..........
فإنّهما الثقتان المأمونان».
و قوله(عليه السلام): «نعم» لعبد العزيز المهدي لمّا قال له: ربّما أحتاج و لست ألقاك في كلّ وقت، أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني قال: «نعم»[1]و قيل: ظاهر هذه الرواية أنّ قبول قول الثقة كان أمرا مفروغا عنه عند الراوي فسئل عن وثاقة يونس ليترتّب عليه أخذ المعالم منه.
و بالجملة هذه الأنواع من الروايات إذا انضمّت إلى الأنواع المتقدّمة كان مفاد المجموع مرجعيّة الأخبار المرويّة عن أهل بيت العصمة في موضع الاطمئنان و الوثوق بالصدق من أيّ سبب حصل و لو من غير جهة عدالة الراوي.
و قضيّة ذلك كلّه أن يكون العبرة في السنّة بما يعمّ السنّة المعلومة و السنّة الموثوق بها.
هذا كلّه من حيث السند، و أمّا من حيث المتن و الدلالة و دفع المعارضة فمسيس الحاجة إلى إعمال الظنون الاجتهاديّة لإحراز كلّ واحد من هذه الجهات ليتأتّى بها استفادة المطلب من الواضحات الّتي لا حاجة فيها إلى البيان و إقامة البرهان.
[في مشروعيّة الاجتهاد]
و قد يتمسّك لمشروعيّة الاجتهاد: بما ورد في الصحاح المستفيضة الّتي رواها زرارة و أبو بصير عن الباقر و الصادق(عليهما السلام)و البزنطي عن الرضا(عليه السلام)و هو أيضا في جامعه عن هشام ابن سالم عن الصادق(عليه السلام)من قولهم(عليهم السلام): «علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا».
قال بعض الأفاضل: «و من البيّن أنّ تفريع الفروع على الاصول و القواعد لا يكون غالبا إلّا على سبيل الظنّ، إذ دلالة العمومات على حكم كلّ من الجزئيّات المندرجة فيها إنّما تكون في الغالب على سبيل الظهور دون التنصيص، و أيضا كثير من التفريعات ممّا يختلف فيه الأنظار و يتفاوت الأفهام في إدراجها تحت القواعد المقرّرة، و كثيرا ما لا يتأتّى الحكم باندراج الفرع تحت أصل معيّن إلّا على سبيل يندرج فيها المداليل الالتزاميّة المفهومة بتوسّط الخطاب، كدلالة الأمر بالشيء على الأمر بمقدّمته و دلالة النهي على الفساد» انتهى[2].
لكن نوقش فيه: بالمنع من شمولها للتفريعات الظنّية فلا يفيد.
و عن بعض المحدّثين الإيراد عليه أيضا: بأنّه لا دلالة في الأخبار المذكورة على صحّة الاجتهاد الظنّي في أحكام اللّه تعالى، فإنّ مفادها الأخذ بالقواعد الكلّية المأخوذة من أهل العصمة كقولهم(عليهم السلام): «إذا اختلط الحلال بالحرام غلّب الحرام» و قولهم(عليهم السلام): «كلّ
[1]رجال الكشّي: 487.
[2]هداية المسترشدين 3: 677.
..........
شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه» و قوله(عليه السلام): «الشكّ بعد الانصراف لا يلتفت إليه» و قولهم(عليهم السلام): «لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ و إنّما ينقضه بقين آخر».
و ذلك: أنّ الأنظار العقليّة إذا كانت مادّة الفكر فيها و صورته مأخوذين عن أهل العصمة فلا ريب في جواز العمل بها لأنّه معصوم عن الخطأ، و لا شكّ أنّ مفاد الأخبار المذكورة هو التفريع على الاصول المأخوذة عن الأئمّة(عليهم السلام)خاصّة. و هو عين مذهب الأخباريّين و خلاف دعوى المجتهدين.
