..........
لأنّا نقول: بأنّ دعوى أصالة التخيير على ما حقّقناه في محلّه بمعزل عن التحقيق، بل الأصل في نظائره يقتضي التعيين عملا بقاعدة الاشتغال الّتي لا يجري في مجاريها أصالة البراءة.
و قد يتمسّك بأصالة عدم صحّة هذا التقليد و ترتّب أحكامه، و ضعفه بناء على إرادة الاستصحاب واضح، إذ الاجتهاد ربّما يكون مسبوقا بالتقليد فالأصل حينئذ يقتضي الصحّة و ترتّب الأحكام عليه، و لو اريد بالأصل أصالة حرمة العمل بما وراء العلم و التقليد في مفروض المسألة منه كان راجعا إلى بعض ما قدّمناه.
و قد يستدلّ أيضا: بأنّ العامّي الغير العالم يجوز له التقليد، فلو جاز لذلك العالم أيضا لزم المساواة بينهما، و اللازم باطل لعموم قوله تعالى:هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ[1]و المقدّم نحوه.
و ضعفه بعد منع الملازمة واضح، فإنّ التقليد على فرض جوازه جائز على وجه التخيير، و الّذي جاز في حقّ العامّي إنّما هو وجوب التقليد على التعيين فلا مساواة بينهما.
ثمّ لا فرق في هذا الحكم بين مساواة غيره له في العلم و العدالة و الورع و التقوى و غيرها من الصفات و عدمها، فلا يجوز له تقليد غيره و لو كان أعلم أو أورع منه، و هذا على تقدير مخالفته له في الرأي كلّيا أو جزئيّا لكن في محلّ الخلاف واضح لا سترة عليه.
و أمّا على تقدير الموافقة كلّيا أو بالنسبة إلى موضع الوفاق ففيه نوع خفاء، و لكن لقائل أن يقول: إنّ التقليد بالمعنى الحقيقي في حقّه و هو الأخذ من الغير ممّا لا يكاد يتحقّق لاستحالة تحصيل الحاصل، إذ المفروض أنّه عالم بالمأخوذات قبل أن يأخذها، فالتكلّم في جواز التقليد له حينئذ و عدمه غيره مثمر إلّا بالقياس إلى مسألة الاستناد، بأن يقال: هل له أن يستند في امتثال أحكامه تعالى إلى كون معلوماته مؤدّيات اجتهاد غيره الموافق له في الرأي، أو عليه أن يستند إلى كونها مؤدّيات اجتهاد نفسه؟
و بعبارة اخرى: أن يتديّن بها على أنّها مجتهدات نفسه أو يتخيّر بينه و بين أن يتديّن بها على أنّها مجتهدات غيره، و الظاهر أنّ الاستناد بهذا المعنى بعد اتّحاد معلوماتهما و عينيّة مجتهداتهما ممّا لا مدخل له في امتثال أحكام اللّه، بل لا معنى لهذا الاستناد على تقدير اعتباره إلّا قصد الحيثيّة و هو غير معتبر جزما.
[1]الزمر: 9.
..........
و لكنّ الإنصاف: أنّ الاستناد إلى كونها مؤدّيات اجتهاد نفسه ممّا لا محيص من اعتباره في صدق الامتثال، و الاستناد إلى كونها مؤدّيات اجتهاد غيره مضرّ لنفس أدلّة منع التقليد على المجتهد، فإنّ التقليد في حاصل المعنى عبارة عن الالتزام بقول الغير و رأيه من حيث إنّه قوله، على وجه يتضمّن الاستناد إلى قوله عند المسألة عن وجه هذا الالتزام بقولنا:
«لأنّه قول فلان» على الوجه الّذي يصنعه المقلّد العامّي، كما ينبّه عليه القياس المعروف المعبّر عنه: «بأنّ هذا ما أفتى به المفتي، و كلّما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي» و المنع من التقليد بهذا المعنى لا محصّل له إلّا المنع من الاستناد المذكور.
و أيضا فإنّ كلّ حكم لم يعلمه المكلّف [كونه] حكما فعليّا في حقّه يقبح له عقلا أن يتديّن به على أنّه حكم اللّه كما هو واضح، و هو الوجه في قبح التعبّد بالظنّ ما لم يقم قاطع بحجّيته كما بيّنّاه سابقا.
