و قد اختلف الناس في قبوله للتجزئة بمعنى جريانه في بعض المسائل دون بعض (1)،
(1) المراد بالاجتهاد المختلف في قبوله التجزئة هو الملكة المقتدر بها على الاستنباط، و بتجزّيه كونها مقصورة على بعض المسائل قبالا للمجتهد المطلق الّذي له ملكة عامّة لجميع المسائل.
و أمّا ما عن بعضهم من توهّم كون النزاع في تجزّي الاجتهاد بحسب الفعل لا بحسب الملكة فهو و إن كان ممّا يوهمه بعض أدلّة أهل القول بإمكان التجزّي حسبما تعرفه، غير أنّه عند التحقيق ممّا لا محصّل له إلّا بأن يرجع بنحو من التأويل إلى بعض الصور الآتية، و هو تعلّق النزاع باعتبار استنباطه الفعلي الحاصل في المسألة بمقتضى ملكته المقصورة على تلك المسألة خاصّة، إذ المجتهد المتجزّي اصطلاح لهم فيما يقابل المطلق.
و من البعيد تعلّق النزاع بما لو كانت الملكة تامّة حاصلة في الجميع و الفعليّة ناقصة مختصّة بالبعض.
بل ظاهر كلماتهم يعطي إجماعهم على أنّه لا يشترط في المجتهد المطلق حصول الاستنباط الفعلي في جميع المسائل تحقّقا و لا اعتبارا شرعيّا، و لا إمكان تحقّقه إذ استند امتناعه إلى فقد شرط أو وجود مانع راجع إلى اقتضاء المقتضي و هو عموم الملكة لا إلى فقد المقتضي و إلّا كان متجزّيا.
ثمّ قبول التجزئة في عنوان المسألة إمّا أن يراد به ما هو بحسب الاصطلاح، أو ما هو بحسب التحقّق الخارجي، أو ما هو بحسب الجعل الشرعي.
فعلى الأوّل يراد به دخول ملكة البعض كملكة الكلّ في المعنى المصطلح عليه، على معنى كون الاجتهاد بحسب الاصطلاح اسما لمفهوم عامّ صادق على ملكة الكلّ و ملكة البعض و عدمه فيكون اسما لخصوص ملكة الكلّ، فيكون النزاع في أمر لفظي.
و على الثاني يراد به إمكان تحقّق ملكة البعض في الخارج كما أنّ ملكة الكلّ متحقّقة فيه مع كون الاجتهاد بحسب الاصطلاح للمفهوم العامّ.
و محصّله إمكان تحقّقه في ضمن كلّ من فرديه و عدمه، بل هو كواجب الوجود كلّي منحصر في الفرد مع امتناع فرده الآخر و هو ملكة البعض، فيكون النزاع في أمر عقلي.
و على الثالث يراد به اعتبار ملكة البعض شرعا كما يعتبر ملكة الكلّ، و معنى اعتبارها
..........
شرعا كونها منشأ لصحّة المستنبطات و صيرورتها أحكاما فعليّة يجب بناء العمل عليها شرعا، فيكون النزاع في أمر شرعي.
لكن لا خفاء في سقوط أوّل الوجوه عن البين، إذ لا كلام لأحد في ثبوت التسمية لكلا القسمين، و هو ظاهر أكثر التعاريف و لا سيّما تعريف الزبدة، و لذا صرّح الفاضل الجواد في شرح «الحكم» المأخوذ فيه بما صرّح[1].
و يكفيك شاهدا بذلك تقسيمهم المجتهد إلى المطلق و المتجزّي، فإن أوهم بعض التعاريف اختصاصه بملكة الجميع فلا يلتفت إليه بعد ملاحظة أنّ الامور الاصطلاحيّة إنّما تثبت بما عليه الأكثر و لا اعتداد بما عليه الشاذّ الأندر.
و أمّا الوجهان الآخران فكلماتهم المتعرّضة لتشخيص موضع الخلاف مختلفة، فالمعروف المصرّح به في كلام غير واحد أنّ النزاع في كلا المقامين و هو الأظهر.
