بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 505

فائدة (34) [ردّ شبهة المانعين عن وجوب الاجتهاد]

شبهة أوردها المانعون عن وجوب الاجتهاد: بأنّ استفراغ الوسع إن أريد الوسع في جميع أوقات العمر، فلا يتحقّق رتبة الاجتهاد إلاّ عند الوفاة، و إنّ أريد في وقت التكليف و الحاجة إلى المسألة، فربّما كان في ذلك الوقت ما حصل شرائط الاجتهاد كلاّ أو بعضا، أو حصل على سبيل التّقليد، و أنتم لا ترضون به، لأنّه مركّب من الاجتهاد و التقليد الّذي تتحاشون عنه.

و إن حصل على سبيل الاجتهاد فالاجتهاد متفاوت، لأنّه يحتمل عند المحصّل أنّه لو استفرغ وسعه أزيد ممّا فعله لربّما ظهر له خلاف ما ظهر أوّلا، و أنتم أوجبتم شرائط الاجتهاد فرارا من هذا، و قلتم كيف يعتمد على ظنّه مع هذا؟! فمع كونه موجودا هنا فكيف اكتفيتم؟ و إن لم تكتفوا إلاّ باستفراغ ثان، فننقل الكلام إليه، و هكذا لعدم الانتهاء إلى العلم.


صفحه 506

و إن بنيتم في الاكتفاء على الاعتماد على تصديق مجتهد و تجويزه فهو تركّب الاجتهاد و التقليد، مع أنّا ننقل الكلام إلى المجتهد المجوّز.

و الجواب أوّلا: بالنّقض: بأنّكم إن جوّزتم أنّ كلّ إنسان- سواء كان ذكرا أو أنثى، سفيها أو عاميّا أو أعجميّا قحّا، إذا فهم من الأحاديث شيئا بأيّ نحو فهم من غير جهة قاعدة و ضابطة بل بخلاف القاعدة، و إن فهم ضدّ المطلوب أو نقيضه، بل ربّما لم يكن رابطة لفهمه، بل رجما بالغيب- يكون فهمه حجّة يجب عليه العمل به، و لا يمكنه تقليد غيره- و لو في حكمه. بأنّ فهمه غلط فاسد جزما- فوا فضيحتاه، و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلين[1]للجواب.

و إن قلت: إنّه لا بدّ للفهم من اطّلاع على أمر و تتبّع و معرفة، ننقل الكلام إليه و نورده عليك حرفا بحرف، إلاّ أن تجوّز التركّب، و هو في الحقيقة تقليد لا اجتهاد، و الكلام فيه. مع أنّه لا يصدّقه مجتهد، و لا يجوّزه فقيه، لأنّ الشيعة بأجمعهم، بل أهل السّنة أيضا لا يجوّزونه، و بيّنّا بطلانه في رسالتنا في الاجتهاد. هذا مع أنّكم لا تجوّزون تقليد غير المعصوم(عليه السلام)، و التركّب ليس تقليد المعصوم(عليه السلام)، كما هو ظاهر.

هذا مع أنّ الّذي أورد الشبهة يعتبر في الفقاهة و فهم الحديث معرفة العلوم العربيّة و اللغويّة و التتبّع التامّ في الأحاديث و أمثال ذلك، فالنّقض عليه في غاية الشدّة.

و أيضا جميع العلوم و الحرف و الصّنائع- التي [هي] واجبة كفاية أو

[1]م: و لستم حينئذ أهلا للمكالمة و متأهّلا للجواب. ف: و ليس حينئذ أهلا للمكالمة و مستأهلا للجواب. و ما أثبتناه في المتن هو الصحيح.


صفحه 507

عينا، لنظم أمر المعاد و المعاش- هذه الشبهة واردة فيها: بأنّه إن لم يحتج إلى مهارة و خبرة و اطّلاع على ما تبتني عليه و تتوقّف عليه[1]فباطل بالبديهة، و لا يتحقّق نظم المعاد و المعاش، بل به يصير الفساد أزيد بلا شبهة. و معلوم أنّ علم الفقه أيضا من جملة تلك العلوم واجب عينا أو كفاية لنظم المعاد و المعاش، بل أشدّ مدخليّة فيه بمراتب شتّى، بل جميع تلك العلوم و الصنائع من شعبات الفقه و مسائله: أرى فسادها من فساد الفقه، كما مرّ في أوّل الفوائد.

و مع ذلك انّ جميع ما هو علم أو صنعة أو حرفة باقية على حالها من القول بلزوم المهارة و الخبرة، و الاطّلاع على ما تتوقّف عليه، أو عسى أن تتوقّف عليه. و كذا مراعاة الأساتيذ و احترامهم، و قبول قولهم، و كون الحقّ معهم، لأنّ الأساتيذ و أهل الخبرة و المهارة يسمعون فيها البتّة، و إن كان في نظر التلامذة أنّ ما قالوا ليس كذلك، إلاّ أنّهم يقولون: إنّهم أساتيذ هذا الفنّ، فالخطأ منّا، و من هذه يسمعون قولهم و يطيعونهم و يخدمونهم إلى أن يبلغوا مرتبة الأستاذيّة، و مع ذلك أستاذهم أسنادهم ما داموا في الحياة، و مع ذلك يعظّمونهم غاية التّعظيم، و إذا وقع كسر في خطّهم، أو غيره من صنائعهم لا يجبرونه، و يجعلون التصرّف في صنعهم، و إن كان خبيرا لكسرها دليلا على سلب التوفيق، و سوء الأدب، و موجبا لنكال شديد، من حيث كونهم أساتيذ، مع كون العلماء و الأساتيذ في الغالب كفّارا أو ضلاّلا أو فسّاقا، بل ربّما كان كفرهم أشدّ كفر، و فسقهم أعظم فسق، يعظّمونه من حيث الأستاذيّة، و يقبلون

[1]في الأصل: (به).


صفحه 508

قولهم بسبب الخبريّة، كما قال عزّ و جلّوَ لٰا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ[1].

بخلاف الفقيه، فإنّ الشيطان- لغاية عظم رتبته، و نهاية شدة ضرر الغلط فيه- ألقى في قلوب القاصرين: أنّه لو وافق أحد فهمه و فقهه فهم الفقهاء و فقههم يكون مقلّدا لهم، فلا بدّ من مخالفة الفقهاء، و عدم الموافقة لهم، و تخريب فهمهم و فقههم، حتّى يصير فقيها، و ربّما يطعنون عليهم و يسيئون الأدب معهم، مع أنّهم يرونهم أئمّة هذا الفنّ، و المؤسّسين له، و الماهرين الخبيرين القريبين لعهد الأئمّة(عليهم السلام)أو أقرب عهدا منهم بمراتب، و أعرف بجميع ما له دخل، و أزيد تتبّعا للأدلّة، أصحاب الكمالات النفسيّة، و أرباب القوى القدسيّة في حال صغر سنّهم فضلا عن الكبر، مع نهاية تقواهم و ورعهم و عدالتهم و قربهم إلى اللّه تعالى، إلى غير ذلك، مع نهاية كثرتهم، و زيادة حقوقهم، بحيث لولاهم لما كنّا نعرف الدّين و المذهب و الفروع و الأصول.

مع كونهم المجدّدين لدين الرّسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلم)في رأس كلّ مائة، و المروّجين له في كلّ قرن، و المتكفّلين لأيتام الأئمّة(عليهم السلام)في زمان الغيبة، المستنقذين لهم من أيدي الأباليس و المنتحلين و المبطلين و الغالين، و الحجج على الخلق و الأئمّة(عليهم السلام)حجج عليهم، إلى غير ذلك ممّا ورد في الأخبار و الآثار، و شهد له الاعتبار، و لا يفي لجمعها الدّفاتر، و كلّ قلم و لسان عن الذّكر قاصر، بل لو لم نطّلع على أقوالهم، أو لم نلاحظ كتبهم لم يمكننا فهم حكم و استنباط مسألة من الحديث، و لا يخفى ذلك على المنصف الفطن.

و ثانيا بالحلّ: بأنّ من سمع مقالة أئمّة هذا الفنّ: و هي أنّه لا يتأتّى

[1]فاطر: 14.


صفحه 509

الاجتهاد إلاّ بعد استجماع شرائطه، و لا يجوز العمل بالظّنّ الّذي ورد في القرآن و الأخبار المنع عن العمل به، و جعله حكم اللّه، مضافا إلى أنّه خلاف الأصل و العقل، فإنّ حكم اللّه حقّ و من اللّه، و ظننا ظنّ و منّا، فكيف يكون أحدهما عين الآخر؟! إلاّ أن نعلم علما يقينا أنّ اللّه تعالى يرضى به عوض حكمه، و لا يكفي الظنّ به، لأنّه أيضا ظنّ، فيدور أو يتسلسل، إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في أوّل الفوائد و غيره، و لا يتحقّق العلم و اليقين إلاّ لمن استجمع الشرائط ..

