..........
التمسّك في نفس أحكامه تعالى بما لا يرجع إلى كلام العترة الطاهرة أصلا.
و لقد تقدّمت الأدلّة القطعيّة على أنّ كلامهم الّذي يجب التمسّك به أعمّ من المقطوع به و من المظنون الموثوق به و إن استلزم ذلك كون الحكم في الغالب مظنونا، إلّا أنّ العمل بهذا الظنّ عمل في الحقيقة بالقطع المتعلّق به و العمل به على هذا الوجه ممّا لا مناص عنه، كيف و اعتبار كونه بنفسه معلوما من جهة كلامهم ممّا لا يتأتّى إلّا بعد إحراز مقدّمات عديدة علميّة:
إحداها: العلم بأصل كلامهم.
و ثانيتها: العلم بكون صدوره على جهة بيان الواقع لا على جهة التقيّة.
و ثالثتها: العلم بمتون الكلام المعلوم صدوره منهم.
و رابعتها: العلم بمراداتهم من تلك المتون المعلومة كونها منهم بكون دلالاتها على جهة النصوصيّة و لو بمعونة القرائن القطعيّة.
و خامستها: العلم بعدم معارض له من كلامهم و ما هو بحكم كلامهم أو دفع معارضة المعارض بطريق علمي.
و من المعلوم بحكم الضرورة تعذّر العلم في الغالب من جميع هذه الجهات لانسداد باب العلم إلى إحراز هذه المقدّمات بأسرها، و معه كيف يعتبر كون الحكم الشرعي في جميع المسائل الشرعيّة بنفسه معلوما؟ فبعد سقوط العلم عن درجة الاعتبار تعيّن الأخذ بالظنّ المتعلّق بنفس الحكم غالبا لكون الأخذ به في الحقيقة أخذا بالعلم المتعلّق به.
و عن ثانيها: بما يظهر بالتأمّل فيما ذكر، فإنّ أصحابنا المجتهدين عاملون بمضمون هذا الحديث الشريف غير خارجين عنه، بل حقّ العمل به- على ما هو ظاهره من استقلال كلّ من الثقلين في كونه مرجعا يتمسّك به- ما بنوا عليه من التمسّك بالكتاب أيضا مستقلّا، و لا مخرج عنه ليوجب سقوط القرآن عن الاستقلال في إفادة بعض الأحكام و تقيّده بمورد وجود التفسير من كلام العترة، و ما ورد في الأخبار المتواترة من أنّ علم القرآن مخصوص بهم منحصر فيهم لا ينافي ذلك، لكون المعلوم من ملاحظة مجموع هذه الأخبار أنّ العلم بمجموع القرآن أو العلم بظواهره و بواطنه مخصوص بهم، و هذا لا ينافي كون غيرهم متمكّنا من العلم ببعضه.
و الّذي لا يتمكّن منه غيرهم إنّما هو العلم بمتشابهاته و بواطنه الخارجة عن قانون
..........
الظواهر، و مورد استفادة الأحكام منه إنّما هو محكماته. و دعوى عروض الإجمال لها بأسرها غير مسموعة، كما أنّ دعوى قيام المنع من الأخذ بظواهره من أهل العصمة بالخصوص غير مسموعة، و مجرّد وجود الناسخ و المنسوخ و غيرهما فيه لا يقضي بالمنع بعد ما كان كلّ من ذلك مضبوطا في محلّه معلوما لدى أهله، و إلّا فهذه الامور كما أنّها موجودة في القرآن كذلك في السنّة النبويّة على ما ورد به النصوص، بل في السنّة الإماميّة أيضا على بعض الوجوه خصوصا العامّ و الخاصّ و المحكم و المتشابه و الظاهر و المأوّل على ما نطق به النصوص.