و الّذي علمه هذا المجتهد كونه حكما فعليّا في حقّه إنّما هو مؤدّى اجتهاد نفسه لأنّه علمه كذلك بطريق الاجتهاد، و أمّا هو من حيث إنّه مؤدّى اجتهاد غيره فلم يعلمه هذا المجتهد [كونه] حكما فعليّا في حقّه بل علم خلافه، فيقبح التديّن به على هذا الوجه و يتعيّن التديّن به على الوجه الأوّل و هذا هو معنى الاستناد، و لكن لا يعتبر فيه الالتفات التفصيلي بل يكفي فيه الإجمال.
و ضابطه أن يكون قضيّة كون معلوماته مؤدّيات اجتهاده الّتي التزمها على أنّها أحكام فعليّة في حقّه حاضرة في نفسه مركوزة في ذهنه بحيث حيثما سئل عن وجه الالتزام يجيب: «بأنّه ما أدّى إليه اجتهادي، و كلّ ما أدّى إليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّي و حقّ مقلّدي».
- تعليقة- [عدم جواز التقليد لمن تمكّن من الاجتهاد]
إذا بلغ العالم رتبة الاجتهاد و لم يجتهد فعلا في المسائل كلّها أو بعضها فهل له بالقياس إلى ما لم يجتهد فيه فعلا أن يرجع إلى مجتهد غيره و يقلّده، كما له أن يجتهد و يبني على مجتهداته أو لا؟ بل يتعيّن عليه الاجتهاد و امتثال أحكام اللّه تعالى المعلومة بالإجمال بطريق الاستنباط و لا يقوم مقامه امتثالها بطريق التقليد، فيه خلاف على قولين:
أحدهما: أنّه لا يجوز له التقليد مطلقا، و هو على ما في مفاتيح السيّد للعدّة و المعارج
..........
و المبادئ و التهذيب و النهاية و المنية و الألفيّة لأوّل الشهيدين، و رسالة عدم جواز تقليد الميّت لثانيهما، و التمهيد و المقاصد العليّة له أيضا، و الجعفريّة لثاني المحقّقين، و الإحكام و المختصر و شرحه للعضدي، و في نسبة هذا القول إلى المنية نظر لأنّه نسب اختياره إلى المصنّف من غير تعرّض لترجيحه، إلّا أن يستظهر اختياره له من عدم تعرّضه لردّ ما نقله من حجّة المصنّف لكونه آية ارتضائه بموجبها و مصيره إلى مؤدّاها.
و كيف كان ففي المفاتيح: «أنّ الأكثر على أنّه يتعيّن عليه الاجتهاد و لا يجوز له التقليد».
و عن النهاية: «أنّه مذهب أكثر الأشاعرة».
و عن الإحكام: «مذهب القاضي و أكثر الفقهاء إلى منع تقليد العالم سواء كان أعلم منه أو لم يكن».
و ثانيهما: أنّه يجوز له التقليد و هو لجماعة من العامّة كما في المفاتيح قائلا: «و هو محكيّ عن أحمد و الشافعي و أبي حنيفة و محمّد بن الحسن الشيباني و سفيان الثوري و أبي عليّ الجبّائي و إسحاق بن راهويه و غيرهم من المخالفين».
ثمّ عن هؤلاء أنّهم اختلفوا على أقوال:
منها: أنّه يجوز مطلقا.
و منها: أنّه يجوز له تقليد الأعلم مطلقا و لو كان غير صحابي دون المساوي و الأدون.
و منها: أنّه يجوز لمن بعد الصحابة تقليد الصحابي دون غيره.
و منها: أنّه يجوز له تقليد غيره إن كان صحابيّا، فإن كان أحد الصحابة أرجح في نظره من غيره قلّده و إن استووا تخيّر في تقليد أيّهم شاء.
و منها: أنّه يجوز له التقليد فيما يخصّه دون ما يفتى به.
و منها: أنّه يجوز فيما يخصّه إذا خاف فوات الغرض من حكم تلك الواقعة لو اشتغل بالاجتهاد، حكاه في المنية عن ابن شريح.
و منها: أنّه يجوز له التقليد إذا كان يقلّد صحابيّا أو تابعيّا.
فالأقوال في المسألة ثمانية غير أنّه لم ينقل القول بالجواز بشيء من وجوهه عن أصحابنا الإماميّة و من هنا أمكنك دعوى اتّفاقهم على المنع، و قبل الخوض في الترجيح و التعرّض لحجج الأقوال ينبغي التعرّض لبيان امور:
الأمر الأوّل: أنّ محلّ الخلاف ما إذا لم يطرأه ضرورة إلى التقليد- و حينئذ لا ينبغي
..........
التأمّل في جوازه بل تعيّنه- و لم يكن هناك مانع شرعي كما نصّ عليه في المفاتيح بل و لا مانع عقلي من الاجتهاد، و مرجعه إلى اعتبار كونه قادرا بالفعل على الاجتهاد بوجود شرائطه العقليّة و العاديّة و فقد موانعه العقليّة و الشرعيّة و العاديّة، و إذا انتفى بعض الشرائط أو وجد بعض الموانع فهل يتعيّن عليه العمل بالاحتياط أو يجوز له التقليد أيضا؟ وجهان: من قاعدة الشغل، و من ظاهر الأكثر كما قيل و ستعرف تحقيقه في آخر المسألة إن شاء اللّه.
الأمر الثاني: أنّ التقليد المبحوث عنه في حقّ العالم البالغ رتبة الاجتهاد هو التقليد المشروع للعامّي و هو الأخذ بفتوى الفقيه على وجه يكون فتواه منشأ للحكم و مدركا له، و ضابطه دخول تلك الفتوى في كبرى دليل المقلّد الّذي يعبّر عنه: «بأنّ كلّ ما أفتى به المفتي فهو حكم اللّه في حقّي».
و بذلك اندفع ما أشكل الأمر على بعض الفضلاء. فأورد على منع التقليد في حقّ المجتهد الّذي يندرج فيه موضوع البحث أيضا بموارد نقض كعملهم بالإجماع المنقول و بالشهرة عند من يراها حجّة، و بقاعدة التسامح في أدلّة السنن في مورد فتوى الفقيه و لو واحدا، بتقريب: أنّ الأوّل أخذ بفتوى المجمعين الّتي نقلها ناقل الإجماع، و الثاني أخذ بفتوى الأكثر، و الثالث أخذ بفتوى الفقيه الواحد، حيث قال:
«و يشكل بما ذهب إليه كثير من حجّية الإجماع المنقول من حيث نقل المنكشف، و ما ذهب إليه قوم من حجّية الشهرة، و ما ذهب إليه بعض من الاكتفاء في إثبات السنن بالفتوى و إن اتّحد المفتي من حيث النصّ لا من حيث الاحتياط، فإنّ ذلك كلّه بحسب الظاهر تقليد، إذ لا نعني به إلّا الأخذ بفتوى الغير من غير حجّة، قطعيّة كانت الفتوى أو ظنّية، اتّحد المفتي أو تعدّد، و إن كان الأخذ لحجّة و هي الأدلّة الدالّة على جواز التمسّك بالمذكورات» انتهى.
و ظنّي أنّه لو أخذ مورد النقض مكان المذكورات عمل السلف بفتاوى عليّ بن بابويه و اعتمادهم عليها لكان أوضح في الإشكال و أنسب بالنقض، و كيف كان فالإشكال المذكور ليس في محلّه و النقض وارد على خلاف التحقيق، إذ ليس في شيء من المذكورات تقليد بالمعنى المتقدّم الّذي فسّره بالأخذ بفتوى الغير من غير حجّة.
أمّا الأوّل: فلأنّ الأخذ بالإجماع المنقول إن كان من باب أنّه نبأ عدل لعموم أدلّة حجّية نبأ العدل الشامل له أيضا فالعمل به عمل بقول الإمام، فهو منشأ الحكم و مدركه لا فتوى المجمعين.
..........
غاية الأمر أنّ قول الإمام قد يدرك بطريق الحسّ كما في الخبر المصطلح و قد يدرك بطريق الحدس كما في نقل الإجماع، فإنّ ناقل الإجماع إنّما ينقل ما أدركه من قول الإمام حدسا من ملاحظة الإجماع، و إن كان من باب كشفه قطعا أو ظنّا عن قول الحجّة. فالعمل به عمل بالمنكشف أيضا و هو قول الحجّة لا بالكاشف، و هذا هو معنى حجّيّته من حيث المنكشف لا غير.
و أمّا الثاني: فلأنّ الأخذ بالشهرة إن كان على ما نراه في العمل بها في بعض الأحيان من كونها كاشفة على وجه الاطمئنان عن وجود دليل معتبر للأكثر بحيث لو ظفرنا به لم نتعدّه و لم نخرج عن موجبه فالعمل بها في الحقيقة عمل بذلك الدليل لا بها من حيث إنّها فتوى الأكثر، على أنّه لا يشترط في العمل بالدليل المعتبر كونه معلوما بالتفصيل بل يكفي كونه معلوما بالإجمال كما نقول بنظيره في العمل بالإجماع المحصّل حيثما نعمل به، فإنّه باعتبار كشفه القطعي عن دليل معتبر لو ظفرنا به لم نتعدّه و لم نخالفه، و إن كان على أنّها تورث الظنّ بالحكم فالعمل بها من باب حجّية مطلق ظنّ المجتهد- لقيام القاطع بحجّيته- عمل بذلك الظنّ لا بها من حيث إنّها فتوى الأكثر.
غاية الأمر أنّها أحد أسباب الظنّ الّذي هو مناط العمل.
و أمّا الثالث: فلأنّ قاعدة التسامح على رأي من يخصّها بالخبر الضعيف و لا يعمّها بالنسبة إلى فتوى الفقيه لا تصلح موردا للنقض.
و أمّا على رأي من يعمّها بالقياس إلى الفتوى أيضا لعموم البلوغ المصرّح به في الروايات المستفيضة فالعمل بها ليس أخذا بالفتوى على وجه تكون الفتوى منشأ للحكم و مدركه ليكون تقليدا، بل منشأ الاستحباب أو الكراهة في مورد التسامح إنّما هو عمومات «من بلغه ثواب على عمل».
غاية الأمر أنّ لهذه العمومات موضوع لا يحرزه إلّا الخبر الضعيف أو فتوى الفقيه، فالفتوى إنّما يؤخذ بها إحرازا لموضوع دليل الاستحباب أو الكراهة لا دليلا عليهما و مدركا لهما ليكون تقليدا.
نعم يشكل الحال على رأي من يجعل أخبار من بلغ مؤكّدة للاستحباب المستفاد من الخبر الضعيف، لكنّ الأمر فيه هيّن إذ لم يظهر من أصحاب هذا الرأي تعميم القاعدة بالقياس إلى فتوى الفقيه.
..........
و بملاحظة ما قرّرناه يتبيّن الوجه في اعتماد السلف على فتاوى عليّ بن بابويه، فإنّه من جهة ما اشتهر فيما بينهم من أنّ دابه أنّه لا يفتي إلّا بمتون الأخبار فالاعتماد على فتاويه اعتماد على الأخبار لا غير، و ليس ذلك أيضا من التقليد في شيء.
الأمر الثالث: أنّ مبنى الخلاف في المسألة على أنّ جواز التقليد هل هو مشروط بعدم التمكّن من الاجتهاد فمن تمكّن منه لا يجوز له التقليد، أو بعدم فعليّة الاجتهاد فمن تمكّن منه يجوز له التقليد، و مرجعه إلى اشتراط حرمة التقليد بالتمكّن من الاجتهاد أو بفعليّته، فالاشتراط ثابت بالاتّفاق و الخلاف إنّما هو في تعيين الشرط المعلّق عليه.
و حينئذ فما في حجج القول بعدم الجواز من أنّ التقليد بدل للاجتهاد جوّز ضرورة لمن لا يمكنه الاجتهاد و لا يجوز الأخذ بالبدل مع التمكّن من المبدل كالوضوء و التيمّم ليس على ما ينبغي، لكونه مصادرة فإنّ الدليل الشرعي في التيمّم قائم بأنّه بدل اضطراري للوضوء و جوازه مشروط بعدم التمكّن منه، و التقليد أيضا بدل و لكن كونه اضطراريّا على وجه يكون شرط جوازه عدم التمكّن من الاجتهاد لا عدم فعليّته عين المتنازع فيه، فدعوى كونه بدلا له جوّز ضرورة لمن لا يمكنه الاجتهاد أوّل المسألة.
الأمر الرابع: ظاهر كلماتهم عنوانا و دليلا بل صريح بعضها كون النزاع في جواز التقليد- بالمعنى الموجود في ضمن الوجوب- على وجه التخيير بينه و بين الاجتهاد و وجوب الاجتهاد عينا المستلزم لحرمة التقليد عينا، و أمّا وجوب التقليد عينا المستلزم لحرمة الاجتهاد كذلك فالظاهر أنّه لا قائل به.
فالتحقيق في عنوان المسألة حينئذ أن يقال: إنّهم بعد ما اتّفقوا على أنّ العالم المتمكّن من الاجتهاد يجب عليه امتثال أحكام اللّه المعلومة بالإجمال، و هو موقوف على تحصيل المعرفة بتفاصيل الأحكام، فتكون المعرفة واجبة من باب المقدّمة و لها بحسب الشرع طريقان.
أحدهما: أخذها بطريق التقليد.
و الآخر: أخذها بطريق الاجتهاد.
اختلفوا في أنّه في تحصيل المعرفة الّتي هي مقدّمة هل يتخيّر بين الطريقين أو يتعيّن عليه أحد الطريقين و هو الاجتهاد لا غير؟ و عليه فما في حجج القول بعدم الجواز من أنّ جواز التقليد حكم شرعيّ فلا بدّ له من دليل و الأصل عدمه- كما اعتمد عليه جماعة من
..........
العامّة كالحاجبي و العضدي و غيرهما- غير سديد، إذ قد عرفت أنّ الأمر بالنسبة إلى التقليد دائر بين وجوبه تخييرا و تحريمه تعيينا و كما أنّ الأوّل حكم شرعي فلا بدّ له من دليل.
و الأصل عدمه فكذلك الثاني حكم شرعيّ فلا بدّ له من دليل و الأصل عدمه، فالأصل على فرض صحّته معارض بمثله و إعمال الأوّل دون الثاني تحكّم.
و أمّا ما في شرح المختصر للعضدي من دفعه المعارضة بقوله: «لا يقال: هذا معارض بعدم الجواز، لأنّ الانتفاء نفي يكفي فيه عدم دليل الثبوت. و قد يقال: إنّ التحريم الشرعي ينفي الجواز الثابت بالأصل».
فمع أنّه يعارضه ما يقال: من أنّ الجواز بمعنى الاباحة يكفي في ثبوته عدم دليل المنع. فيه: أنّ هذا إنّما يسلّم فيما لو دار الأمر بين ثبوت حكم وجودي و انتفائه لا فيما إذا دار الأمر بين حكمين وجوديّين كما فيما نحن فيه، بل قد يمكن أن يقال: إنّ الأصل في مفروض المقام يقتضي الجواز، لأنّ عدمه يستلزم ترتّب الذمّ و العقوبة على الفعل و هو ممّا لا بدّ له من دليل و الأصل عدمه.
بل قد يقال:- على ما أشرنا إليه في المسألة السابقة- إنّ الأصل فيما دار الأمر بين الجواز التخييري و الجواز التعييني هو الأوّل.
و أمّا ما حكاه من القول بأنّ التحريم الشرعي ينفي الجواز الثابت بالأصل فالمراد به غير واضح، إلّا أن يوجّه بأحد الوجهين:
الأوّل: ما أشرنا إليه في المسألة السابقة في أدلّة تحريم التقليد ثمّة من تحكيم قاعدة الاشتغال في اقتضاء التعيين على أصل البراءة المقتضي للتخيير عند دوران الأمر بينهما، فيقال: إنّ جواز التقليد تخييرا أنّما يثبت بحكم الأصل و قاعدة الشغل المقتضية لتعيين الاجتهاد تقتضي تحريمه و هي واردة على أصل البراءة دافعة لموضوعه، فتكون بالقياس إليه بمثابة الأدلّة الشرعيّة فمقتضاها و هو التحريم ينفي مقتضى الأصل و هو الجواز التخييري.
لكن يبقى الإشكال في أنّ هذه القاعدة لا تقتضي التحريم الشرعي، بل غاية ما تقتضيه إنّما هو عدم الاجتزاء بالتقليد و نحوه في مقام الامتثال، إلّا أن يراد بالتحريم الشرعي ما يلزم من جهة التشريع و لعلّه مراد كلّ من أطلق التحريم هنا غير أنّه بعيد.
و الثاني: أنّ جواز التقليد- لو سلّمناه- إنّما يثبت بمقتضى الأصل الأوّلي و هو أصالة البراءة عن التحريم الجارية في كلّما لم يرد نصّ على تحريمه.
..........
و لكن هذا الأصل بالنسبة إلى العمل بما وراء العلم الّذي منه التقليد قد انقلب إلى أصل ثانوي و هو الحرمة المستفادة من عمومات المنع عن العمل بما وراء العلم كتابا و سنّة، و ظاهر أنّ مقتضى هذا الأصل هو الحرمة في كلّ تقليد عدا ما أخرجه الدليل الناهض مخصّصا لتلك العمومات، و عليه فالمحتاج إلى الدليل حينئذ إنّما هو الجواز لا الحرمة، و القدر المسلّم ممّا خرج بالدليل بهذا المعنى إنّما هو تقليد العامّي الصرف و العالم الغير البالغ رتبة الاجتهاد للإجماع و الضرورة، و أمّا ما عداهما كتقليد العالم البالغ رتبة الاجتهاد فلا إجماع و لا ضرورة قضت بخروجه فيبقى تحت الأصل، و مقتضاه التحريم الشرعي و هو ينفي الجواز الثابت بالأصل الأوّلي لورود الأصل الثانوي عليه، و عليه فيكون المراد بأصل العدم في الدليل المتقدّم أعني قولهم: «الجواز حكم شرعيّ فلا بدّ له من دليل، و الأصل عدمه» أصالة عدم ما ينهض مخصّصا للعمومات المحرّمة للتقليد المؤسّسة للأصل الثانوي، فالمراد من الدليل هو الدليل المخرج عن تلك العمومات، و هذا هو السرّ في افتقار الجواز إلى الدليل.
و أمّا التحريم فيكفي فيه العمومات و لا يحتاج إلى دليل آخر.
و بذلك يندفع المعارضة الّتي قرّرناها في منع الأصل المتمسّك به في نفي التقليد.
و ليس لأحد أن يعارضه: بأنّ التعويل على الاجتهاد باتّباع مؤدّياته أيضا عمل بما وراء العلم، إذ المفروض أنّها في الغالب ظنّية و لم يقم دليل علمي على التعويل عليها ليكون تعويلا على العلم الحاصل من هذا الدليل، إذ الدليل العلمي هنا إمّا الإجماع و لا إجماع لمكان الخلاف، أو الضرورة بمعنى الاضطرار و هي مبنيّة على نفي التقليد بالإجماع و فرض الخلاف هنا ينفي الإجماع أيضا فيندرج في الأصل المستفاد من العمومات المانعة عن العمل بما وراء العلم، و هذا الأصل أعمّ موردا من الأصل المستفاد من عمومات نفي التقليد كما لا يخفى.
و لا مخرج عنه هنا، فالأصل عدم ما يصلح لتخصيصها.
لما نبّهنا عليه من أنّ جواز الاجتهاد في الجملة إجماعيّ و الخلاف إنّما هو في كون هذا الجواز هل هو على جهة التعيين أو على جهة التخيير؟ و تعيين التقليد على وجه يستلزم منع الاجتهاد ممّا لا قائل به.
فالمفروض مخرج عن الأصل المذكور بالإجماع، بخلاف التقليد المتنازع فيه الّذي لا إجماع على خروجه عن الأصل.