض(رحمه اللّه)في الوافي 1: كتاب الطهارة و التزين من باب الطهارة الماء و طهوريته الحديث 2 ب(يعلم) و (تعلم) عن الكافي بإسنادين و عن الفقيه بإسناد واحد و عن التهذيب بإسنادين كما ذكره الميرزا النوري(رحمه اللّه)في مستدركه 1: كتاب الطهارة الماء المطلق الباب 1، أنّه طاهر مطهر الحديث 7 عن الصدوق في الهداية و في الباب 4 عن القطب الراوندي(رحمه اللّه)في فقه القرآن و ورد فيها ب(تعلم) و هذا هو أقرب نصّ إلى ما في المتن و في الجميع (الماء كلّه.). و ليس في واحد منها: (كل ماء) كما في المتن.
[1]الوسائل 2: 1054، كتاب الطهارة الباب 37 من أبواب النجاسات، الحديث 4.
[2]كذا في الأصل لكن الظاهر أنّ الصحيح هو و ليس ما نحن فيه منه قطعا.
النّجاسة، فيعمل به، و يفتي مقلّده، و يأخذ بقوله من دون اطّلاع منه أصلا، أو من غير اعتماد منه إلاّ على ظنّ مجتهده.
على أنّه لو اتّفق أنّ مجتهدا فعل كذلك، و قلّده مقلّده بالنّحو الّذي ذكر فلا نسلّم جريان الاجتهاد و التقليد و صحّتهما في المقام، لعدم الدّليل، بل لدليل العدم. فما لم يثبت من الشّرع فيه جواز التعويل على الظنّ لا يجوز التعويل عليه، و إن ثبت جاز، كما هو الحال في الظنّ بدخول الوقت.
و أمثاله.
و ممّا ذكر ظهر فساد توهّم بعض آخر حيث لم يجوّز ثبوت نجاسة شيء أو ماء بالظنون الاجتهاديّة معلّلا بأنّها ظنون، و الوارد في الأخبار اشتراط العلم بالنّجاسة، مثل: نجاسة الماء القليل بملاقاة النّجاسة، لأنّ ظنّ المجتهد و تقليده يثمران ثمر العلم، لما عرفت من الأدلّة. مع أنّ مقتضى الآيات و الأخبار و غيرهما عدم جواز التّعويل على غير العلم- كما مرّ في إثبات أصل البراءة في الفائدة الأولى- فلو لم يثمر ثمر العلم لم يثبت تكليف أصلا، و لا حكم مطلقا في غير ضروريّات الدّين أو الإجماع اليقينيّ أو اليقين العقليّ.
و أمّا الموضوعات الّتي يتوقّف عليها معرفة الأحكام فحالها حال الأحكام- إلاّ أنّه لم يجر فيها التّقليد- بل انسداد باب العلم فيها مع شدّة الحاجة إليها أظهر.
و لذا وافق الأخباريّون المجتهدين في جريان الاجتهاد فيها مع مخالفتهم إيّاهم في نفس الأحكام. نعم منعوا الحاجة إلى علم الرّجال، بل و إلى العلوم اللّغويّة أيضا، و كذا إلى أصول الفقه و غيرهما، و هذا غير الحاجة إلى معرفة الموضوعات عندهم، و إن كانوا خاطئين في ذلك خطأ عظيما
واضحا غاية الوضوح، و أشبعنا الكلام في رسالتنا في «الاجتهاد» و «الأخبار».
این صفحه در کتاب اصلی بدون متن است / هذه الصفحة فارغة في النسخة المطبوعة