..........
ألا ترى أنّ الإماميّة استدلّت على وجوب عصمة الإمام بأنّه لو لا العصمة للزم أمره تعالى عباده باتّباع الخطأ و ذلك محال لأنّه قبيح عقلا.
و أنت إذا تأمّلت في هذا الدليل علمت أنّ مقتضاه: أنّه لا يجوز الاعتماد على الدليل الظنّي في أحكامه تعالى أصلا سواء كان ظنّي الدلالة أو ظنّي المتن أو ظنّيهما.
و العجب كلّ العجب أنّ جمعا من الأفاضل القائلين بصحّة هذا الدليل رأيتهم قائلين بجواز العمل بالدليل الظنّي و نبّهتهم على تنافي لازميهما فلم يقبلوا- إلى أن قال-:
فائدة شريفة نافعة فيها توضيح لما اخترناه من أنّه لا عاصم عن الخطأ في النظريّات الّتي مبادئها بعيدة عن الإحساس إلّا التمسّك بأصحاب العصمة(صلوات اللّه عليهم)، و هي أن يقال: الاختلافات الواقعة بين الفلاسفة في علومهم و الواقعة بين علماء الإسلام في العلوم الشرعيّة السبب فيها إمّا أنّ أحد الخصمين ادّعى بداهة مقدّمة هي مادّة الموادّ في بابها و بنى عليها فكره و الخصم الآخر ادّعى بداهة نقيضها أو استدلّ على صحّة نقيضها و بنى عليها فكره أو منع صحّتها، و إمّا أنّ أحد الخصمين فهم من كلام خصمه غير مراده و لم يخطر بباله مراده فاعترض عليه و لو خطر بباله مراده لرجع عن ذلك.
و بالجملة سبب الاختلاف إمّا إجراء الظنّ مجرى القطع، أو الذهول و الغفلة عن بعض الاحتمالات أو التردّد و الحيرة في بعض المقدّمات، و لا عاصم عن الكلّ إلّا التمسّك بأصحاب العصمة(صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و المنطق بمعزل عن أن ينتفع به في هذه المواضع، و إنّما الانتفاع به في صورة الأفكار فقط»[1]انتهى.
[دفع مقالة الأسترآبادي]
أقول: قد عرفت الجواب عن أكثر هذه الوجوه بصريح ما تقدّم و تعرف الجواب عن الباقي أيضا بالتأمّل فيما سبق.
و مع الغضّ عن ذلك فنقول هنا:
أوّلا: أنّ تخصيص الصادقين بالذكر مع أنّ الأئمّة(عليهم السلام)كلّهم في حكم واحد غير واضح الوجه، إلّا أن يكون المراد بالصادق هنا معناه الوصفي مرادا به النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الوصيّ(عليه السلام).
و ثانيا: أنّ خصوصيّة السماع منهما ممّا لا مدخل لها أصلا و لم يقل باعتبارها أحد منّا، و لا سبيل إليها في شيء من أعصارنا بل الأعصار القديمة حتّى أعصار الأئمّة بل عصر النبيّ أيضا بالنسبة إلى غالب المكلّفين النائين الغير المتمكّنين من الوصول إليهم و السماع
[1]الفوائد المدنيّة: 254- 260.
..........
عنهم، بل المعهود المعلوم من طريقتهم عدم اعتبار السماع حتّى في حقّ المتمكّنين منه كما لا يخفى، إلّا أن يراد بالسماع الكلام المسموع من باب إيراد المصدر و إرادة المفعول، بدعوى:
أنّ المرجع لا بدّ و أن يكون كلامهم(عليهم السلام).
فيرد عليه أيضا: أنّ خصوصيّة الكلام أيضا ممّا لا مدخل له، بل المرجع لا بدّ و أن يكون ما يرجع إليهم(عليهم السلام)من قول أو فعل أو تقرير.
إلّا أن يكون ذكر الكلام من باب المثال أو يراد به ما يعمّ الامور الثلاث.