و وهنه واضح لمن له أدنى تأمّل، فإنّ الاصول يراد بها هنا الأحكام الكلّية المأخوذة في القضايا المنصوصة لوازم لعناوين كلّية مأخوذة في تلك القضايا موضوعات لتلك الأحكام، و هذه اللوازم قد تكون بأنفسها ملزومات لأحكام كلّية اخر هي بالقياس إلى هذه العناوين أيضا لوازم بالواسطة، و التفريع مقول بالاشتراك على إجراء هذه الأحكام في الجزئيّات المندرجة تحت ملزوماتها و على ترتيب لوازمها الّتي هي من آثارها على تلك الملزومات.
و من البيّن أنّ الجزئيّات قد تكون بين ظاهرة و خفيّة، كما أنّ اللوازم قد تختلف في كونها بيّنة اللزوم و غير بيّنة اللزوم، و الجزئي قد يكون ثابت الجزئيّة و يشكّ مع ذلك في شمول القضيّة المنصوصة له و عدمه، و قد يكون الشيء مشكوكا في جزئيّته لشبهة في الاندراج أو في الصدق، و اللازم قد يكون مع ثبوت لزومه للحكم مشكوك الثبوت لملزومه، و قد يتوقّف في لزومه له على وسط عقلي أو نقلي.
و لا ريب أنّ التفريع لو اريد به ما هو على الوجه الكلّي لا يتأتّى إلّا بعد إعمال ظنون اجتهاديّة كثيرة يحرز بها شمول القضيّة لما شكّ في شمولها له أو الفرديّة لما شكّ في فرديّته من جهة الاندراج أو الصدق، أو ثبوت لازم الحكم لما هو ملزوم له أو لزوم ما شكّ في لزومه للحكم ليترتّب على ملزومه، و لو اريد بالتفريع مجرّد إجراء الحكم في الأفراد الظاهرة و ترتيب اللوازم البيّنة لا غير فهو من مقتضى ظاهر القضيّة، إذ كلّ قضيّة منصوصة تنصرف بظاهر العرف إلى أفرادها الظاهرة و لوازمها البيّنة من غير حاجة له إلى إعمال نظر و لا اعتبار فكر، فيبقى التفريع المأمور به في الروايات بلا مورد، لظهورها في كون المراد بالتفريع المأمور به ما يتوقّف في حصوله على عمل من الراوي و يحتاج في تحقّقه إلى نظر و فكر منه.
و الحاصل نصوص الباب ظاهرة في ترخيص رواتها في الاجتهاد بإعمال الظنون الاجتهاديّة و حملهم على إعمال النظر و الفكر اللذين يقصر أصل القضيّة المتلقّاة عن الإمام عن إفادة مؤدّاهما.
..........
ثمّ الأصل المنصوص به قد يعارضه أصل آخر منصوص به بنحو التباين فيتوقّف العمل بهما على اعتبار التخصيص في كليهما بشاهدين خارجيّين، أو بنحو العموم من وجه فيتوقّف الأخذ بهما على اعتبار التخصيص في أحدهما بشاهد و يعيّن مورده، أو بنحو العموم مطلقا فيتوقّف العمل على تحكيم الخاصّ على العامّ، و قد يحكّم العامّ على الخاصّ إذا طرأه ما يوجب وهنه من مخالفة الشهرة و ذهاب المعظم إلى خلافه و نحوه، و في العامّين من وجه قد يكون أحدهما أظهر من الآخر و هو يقتضي بنفسه الحكومة على الآخر، و قد يكون أقلّ أفرادا من صاحبه فيقتضي الحكومة أيضا، و قد يكون التخصيصات الواردة عليه من الخارج أقلّ منها في صاحبه و هو أيضا يقتضي الحكومة، و معلوم أنّ التفريع المأمور به في نصوص الباب لا يتأتّى إلّا بعد مراعاة جميع هذه الجهات و هذه بعينها هي معنى الاجتهاد الظنّي الّذي هو عبارة عن إعمال ظنون اجتهاديّة.
فمذهب الأخباريّين في العمل بتلك النصوص إن كان منوطا بمراعاة جميع هذه الجهات فارتفع النزاع بينهم و بين المجتهدين و رجع الخلاف بين الفريقين إلى كونه لفظيّا، و لعلّه من هنا قد يقال: إنّ الأخباريّين مجتهدون من حيث لا يعلمون، و إن لم يكن منوطا بمراعاتها فهم منكرون لتلك النصوص و ليسوا بعاملين بها و هو خلاف طريقتهم المعروفة من أنّهم لا يتعدّون عن مقتضيات الأخبار المرويّة عن أهل العصمة كما لا يخفى.