و قد يخصّص الخلاف بمقام الاعتبار و يصرف عن مقام الإمكان، و منه ظاهر عبارة التهذيب قائلا: «و الأقرب قبوله التجزّي، لأنّ المقتضي لوجوب العمل مع الاجتهاد في جميع الأحكام موجود مع الاجتهاد في بعضها، و تجويز تعلّق المجهول بالمعلوم يدفعه الفرض» انتهى.
و لعلّ السرّ فيه توهّم سخافة الخلاف في مقام التحقّق، إمّا لعدم معقوليّة تجزّي الملكة كما قد يتوهّم، أو لشذوذ المخالف و ندور المنكر على وجه يعدّ إنكاره مدافعة للعيان و مكابرة للوجدان كما قيل.
و قد يعكس الأمر بتخيّل أنّ النزاع في اعتبار ظنّ المتجزّي على فرض حصوله على نحو ما يحصل للمطلق ليس على ما ينبغي، إذ الظنّ بعد اعتباره لا يتفاوت فيه الحال بين كون الظانّ مطلقا أو متجزّيا، بل الّذي يليق بأنّ ينازع فيه إنّما هو إمكان التجزّي، على معنى إمكان حصول الظنّ في بعض المسائل لغير القادر على استنباط الجميع على نحو ما يحصل للمجتهد المطلق، و هذا هو الّذي يظهر من بعض كلماتهم الآتية.
لا يقال: إنّ هذا يعطي دعوى كون النزاع في تجزّي الاجتهاد بحسب الفعل و لذا عبّر عنه بحصول الظنّ و عدمه، لمكان قوله: «لغير القادر على استنباط الجميع» فإنّه يعطي كون مفروض الكلام في صاحب الملكة الناقصة الّذي هو المتجزّي في اصطلاحاتهم، و عليه فلا بدّ
[1]راجع ص 18.
و ذلك بأن يحصل للعالم ما هو مناط الاجتهاد في بعض المسائل فقط (1)، فله حينئذ أن يجتهد فيها أو لا.
و أن يستند دعوى عدم حصول الظنّ على القول بعدم قبول التجزّي إلى فقد المقتضي له و هو أصل الملكة، لعدم إمكان تحقّقها مع البعض و لو مع وجود الدليل و دلالة الدليل الموجود و سلامته عن المعارض الّتي هي من شروط اقتضاء المقتضي على تقدير وجوده، لا إلى فقد شروط الاقتضاء أو وجود موانعه.
و قد يحتمل كون النزاع لفظيّا.
و منه ما قيل على ما حكاه شارح الوافية من «أنّه لا كلام في تجزّي العلم بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة عن أدلّته التفصيليّة فعلا، فإنّ الإحاطة بجميع الأحكام الفرعيّة بالفعل غير مقدور لأحد غير المعصوم(عليه السلام)، و لو فرض مقدوريّته فهو ليس بشرط إجماعا، و إنّما الكلام في تجزّي نفس القوّة و الملكة الّتي تسمّى اجتهادا و الظاهر أنّه غير معقول أيضا، و إنّما المتجزّي الاجتهاد الفعلي لا نفس القوّة، و لعلّ من جوّزه إنّما لاحظ ذلك فيرجع النزاع لفظيّا و إن أبته عبارات أكثرهم» انتهى.
و فيه من البعد ما لا يخفى بل ينبغي القطع ببطلانه، و ما أبعد بين ما ذكر هذا القائل من عدم معقوليّة تجزّي الملكة و بين ما ادّعاه قائل آخر من كون إنكار جواز تجزّي نفس الملكة مكابرة للوجدان، كما حكاه السيّد في شرحه للوافية أيضا قائلا: «قال بعض الفضلاء:
الحقّ أنّ التجزّي بمعنى الاقتدار على بعض المسائل دون بعض على وجه تساوي استنباط المجتهد المطلق أمر جائز بل واقع، و المنازع فيه يكاد يلحق نزاعه بالمكابرة، فإنّ الاقتدار ربّما كان على نوع خاص من الأحكام بل على صنف من الأنواع للانس بمداركه و الاطّلاع على مأخذه و استعداد النفس بسبب ذلك استعدادا قريبا للعلم بذلك الحكم من دليله و ليس هذا بمنكر، و كيف ينكره من يسلّم تجزّي الاقتدار و الاستعداد في العلوم الإلهيّة و الطبيعيّة و العربيّة و الشعر و الإنشاء و الرسائل و غيرها من الصناعات، و أنّ الفرق بينها و بين الاستعداد القريب لاستنباط الأحكام الشرعيّة تحكّم بارد و اقتراح مردود لا يرتكبه المنصف المحقّق».