فيرد عليه حينئذ: أنّه إن اريد بكلامهم ما علم كونه كلاما لهم كما هو مقتضى الوجوه المذكورة فهذا طريق لا سبيل إليه في هذه الأعصار و غيرها إلى ما يقرب من عصر الأئمّة(عليهم السلام)بالنسبة إلى معظم الأحكام كما عرفته مرارا.
و دعوى علميّة أخبارنا الموجودة أو خصوص المودعة في الكتب الأربعة قد عرفت أنّها دعوى كاذبة غير مسموعة، و الوجوه المتقدّمة في الدلالة على هذه الدعوى قد ظهر لك فسادها و عدم استلزامها المدّعى.
و إن اريد به ما يعمّ الكلام المعلوم و الموثوق به فهذا ممّا لا ينكره المجتهدون من أصحابنا و ليس في طريقتهم ما ينافي ذلك، لما بيّنّاه سابقا من أنّ مرجع تمسّكهم بجميع الأسباب الظنّية إلى التمسّك بكلام العترة الطاهرة بهذا المعنى، فهم أيضا في جميع المسائل الشرعيّة لا يستندون إلّا إلى كلام العترة غير أنّه عندهم أعمّ ممّا علم أو ظنّ به تفصيلا أو إجمالا.
فحقيقة مرادهم بالظنّ المطلق في نفس أحكامه تعالى لا بدّ و أن ترجع إلى الظنّ المطلق الناشئ من الظنّ المطلق المتعلّق بكلامهم(عليهم السلام)، كيف و لو لا ذلك لامتنع الظنّ بنفس الحكم أيضا.
و توضيحه: أنّ الظنّ بالشيء كالقطع به لا بدّ و أن يستند إلى سبب بينه و بين ذلك الشيء ملازمة عرفيّة أو عقليّة أو شرعيّة، و ظنّية النتيجة إمّا من جهة ظنّية هذه الملازمة الّتي مرجعها إلى ظنّية الكبرى، أو من جهة ظنّية الملزوم في تحقّقه الخارجي الّتي مرجعها إلى ظنّية الصغرى، أو من الجهتين معا اللّتين مرجعهما إلى ظنّية الصغرى و الكبرى معا.
ثمّ الملازمة بين شيئين المأخوذة في الكبرى إمّا من جهة كون الملزوم بالقياس إلى لازمه و هو الأكبر واسطة في ثبوته كما لو كان علّة له كما في الأدلّة اللمّية، أو من جهة كونه
..........
واسطة في إثباته فقط كما لو كان معلولا له، أو أثرا آخر من آثاره و لو من غير جهة و لمعلوليّة و لو لمجرّد العلاميّة كما في الأدلّة الإنّية.
و من المعلوم أنّ الملازمة بكلا قسميها بحسب الواقع ثابتة فيما بين الأحكام الشرعيّة و عللها الواقعيّة و كواشفها المنحصرة غالبا في كلام العترة الطاهرة و لا إشكال في ثبوتها، فأصل ثبوتها يقينيّ، فظنّية الأحكام لا تعقل أن يكون من جهة ظنّية أصل الملازمة في الغالب، و إنّما هي من جهة ظنّية الملزوم في تحقّقه الخارجي إمّا للظنّ بالعلّة كما في موارد القياس، أو للظنّ بكلام العترة الطاهرة كما في موارد الأسباب المعمولة عند أصحابنا كالإجماع بقسميه و الشهرة و الاستقراء و المنقول بأخبار الآحاد و غيرها، ضرورة أنّ هذه الامور إذا لوحظت في حدّ أنفسها مع قطع النظر عن جهة كشفها عن الحجّة- المنحصرة بعد كلامه تعالى في قول العترة الطاهرة- كشفا تفصيليّا أو إجماليّا امتنع إفادتها الظنّ بأحكامه تعالى لعدم علقة بينها من هذه الجهة و بين الأحكام أصلا و لا ربط بينهما رأسا، و حيث إنّ العلم بالملزوم بأحد الوجهين متعذّر غالبا لانسداد باب العلم في معظم الأحكام الشرعيّة فانحصر الطريق المسلوك في الظنّ به كائنا ما كان، غير أنّا قد منعنا عن اتّباع الظنّ المتعلّق بالحكم من جهة الظنّ بعلّته، فانحصر طريقنا في أحد قسمي ظنّية الملزوم و هو الظنّ بالحكم من جهة الظنّ بما يرجع إلى العترة الطاهرة و هو الكلام بالمعنى الأعمّ من القول و الفعل و التقرير.
