..........
و ممّا يرشد إليه ما عليه الإجماع في آية التيمّم المعلّقة على عدم وجدان الماء من حملها على عدم التمكّن منه، كما يستفاد ذلك من الأخبار الواردة في باب التيمّم أيضا، و ليس ذلك كلّه إلّا من جهة ظهور الهيئة التركيبيّة عند العرف في التعليق على عدم القدرة و التمكّن.
و إن شئت فقل: بظهورها عرفا في انتفاء فعليّة العلم في حقّ من لا يتمكّن منه من غير جهة السؤال، على معنى انحصار الطريق بالنسبة إليه في هذا السؤال من الغير.
و يؤيّد هذا الظهور أنّه لو كانت الآية مع من يتمكّن من العلم من غير جهة السؤال أيضا أو لما يعمّه لقضى بأنّ له طريقين إلى العلم، و إرجاعه إلى طريق السؤال ليس بأولى من إرجاعه إلى الطريق الآخر، بل الأولى إرجاعه إلى هذا الطريق لأنّه أدخل في إفادة الوثوق و الاطمئنان و حصول الجزم بالمطلب، لما في طريق السؤال من الاحتمالات المانعة من هذه الامور أو المحتاجة في رفعها إلى توسيط مقدّمات كثيرة و إحراز مطالب اخر- الّذي لا يكون في الغالب إلّا بمراجعة اصول غير صالحة لإفادة العلم- ما هو في الكثرة بحيث لا يخفى، كاحتمال الكذب و التورية و التقيّة و الخطأ و السهو و النسيان و نحو ذلك، فإنّ هذه الاحتمالات المبعّدة عن الواقع قائمة في جواب المسئول و ليس شيء منها قائما في الطريق الآخر.
و المفروض أنّ المطلوب بالآية تحصيل العلم بالمطلب فمقتضى الحكمة إرجاع الجاهل إلى أسرع الطريقين و أعمّهما في إفادة العلم.
إلّا أن يدفع ذلك: بأنّه إنّما يتمّ إذا كان الغرض من الأمر بالسؤال استحصال العلم و هو في حيّز المنع، لجواز كون الغرض مجرّد العمل تعبّدا من غير نظر إلى الواقع، كما هو الحال في موارد التقليد و في سائر الأمارات الشرعيّة التعبّديّة المجعولة لمجرّد احتمال مطابقتها الواقع.
لكن نقول: مع التمكّن من العلم على نحو الاستقلال فالحمل على مسألة الغير حمل له على أهون الطريقين و أخسّهما و أردئهما، و هذا ممّا لا يكاد يتحمّله العقلاء كما يظهر وجهه بملاحظة ما سبق في ذيل الوجه الأخير من أدلّة المختار.
و الرابع: أنّ الأمر الوارد في الآية ظاهر في التعيين و هو في محلّ البحث منفيّ بالإجماع كما أشرنا إليه في صدر المسألة، و حمله على وجوب التخيير كما هو المقصود يحتاج إلى شاهد مفقود في المقام، فوجب حمله على غير المتمكّن الّذي مرجعه إلى ترجيح التقييد في مسألة دوران الأمر بينه و بين حمل الأمر على التخيير.
..........
أمّا على القول بكون الأمر مجازا في التخيير فوجهه واضح.
و أمّا على القول الآخر أو على المختار فلكون التخيير أرجح باعتبار كون الأمر أظهر في التعيين من المطلق في الإطلاق، و عليه مبنى حمل المطلق على المقيّد في نحو «أعتق رقبة» و «أعتق رقبة مؤمنة» كما حقّق في محلّه مع قيام احتمال التخيير في الأمر بالمقيّد، و إلى ذلك ينظر ما قيل في دفع الاستدلال بها من أنّ المتبادر من إطلاق الأمر الوجوب العيني، فيجب حمل الأمر في الآية عليه حملا للّفظ إمّا على الموضوع له أو على الفرد المتبادر، و هذا الوجوب منفيّ بالنسبة إلى المفروض بالإجماع فيكون متوجّها إلى العامي فيبطل التمسّك بها.
و أمّا ما قيل في دفعه: من أنّا لا نسلّم أنّ الأمر موضوع للوجوب العيني، بل هو موضوع للأعمّ من العيني.