(1) و التعبير بحصول مناط الاجتهاد كما هنا أو بما يرادفه كما في كلام جماعة أحقّ ممّا في الزبدة من التعبير بالاطّلاع على دلائل الحكم، و ما في المحصول من التعبير بمعرفة ما ورد في المسألة من الآيات و السنن و الإجماع و القياس، لوضوح أنّ التمكّن من استنباط
..........
الحكم الشرعي من المأخذ ليس بمجرّد معرفة ذلك المأخذ، إلّا أن يراد منها معرفتها على وجه يتمكّن معه من إعماله المستتبع للتوصّل إلى مؤدّاه من الحكم الشرعي.
و كيف كان فمقصود المقام أن يحصل لمريد الاستنباط جميع ماله دخل في المسألة المجتهد فيها من معرفة دليلها و مبادئها عربيّة و اصوليّة و رجاليّة و غيرها من المقدّمات القريبة أو البعيدة المأخوذة في الاستدلال عليها مع التمكّن من إعمالها و وضع كلّ موضعه اللائق به على وجه يختصّ جميع ذلك بمسألة أو مسألتين أو عدّة مسائل بحيث لم يكن عنده ممّا يتعلّق بسائر المسائل شيء ممّا ذكر، أو كان مع عدم وفائه بحصول ما هو الغرض من معرفة أصل الحكم، و مرجعه إلى قصور استعداده عن معرفة الحكم في باقي المسائل.
فبما شرحناه تبيّن أن ليس المراد بتجزّي الاجتهاد تبعّض الملكة التامّة الحاصلة بالقياس إلى جميع المسائل حتّى يقال: إنّها بعد حصولها أمر بسيط لا يتبعّض، أو أنّها إذا كانت من مقولة الكيف فلا يقبل لذاتها قسمة و لا نسبة.
و لا أنّ المراد بقبولها التجزئة اشتمالها باعتبار الشدّة و الضعف على مراتب، فهي في بعض المراتب قويّة و في بعضها الآخر ضعيفة و في الثالث متوسّطة و ليس ذلك إلّا من جهة قبولها الزيادة و النقصان.
و المفروض أنّ من يقول بالتجزّي فيها يرجع كلامه إلى دعوى قبولها النقص على معنى كونها حيثما حصلت ناقصة.
حتّى يرد عليه: أنّ الاختلاف من هذه الجهة لا ينافي امتناع التجزّي حسبما يدّعيه أهل القول به من أنّ ملكة استنباط بعض الأحكام لا ينفكّ عن ملكة استنباط جميعها، على معنى أنّ المتمكّن من استنباط البعض متمكّن من استنباط الجميع، و من لا يتمكّن من استنباط الجميع لا يتمكّن من استنباط البعض أيضا، فلا يتفاوت الحال عنده بين فرض كونها في مرتبة القوّة أو الضعف أو المرتبة المتوسّطة بينهما، إذ القوّة و الضعف فيها بحسب المراتب ليست باعتبار عمومها لجميع المسائل أو اختصاصها بالبعض، بل باعتبار الاختلاف فيما يترتّب عليها من حصول الاستنباط بسهولة أو صعوبة و عدم حصوله، و من التوصّل إلى الإدراكات الجزئيّة من جهتها بسرعة أو بطء و عدمه، فإنّ الملكة المقتدر بها على الاستنباط أو على الإدراك الفعليّين كلّما قويت سهل الاستنباط و حصل الإدراك بسرعة و كلّما ضعفت صعب الاستنباط و حصل الإدراك ببطء، و ذلك إمّا من جهة تفاوت انسه بمقام
[في إمكان تجزّي الاجتهاد]
ذهب العلّامة(رحمه اللّه)في التهذيب، و الشهيد في الذكرى و الدروس، و والدي في جملة من كتبه، و جمع من العامّة، إلى الأوّل (1)، و صار قوم إلى الثاني (2).