فالاعتراف بكون المدرك المعتبر أعمّ من كلامهم المعلوم و كلامهم الموثوق به اعتراف بصحّة طريقة أصحابنا المجتهدين فارتفع النزاع بالمرّة.
نعم انحصرت المخالفة فيما بين طريقة الأخباريّين و طريقة المجتهدين من المخالفين لالتزامهم بغير طريقة المجتهدين من أصحابنا.
و قد عرفت أنّهم أيضا يخالفون مخالفيهم في سلوك غير طريقتهم، فأدلّة الأخباريّة المقامة في منع الاجتهاد لو صحّت مقامة في إبطال طريقة المخالفين، و هذا أمر مسلّم لدى عامّة الأصحاب بل يعدّ عندهم من ضروريّات مذهبهم، و معه لا حاجة إلى تجشّم الاستدلال ثمّ تجشّم تكثير الدليل كما لا يخفى.
هذا كلّه في الجواب عن الوجوه المذكورة على الجملة.
و أمّا الجواب عنها على التفصيل فعن أوّلها: بأنّه لا يظنّ في أصحابنا بأحد يجوّز
..........
التمسّك في نفس أحكامه تعالى بما لا يرجع إلى كلام العترة الطاهرة أصلا.
و لقد تقدّمت الأدلّة القطعيّة على أنّ كلامهم الّذي يجب التمسّك به أعمّ من المقطوع به و من المظنون الموثوق به و إن استلزم ذلك كون الحكم في الغالب مظنونا، إلّا أنّ العمل بهذا الظنّ عمل في الحقيقة بالقطع المتعلّق به و العمل به على هذا الوجه ممّا لا مناص عنه، كيف و اعتبار كونه بنفسه معلوما من جهة كلامهم ممّا لا يتأتّى إلّا بعد إحراز مقدّمات عديدة علميّة:
إحداها: العلم بأصل كلامهم.
و ثانيتها: العلم بكون صدوره على جهة بيان الواقع لا على جهة التقيّة.
و ثالثتها: العلم بمتون الكلام المعلوم صدوره منهم.
و رابعتها: العلم بمراداتهم من تلك المتون المعلومة كونها منهم بكون دلالاتها على جهة النصوصيّة و لو بمعونة القرائن القطعيّة.
و خامستها: العلم بعدم معارض له من كلامهم و ما هو بحكم كلامهم أو دفع معارضة المعارض بطريق علمي.
و من المعلوم بحكم الضرورة تعذّر العلم في الغالب من جميع هذه الجهات لانسداد باب العلم إلى إحراز هذه المقدّمات بأسرها، و معه كيف يعتبر كون الحكم الشرعي في جميع المسائل الشرعيّة بنفسه معلوما؟ فبعد سقوط العلم عن درجة الاعتبار تعيّن الأخذ بالظنّ المتعلّق بنفس الحكم غالبا لكون الأخذ به في الحقيقة أخذا بالعلم المتعلّق به.
و عن ثانيها: بما يظهر بالتأمّل فيما ذكر، فإنّ أصحابنا المجتهدين عاملون بمضمون هذا الحديث الشريف غير خارجين عنه، بل حقّ العمل به- على ما هو ظاهره من استقلال كلّ من الثقلين في كونه مرجعا يتمسّك به- ما بنوا عليه من التمسّك بالكتاب أيضا مستقلّا، و لا مخرج عنه ليوجب سقوط القرآن عن الاستقلال في إفادة بعض الأحكام و تقيّده بمورد وجود التفسير من كلام العترة، و ما ورد في الأخبار المتواترة من أنّ علم القرآن مخصوص بهم منحصر فيهم لا ينافي ذلك، لكون المعلوم من ملاحظة مجموع هذه الأخبار أنّ العلم بمجموع القرآن أو العلم بظواهره و بواطنه مخصوص بهم، و هذا لا ينافي كون غيرهم متمكّنا من العلم ببعضه.
