بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 100

..........

و لا ريب أنّ الظنّ القياسي على ما بيّنّاه ليس من هذا الموضوع، و مثله الظنّ الاستحساني و الرملي و الجفري و النومي و غيرها.

فإن قلت: ظنّ العلّة في القياس يفيد ظنّ الحكم و يستلزم ذلك الظنّ كون هذا الحكم ممّا قال به المعصوم، و هذا أيضا ظنّ بالسنّة على حدّ ما ذكرته في الإجماع الظنّي و غيره.

قلت: ليس كذلك، فإنّ المعتبر من ظنّ السنّة ما كان الحكم الشرعي تابعا للسنّة المظنونة مستندا ظنّه إليها، و المتحقّق في القياس على عكس ذلك، فإنّ السنّة المظنونة فيه تابعة لظنّ الحكم مستند ظنّها إلى ظنّه و هو خارج عن مورد الدليل.

و الحاصل: المستفاد من دليل الإجماع و غيره أنّ اللّه سبحانه يريد الاستناد في امتثال أحكامه إلى كتابه و سنّة نبيّه أو خلفائه، و الاستناد بهذا المعنى منتف في القياس كما لا يخفى.

و من هنا يظهر الجواب عمّا لو قرّر تطبيق القياس على ما ذكرناه من الضابط بأنّ ظنّ العلّة من أيّ سبب حصل يستلزم الظنّ بالحكم، فإنّ ذلك أيضا في معنى عزل السنّة عن التأثير، إذ الحكم في الحقيقة مستند إلى ظنّ العلّة الغير المستند إلى ظنّ السنّة بل الظنّ بالسنّة مستند إليه.

[الاستدلال بالروايات على مرجعيّة الكتاب و السنّة]

و ممّا يدلّ على مرجعيّة الكتاب و السنّة و الظنون المتعلّقة بهما سندا و متنا و دلالة و معارضة الأخبار المأثورة عن أهل بيت العصمة البالغة في الكثرة فوق حدّ التواتر، و هي على أنواع:

منها: ما ورد من الروايات و الخطب و الوصايا في ذمّ أهل البدع و الضلال المتديّنين بأهوائهم و آرائهم و مقاييسهم على سبيل الاستقلال، المعلّلة تارة: بلزوم انتفاء فائدة بعث الرسل و إنزال الكتب لو كان سلوك هذا الطريق ممّا رضي به اللّه سبحانه، و اخرى: بأنّه تعالى لم يدع شيئا ممّا يكتفون به و يحتاجون إليه إلى يوم القيام إلّا و أنزله إلى نبيّه و بيّنه في كتابه و سنّة نبيّه.

و منها: ما ورد في الروايات المستفيضة من أنّه تعالى أكمل دينه و جعل لكلّ شيء حكما و أنزل لبيان كلّ شيء كتابا و أرسل لتبليغها رسوله، و أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)لم يدع شيئا منها إلّا و بيّنها لامّته، و أنّها محفوظة عند أهل بيته و خلفائه المعصومين(عليهم السلام)، و أنّهم(عليهم السلام)ما قصّروا في حفظها و تعليمها لشيعتهم و أصحابهم.

و منها: أخبار الثقلين و هي كثيرة جدّا، و من جملتها الحديث الشريف المدّعى كونه متواترا بين الفريقين: «إنّي تارك فيكم الثقلين [ما] إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتاب


صفحه 101

..........

اللّه و عترتي لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»[1].

و منها: ما ورد في الخبرين المتعارضين من الأمر بالعرض على الكتاب ثمّ الأخذ بما وافقه دون غيره، و هذا من أقوى الدلالة على أنّ المعروض و المعروض عليه بكليهما الطريق المجعول، بل المعروض في المرجعيّة بحيث لا يخلّ بها طروّ المعارضة.