و عن ثالثها: بما يظهر أيضا بالتأمّل فيما ذكر، إذ لا طريق لنا غير التمسّك بكلامهم بالمعنى الأعمّ من المقطوع به و الموثوق به، مع أنّ أكثر الاختلافات الحاصلة فيما بين الأصحاب في المسائل الشرعيّة إنّما نشأت عن الاختلاف الموجود في الأخبار كما هو المصرّح به في كلام العلماء الأخيار المنصوص به في آثار الأئمّة الأطهار، فمن الأوّل ما تقدّم نقله عن شيخ الطائفة و رئيس الفرقة في أوّل تهذيبه، حتّى أنّ هذا الاختلاف في الشدّة و الظهور صار بحيث أوجب عدّه عند المخالفين من مطاعن الشيعة، بل أوجب تزلزل جماعة من الشيعة في حقيقة مذهبهم، بل عدول بعض قاصريهم عن التشيّع بعد ما كان من الشيعة.
و إن شئت لاحظ عبارة التهذيب حيث يقول: «ذاكرني بعض الأصدقاء ممّن أوجب حقّه بأحاديث أصحابنا و ما وقع فيها من الاختلاف و التباين و المنافاة و التضادّ حتّى لا يكاد يتّفق خبر إلّا و بإزائه ما يضادّه، و لا يسلم حديث إلّا و في مقابلته ما ينافيه، حتّى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا و تطرّقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، و ذكروا أنّه لم يزل شيوخكم السلف و الخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الّذي يدينون اللّه تعالى به و يشنّعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع و يذكرون أنّ هذا ممّا لا يجوز أن يتعبّد به الحكيم، و لا أن يبيح العمل به العليم، و قد وجدناكم أشدّ اختلافا من مخالفيكم و أكثر تباينا من مباينيكم، و وجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الأصل، حتّى دخل على جماعة ممّن ليس لهم قوّة في العلم و لا بصيرة بوجوه النظر و معاني الألفاظ شبهة، و كثير منهم رجع عن اعتقاد الحقّ لمّا اشتبه عليه الوجه و عجز عن حلّ الشبهة فيه، سمعت شيخنا أبا عبد اللّه يذكر أنّ أبا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحقّ و يدين بالإمامة فرجع عنها لما التبس عليه الأمر في اختلاف الأحاديث و ترك المذهب و دان بغيره لمّا لم يتبيّن له وجوه المعاني فيها» إلى آخر ما قال.
..........
و من الثاني الأخبار الدالّة على وقوع الخلاف في الأحاديث من المعاندين أو من المعصومين، فمن جملة ذلك ما تقدّم في أخبار الدسّ و وضع الأحاديث الكاذبة، و من جملته ما تقدّم من رواية سليم بن قيس الهلالي المرويّة في الكافي من قوله: «و إنّما أتاكم الحديث من أربعة» و مثله ما نقل في كلامه(عليه السلام)المنقول عن نهج البلاغة.
و من جملته ما دلّ على أنّهم بأنفسهم أوقعوا الخلاف بين أصحابه لحقن دمائهم، كما في المرويّ عن الكافي في الموثّق عن زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: سألته عن مسألة فأجابني فيها، ثمّ جاء رجل آخر فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابني، ثمّ جاء آخر فأجابه بخلاف ما أجابني و أجاب صاحبي، فلمّا خرج الرجلان قلت: يا ابن رسول اللّه رجلان من العراق من شيعتكم قدما ما يسألان فأجبت كلّ واحد بغير ما أجبت به صاحبه؟
فقال: «يا زرارة إنّ هذا خير لنا و لكم، فلو اجتمعتم على أمر لصدّقكم الناس علينا و لكان أقلّ لبقائنا و بقائكم» قال: ثمّ قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): شيعتكم لو حملتموهم على الأسنة أو على النار لمضوا و هم يخرجون من عندكم مختلفين، قال: فأجابني بمثل جواب أبيه.
و في المرويّ عن كتاب العدّة مرسلا عن الصادق(عليه السلام)أنّه سئل عن اختلاف أصحابنا في المواقيت، فقال: «أنا خالفت بينهم».
و المرويّ عن الكافي أيضا بسنده عن موسى بن أثيم قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام)فسأله رجل عن آية من كتاب اللّه فأخبره بها، ثمّ دخل عليه داخل فسأله عن تلك الآية فأخبره بخلاف ما أخبر به الأوّل، فدخلني من ذلك ما شاء اللّه- إلى أن قال-: فبينما أنا كذلك إذ دخل عليه آخر فسأله عن تلك الآية فأخبره بما أخبرني و أخبر صاحبي فسكنت نفسي و علمت أنّ ذلك منه تقيّة. ثمّ التفت إليّ و قال: «يا ابن أثيم إنّ اللّه فوّض إلى سليمان بن داود فقالهٰذٰا عَطٰاؤُنٰا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسٰابٍو فوّض إلى نبيّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)فقال:مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوافما فوّض إلى رسول اللّه فقد فوّض إلينا» إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة في هذا المعنى، فتبيّن من ذلك أنّ الاختلاف قد يكون من مقتضى الحكمة الإلهيّة.
و بالجملة الاختلاف في الفتاوي مشترك اللزوم.
نعم يستحيل وقوعه مع التمسّك بكلام مسموع منهم شفاها مع انتفاء جهة التقيّة و سائر الجهات المخلّة بإدراك الواقع، مع أنّ الحكم المخالف إذا أقامه الشارع مقام الواقع و رتّب
..........
عليه آثار الواقع بأجمعها فلا مانع عقلا و لا شرعا من الاختلاف معه خصوصا إذا اعتبر فيه مصلحة تنوب عن مصلحة الواقع الفائتة.
و عن رابعها: بما تكرّر ذكره على ما لا مزيد عليه، فإنّ الاعتماد في نفس أحكامه تعالى إنّما هو على العلم المتعلّق بالظنّ لا على الظنّ المتعلّق بالحكم بنفسه.
و عن خامسها: بأنّ سؤالهم الواجب إن اريد به ما يحصل بطريق المشافهة فهو ضروريّ التعذّر.
و إن اريد به الأخذ بما علم كونه منهم فهو في غاية الندرة بالنسبة إلينا.
و إن اريد به ما يعمّ ذلك و ما ظنّ بكونه منهم فنحن أيضا نقول به و لا نخالفه.
فالإنصاف: أنّ الأخبار المتواترة في تفسير تلك الآية و نظائرها على ما ينساق منها و يشهد به مواردها إنّما وردت في ردّ أهل الخلاف الغير المعتنين بالأئمّة(عليهم السلام)الراجعين في سؤالاتهم إلى علمائهم الضالّين المضلّين، من غير تعرّض فيها لطريقة أصحابهم المجتهدين لعدم خروجهم عن الاستناد إلى كلامهم بالمعنى الأعمّ من الموثوق به لتعذّرهم عمّا زاد عليه.
و عن سادسها: يظهر بما مرّ سابقا في دفع الوجوه المتقدّمة في نفي الاجتهاد فراجع، مع أنّك قد عرفت إنّ الاختلاف حاصل في نفس أخبار أهل العصمة من جهات عديدة، و الاختلاف في الفتاوى لازم لا محالة و لو مع الاختصار في المدرك على أخبارهم(عليهم السلام)، و الطريق السالم عن ذلك اليوم متعذّر، و يقبح على الحكيم أن يتعبّد عباده بطريق متعذّر و على مدرك لا سبيل لهم إليه أصلا.
و عن سابعها: بأنّ الأخذ بالروايات الموثوق بها رجوع إلى رواة حديثهم بل إلى ما هو أخصّ منها كما لا يخفى.
و عن ثامنها: بمثل ما مرّ في الجواب عن خامس الوجوه.
و عن تاسعها: بأنّ هذا الدليل أيضا بعد الإغماض عمّا فيه من فساد الوضع و الطول بلا طائل كسوابقه من كونه منتجا لنتيجة متعذّرة إن اريد بكلامهم ما علم به بطريق الشفاه أو غيره، أو غير منتج بما ينفع المستدلّ إن اريد به ما يعمّ المعلوم و غيره، ضرورة أنّ كلامهم الغير المعلوم حينئذ كما هو الغالب يندرج فيما نفاه هذا الدليل من جهة مطلوبيّة العصمة عن الخطأ.
و توضيحه: أنّه قد عرفت أنّ الاختلاف في القطعيّة و الظنّية ليس حاصلا في الملازمة
..........
بين الحكم الشرعي و ملزومه و هو كلام العترة الطاهرة في مفروض المقام، لكون هذه الملازمة قطعيّة على جميع التقادير، و إنّما الاختلاف فيهما إنّما يتأتّى في إحراز ملزوم الحكم و الكلام لكونه من أصله من الأسباب الضروريّة الصالحة لأن تندرج في الحسّيات أو في المتواترات.
فالعصمة عن الخطأ عند التمسّك بكلام العترة إنّما تتأتّى إذا أحرز كلامهم بطريق الحسّ كما في صورة المشافهة و هو متعذّر بالنسبة إلينا جدّا، أو بطريق التواتر و ما بمعناه كالاحتفاف بقرائن القطع و هو أيضا متعذّر غالبا، و الاكتفاء في إحرازه بالطرق الظنّية من عدالة المخبر أو وثاقته و تحرّزه عن الكذب أو غير ذلك تعريض للنفس في معرض الخطأ، ضرورة أنّه بعد الاكتفاء بالظنّ في إحراز ملزوم الحكم لا فرق بين كون الملزوم الّذي اريد إحرازه من معلولات الحكم الّتي منها كلامهم(عليهم السلام)كما عليه مبنى العمل بأخبار الآحاد الغير المحفوفة بالقرائن، أو من علله كما عليه مبنى العمل بالقياس و نحوه، فالخطأ المنفيّ المطلوب خلافه بمقتضى الدليل مشترك اللزوم بين العمل بالقياس و غيره من الطرق الغير الراجعة إلى كلامهم و العمل بالأخبار المرويّة عنهم بطرق الآحاد بعد البناء على قلّة ما روي منها بطريق التواتر و ما اختصّ بها بقرائن القطع كما هو المفروض المحقّق المقطوع به.
فحقّ المقام أن يقال: إنّ مقتضى الأدلّة القطعيّة أنّ الشارع تعالى يريد في امتثال أحكامه و التديّن بشرعه الاستناد إلى كلام أهل العصمة و لو أحرز ذلك بغير [الطرق] العلميّة، فإنّ الخطأ حينئذ على تقدير طروّه بحسب الواقع مغتفر بخلاف الاستناد إلى غير كلامهم ممّا لا يرجع إليه أصلا، فإنّه ممّا لا يريده الشارع فلا يكون الخطأ الطارئ مغتفرا بل يبغضه فلا يكون الصواب الحاصل مقبولا، و هذا المعنى كما ترى لا ينافي طريقة المجتهدين من أصحابنا، بل ينافي طريقة المجتهدين من أهل الخلاف، فكلام الأخباري في الحقيقة كان معهم دون أصحابنا، فلا كلام لنا معه حينئذ.
فقد تقرّر بجميع ما ذكر أنّ مؤدّيات الاجتهاد المستفادة من الكتاب و السنّة و ما يرجع إليهما في حقّ المجتهد إذا كان مطلقا- بأن يكون له ملكة عامّة بالقياس إلى جميع المسائل- أحكام فعليّة قد علم بها بمقتضى الأدلّة القطعيّة المتقدّمة، هذا هو معنى مشروعيّة الاجتهاد في حقّه.
[عدم مشروعيّة التقليد للمجتهد المطلق]
و أمّا عدم مشروعيّة التقليد له حينئذ فيدلّ عليه وجوه:
..........
أحدها: نفس فرض كون مجتهداته أحكاما فعليّة في حقّه، فإنّ معنى كونها أحكاما فعليّة وجوب التديّن بها و بناء العمل عليها و تحصيل امتثال الأحكام الواقعيّة المعلومة بالإجمال بواسطة التعرّض لامتثالها، على معنى أنّ الشارع تعالى لا يريد منه امتثال أحكامه الواقعيّة إلّا بتلك الواسطة.
و قضيّة ذلك أن لا يجوز له العدول عنها إلى غيرها، و من المعلوم أنّ الامور المأخوذة بالتقليد غيرها فلا يجوز العدول إليها.
و ثانيها: الإجماع الضروري المتحقّق فيما بين الطائفة على وجه لا يعتريه شائبة شبهة، و لقد تقدّم نقل الإجماع عن جماعة من أساطين الفرقة و كلماتهم في الكتب الاصوليّة و الفقهيّة مملوّة من التصريح بحرمة التقليد على المجتهد.
و ثالثها: نفس الأدلّة القاضية من العقل و النقل كتابا و سنّة بحرمة العمل بما وراء العلم، إذ قد عرفت أنّ مؤدّيات الاجتهاد في حقّه معلوم كونها أحكاما قطعيّة، فهو بالقياس إليها عالم بخلاف الامور المأخوذة بالتقليد لعدم علمه بكونها أحكاما فعليّة في حقّه فيحرم العمل بها، و لعلّه إلى ذلك يشير ما عن المعارج عند الاحتجاج على الحكم المذكور بقوله:
«لأنّه عدول عمّا علم إلى ما يظنّ» و يمكن رجوعه إلى أوّل وجوهنا المذكورة، و كائنا ما كان فما احتجّ به في غاية المتانة و إن أمكن المناقشة فيه من حيث تعبيره عن التقليد بالظنّ كما لا يخفى.
فالأولى أن يعبّر عنه «بما لم يعلم»، و كيف كان فالتقليد منفيّ في حقّه بنفس الأدلّة المانعة من العمل بما وراء العلم، بل التحقيق أنّ الرجوع إلى التقليد مع العلم فعلا بالأحكام الفعليّة قبيح عقلا و فاعله مذموم عند العقلاء و يعدّ لأجله من جملة السفهاء كما لا يخفى.
و رابعها: قاعدة الاشتغال و استصحابه، فإنّ امتثال الأحكام المعلومة بالإجمال قد ثبت اشتغال الذمّة بها بالضرورة و الإجماع، و الأخذ بمؤدّيات الاجتهاد مبرئ يقينا بخلاف التقليد، فتعيّن المصير إليه.
لا يقال: لا كلام في جواز الاكتفاء بمؤدّيات الاجتهاد و إنّما الكلام في تعيينه على وجه لا ينوب عنه غيره، فلم لا تقول بكونه أحد فردي الواجب التخييري الّذي فرده الآخر هو التقليد لأصالة البراءة عن الضيق الّذي يتضمّنه التعيين، و لذا يقال بأصالة التخيير في مسألة دوران الأمر بين التعيين و التخيير؟
..........
لأنّا نقول: بأنّ دعوى أصالة التخيير على ما حقّقناه في محلّه بمعزل عن التحقيق، بل الأصل في نظائره يقتضي التعيين عملا بقاعدة الاشتغال الّتي لا يجري في مجاريها أصالة البراءة.
و قد يتمسّك بأصالة عدم صحّة هذا التقليد و ترتّب أحكامه، و ضعفه بناء على إرادة الاستصحاب واضح، إذ الاجتهاد ربّما يكون مسبوقا بالتقليد فالأصل حينئذ يقتضي الصحّة و ترتّب الأحكام عليه، و لو اريد بالأصل أصالة حرمة العمل بما وراء العلم و التقليد في مفروض المسألة منه كان راجعا إلى بعض ما قدّمناه.
و قد يستدلّ أيضا: بأنّ العامّي الغير العالم يجوز له التقليد، فلو جاز لذلك العالم أيضا لزم المساواة بينهما، و اللازم باطل لعموم قوله تعالى:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ[1]و المقدّم نحوه.
و ضعفه بعد منع الملازمة واضح، فإنّ التقليد على فرض جوازه جائز على وجه التخيير، و الّذي جاز في حقّ العامّي إنّما هو وجوب التقليد على التعيين فلا مساواة بينهما.
ثمّ لا فرق في هذا الحكم بين مساواة غيره له في العلم و العدالة و الورع و التقوى و غيرها من الصفات و عدمها، فلا يجوز له تقليد غيره و لو كان أعلم أو أورع منه، و هذا على تقدير مخالفته له في الرأي كلّيا أو جزئيّا لكن في محلّ الخلاف واضح لا سترة عليه.
و أمّا على تقدير الموافقة كلّيا أو بالنسبة إلى موضع الوفاق ففيه نوع خفاء، و لكن لقائل أن يقول: إنّ التقليد بالمعنى الحقيقي في حقّه و هو الأخذ من الغير ممّا لا يكاد يتحقّق لاستحالة تحصيل الحاصل، إذ المفروض أنّه عالم بالمأخوذات قبل أن يأخذها، فالتكلّم في جواز التقليد له حينئذ و عدمه غيره مثمر إلّا بالقياس إلى مسألة الاستناد، بأن يقال: هل له أن يستند في امتثال أحكامه تعالى إلى كون معلوماته مؤدّيات اجتهاد غيره الموافق له في الرأي، أو عليه أن يستند إلى كونها مؤدّيات اجتهاد نفسه؟
و بعبارة اخرى: أن يتديّن بها على أنّها مجتهدات نفسه أو يتخيّر بينه و بين أن يتديّن بها على أنّها مجتهدات غيره، و الظاهر أنّ الاستناد بهذا المعنى بعد اتّحاد معلوماتهما و عينيّة مجتهداتهما ممّا لا مدخل له في امتثال أحكام اللّه، بل لا معنى لهذا الاستناد على تقدير اعتباره إلّا قصد الحيثيّة و هو غير معتبر جزما.
[1]الزمر: 9.
..........
و لكنّ الإنصاف: أنّ الاستناد إلى كونها مؤدّيات اجتهاد نفسه ممّا لا محيص من اعتباره في صدق الامتثال، و الاستناد إلى كونها مؤدّيات اجتهاد غيره مضرّ لنفس أدلّة منع التقليد على المجتهد، فإنّ التقليد في حاصل المعنى عبارة عن الالتزام بقول الغير و رأيه من حيث إنّه قوله، على وجه يتضمّن الاستناد إلى قوله عند المسألة عن وجه هذا الالتزام بقولنا:
«لأنّه قول فلان» على الوجه الّذي يصنعه المقلّد العامّي، كما ينبّه عليه القياس المعروف المعبّر عنه: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» و المنع من التقليد بهذا المعنى لا محصّل له إلّا المنع من الاستناد المذكور.
و أيضا فإنّ كلّ حكم لم يعلمه المكلّف [كونه] حكما فعليّا في حقّه يقبح له عقلا أن يتديّن به على أنّه حكم اللّه كما هو واضح، و هو الوجه في قبح التعبّد بالظنّ ما لم يقم قاطع بحجّيته كما بيّنّاه سابقا.
و الّذي علمه هذا المجتهد كونه حكما فعليّا في حقّه إنّما هو مؤدّى اجتهاد نفسه لأنّه علمه كذلك بطريق الاجتهاد، و أمّا هو من حيث إنّه مؤدّى اجتهاد غيره فلم يعلمه هذا المجتهد [كونه] حكما فعليّا في حقّه بل علم خلافه، فيقبح التديّن به على هذا الوجه و يتعيّن التديّن به على الوجه الأوّل و هذا هو معنى الاستناد، و لكن لا يعتبر فيه الالتفات التفصيلي بل يكفي فيه الإجمال.
و ضابطه أن يكون قضيّة كون معلوماته مؤدّيات اجتهاده الّتي التزمها على أنّها أحكام فعليّة في حقّه حاضرة في نفسه مركوزة في ذهنه بحيث حيثما سئل عن وجه الالتزام يجيب: «بأنّه ما أدّى إليه اجتهادي، و كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي».
- تعليقة- [عدم جواز التقليد لمن تمكّن من الاجتهاد]
إذا بلغ العالم رتبة الاجتهاد و لم يجتهد فعلا في المسائل كلّها أو بعضها فهل له بالقياس إلى ما لم يجتهد فيه فعلا أن يرجع إلى مجتهد غيره و يقلّده، كما له أن يجتهد و يبني على مجتهداته أو لا؟ بل يتعيّن عليه الاجتهاد و امتثال أحكام اللّه تعالى المعلومة بالإجمال بطريق الاستنباط و لا يقوم مقامه امتثالها بطريق التقليد، فيه خلاف على قولين:
أحدهما: أنّه لا يجوز له التقليد مطلقا، و هو على ما في مفاتيح السيّد للعدّة و المعارج