و الّذي لا يتمكّن منه غيرهم إنّما هو العلم بمتشابهاته و بواطنه الخارجة عن قانون
..........
الظواهر، و مورد استفادة الأحكام منه إنّما هو محكماته. و دعوى عروض الإجمال لها بأسرها غير مسموعة، كما أنّ دعوى قيام المنع من الأخذ بظواهره من أهل العصمة بالخصوص غير مسموعة، و مجرّد وجود الناسخ و المنسوخ و غيرهما فيه لا يقضي بالمنع بعد ما كان كلّ من ذلك مضبوطا في محلّه معلوما لدى أهله، و إلّا فهذه الامور كما أنّها موجودة في القرآن كذلك في السنّة النبويّة على ما ورد به النصوص، بل في السنّة الإماميّة أيضا على بعض الوجوه خصوصا العامّ و الخاصّ و المحكم و المتشابه و الظاهر و المأوّل على ما نطق به النصوص.
و عن ثالثها: بما يظهر أيضا بالتأمّل فيما ذكر، إذ لا طريق لنا غير التمسّك بكلامهم بالمعنى الأعمّ من المقطوع به و الموثوق به، مع أنّ أكثر الاختلافات الحاصلة فيما بين الأصحاب في المسائل الشرعيّة إنّما نشأت عن الاختلاف الموجود في الأخبار كما هو المصرّح به في كلام العلماء الأخيار المنصوص به في آثار الأئمّة الأطهار، فمن الأوّل ما تقدّم نقله عن شيخ الطائفة و رئيس الفرقة في أوّل تهذيبه، حتّى أنّ هذا الاختلاف في الشدّة و الظهور صار بحيث أوجب عدّه عند المخالفين من مطاعن الشيعة، بل أوجب تزلزل جماعة من الشيعة في حقيقة مذهبهم، بل عدول بعض قاصريهم عن التشيّع بعد ما كان من الشيعة.
و إن شئت لاحظ عبارة التهذيب حيث يقول: «ذاكرني بعض الأصدقاء ممّن أوجب حقّه بأحاديث أصحابنا و ما وقع فيها من الاختلاف و التباين و المنافاة و التضادّ حتّى لا يكاد يتّفق خبر إلّا و بإزائه ما يضادّه، و لا يسلم حديث إلّا و في مقابلته ما ينافيه، حتّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا و تطرّقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، و ذكروا أنّه لم يزل شيوخكم السلف و الخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الّذي يدينون اللّه تعالى به و يشنّعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع و يذكرون أنّ هذا ممّا لا يجوز أن يتعبّد به الحكيم، و لا أن يبيح العمل به العليم، و قد وجدناكم أشدّ اختلافا من مخالفيكم و أكثر تباينا من مباينيكم، و وجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الأصل، حتّى دخل على جماعة ممّن ليس لهم قوّة في العلم و لا بصيرة بوجوه النظر و معاني الألفاظ شبهة، و كثير منهم رجع عن اعتقاد الحقّ لمّا اشتبه عليه الوجه و عجز عن حلّ الشبهة فيه، سمعت شيخنا أبا عبد اللّه يذكر أنّ أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحقّ و يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث و ترك المذهب و دان بغيره لمّا لم يتبيّن له وجوه المعاني فيها» إلى آخر ما قال.
..........
و من الثاني الأخبار الدالّة على وقوع الخلاف في الأحاديث من المعاندين أو من المعصومين، فمن جملة ذلك ما تقدّم في أخبار الدسّ و وضع الأحاديث الكاذبة، و من جملته ما تقدّم من رواية سليم بن قيس الهلالي المرويّة في الكافي من قوله: «و إنّما أتاكم الحديث من أربعة» و مثله ما نقل في كلامه(عليه السلام)المنقول عن نهج البلاغة.