و منها: الأخبار الكثيرة الواردة في ترغيب أصحابهم على ضبط الأحاديث و كتبها و في مدح كتب جماعة منهم، و في إرجاع الناس إلى جماعة مخصوصين منهم، و في الأمر بكتابة الأحاديث كقوله(عليه السلام)للراوي: «اكتب و بثّ علمك في بني عمّك، فإنّه يأتي زمان هرج لا يأنسون إلّا بكتبهم» و في أنّهم(عليهم السلام)لا يخلو كلّ واحد منهم من كذّاب يكذب عليه فلو لا العمل بأخبارهم متداولا بين أصحابهم و مرخّصا فيه من أئمّتهم(عليهم السلام)لم يكن لكذب الكذّابين و وضع الواضعين للأحاديث فائدة كما لا يخفى.

و منها: ما في الأخبار الواردة في وضع الأحاديث من قوله(عليه السلام): «فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا» و في آخر: «فلا تقبلوا علينا خلاف القرآن» حيث إنّهم(عليهم السلام)منعوا من قبول المخالف من الأخبار للقرآن و السنّة النبويّة لا من قبول سنخ الخبر و لو لا القبول مرضيّا له لوجب المنع عنه مطلقا، إلى غير ذلك من الأخبار و قد تقدّم أكثر هذه الأنواع عند ذكر شبه الأخباريّة في منع الاجتهاد.

و بالجملة فالمستفاد من ملاحظة مجموع هذه الأنواع مضافة إلى أخبار اخر يأتي إليها الإشارة بطريق العلم و اليقين إنّ اللّه تعالى لا يرضى في دينه و امتثال أحكامه بشيء إلّا الاستناد إلى كتابه و سنّة نبيّه و سنّة خلفائه الأئمّة المعصومين و إن كان غيرها ممّا يؤدّي مؤدّاها أيضا و هذا واضح.

و لكن يشكل الحال في أنّ ظاهر أكثر هذه الروايات- و هو القدر المتيقّن في جملة منها- اعتبار العلم في المرجع، على معنى الرجوع إلى ما علم كونه سنّة، أي الأخذ بقول أو فعل أو تقرير معلوم بكونه كذلك.

و لكن يدفعه: أنّ هناك أخبارا متفرّقة اخر تكشف عن أنّ العبرة في إحراز السنّة بما يعمّ العلم و الوثوق الظنّي و هي أيضا أنواع:

منها: ما تقدّم سابقا في رواية سليم بن قيس الهلالي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)إذ سأله

[1]الكافي 1: 294، ح 3، الخصال: 65، ح 97، مسند احمد بن حنبل 3: 14.


صفحه 102

..........

بقوله: إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطلا، أ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل عليّ(عليه السلام)فقال: قد سألت فافهم الجواب، أنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا و عاما و خاصّا و محكما و متشابها و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه على عهده حتّى قام خطيبا فقال: «أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذابة، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» ثمّ كذب عليه من بعده، و إنّما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:

منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه، و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، إلى آخر ما قاله(عليه السلام)»[1].

و هذا كما ترى- مع دلالته على أنّ قبول الأحاديث المرويّة عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان من دأبهم و سيرتهم من غير نكير و لا منع من الإمام(عليه السلام)- يدلّ على أنّ العلم بالكذب أو كون الراوي كذّابا متّسما بالكذب مانع عن القبول لا أنّ العلم بالصدق شرط للقبول، لا بمعنى أنّهم كانوا يقبلون الأحاديث إذا لم يعلموا بكذب رواتها كائنا ما كان و لو مع الشكّ في الصدق و الكذب أو الظنّ بالكذب، بل بمعنى ما أشار إليه(عليه السلام)بقوله(عليه السلام): «لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و سمع منه» إلخ، فإنّ مصاحبة الرسول و سماع الحديث منه لا يصلح سببا للعلم بالصدق و إنّما هو أمارة ظنّ و وثوق بالصدق، فدلّ الرواية على أنّهم كانوا يقبلون الأحاديث اعتمادا على أمارات الظنّ و الوثوق و لم ينكر عليهم الإمام(عليه السلام).