[نقل مقالة الأسترآبادي]
ثمّ إنّ الفاضل الأمين الأسترآبادي بعد ما أورد في نفي الاجتهاد و ردّ المجتهدين بما تقدّم منه من الوجوه الّتي سمعت دفعها عقد في كتابه الموسوم ب«الفوائد المدنيّة» بابا على حدة في بيان انحصار المرجع في السماع عن الصادقين(عليهما السلام)و خصّه بغير ضروريّات الدين من المسائل الشرعيّة أصليّة كانت أو فرعيّة و تمسّك له بوجوه سخيفة:
أوّلها: عدم ظهور دلالة قطعيّة و إذن في جواز التمسّك في نظريّات الدين بغير كلام العترة الطاهرة، و لا ريب في جواز التمسّك بكلامهم فتعيّن ذلك، و الأدلّة المذكورة في كتب العامّة و كتب متأخّري الخاصّة على جواز التمسّك بغير كلامهم مدخولة أجوبتها واضحة.
و ثانيها: الحديث المتواتر بين الفريقين «إنّي تارك فيكم الثقلين [ما] إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي، كتاب اللّه و عترتي لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض»[1]و معنى الحديث كما يستفاد من الأخبار المتواترة أنّه يجب التمسّك بكلامهم إذ حينئذ يتحقّق التمسّك
[1]مسند أحمد بن حنبل 3: 14، الكافي 1: 294، ح 3، الخصال: 65، ح 97.
..........
بمجموع الأمرين، و السرّ فيه: أنّه لا سبيل إلى فهم مراد اللّه تعالى إلّا من جهتهم لأنّهم عارفون بناسخه و منسوخه، و الباقي منه على الإطلاق و المأوّل و غير ذلك دون غيرهم، خصّهم اللّه تعالى و النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)بذلك.
و ثالثها: أنّ كلّ طريق غير التمسّك بكلامهم يفضي إلى اختلاف الفتاوى و الكذب على اللّه تعالى، و كلّ ما هو كذلك مردود غير مقبول عند اللّه لما تقدّم من الروايات المتواترة معنى.
و رابعها: أنّ كلّ مسلك غير ذلك المسلك إنّما يعتبر من حيث إفادة الظنّ بحكم اللّه تعالى، و قد أثبتنا سابقا أنّه لا اعتماد على الظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى و بنفيها.
و خامسها: أنّه تواترت الأخبار عن الأئمّة الأطهار بأنّ مراده تعالى من قوله:فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ*[1]و من نظائرها من الآيات أنّه يجب سؤالهم(عليهم السلام)في كلّ ما لم نعلم.
و سادسها: أنّ العقل و النقل قاضيان بأنّ المصلحة في بعث الرسل و إنزال الكتب رفع الاختلاف و الخصومات بين العباد ليتمّ نظام معاشهم، فإذا كان من القواعد الشرعيّة جواز العمل بالظنّ المتعلّق بنفس أحكامه تعالى أو بنفيها لفاتت المصلحة، لحصول الاختلاف و الخصومات كما هو المشاهد.
و سابعها: التوقيع المنقول بطرق واضحة- كما سيجيء بيانه- المشتمل على قول إمام الزمان ناموس العصر و الأوان(سلام اللّه عليه): «أمّا الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم و أنا حجّة اللّه عليهم»[2]و نظائره من الروايات.
و ثامنها: قوله(عليه السلام): «هذا العلم عليه قفل و مفتاحه المسألة»[3].
و تاسعها: دقيقة شريفة تفطّنت بها بتوفيق اللّه تعالى و هي أنّ العلوم النظريّة قسمان: قسم ينتهي إلى مادّة قريبة من الإحساس، و من هذا القسم علم الهندسة و الحساب و أكثر أبواب المنطق، و هذا القسم لا يقع فيه الاختلاف بين العلماء و الخطأ في نتائج الأفكار، و السبب فيه أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة، و الخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، و لأنّهم عارفون بالقواعد المنطقيّة و هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة، و الخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.