و بالجملة من سمع مقالتهم، و يكون قلبه خاليا من الشّوائب، سالما عن المعايب، ليبادر بالقول البتّة، و لا يجعلهم أسوأ حالا من أرباب العلوم و الصنائع الّذين هم في الغالب يعلم عدم عدالتهم، بل و فسقهم و كفرهم أيضا، و مع ما عرفت قولهم بأنّ ما ذكروه حقّ يقينا- كما لا يخفى على من له أدنى فهم- مضافا إلى أدلّتهم على لزوم كلّ شرط شرط على حدة- كما بيّنّا في رسالتنا في الاجتهاد- بحيث لا يبقى للجاهل تأمّل أصلا، فضلا عن العالم، فيشرع في تحصيل الشرائط: من العلوم، و القوّة القدسيّة.

أمّا القوة القدسيّة فبجهاد النّفس، و السّؤال من اللّه تعالى، و التضرّع إليه، و الإلحاح عليه، و الاستمداد من الأرواح القدسيّة المعصومة، و بعدهم من الفقهاء(رضوان اللّٰه عليهم)، و يبالغ في تعظيمهم و أدبهم و محبّتهم و الرّكون إليهم، «فإنّ القلب يهدي إلى القلب»[1]، فإذا استحكم الرّوابط بين القلوب أو بين القلب و الأرواح الّذين هم أحياء عند ربّهم يفتتح أبواب الفيوض و الكمالات،

[1]الظاهر هذا مثل و ليس بحديث و لم نعثر عليه بهذه الصورة حسب فحصنا، و ما وجدناه ما هو لفظه: من القلب إلى القلب، راجع المنجد، باب فرائد الأدب.


صفحه 510

و ينشرح بأنوار المعرفة و العلم، «فإنّه نور يقذفه اللّه في قلب من يشاء» [1].

يا أخي قد حصل التّجربة لي، فعليك بما ذكرت، ثمّ عليك بما ذكرت، و إيّاك، ثمّ إيّاك من تنفّر قلبك من فقهائنا، و ميله عنهم إلى نفسك، فإنّ فيه المحرومية عن نيل درجة الفقه البتّة أصلا و رأسا، و الوقوع في وادي التّيه و الحيرة و الضّلالة و الجهل و الحمق الشّديد، كما شاهدت عيانا باللّٰه من ذلك.

و أمّا تحصيل العلوم فبالشّروع في المذاكرة و المطالعة، مع الاستمداد من اللّه تعالى و التضرّع إليه و التّوسّل و التشفّع بالنّفوس المقدّسة، و تخلية القلب عن الميل و النّفرة، فما وجد من المسائل المسلّمة غير المشكلة أخذها، و أمّا المشكلة و الخلافيّة فيجتهد فيها بحسب وسعه كما ذكرنا.

فبعد تحصيل الكلّ يشرع في الفقه، و يجعل تحصيله من مقدّمتين:

الأولى: هذا ما أدّى إليه اجتهادي، و الثانية: كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه يقينا في حقّي، و لا بدّ أن يكون في المقدّمة الأولى صادقا، و بالثانية عالما متيقّنا حتّى تصير النتيجة صادقة يقينيّة.

و أمّا أجزاء الشّرائط على سبيل الإجمال: فبأن يعرف أنّ أدلّة الفقه منحصرة في الخمسة المعروفة، و يتأمّل في كلّ دليل دليل هل هو دليل أم لا؟

و كونه دليلا بشرط أو بغير شرط؟ و على الأوّل الشّرط ما ذا؟

مثلا يتأمّل في أنّ خبر الواحد حجّة أم لا، و على الأوّل مشروط

[1] لم نعثر على هذه الرواية بهذا اللفظ في الجوامع الحديثيّة حسب فحصنا و الّذي ظفرنا عليه ما هو لفظه: «ليس العلم بالتعلّم إنّما هو نور يقع في قلب من يريد اللّه تبارك و تعالى أن يهديه»، راجع البحار 1: 225 ذيل الحديث 17، و قد نقله صاحب كنز العمّال بهذه النصّ «علم الباطن سرّ من أسرار اللّه عزّ و جلّ و حكم من حكم اللّه يقذفه في قلوب من يشاء من عباده» كنز العمّال 10: 159 الحديث 28820.