ففيه- مع أنّ الوضع للأعمّ لا ينافي تبادر العيني من جهة الانصراف إلى أظهر الفردين و أشيعهما و هذا كاف في سقوط الاستدلال بها جزما-: أنّ التحقيق على ما قرّرناه في محلّه أنّ التعيين و التخيير بحسب الحقيقة ليسا فردين ممّا وضع له الأمر مادّة أو صيغة، و لا أنّ التخيير في موارده تصرّف في مفهوم نفس الأمر، كيف و ليس مفهوم «الأمر» بحسب الوضع إلّا الطلب الحتمي الّذي لا بدّ له من متعلّق غير أنّه قد يتعلّق بشيء واحد بعينه، و قد يتعلّق بشيئين على جهة البدليّة المسقطة لجهة التعيين عن كليهما، فالتعيين و التخيير اعتباران في متعلّق الأمر لا نفسه فيكون التخيير في مواضعه تصرّفا في المأمور به.
و حقيقة هذا التصرّف ترجع إلى اعتبار التقييد في كلّ من الشيئين أو الأشياء الواقع بينها التخيير، على معنى كون كلّ في المطلوبيّة الحتميّة مقيّدا بحالة عدم حصول صاحبه، و ظاهر أنّ التقييد كائنا ما كان لا بدّ له من شاهد و هو في المقام مفقود، و مجرّد تعذّر الحمل على التعيين من جهة الإجماع لا ينهض شاهدا بتعيين هذا التقييد، لمعارضة ما ذكرناه من التقييد مع كونه أولى و أرجح بملاحظة ما بيّنّاه، و عليه فالآية ليست مع محلّ البحث أصلا فسقط الاستدلال بها رأسا.
و ثانيها: قوله عزّ من قائل:أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ[1]لنفوذ أمرهم على الامراء و الولاة.
[1]النساء: 59.
..........
و عن الإحكام: «أنّ المراد بأولي الأمر العلماء، أمر غير العالم بإطاعة العالم، و أدنى درجاته جواز اتّباعه فيما هو مذهبه».
و الجواب عنه- بعد الإغماض عمّا تقدّم من ظهور الأمر في التعيين و هو منفيّ في المقام بالإجماع و لا شاهد للحمل بخلافه- من وجوه:
الأوّل: أنّ الاستدلال بتلك الآية و نظائرها ممّا ذكر فيه أولو الأمر لا يلائم مذهبي الفريقين العامّة و الخاصّة، لكون اولي الأمر عند الأوّلين سلاطينهم و عند الآخرين أئمّتهم المعصومين، و انتقال الأمر بعدهم في كلّ عصر إلى علماء شيعتهم على جهة النيابة العامّة لا يقضي بدخولهم في الخطاب خصوصا مع ملاحظة اختصاصه بالمشافهين، و ما عرفت من الإحكام من كون المراد بأولي الأمر العلماء غير واضح الوجه، مع ما هم عليه في اولي الأمر.
و الثاني: أنّ أوامر الإطاعة كنواهي المعصية إرشاديّة يراد بها الهداية المعرّاة عن الطلب، فهذا لا يترتّب على موافقتها و مخالفتها سوى ما يترتّب على الأوامر الخاصّة، فلا يستفاد منها الوجوب المطلوب في المقام فضلا عن كونه تخييريّا.
و الثالث: أنّ الأمر في الآية وارد بصيغة واحدة متعلّق بإطاعة الرسول و اولي الأمر، و معلوم أنّ الإطاعة باعتبار إضافتها إلى اللّه أو الرسول تعتبر عينا و لا بدل لها بهذا الاعتبار ليعتبر بينهما التخيير كما لا يخفى.
و قضيّة ذلك كونها باعتبار إضافتها إلى اولي الأمر أيضا كذلك، فيكون مفاد الآية حينئذ وجوب التعيين و هو خلاف المطلوب.
و الرابع: أنّ إطاعة اللّه و رسوله و اولي الأمر عبارة عن الانقياد و الامتثال لهم في كلّ ما يأمرون به و ينهون عنه، و الأمر بها- لو سلّم كونه أمرا حقيقيّا مرادا به الطلب الحقيقي- إنّما يرد مؤكّدا للأوامر و النواهي الخاصّة المتعلّقة بالوقائع المخصوصة حسبما يساعد عليه النظر.
و قضيّة ذلك موضوعيّة الأوامر و النواهي الخاصّة لهذا الأمر، و من البيّن أنّ تعلّق الأمر بالمكلّف و توجّهه إليه يتبع تحقّق موضوعه بالقياس إلى المكلّف على معنى كون الموضوع محرزا في حقّه، ضرورة استحالة توجّه الأمر التابع لموضوع مع انتفاء هذا الموضوع.
و المفروض أنّه لم يتوجّه من اللّه و رسوله إلى العالم البالغ رتبة الاجتهاد أمر باتّباع مجتهد غيره ليندرج ذلك الأمر في أوامر الإطاعة و يكون من جملة موضوعاتها.
..........
و كذلك لم يصدر من اولي الأمر- لو اريد بهم العلماء- أمر باتّباعهم إليه، لما عرفت من أنّه لم يوجد فيما بين العلماء من أصحابنا قول محقّق بجواز التقليد له، و لو كان فيهم قول محقّق به أو عمّم «أولو الأمر» بحيث يشمل العلماء من العامّة لم يكن مجديا لكون المسألة خلافيّة و أكثرهم يحرّمون التقليد بالنسبة إليه، فإطاعة المجوّزين يعارضها إطاعة المحرّمين و أقصى مراتبه على فرض التكافؤ و فقد المرجّح التساقط، فيبقى وجوب الاجتهاد سليما عن المعارض، و يندرج بهذا الاعتبار في أوامر الإطاعة. فالآية حينئذ تنهض دليلا على المختار.
بل لنا أن نقول: إنّ الترجيح في جانب القول بالتحريم، إذ الأمر- على ما سبق بيانه- دائر بين الحرمة عينا و الوجوب تخييرا، و الأخذ بمقتضى الحرمة لا ينافي العمل بمقتضى الوجوب تخييرا، لأنّ المأخوذ حينئذ أحد فردي الواجب التخييري، بخلاف الأخذ بمقتضى الوجوب تخييرا فإنّه ينافي العمل بمقتضى الحرمة كما لا يخفى. و من البيّن تعيّن الأخذ من المتعارضين بما لا ينافي العمل به العمل بالآخر.
و لو قرّر الأمر بإطاعة اولي الأمر بالنسبة إلى فتاوى المجتهد الآخر في كلّ واقعة بأن يقال: إنّها إمّا أمر أو نهي فتندرج من هذه الجهة في موضوع أوامر الإطاعة.
فيتوجّه إليه منع كون الإفتاء من باب الأمر و النهي و إنّما هو إخبار عن مؤدّى الاجتهاد و المذهب، و الأمر و النهي هو المخبر به المأخوذ في قضيّة هذا الإخبار، و هما بالقياس إلى من يتوجّهان فعلا راجعان إلى أوامر اللّه و رسوله و نواهيهما و لا مدخل للمجتهد المفتي فيهما.
و المفروض أنّه لم يتبيّن بالدليل توجّههما إلى محلّ البحث على وجه يكونان حكمين فعليّين بالنسبة إليه، كما أنّهما حكمان فعليّان بالنسبة إلى العامي المقلّد لهذا المفتي، لأنّ أصل الشبهة في تلك القضيّة لا غير، فمع الشكّ في اندراجها بالنسبة إليه في موضوع أوامر الإطاعة كيف يستدلّ بتلك الأوامر على وجوب اتّباعه المجتهد الآخر.
و بالجملة: فسقوط الاستدلال بتلك الآية و نظائرها في غاية الوضوح.
و ثالثها: قوله عزّ من قائل:فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ[1]الآية أوجب الحذر عند إنذار الفقيه مطلقا فيتناول العالم كالعامي.
و الجواب عن ذلك:
[1]التوبة: 122.
..........
أوّلا: بما تقدّم في أجوبة الآيتين الاوليين من أنّه لو تمّ لقضى بوجوب الحذر تعيينا و هو منفيّ بالإجماع، و ثبوت التخيير للمنذر بالإضافة إلى المنذرين لو تعدّدوا لا مدخل له بالتخيير الّذي هو محلّ البحث كما لا يخفى، فإنّ هذا التخيير بالقياس إلى اجتهاد نفس المنذر و هو العالم المتمكّن تعيين، لمنافاته قيام ما ليس من جنس الإنذار الحاصل من الغير مقامه.
و ثانيا: أنّ الآية عند التحقيق ينهض دليلا على وجوب الاجتهاد في حقّ محلّ البحث لا على جواز التقليد له، و ذلك لأنّ التفقّه المأمور به ليس إلّا عبارة عن الاجتهاد، و الأمر المتعلّق به إمّا أن يكون متوجّها إلى المتمكّنين من الاجتهاد أو إلى من يعمّهم و الغير المتمكّنين، و الثاني باطل لاستحالة التكليف بما لا يتمكّن منه. و الراجح في النظر القاصر أنّ هذا هو الوجه في تخصيص الأمر من كلّ فرقة بطائفة منهم، نظرا إلى أنّ المتمكّن منهم من الاجتهاد طائفة منهم لا جميعهم، فعلى هذا يكون الآية من الخطابات العينيّة لا الكفائيّة على خلاف ما فهمه القوم حيث يستدلّون بها على وجوب الاجتهاد كفاية بدليل تخصيص الطائفة بالذكر، مع أنّ مذهبهم في الخطاب الكفائي أنّه يتناول الجميع و يسقط بفعل البعض فيضطرّون في تصحيح الاستدلال بها- مع ظهورها في أمر الطائفة عينا- إلى تأويلها بأنّ تخصيص الطائفة بالذكر من جهة أنّها البعض الّذي يسقط بفعله الفرض عن الآخرين لا من جهة اختصاص الأمر بهم، و غفلوا عن أنّ هذا التأويل لا ينهض إصلاحا للأمر المتعلّق بالطائفة على طريق العينيّة، و من هنا ترى أنّ من خصّ فرض الكفاية بالبعض الغير المعيّن أخذ الآية دليلا على مطلوبه.
و ما استظهرناه في معنى الآية لا يستلزم إشكالا و لا افتقارا إلى التكلّف في دفعه بما لا يدفعه أصلا، فإذا كان المتمكّنون من الاجتهاد يجب عليهم الاجتهاد عينا يدخل فيهم محلّ البحث و هو المطلوب، بل الوجوب عليهم عينا عين المطلوب.
و لا ينافي ذلك للقضيّة المجمع عليها من أنّ الاجتهاد من فروض الكفاية يتعلّق بجميع المكلّفين و يسقط بفعل البعض، لأنّ هذا الاجتهاد لا بدّ و أن يراد منه غير ما هو المراد منه في محلّ البحث و هو تحمّل المشقّة في النظر في الأدلّة لاستنباط ما يستنبط منها من الأحكام، ضرورة أنّه لا يتمكّن منه إلّا بعد حصول مقدّمات وجوده من استحصال العلوم المعهودة المأخوذة من مباديه و الملكة و قوّة ردّ الفرع إلى الأصل فلا يكون ذلك ممّا يتمكّن منه
..........
جميع المكلّفين لانتفاء مقدّماته عن الجميع، فلا يعقل كون الخطاب به متوجّها إلى الجميع على نحو التخيير بل الّذي يصلح لأنّ يتوجّه الخطاب به إلى الجميع إنّما هو الاجتهاد بمعنى تحمّل المشقّة في تحصيل تلك المقدّمات مع ما في كون ذلك مقدورا لكلّ واحد من الآحاد من الإشكال ما لا يخفى، بل القدرة على هذا المعنى أيضا منتفية عن أكثرهم.
نعم القدرة على تحمّل مئونة القادر عليه عامّة لكن لا للجميع أيضا.
و بالجملة: الخطاب الكفائي في جميع مراتبه و فروضه كالخطاب العيني لا بدّ و أن يخصّ بالمتمكّنين من متعلّقه، و الّذي يسلّم كون الخطاب به كفائيّا من معنى الاجتهاد هو المعنى الثاني، فإذا قام من يقدر عليه و يقوم به الكفاية و أقدم عليه إلى أن يفرغ من استحصال المقدّمات بأسرها سقط الفرض عن الآخرين و يصير هو بذلك مجتهدا بالملكة فيتوجّه إليه حينئذ الخطاب بالاجتهاد بالمعنى الأوّل عينا، فلا تنافي بين القضيّتين أصلا.