حجّة الأوّلين (3): أنّه إذا اطّلع على دليل مسألة بالاستقصاء فقد
التفريع أو من جهة اختلاف خبرته و وقوفه على طريقة الفقهاء في الدخول في المسائل و الخروج عنها، أو من جهة تفاوت ممارسته في اصول المسائل الفرعيّة و فروعها، أو من جهة الاختلاف في استحكام ما يبتنى عليها الاستنباط من القواعد الحاضرة عنده و المبادئ الحاصلة لديه، أو من جهة التفاوت في دائرة القوّة الفكريّة، أو من جهة غير ذلك من دواعي القوّة و الضعف في الملكة.
و بالجملة ليست العبرة في التجزّي بضعف الملكة بحسب الماهيّة ليكون المجتهد المطلق من له الملكة القويّة، و إن شئت فعبّر عن تجزّي الاجتهاد باعتبار الملكة بتجزّي المسائل بالإضافة إلى الملكة وجودا و عدما، بأن يكون الملكة الموجودة مقصورة على البعض قاصرة عن الباقي سواء كانت في مرتبة القوّة و الضعف أو المرتبة المتوسّطة بينهما.
(1) و في الوافية: «الأكثر على أنّه يقبل التجزئة» و في أصل الاصول: «نسبه جمع من الأصحاب إلى المشهور»، و في نسبة ذلك إلى تهذيب العلّامة إشكال لما عرفت وجهه من انطباق عبارته على دعوى قبول التجزئة في مقام الاعتبار و الحجّية، إلّا أن يقال: بأنّ تجويز التجزئة في هذا المقام يستلزم تجويزها في مقام الإمكان، ضرورة أنّ الاعتبار و الحجّية فرع الإمكان بل فرع الوقوع أيضا.
و يمكن القول بابتناء كلامه على تنزيل العنوان المعروف إلى النزاع في هذا المقام كما صنعه بعض الفضلاء و غيره لسخافة النزاع في غير هذا المقام.
(2) قال بعض الأفاضل: «و كأنّهم من العامّة إذ لم نجد في أصحابنا ممّن تقدّم على المصنّف من صرّح بالمنع منه».
أقول: و قد تقدّم فيما حكاه السيّد صدر الدين عن بعض الفضلاء وجود القول بالمنع هنا في أصحابنا أيضا.
و عن الإيضاح و المنية التوقّف، حيث ذكرا حجج القولين و لم يرجّحا شيئا.
[حجّة القول بقبول الاجتهاد للتجزّي]
(3) و المنقول من حجّة الأوّلين وجهان:
..........
أحدهما: ما تعرّض له جمع من العامّة و أشار إليه الحاجبي في مختصره و فصّله بعض شارحيه في شرحه الموسوم بالبيان و هو: أنّه لو لم يتجزّ الاجتهاد لعلم المجتهد جميع الأحكام لوجوب تمكّنه من استخراج الجميع، و التالي باطل. فإنّ مالكا مع علوّ شأنه في الاجتهاد لم يعلم الجميع، لأنّه سئل عن أربعين مسألة فقال في ستّ و ثلاثين منها: لا أدري.
و فيه: منع الملازمة تارة، و منع بطلان التالي اخرى، إذ لو اريد بالعلم و قولهم: «لعلم المجتهد جميع الأحكام» العلم الفعلي بجميع الأحكام فالملازمة ممنوعة، بناء على أنّ المانع إنّما يمنع تجزّي الملكة لا أنّه يعتبر فعليّة الجميع بل هذا ممّا لا قائل به، بل بعضهم على ما سبق في بعض الكلمات المتقدّمة أحاله، فحصول ملكة العلم بالجميع لا يستلزم العلم بالجميع فعلا.