[1]النمل: 43.
[2]الاحتجاج: 2: 470.
[3]الكافي 1: 40، ح 3.
..........
و قسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس، و من هذا القسم الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة و علم الكلام و علم اصول الفقه و المسائل النظريّة الفقهيّة و بعض القواعد المذكورة في كتب المنطق، كقولهم: «الماهيّة لا تتركّب من أمرين متساويين» و قولهم: «نقيضا المتساويين متساويان» و من ثمّ وقع الاختلاف و المشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة و الطبيعيّة و بين علماء الإسلام في اصول الفقه و المسائل الفقهيّة و علم الكلام و غير ذلك من غير فيصل.
و السبب في ذلك ما ذكرناه من أنّ القواعد المنطقية إنّما هي عاصمة عن الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادّة، إذ أقصى ما يستفاد من المنطق في باب موادّ الأقيسة تقسيم الموادّ على وجه كلّي إلى أقسام، و ليس في المنطق قاعدة بها يعلم أنّ كلّ مادّة مخصوصة داخلة في أيّ قسم من تلك الأقسام، بل من المعلوم عند اولي الألباب امتناع وضع قاعدة تكفّل بذلك.
و ممّا يوضح ما ذكرناه من جهة النقل الأحاديث المتواترة معنى الناطقة: «بأنّ اللّه تعالى أخذ ضغثا من الحقّ و ضغثا من الباطل فمغثهما ثمّ أخرجهما إلى الناس، ثمّ بعث أنبياءه يفرّقون بينهما ففرّقتهما الأنبياء و الأوصياء، فبعث اللّه الأنبياء ليفرّقوا[1]ذلك، و جعل الأنبياء قبل الأوصياء ليعلم الناس من يفضّل اللّه و من يختصّ، و لو كان الحقّ على حدة و الباطل على حدة كلّ واحد منهما قائم بشأنه ما احتاج الناس إلى نبيّ و لا وصيّ، و لكن خلطهما و جعل تفريقهما إلى الأنبياء و الأئمّة من عباده»[2].
و ممّا يوضحه من جهة العقل ما في الشرح العضدي للمختصر الحاجبي حيث قال في مقام ذكر الضروريّات القطعيّة:
منها: المشاهدات الباطنيّة و هي ما لا يحتاج إلى عقل كالجوع و الألم.
و منها: الأوّليات و هي ما يحصل بمجرّد العقل كعلمك بوجودك، و إنّ النقيضين يصدق أحدهما.
و منها: المحسوسات و هي ما يحصل بالحسّ.
و منها: التجربيّات و هي ما يحصل بالعادة كإسهال المسهل و الإسكار.
و منها: المتواترات و هي ما يحصل بالأخبار تواترا كبغداد و مكّة.
و حيث قال في مقام ذكر الضروريّات الظنّية: أنّها أنواع: الحدسيّات كما نشاهد نور
[1]في المصدر: ليعرفوا ذلك.
[2]رجال الكشّي: 275، ح 494.
..........
القمر يزداد و ينقص بقربه و بعده من الشمس فنظنّ أنّه مستفاد منها، و المشهورات كحسن الصدق و العدل و قبح الكذب و الظلم، و كالتجربيّات الناقصة و كالمحسوسات الناقصة، و الوهميّات ما يتخيّل بمجرّد الفطرة بدون نظر العقل أنّه من الأوّليات مثل كلّ موجود متحيّز، و المسلّمات ما يتسلّمه الناظر من غيره[1].
و حيث قال في مقام ذكر أصناف الخطأ في مادّة البرهان: الثالث جعل الاعتقاديّات و الحدسيّات و التجربيّات الناقصة و الظنّيات و الوهميّات ممّا ليس بقطعيّ كالقطعي و إجراؤها مجراه و ذلك كثير[2].
و حيث قال في مبحث الإجماع: و الجواب أنّ إجماع الفلاسفة على قدم العالم عن نظر عقلي و تعارض الشبه و اشتباه الصحيح بالفاسد فيه كثير، و أمّا في الشرعيّات فالفرق بين القاطع و الظنّي بيّن لا يشتبه على أهل المعرفة و التمييز انتهى كلامه 3.
فإن قلت: لا فرق في ذلك بين العقليّات و الشرعيّات، و الشاهد على ذلك ما نشاهده من كثرة الاختلافات الواقعة بين أهل الشرع في الأصوليين و في الفروع الفقهيّة.
قلت: إنّما نشأ ذلك من ضمّ مقدّمة عقليّة باطلة إلى المقدّمة النقليّة الظنّية أو القطعيّة.
و من الموضحات لما ذكرناه من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم عن الخطأ في مادّة الفكر: أنّ المشّائين ادّعوا البداهة في أنّ تفريق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه و إحداث لشخصين آخرين. و على هذه المقدّمة بنوا إثبات الهيولي، و الإشراقيّين ادّعوا البداهة في أنّه ليس إعداما للشخص الأوّل و في أنّ الشخص الأوّل باق و إنّما انعدمت صفة من صفاته و هو الاتّصال.
و من الموضحات لما ذكرناه أنّه لو كان المنطق عاصما عن الخطأ من جهة المادّة لم يقع بين فحول العلماء العارفين بالمنطق اختلاف، فلم يقع غلط في الحكمة الإلهيّة و في الحكمة الطبيعيّة و في علم الكلام و علم اصول الفقه و الفقه كما لم يقع في علم الحساب و في علم الهندسة.
إذا عرفت ما مهّدناه من الدقيقة الشريفة، فنقول: إن تمسّكنا بكلامهم فقد عصمنا عن الخطأ، و إن تمسّكنا بغيره لم نعصم عنه، و من المعلوم أنّ العصمة عن الخطأ أمر مطلوب مرغوب فيه شرعا و عقلا.
[1]شرح القاضي: 19.
[2]2 و 3 شرح القاضي: 34 و 126.
..........
ألا ترى أنّ الإماميّة استدلّت على وجوب عصمة الإمام بأنّه لو لا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتّباع الخطأ و ذلك محال لأنّه قبيح عقلا.
و أنت إذا تأمّلت في هذا الدليل علمت أنّ مقتضاه: أنّه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظنّي في أحكامه تعالى أصلا سواء كان ظنّي الدلالة أو ظنّي المتن أو ظنّيهما.
و العجب كلّ العجب أنّ جمعا من الأفاضل القائلين بصحّة هذا الدليل رأيتهم قائلين بجواز العمل بالدليل الظنّي و نبّهتهم على تنافي لازميهما فلم يقبلوا- إلى أن قال-:
فائدة شريفة نافعة فيها توضيح لما اخترناه من أنّه لا عاصم عن الخطأ في النظريّات الّتي مبادئها بعيدة عن الإحساس إلّا التمسّك بأصحاب العصمة(صلوات اللّه عليهم)، و هي أن يقال: الاختلافات الواقعة بين الفلاسفة في علومهم و الواقعة بين علماء الإسلام في العلوم الشرعيّة السبب فيها إمّا أنّ أحد الخصمين ادّعى بداهة مقدّمة هي مادّة الموادّ في بابها و بنى عليها فكره و الخصم الآخر ادّعى بداهة نقيضها أو استدلّ على صحّة نقيضها و بنى عليها فكره أو منع صحّتها، و إمّا أنّ أحد الخصمين فهم من كلام خصمه غير مراده و لم يخطر بباله مراده فاعترض عليه و لو خطر بباله مراده لرجع عن ذلك.
و بالجملة سبب الاختلاف إمّا إجراء الظنّ مجرى القطع، أو الذهول و الغفلة عن بعض الاحتمالات أو التردّد و الحيرة في بعض المقدّمات، و لا عاصم عن الكلّ إلّا التمسّك بأصحاب العصمة(صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و المنطق بمعزل عن أن ينتفع به في هذه المواضع، و إنّما الانتفاع به في صورة الأفكار فقط»[1]انتهى.
[دفع مقالة الأسترآبادي]
أقول: قد عرفت الجواب عن أكثر هذه الوجوه بصريح ما تقدّم و تعرف الجواب عن الباقي أيضا بالتأمّل فيما سبق.