نعم قضيّة ما فصّلناه كون الأمر بالاجتهاد بهذا المعنى مشروطا بحسب الواقع، و لا ينافيه وروده في الآية بعبارة الإطلاق لأنّ المحقّق عندنا- على ما قرّرناه في محلّه- أنّ المشروط في الحقيقة مطلق مخصوص بواجدي الشرط و إن ورد في القضيّة بعبارة التعليق و الاشتراط، فوروده في الآية مطلقا من جهة اختصاصه بموضوعه الّذي هو واجد للشرط، فليتدبّر جدّا.
و رابعها: أنّه حكم يسوغ فيه الاجتهاد، فجاز لغير العالم تقليد العالم كالعامي، لجامع العمل بالظنّ المستند إلى قول الغير.
و الظاهر أنّ الاجتهاد في عبارة هذا الدليل مراد به القياس على ما هو من مصطلح العامّة، فمحصّل الدليل حينئذ: أنّ جواز التقليد في محلّ البحث حكم يجوز فيه القياس، و قوله: «فجاز لغير العالم» إلخ تقرير لهذا القياس الجائز في هذا الحكم. فجوابه أوّلا: بمنع جواز القياس لبطلانه في جميع الأحكام.
و ثانيا: بمنع جامعيّة الجامع المذكور، فإنّ التقليد تعبّد لا أنّه عمل بالظنّ المستند إلى قول الغير.
و ثالثا: بإبداء الفارق من حيث إنّ العامي إنّما جوّز له العمل بهذا الظنّ لعدم تمكّنه من غيره بخلاف المقام.
و خامسها: الإجماع على قبول خبر الواحد عن المجتهد بل عن العامي، و وجوب عمل المجتهد اعتمادا على عقله و دينه، و هذا قد أخبر المجتهدين منتهى بذل الجهد فجواز العمل به أولى.
..........
و الجواب: منع هذا الإجماع، كيف و حجّيّة خبر الواحد معركة للآراء.
نعم هاهنا إجماع نقله الشيخ على خصوص الأخبار المرويّة عن أئمّتنا المعصومين بطرق أصحابنا، و هو لا ينفع المقام لأنّه منقول، مع عدم اندراج المقام في مورده، هذا مع منع الأولويّة على فرض صحّة الإجماع لوضوح الفرق بين الخبر عن حسّ و الخبر عن حدس و اجتهاد، و الإجماع إنّما يسلّم في الأوّل و الثاني يفارقه في قوّة احتمال الخطأ فلا يكون أولى منه في الحكم.
و سادسها: أنّه إذا ظنّ المجتهد بفتوى مجتهد آخر فقد ظنّ أنّ حكم اللّه تعالى ذلك، فيحصل ظنّ العقاب بترك العمل فيجب العمل دفعا للضرر المظنون.
و الجواب: أنّ ظنّه بفتوى مجتهد آخر المستلزم لظنّه بأنّه حكم اللّه إن اريد به ظنّه بحكم اللّه بسبب فتوى ذلك المجتهد على أن تكون الفتوى ملحوظة من باب الطريقيّة على حدّ سائر طرق الظنّ و أماراتها فهو داخل حينئذ في ظنونه الاجتهاديّة الّتي لها أسباب منها فتوى الفقيه، و لزوم اتّباعه- لو دلّ عليه دليل- لا ينافي كونه متعبّدا باجتهاد نفسه من غير أن يكون ذلك تعبّدا بفتوى الغير من حيث إنّه فتوى الغير.
و إن اريد به ظنّه به على وجه تكون عنوان فتوى الغير ملحوظا من باب الموضوعيّة.
ففيه- مع بعد اتّفاق حصول الظنّ بهذا العنوان، مضافا إلى عدم إناطة الأمر في التقليد بالظنّ فوجوده بمنزلة عدمه-: أنّه إن اريد بالحكم المظنون كونه حكم اللّه الحكم الواقعي المجعول للواقعة بحسب نفس الأمر القابل لأن يكون مع ذلك حكم اللّه الفعلي في مقام العمل الواجب اتّباعه في مقام الامتثال و عدمه، ففيه: أنّ الظنّ به من هذه الجهة لا ينافي الشكّ في كونه الحكم الفعلي الواجب اتّباعه و عدمه كما هو المفروض، فحصول ظنّ العقاب حينئذ غير معقول، ضرورة أنّ العقاب من لوازم مخالفة الحكم الفعلي و الظنّ باللازم لا يجامع الشكّ في الملزوم كما لا يخفى.
بل لنا أن نقول: إنّ مجرّد الشكّ في الملزوم يكفي في القطع بانتفاء اللازم هنا، نظرا إلى ما تقدّم من الأدلّة القطعيّة على أنّ الظنّ بنفسه لا يصلح ميزانا للحكم الشرعي.
و مع الغضّ عن ذلك فأصل البراءة الجاري في نظائر المقام يؤمننا عن العقاب فلا ضرر حينئذ ليجب دفعه، و لا يلزم من إجراء أصل البراءة في جميع الوقائع- لو فرض حصول الظنّ له في كلّ واقعة واقعة أفتى بها المفتي- الخروج عن الدين و المخالفة القطعيّة كما كان
..........
يلزم من إجرائه كذلك بالقياس إلى ظنون المجتهد نفسه على ما قرّر في تتميم دليل الانسداد، من جهة أنّ ذلك ثمّة إنّما كان لازما لأجل انحصار العلم الإجمالي في الوقائع المظنونة.
و المفروض أنّ طريق العلم الإجمالي هاهنا ليس منحصرا في فتاوى مجتهد آخر، لأنّ له طريقا آخر و هو أخذه بمؤدّى اجتهادات نفسه فيحصل التديّن و امتثال العلم الإجمالي باتّباع مؤدّى اجتهاداته البتّة و إلّا خرج الفرض عن محلّ البحث.
و إن اريد به الحكم الفعلي، ففيه: أنّ الظنّ بفعليّة فتوى هذا المجتهد المستتبع لترتّب العقاب و الضرر على المخالفة لا يجامع العلم بجواز الاجتهاد لنفسه و صحّة هذا الاجتهاد لو حصل، بل معنى الظنّ المذكور عند التحقيق الظنّ بعدم جواز الاجتهاد و عدم صحّته لو حصل، و مرجعه إلى الظنّ بعدم أهليّته للاجتهاد فيكون الفرض مخرجا له عن محلّ البحث، لأنّ تكليفه مع الشكّ في أهليّة الاجتهاد هو التقليد فيكف مع الظنّ بعدم الأهليّة.
و سابعها: أنّه لو وجب على المجتهد المفروض الاجتهاد في المسائل الّتي لم يجتهد فيها و لم يجز له التقليد فيها لوجب عليه في مدّة طويلة كعشرة سنين أو عشرين أو ثلاثين سنة ترك الاشتغال بجميع الامور الّتي تنافي الاجتهاد من الأكل و الشرب و النوم و الجماع و المصاحبة و العشرة مع العباد و المسافرة و المعاملة و نحو ذلك إلّا بقدر الضرورة، و لوجب عليه تأخير الصلاة و نحوها من العبادات الموسّعة إلى وقت الإمكان، و الثاني باطل فكذا المقدّم.
أمّا الملازمة: فلأنّ ما لا يتمّ الواجب إلّا به فهو واجب مع احتياج المكلّف إلى معرفة المسائل الكثيرة الّتي لا تكاد تحصى، كمسائل الوضوء و الغسل و التيمّم و إزالة النجاسة و الصلاة و البيع و نحو ذلك ممّا لا يتمكّن من الاجتهاد في جميعها في يوم أو يومين بل شهر أو شهرين بل سنة أو سنتين بل عشرين و ثلاثين سنة، خصوصا بالنسبة إلى صاحب الأذهان الدقيقة و الأفهام العميقة.
و أمّا بطلان التالي فلوجوه:
الأوّل: أنّا لم نجد أحدا من المتقدّمين و المتأخّرين من مجتهدي الخاصّة و العامّة من ضيّق على نفسه الأمر بعد بلوغه رتبة الاجتهاد في شطر من الزمان هذا التضييق و ترك الاشتغال بجميع المنافيات، و أخّر العبادات إلى آخر وقتها من هذه الجهة، بل نراهم يؤخّرون الاجتهاد بالسفر المباح و الأفعال الغير الضروريّة و يتسامحون فيه غاية المسامحة، و لم نجد