صفحه 511

بالعدالة أو الموثقيّة أيضا أو الحسن أيضا أو القوّة أيضا، أم لا و أنّ الضعيف ينجبر أم لا؟ و الجوابر ما هي؟ إلى غير ذلك ممّا ذكرنا في الفوائد. مثل: أنّ العدالة هل هي الملكة، أو حسن الظّاهر، أو عدم ظهور الفسق؟ و أنّ ثبوتها من باب الشّهادة أو الخبر أو الظنّ الاجتهادي؟ و يتجسّس عن الثبوت، و في الثّبوت يحتاج غالبا إلى الاجتهاد، بل كلّيّا- كما ذكرنا- إلى غير ذلك ممّا يتعلّق بالسّند، أو المتن، أو الدّلالة، أو رفع التعارض، أو علاجه، إلى غير ذلك ممّا ذكرناه في الفوائد و الملحقات، فإنّ جميعها معالجات للاحتمالات و الاختلافات الّتي لا بدّ من علاجها، حتّى يتمكّن من الاستدلال بعنوان الاجتهاد لا بالتقليد، فجميع الشرائط إنّما هي علاجات الاستدلال بالاجتهاد و لا يمكن إلاّ بها- اللّهمّ إلاّ أن يكون مقلّدا.

فإذا حصل المسألة بالنحو الّذي ذكرناه فهو مجتهد.

و مع ذلك، الأحوط أن يعرض اجتهاده على اجتهاد المجتهدين: فإن وجده في الغالب يوافق طريقتهم، فليحمد اللّه تعالى على هذه النّعمة العظمى حمدا كثيرا كثيرا، و يشكره شكرا كثيرا كثيرا، فيظهر أنّه نال هذه الرّتبة الهنيّة السنيّة، و يتضرّع إليه في حفظه عن الخلاف في البقيّة.

و إن وجده بخلاف ذلك فليتّهم البتّة نفسه نهاية التّهمة، و ليسرع في إصلاحها بالمجاهدات و التضرّعات و الاستمدادات و غيرها، و تخليتها عن الشوائب، و تخليصها عن المعايب، حتّى يهب اللّه تعالى له هذه الرّتبة.

و هذا القدر يكفي، يعني أيّ مسألة تحتاج إلى الاجتهاد،- سواء كان مقدّمة الفقه أو نفسه- حين ما أراد الاجتهاد فيها استفرغ وسعه ذلك الحين، فأيّ شيء أدّاه إليه اجتهاده يكفي، و إن كان يحتمل عنده أنّه بعد ما زاد مهارته أو ممارسته ربّما يتغيّر ظنّه، إلاّ أنّ الظّاهر عنده أنّه ليس كذلك، و مع


صفحه 512

ذلك هذا الحين هذا القدر وسعه، و هذا الّذي أدّى إليه اجتهاده، و هو مكلّف، ولٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا[1].

و لأنّه لو لم يكفه لم ينفعه اجتهاده ما دام حيّا، فلا بدّ له من التّقليد، و ربّما لم يوجد له فتوى فقيه حتّى يقلّده، و التزام الاحتياط بالنّسبة إلى جميع المسائل حرج، بل تكليف بما لا يطاق، و ترجيح البعض من غير مرجّح فاسد على حسب ما عرفت سابقا.

مع أنّ الفقهاء متّفقون على أنّ المجتهد لا يجوز له تقليد غيره، و يريدون من المجتهد هذا الّذي ذكرناه، لأنّه بعد اطّلاعه على جميع ما له دخل في الفهم و بذل جهده فيه يظهر عنده أنّ حكم اللّه كما فهمه، و غيره ليس حكم اللّه، فإن كان فتواه موافقا لفتوى الكلّ فنعم الوفاق، و يتعيّن عليه العمل به، و كذا إن كان موافقا لفتوى المشهور أو الأكثر لغاية قوّة فتواه.

و أمّا إذا وافق البعض دون البعض فكذلك لما عرفت، سيّما و أنّ المجتهد في مثله يبذل جهده في تعريف دليل المخالف و صحّته و سقمه، و يبالغ، و مع ذلك يجد أنّ الحقّ معه و مع من وافقه، و كذا لو خالف البعض و لم يجد موافقا، لأنّ الظاهر عنده أنّ حكم اللّه كذا، و أنّ ما عليه البعض ليس حكم اللّه، فكيف يصحّ التمسّك به، و يدع فتواه؟! مع أنّه في هذا المقام يبالغ أزيد ممّا تقدّم.

و أمّا إذا خالف فتوى الكلّ فيجب عليه ترك فتواه، لأنّه خطأ البتّة، و كذلك لو خالف المشهور بين القدماء و المتأخّرين إلاّ النادر، و ذلك النّادر أيضا كان رجع عن فتواه، و وافق القوم، و يظهر ذلك مع أنّه في كتابه المتأخّر

[1]البقرة: 286.