و مع الغضّ عن ذلك فنقول هنا:
أوّلا: أنّ تخصيص الصادقين بالذكر مع أنّ الأئمّة(عليهم السلام)كلّهم في حكم واحد غير واضح الوجه، إلّا أن يكون المراد بالصادق هنا معناه الوصفي مرادا به النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الوصيّ(عليه السلام).
و ثانيا: أنّ خصوصيّة السماع منهما ممّا لا مدخل لها أصلا و لم يقل باعتبارها أحد منّا، و لا سبيل إليها في شيء من أعصارنا بل الأعصار القديمة حتّى أعصار الأئمّة بل عصر النبيّ أيضا بالنسبة إلى غالب المكلّفين النائين الغير المتمكّنين من الوصول إليهم و السماع
[1]الفوائد المدنيّة: 254- 260.
..........
عنهم، بل المعهود المعلوم من طريقتهم عدم اعتبار السماع حتّى في حقّ المتمكّنين منه كما لا يخفى، إلّا أن يراد بالسماع الكلام المسموع من باب إيراد المصدر و إرادة المفعول، بدعوى:
أنّ المرجع لا بدّ و أن يكون كلامهم(عليهم السلام).
فيرد عليه أيضا: أنّ خصوصيّة الكلام أيضا ممّا لا مدخل له، بل المرجع لا بدّ و أن يكون ما يرجع إليهم(عليهم السلام)من قول أو فعل أو تقرير.
إلّا أن يكون ذكر الكلام من باب المثال أو يراد به ما يعمّ الامور الثلاث.
فيرد عليه حينئذ: أنّه إن اريد بكلامهم ما علم كونه كلاما لهم كما هو مقتضى الوجوه المذكورة فهذا طريق لا سبيل إليه في هذه الأعصار و غيرها إلى ما يقرب من عصر الأئمّة(عليهم السلام)بالنسبة إلى معظم الأحكام كما عرفته مرارا.
و دعوى علميّة أخبارنا الموجودة أو خصوص المودعة في الكتب الأربعة قد عرفت أنّها دعوى كاذبة غير مسموعة، و الوجوه المتقدّمة في الدلالة على هذه الدعوى قد ظهر لك فسادها و عدم استلزامها المدّعى.
و إن اريد به ما يعمّ الكلام المعلوم و الموثوق به فهذا ممّا لا ينكره المجتهدون من أصحابنا و ليس في طريقتهم ما ينافي ذلك، لما بيّنّاه سابقا من أنّ مرجع تمسّكهم بجميع الأسباب الظنّية إلى التمسّك بكلام العترة الطاهرة بهذا المعنى، فهم أيضا في جميع المسائل الشرعيّة لا يستندون إلّا إلى كلام العترة غير أنّه عندهم أعمّ ممّا علم أو ظنّ به تفصيلا أو إجمالا.
فحقيقة مرادهم بالظنّ المطلق في نفس أحكامه تعالى لا بدّ و أن ترجع إلى الظنّ المطلق الناشئ من الظنّ المطلق المتعلّق بكلامهم(عليهم السلام)، كيف و لو لا ذلك لامتنع الظنّ بنفس الحكم أيضا.
و توضيحه: أنّ الظنّ بالشيء كالقطع به لا بدّ و أن يستند إلى سبب بينه و بين ذلك الشيء ملازمة عرفيّة أو عقليّة أو شرعيّة، و ظنّية النتيجة إمّا من جهة ظنّية هذه الملازمة الّتي مرجعها إلى ظنّية الكبرى، أو من جهة ظنّية الملزوم في تحقّقه الخارجي الّتي مرجعها إلى ظنّية الصغرى، أو من الجهتين معا اللّتين مرجعهما إلى ظنّية الصغرى و الكبرى معا.
ثمّ الملازمة بين شيئين المأخوذة في الكبرى إمّا من جهة كون الملزوم بالقياس إلى لازمه و هو الأكبر واسطة في ثبوته كما لو كان علّة له كما في الأدلّة اللمّية، أو من جهة كونه