و منها: الأخبار العلاجيّة الآمرة باعتبار الأعدليّة و الأورعيّة و الأصدقيّة و الأفقهيّة، فإنّ هذه الصفات امور يغلب معها الوثوق لا العلم، و مثله الأمر بأخذ الخبر المشهور المجمع عليه و طرح الشاذّ النادر، فإنّ ذلك أيضا ممّا له دخل في الوثوق، بل في المرفوعة من هذه الأخبار أنّه قال: «خذ بأعدلهما عندك و أوثقهما في نفسك» حيث قيّد الأعدل و الأوثق بما قيّد تنبيها على اعتبار وثوق الشخص دون ما يوجب وثوق النوع بأن يكون الوصفان

[1]الكافي 1: 62، ح 1.


صفحه 103

..........

حاصلين للراوي في نظر النوع دون الشخص فقط.

و في خبر أبي الجهم عن الرضا(عليه السلام)قلت: «يجيئان الرجلان و كلاهما ثقة بحديثين مختلفين فلا نعلم أيّهما الحقّ؟ قال: إذا لم تعلم فموسّع عليك بأيّهما أخذت» حيث إنّ السؤال و الجواب يدلّان على أنّه لو انتفت الوثاقة عن أحد الخبرين كان الحقّ متعيّنا في الخبر الآخر.

و قضيّة ذلك كون مدار عملهم في الأخبار وجودا و عدما على وثاقة الراوي الّتي لا تصلح بنفسها سببا للعلم.

و في خبر الحارث بن المغيرة عن الصادق(عليه السلام)قال: «إذا سمعت من أصحابك الحديث و كلّهم ثقة فموسّع عليك حتّى ترى القائم» حيث إنّ فرض كون كلّهم ثقة يدلّ على أنّ الممنوع من العمل في نظر الإمام(عليه السلام)ما لو انتفى عنه وثاقة الراوي دون ما لا علم بصدوره، ضرورة أنّ مجرّد الوثاقة لا توجب العلم.

و منها: ما ورد من الأخبار في إرجاع أصحابهم إلى أشخاص موصوفين بالوثاقة و غيرها ممّا يوجب الوثوق، كقوله لابن أبي يعفور- بعد ما سأله عمّن يرجع إليه إذا احتاج أو سئل عن مسألة-: «فما يمنعك عن الثقفي- يعني محمّد بن مسلم- فإنّه سمع من أبي أحاديث و كان عنده وجيها».

و قوله(عليه السلام)لمسلم بن أبي حيّة: «ائت أبان بن تغلب فإنّه قد سمع منّي حديثا كثيرا، فما روى لك عنّي فاروه عنّي»[1].

و قوله(عليه السلام)لعليّ بن المسيّب- بعد السؤال عمّن يأخذ عنه معالم دينه-: «عليك بزكريّا ابن آدم المأمون على الدين و الدنيا»[2].

و ما ورد في العمري و ابنه اللذين هما من النوّاب و السفراء، فعن الكافي في باب النهي عن التسمية عن الحميري عن أحمد بن إسحاق قال: سألت أبا الحسن و قلت له: من اعامل و عمّن آخذ و قول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقة فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، و ما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له و أطع فإنّه الثقة المأمون».

و أخبرنا أحمد بن إسحاق أنّه سأل أبا محمّد(عليه السلام)عن مثل ذلك، فقال له: «العمري و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، و ما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما و أطعهما

[1]رجال الكشّي: 331.

[2]رجال الكشّي: 595.


صفحه 104

..........

فإنّهما الثقتان المأمونان».

و قوله(عليه السلام): «نعم» لعبد العزيز المهدي لمّا قال له: ربّما أحتاج و لست ألقاك في كلّ وقت، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني قال: «نعم»[1]و قيل: ظاهر هذه الرواية أنّ قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند الراوي فسئل عن وثاقة يونس ليترتّب عليه أخذ المعالم منه.

و بالجملة هذه الأنواع من الروايات إذا انضمّت إلى الأنواع المتقدّمة كان مفاد المجموع مرجعيّة الأخبار المرويّة عن أهل بيت العصمة في موضع الاطمئنان و الوثوق بالصدق من أيّ سبب حصل و لو من غير جهة عدالة الراوي.

و قضيّة ذلك كلّه أن يكون العبرة في السنّة بما يعمّ السنّة المعلومة و السنّة الموثوق بها.

هذا كلّه من حيث السند، و أمّا من حيث المتن و الدلالة و دفع المعارضة فمسيس الحاجة إلى إعمال الظنون الاجتهاديّة لإحراز كلّ واحد من هذه الجهات ليتأتّى بها استفادة المطلب من الواضحات الّتي لا حاجة فيها إلى البيان و إقامة البرهان.

[في مشروعيّة الاجتهاد]

و قد يتمسّك لمشروعيّة الاجتهاد: بما ورد في الصحاح المستفيضة الّتي رواها زرارة و أبو بصير عن الباقر و الصادق(عليهما السلام)و البزنطي عن الرضا(عليه السلام)و هو أيضا في جامعه عن هشام ابن سالم عن الصادق(عليه السلام)من قولهم(عليهم السلام): «علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا».

قال بعض الأفاضل: «و من البيّن أنّ تفريع الفروع على الاصول و القواعد لا يكون غالبا إلّا على سبيل الظنّ، إذ دلالة العمومات على حكم كلّ من الجزئيّات المندرجة فيها إنّما تكون في الغالب على سبيل الظهور دون التنصيص، و أيضا كثير من التفريعات ممّا يختلف فيه الأنظار و يتفاوت الأفهام في إدراجها تحت القواعد المقرّرة، و كثيرا ما لا يتأتّى الحكم باندراج الفرع تحت أصل معيّن إلّا على سبيل يندرج فيها المداليل الالتزاميّة المفهومة بتوسّط الخطاب، كدلالة الأمر بالشيء على الأمر بمقدّمته و دلالة النهي على الفساد» انتهى[2].

لكن نوقش فيه: بالمنع من شمولها للتفريعات الظنّية فلا يفيد.

و عن بعض المحدّثين الإيراد عليه أيضا: بأنّه لا دلالة في الأخبار المذكورة على صحّة الاجتهاد الظنّي في أحكام اللّه تعالى، فإنّ مفادها الأخذ بالقواعد الكلّية المأخوذة من أهل العصمة كقولهم(عليهم السلام): «إذا اختلط الحلال بالحرام غلّب الحرام» و قولهم(عليهم السلام): «كلّ

[1]رجال الكشّي: 487.

[2]هداية المسترشدين 3: 677.


صفحه 105

..........

شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» و قوله(عليه السلام): «الشكّ بعد الانصراف لا يلتفت إليه» و قولهم(عليهم السلام): «لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ و إنّما ينقضه بقين آخر».

و ذلك: أنّ الأنظار العقليّة إذا كانت مادّة الفكر فيها و صورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل بها لأنّه معصوم عن الخطأ، و لا شكّ أنّ مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الاصول المأخوذة عن الأئمّة(عليهم السلام)خاصّة. و هو عين مذهب الأخباريّين و خلاف دعوى المجتهدين.

و وهنه واضح لمن له أدنى تأمّل، فإنّ الاصول يراد بها هنا الأحكام الكلّية المأخوذة في القضايا المنصوصة لوازم لعناوين كلّية مأخوذة في تلك القضايا موضوعات لتلك الأحكام، و هذه اللوازم قد تكون بأنفسها ملزومات لأحكام كلّية اخر هي بالقياس إلى هذه العناوين أيضا لوازم بالواسطة، و التفريع مقول بالاشتراك على إجراء هذه الأحكام في الجزئيّات المندرجة تحت ملزوماتها و على ترتيب لوازمها الّتي هي من آثارها على تلك الملزومات.

و من البيّن أنّ الجزئيّات قد تكون بين ظاهرة و خفيّة، كما أنّ اللوازم قد تختلف في كونها بيّنة اللزوم و غير بيّنة اللزوم، و الجزئي قد يكون ثابت الجزئيّة و يشكّ مع ذلك في شمول القضيّة المنصوصة له و عدمه، و قد يكون الشيء مشكوكا في جزئيّته لشبهة في الاندراج أو في الصدق، و اللازم قد يكون مع ثبوت لزومه للحكم مشكوك الثبوت لملزومه، و قد يتوقّف في لزومه له على وسط عقلي أو نقلي.

و لا ريب أنّ التفريع لو اريد به ما هو على الوجه الكلّي لا يتأتّى إلّا بعد إعمال ظنون اجتهاديّة كثيرة يحرز بها شمول القضيّة لما شكّ في شمولها له أو الفرديّة لما شكّ في فرديّته من جهة الاندراج أو الصدق، أو ثبوت لازم الحكم لما هو ملزوم له أو لزوم ما شكّ في لزومه للحكم ليترتّب على ملزومه، و لو اريد بالتفريع مجرّد إجراء الحكم في الأفراد الظاهرة و ترتيب اللوازم البيّنة لا غير فهو من مقتضى ظاهر القضيّة، إذ كلّ قضيّة منصوصة تنصرف بظاهر العرف إلى أفرادها الظاهرة و لوازمها البيّنة من غير حاجة له إلى إعمال نظر و لا اعتبار فكر، فيبقى التفريع المأمور به في الروايات بلا مورد، لظهورها في كون المراد بالتفريع المأمور به ما يتوقّف في حصوله على عمل من الراوي و يحتاج في تحقّقه إلى نظر و فكر منه.

و الحاصل نصوص الباب ظاهرة في ترخيص رواتها في الاجتهاد بإعمال الظنون الاجتهاديّة و حملهم على إعمال النظر و الفكر اللذين يقصر أصل القضيّة المتلقّاة عن الإمام عن إفادة مؤدّاهما.


صفحه 106

..........

ثمّ الأصل المنصوص به قد يعارضه أصل آخر منصوص به بنحو التباين فيتوقّف العمل بهما على اعتبار التخصيص في كليهما بشاهدين خارجيّين، أو بنحو العموم من وجه فيتوقّف الأخذ بهما على اعتبار التخصيص في أحدهما بشاهد و يعيّن مورده، أو بنحو العموم مطلقا فيتوقّف العمل على تحكيم الخاصّ على العامّ، و قد يحكّم العامّ على الخاصّ إذا طرأه ما يوجب وهنه من مخالفة الشهرة و ذهاب المعظم إلى خلافه و نحوه، و في العامّين من وجه قد يكون أحدهما أظهر من الآخر و هو يقتضي بنفسه الحكومة على الآخر، و قد يكون أقلّ أفرادا من صاحبه فيقتضي الحكومة أيضا، و قد يكون التخصيصات الواردة عليه من الخارج أقلّ منها في صاحبه و هو أيضا يقتضي الحكومة، و معلوم أنّ التفريع المأمور به في نصوص الباب لا يتأتّى إلّا بعد مراعاة جميع هذه الجهات و هذه بعينها هي معنى الاجتهاد الظنّي الّذي هو عبارة عن إعمال ظنون اجتهاديّة.

فمذهب الأخباريّين في العمل بتلك النصوص إن كان منوطا بمراعاة جميع هذه الجهات فارتفع النزاع بينهم و بين المجتهدين و رجع الخلاف بين الفريقين إلى كونه لفظيّا، و لعلّه من هنا قد يقال: إنّ الأخباريّين مجتهدون من حيث لا يعلمون، و إن لم يكن منوطا بمراعاتها فهم منكرون لتلك النصوص و ليسوا بعاملين بها و هو خلاف طريقتهم المعروفة من أنّهم لا يتعدّون عن مقتضيات الأخبار المرويّة عن أهل العصمة كما لا يخفى.

[نقل مقالة الأسترآبادي]

ثمّ إنّ الفاضل الأمين الأسترآبادي بعد ما أورد في نفي الاجتهاد و ردّ المجتهدين بما تقدّم منه من الوجوه الّتي سمعت دفعها عقد في كتابه الموسوم ب«الفوائد المدنيّة» بابا على حدة في بيان انحصار المرجع في السماع عن الصادقين(عليهما السلام)و خصّه بغير ضروريّات الدين من المسائل الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة و تمسّك له بوجوه سخيفة:

أوّلها: عدم ظهور دلالة قطعيّة و إذن في جواز التمسّك في نظريّات الدين بغير كلام العترة الطاهرة، و لا ريب في جواز التمسّك بكلامهم فتعيّن ذلك، و الأدلّة المذكورة في كتب العامّة و كتب متأخّري الخاصّة على جواز التمسّك بغير كلامهم مدخولة أجوبتها واضحة.

و ثانيها: الحديث المتواتر بين الفريقين «إنّي تارك فيكم الثقلين [ما] إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، كتاب اللّه و عترتي لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»[1]و معنى الحديث كما يستفاد من الأخبار المتواترة أنّه يجب التمسّك بكلامهم إذ حينئذ يتحقّق التمسّك

[1]مسند أحمد بن حنبل 3: 14، الكافي 1: 294، ح 3، الخصال: 65، ح 97.


صفحه 107

..........

بمجموع الأمرين، و السرّ فيه: أنّه لا سبيل إلى فهم مراد اللّه تعالى إلّا من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه و منسوخه، و الباقي منه على الإطلاق و المأوّل و غير ذلك دون غيرهم، خصّهم اللّه تعالى و النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بذلك.

و ثالثها: أنّ كلّ طريق غير التمسّك بكلامهم يفضي إلى اختلاف الفتاوى و الكذب على اللّه تعالى، و كلّ ما هو كذلك مردود غير مقبول عند اللّه لما تقدّم من الروايات المتواترة معنى.

و رابعها: أنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادة الظنّ بحكم اللّه تعالى، و قد أثبتنا سابقا أنّه لا اعتماد على الظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى و بنفيها.

و خامسها: أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بأنّ مراده تعالى من قوله:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[1]و من نظائرها من الآيات أنّه يجب سؤالهم(عليهم السلام)في كلّ ما لم نعلم.

و سادسها: أنّ العقل و النقل قاضيان بأنّ المصلحة في بعث الرسل و إنزال الكتب رفع الاختلاف و الخصومات بين العباد ليتمّ نظام معاشهم، فإذا كان من القواعد الشرعيّة جواز العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها لفاتت المصلحة، لحصول الاختلاف و الخصومات كما هو المشاهد.

و سابعها: التوقيع المنقول بطرق واضحة- كما سيجيء بيانه- المشتمل على قول إمام الزمان ناموس العصر و الأوان(سلام اللّه عليه): «أمّا الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم»[2]و نظائره من الروايات.

و ثامنها: قوله(عليه السلام): «هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة»[3].

و تاسعها: دقيقة شريفة تفطّنت بها بتوفيق اللّه تعالى و هي أنّ العلوم النظريّة قسمان: قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب فيه أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و لأنّهم عارفون بالقواعد المنطقيّة و هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.

[1]النمل: 43.

[2]الاحتجاج: 2: 470.

[3]الكافي 1: 40، ح 3.