و من جملته ما دلّ على أنّهم بأنفسهم أوقعوا الخلاف بين أصحابه لحقن دمائهم، كما في المرويّ عن الكافي في الموثّق عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن مسألة فأجابني فيها، ثمّ جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي، فلمّا خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول اللّه رجلان من العراق من شيعتكم قدما ما يسألان فأجبت كلّ واحد بغير ما أجبت به صاحبه؟
فقال: «يا زرارة إنّ هذا خير لنا و لكم، فلو اجتمعتم على أمر لصدّقكم الناس علينا و لكان أقلّ لبقائنا و بقائكم» قال: ثمّ قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا و هم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه.
و في المرويّ عن كتاب العدّة مرسلا عن الصادق(عليه السلام)أنّه سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت، فقال: «أنا خالفت بينهم».
و المرويّ عن الكافي أيضا بسنده عن موسى بن أثيم قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام)فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه فأخبره بها، ثمّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء اللّه- إلى أن قال-: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بما أخبرني و أخبر صاحبي فسكنت نفسي و علمت أنّ ذلك منه تقيّة. ثمّ التفت إليّ و قال: «يا ابن أثيم إنّ اللّه فوّض إلى سليمان بن داود فقالهٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍو فوّض إلى نبيّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)فقال:مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوافما فوّض إلى رسول اللّه فقد فوّض إلينا» إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة في هذا المعنى، فتبيّن من ذلك أنّ الاختلاف قد يكون من مقتضى الحكمة الإلهيّة.
و بالجملة الاختلاف في الفتاوي مشترك اللزوم.
نعم يستحيل وقوعه مع التمسّك بكلام مسموع منهم شفاها مع انتفاء جهة التقيّة و سائر الجهات المخلّة بإدراك الواقع، مع أنّ الحكم المخالف إذا أقامه الشارع مقام الواقع و رتّب
..........
عليه آثار الواقع بأجمعها فلا مانع عقلا و لا شرعا من الاختلاف معه خصوصا إذا اعتبر فيه مصلحة تنوب عن مصلحة الواقع الفائتة.
و عن رابعها: بما تكرّر ذكره على ما لا مزيد عليه، فإنّ الاعتماد في نفس أحكامه تعالى إنّما هو على العلم المتعلّق بالظنّ لا على الظنّ المتعلّق بالحكم بنفسه.
و عن خامسها: بأنّ سؤالهم الواجب إن اريد به ما يحصل بطريق المشافهة فهو ضروريّ التعذّر.
و إن اريد به الأخذ بما علم كونه منهم فهو في غاية الندرة بالنسبة إلينا.
و إن اريد به ما يعمّ ذلك و ما ظنّ بكونه منهم فنحن أيضا نقول به و لا نخالفه.
فالإنصاف: أنّ الأخبار المتواترة في تفسير تلك الآية و نظائرها على ما ينساق منها و يشهد به مواردها إنّما وردت في ردّ أهل الخلاف الغير المعتنين بالأئمّة(عليهم السلام)الراجعين في سؤالاتهم إلى علمائهم الضالّين المضلّين، من غير تعرّض فيها لطريقة أصحابهم المجتهدين لعدم خروجهم عن الاستناد إلى كلامهم بالمعنى الأعمّ من الموثوق به لتعذّرهم عمّا زاد عليه.
و عن سادسها: يظهر بما مرّ سابقا في دفع الوجوه المتقدّمة في نفي الاجتهاد فراجع، مع أنّك قد عرفت إنّ الاختلاف حاصل في نفس أخبار أهل العصمة من جهات عديدة، و الاختلاف في الفتاوى لازم لا محالة و لو مع الاختصار في المدرك على أخبارهم(عليهم السلام)، و الطريق السالم عن ذلك اليوم متعذّر، و يقبح على الحكيم أن يتعبّد عباده بطريق متعذّر و على مدرك لا سبيل لهم إليه أصلا.
و عن سابعها: بأنّ الأخذ بالروايات الموثوق بها رجوع إلى رواة حديثهم بل إلى ما هو أخصّ منها كما لا يخفى.
و عن ثامنها: بمثل ما مرّ في الجواب عن خامس الوجوه.