و لو اريد به العلم الملكي بالجميع فبطلان التالي ممنوع، إذ الحكاية المنقولة عن مالك إنّما تقضي بانتفاء فعليّة الجميع و هو لا يستلزم انتفاء ملكة الجميع، مع توجّه المنع إلى كون الجواب بلا أدري من جهة انتفاء الفعليّة بالمرّة، لجواز كونه لعدم تذكّره لمؤدّى اجتهاده الفعلي لبعد عهد و نحوه.
و بالجملة «لا أدري» في جواب المسألة لا يستلزم عدم الاستنباط فعلا في جميع المسائل، لجواز طروّ نسيان المستنبط.
و لو سلّم فعدم استنباط الجميع لا يستلزم عدم التمكّن من استنباط الجميع لكون الاستنباط تدريجيّ الحصول فيحصل بمرور الدهور لا دفعة واحدة، و لو سلّم فعدم التمكّن من استنباط الجميع لا يستلزم كونه لعدم ملكة الجميع، لأنّها بالإضافة إلى الاستنباط الفعلي من باب المقتضي، و لاقتضائه شروط و موانع فعدمه قد يستند إلى فقد المقتضي و قد يستند إلى فقد شرط اقتضائه و قد يستند إلى وجود مانع له، و إنّما يكشف من انتفاء الملكة التامّة على الأوّل دون الأخيرين، فالحكاية المذكورة لا تقضي بكون مالك متجزّيا على معنى كون ملكته ناقصة مقصورة على بعض المسائل، لكون انتفاء فعليّة الجميع على فرض تسليمه قد يجامع الملكة التامّة و قد يجامع الملكة الناقصة فيكون أعمّ من جهات عديدة، و لا يعقل دلالة الأعمّ على الأخصّ.
و ثانيهما: ما نقله المصنّف و قرّره شارح المختصر في بيانه من: أنّه إذا اطّلع المستفرغ على أمارات مسألة فهو و غيره- أي المجتهد المطلق- سواء في تلك المسألة، فكما يتمكّن
..........
المجتهد المطلق من استخراج حكم تلك المسألة يتمكّن المستفرغ أيضا.
و أورد عليه: بأنّا لا نسلّم أنّه و المجتهد المطلق سواء في تلك المسألة، فإنّه قد يكون ما لم يعلمه متعلّقا بتلك المسألة فلا يتمكّن من استخراج حكمها بخلاف المجتهد المطلق فإنّه يتمكّن لعلمه بما يتعلّق بتلك المسألة و ما لا يتعلّق.
و ملخّصه: أنّه قد يكون فيما لم يعلمه من أمارات بقيّة المسائل و أدلّتها ما يناقض مقتضي ما علمه من أمارات تلك المسألة من مقيّد أو مخصّص أو ناسخ أو قرينة مجاز أو غير ذلك من أنواع المعارض، و هذا الاحتمال ما دام قائما فهو مانع من استخراج حكم المسألة، و هذا معنى عدم تمكّنه من الاستخراج.
و اجيب عنه تارة: بالنقض بالمجتهد المطلق إذ المعتبر فيه وجود الملكة التامّة لا الإحاطة الفعليّة، فيأتي في حقّه الاحتمال الآتي في حقّ المتجزّي لتساويهما في منشأه، فإنّ وجود الملكة على هذا التقدير لا يوجب الاطّلاع على المعارض.
إلّا أن يدفع بالفرق بأنّ المطلق يقدر على رفعه بالفحص في أمارات سائر المسائل لعموم ملكته و المتجزّي لا يقدر عليه لقصور ملكته.
و سيظهر ضعفه بمنع الملازمة بين قصور ملكة استخراج الحكم و بين العجز عن رفع احتمال وجود المعارض ظنّا أو علما عاديّا.
و اخرى: بفرض مساواته المطلق، فإنّ المفروض استكماله جميع ما يتعلّق بالمسألة من الأمارات و معارضاتها و مبادئها- تصوّريّة و تصديقيّة- على نحو ما يفرض للمطلق بالقياس إلى تلك المسألة، و كونه لا يعلم أمارات بقيّة المسائل لقصوره عن الإحاطة التامّة غير قادح في معرفة متعلّقات تلك المسألة.
و القول بعدم إمكان العلم بعدم المعارض من مخصّص و نحوه بدون الإحاطة بجميع مدارك الأحكام فبطل التساوي.
يدفعه: أنّ إنكار حصول الظنّ بعدم المعارض في حقّه و لو بتصريح غيره من أهل البصيرة بهذا الشأن مكابرة، بل قد يحصل له العلم العادي من العادة بالعدم، فإنّ المسائل الّتي وقع الخلاف فيها أوردها كثير من الفقهاء في كتبهم الاستدلاليّة و استدلّوا عليها إثباتا و نفيا ممّا يحكم العادة بأن ليس لها مدارك غير ما ذكروه، و لا أقلّ من حصول ظنّ متاخم بالعلم و هذا كاف في معرفة حكم المسألة ظنّا، مع أنّا نقول: يكفينا عدم إحاطته بجميع
..........
الآيات المتعلّقة بالأحكام، إذ المعلوم أنّه لا تعلّق للآيات المتعلّقة بالفرائض بالمسألة الصلاتيّة إذا فرضنا المتجزّي مستفرغا في المسألة الصلاتيّة قاصرا نظره عن الفرائض.
و مع الغضّ عن ذلك نقول أيضا: ربّما يحيط علم المتجزّي بجميع الأحاديث المتعلّقة بأبواب الفقه كلّها من حيث إنّه ليس فيها ما يعارض دليله مع عدم قدرته على استنباط ما يتعلّق بها من المسائل منها، أ ما تجد من نفسك تقدر أن تعلم أنّ قوله(عليه السلام): «تدرأ الحدود بالشبهات» ليس معارضا لقوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «لا صلاة إلّا بطهور» مع عدم قدرتك على استنباط ما يمكن استنباطه منه من الأحكام.
و اعترض عليه العلّامة البهبهاني في رسالته في الاجتهاد و الأخبار بوجوه مرجع بعضها إلى ما تقدّم و نذكرها ملخّصا:
أحدها: أنّ ما فرضتموه إنّما هو حصول جميع ما هو أمارة في تلك المسألة في ظنّه نفيا و إثباتا و ذلك كيف ينفعه في أن يحصل له ضابط الاجتهاد في الواقع، مع أنّ الكلّ متّفقون على أنّه ما لم يحصل له الظنّ بعدم المانع من مقتضي ما يعلمه من الدليل لا يصحّ له الاجتهاد.
و ثانيها: أنّ المجتهد المطلق بعد إحاطته بجميع مدارك الأحكام و علمه فالظاهر أنّه يحصل له العلم بعدم مدخليّة الغير، و دعوى مساواة العلم للظنّ كما ترى.
و ثالثها: أنّ حصول العلم للمتجزّي ممّا ذكرت فساده ظاهر كما لا يخفى، كيف و اطّلاع المتأخّرين على بعض ما لم يطّلع عليه المتقدّم منهم أكثر من أن يحصى.
و رابعها: أنّه على تقدير ما لو قلنا بحصول الظنّ للمطلق فدعوى التساوي أيضا مكابرة، لاطّلاعه على ما اطّلع عليه المتجزّي و على جميع مدارك الأحكام، و عدم تأثير الاطّلاع، عليها و عدم حصول التفاوت بسببه أصلا مباهتة بيّنة، إلّا أن يكون غرضهم التساوي في نفس الظنّ لا في مقداره و مرتبته، على أنّه على تقدير تسليم التساوي في مقداره فتساويهما في الحجّية محلّ تأمّل.
و لا يخفى ما في هذه الوجوه من الضعف و التعسّف.
أمّا في الوجه الأوّل: فلأنّه إن اريد بذلك أنّ ظنّ عدم المانع لا يتأتّى لمن حصل عنده جميع ما هو أمارة في المسألة في ظنّه فهو قريب من مدافعة الضرورة، لأنّ ظنّ عدم المانع مع الظنّ بحصول جميع ما هو أمارة في تلك المسألة ضروريّ الحصول و إنكاره يلحق