و عن تاسعها: بأنّ هذا الدليل أيضا بعد الإغماض عمّا فيه من فساد الوضع و الطول بلا طائل كسوابقه من كونه منتجا لنتيجة متعذّرة إن اريد بكلامهم ما علم به بطريق الشفاه أو غيره، أو غير منتج بما ينفع المستدلّ إن اريد به ما يعمّ المعلوم و غيره، ضرورة أنّ كلامهم الغير المعلوم حينئذ كما هو الغالب يندرج فيما نفاه هذا الدليل من جهة مطلوبيّة العصمة عن الخطأ.
و توضيحه: أنّه قد عرفت أنّ الاختلاف في القطعيّة و الظنّية ليس حاصلا في الملازمة
..........
بين الحكم الشرعي و ملزومه و هو كلام العترة الطاهرة في مفروض المقام، لكون هذه الملازمة قطعيّة على جميع التقادير، و إنّما الاختلاف فيهما إنّما يتأتّى في إحراز ملزوم الحكم و الكلام لكونه من أصله من الأسباب الضروريّة الصالحة لأن تندرج في الحسّيات أو في المتواترات.
فالعصمة عن الخطأ عند التمسّك بكلام العترة إنّما تتأتّى إذا أحرز كلامهم بطريق الحسّ كما في صورة المشافهة و هو متعذّر بالنسبة إلينا جدّا، أو بطريق التواتر و ما بمعناه كالاحتفاف بقرائن القطع و هو أيضا متعذّر غالبا، و الاكتفاء في إحرازه بالطرق الظنّية من عدالة المخبر أو وثاقته و تحرّزه عن الكذب أو غير ذلك تعريض للنفس في معرض الخطأ، ضرورة أنّه بعد الاكتفاء بالظنّ في إحراز ملزوم الحكم لا فرق بين كون الملزوم الّذي اريد إحرازه من معلولات الحكم الّتي منها كلامهم(عليهم السلام)كما عليه مبنى العمل بأخبار الآحاد الغير المحفوفة بالقرائن، أو من علله كما عليه مبنى العمل بالقياس و نحوه، فالخطأ المنفيّ المطلوب خلافه بمقتضى الدليل مشترك اللزوم بين العمل بالقياس و غيره من الطرق الغير الراجعة إلى كلامهم و العمل بالأخبار المرويّة عنهم بطرق الآحاد بعد البناء على قلّة ما روي منها بطريق التواتر و ما اختصّ بها بقرائن القطع كما هو المفروض المحقّق المقطوع به.
فحقّ المقام أن يقال: إنّ مقتضى الأدلّة القطعيّة أنّ الشارع تعالى يريد في امتثال أحكامه و التديّن بشرعه الاستناد إلى كلام أهل العصمة و لو أحرز ذلك بغير [الطرق] العلميّة، فإنّ الخطأ حينئذ على تقدير طروّه بحسب الواقع مغتفر بخلاف الاستناد إلى غير كلامهم ممّا لا يرجع إليه أصلا، فإنّه ممّا لا يريده الشارع فلا يكون الخطأ الطارئ مغتفرا بل يبغضه فلا يكون الصواب الحاصل مقبولا، و هذا المعنى كما ترى لا ينافي طريقة المجتهدين من أصحابنا، بل ينافي طريقة المجتهدين من أهل الخلاف، فكلام الأخباري في الحقيقة كان معهم دون أصحابنا، فلا كلام لنا معه حينئذ.
فقد تقرّر بجميع ما ذكر أنّ مؤدّيات الاجتهاد المستفادة من الكتاب و السنّة و ما يرجع إليهما في حقّ المجتهد إذا كان مطلقا- بأن يكون له ملكة عامّة بالقياس إلى جميع المسائل- أحكام فعليّة قد علم بها بمقتضى الأدلّة القطعيّة المتقدّمة، هذا هو معنى مشروعيّة الاجتهاد في حقّه.
[عدم مشروعيّة التقليد للمجتهد المطلق]
و أمّا عدم مشروعيّة التقليد له حينئذ فيدلّ عليه وجوه: