[أدلّة القول المختار]
و التحقيق عندي في هذا المقام: أنّ فرض الاقتدار على استنباط بعض المسائل دون بعض، على وجه يساوي استنباط المجتهد المطلق لها، غير ممتنع (1) و لكن التمسّك في جواز الاعتماد على هذا الاستنباط بالمساواة فيه للمجتهد المطلق (2)
(1) لوضوح أنّ هذا الاقتدار هيئة في النفس تنشأ من ممارسة مسائل الفنّ و استحضار مبادئها- تصوّريّة و تصديقيّة- و غيرها ممّا يتعلّق بها من الأدلّة، و التمكّن من معرفة وجوه دلالات الأدلّة و دفع معارضة معارضاتها و إعمال مبادئها حين النظر، و معلوم أنّه ليس كلّ مسألة بحيث يحتاج فيها إلى إجراء جميع الأدلّة و إعمال كلّ المبادئ من مسائل جميع العلوم عربيّة و اصوليّة و رجاليّة و غيرها فيها.
فمن الجائز أن يكون الممارسة مقصورة على بعض أبواب الفقه بل على صنف خاصّ من مسائل هذا الباب، فإذا ابتلى العالم الممارس في هذا المقدار بمسألة أو عدّة مسائل منه و عرف مع ذلك جميع ما يتعلّق به من الأدلّة و مسائل كلّ علم ممّا ذكر و غيره على قدر ما يحتاج إليها فيه، و تمكّن من إعمال ما عرفه من مسائل كلّ علم في موضع حاجته و صنع ما لزمه للنظر و راعى جميع ما له دخل في حصول المعرفة حسبما يصنعه المطلق يحصل له الظنّ حسبما طلبه على نحو ما يتّفق حصوله للمطلق.
و بالجملة هذا كلّه واضح و إنكاره دفع للضرورة فلا يلتفت إليه.
[في حجّيّة ظنّ المتجزّي]
(2) هذا تعرّض لحكم المتجزّي بالقياس إلى مقام اعتبار اجتهاده و حجّية ظنّه، و ينبغي قبل الخوض في الترجيح و الاستدلال التنبيه على امور من باب المبادئ.
الأمر الأوّل: في أنّه في وجوب عمل المتجزّي بظنّه تعيينا أو رجوعه إلى التقليد كذلك، أو أخذه بالاحتياط كذلك، أو جواز الأوّلين أو الأخيرين أو الأوّل و الأخير أو الجميع تخييرا، أو تعيّن العمل بالظنّ إن كان مسبوقا بالاجتهاد المطلق، و تعيّن التقليد إن كان مسبوقا بالتقليد، و تعيّن الاحتياط أو التخيير بينه و بين العمل بالظنّ أو التقليد أو بينه و بينهما إن لم يكن مسبوقا بشيء من الأمرين، وجوه جارية في حقّه ابتداء و في بدو النظر.
لكن ما عدا الأوّلين هاهنا ساقط عمّا بين العلماء لعدم قائل من العامّة و الخاصّة، و عدم وجود قول محقّق بشيء من المذكورات عدا ما رجّحه ببعض الفضلاء من التفصيل بين سبق التقليد أو الإطلاق فيأخذ بمقتضى الاستصحاب فيهما، و عدم سبق شيء منهما فيبنى
..........
التخيير، و أمّا غيره من أصحابنا المتقدّمين عليه فلم ينقل منهم إلّا تعيّن العمل بالظنّ أو تعيّن الرجوع إلى التقليد فإنّهم اختلفوا على قولين:
أحدهما: جواز أن يعمل بظنّه، صار إليه العلّامة في التهذيب و المبادئ و القواعد و التحرير- على ما حكي عنها- و عزى أيضا إلى الذكرى و السرائر و المقاصد العليّة و شرح الألفيّة لوالد البهائي و الزبدة و كشف اللثام و الوافية و المحصول و شرح الشرح، و شرح المعالم لابن التلمساني.
و في المفاتيح: و بالجملة الظاهر أنّه مذهب المعظم.
و في أصل الاصول- بعد قوله: و هل هو حجّة له أو لا؟- قال: و المشهور الأوّل. لكن في كلام الفاضل المتقدّم ذكره القائل بالتفصيل المذكور ما يقضي بإنكاره الشهرة المدّعاة هنا، حيث إنّه قال: «و لم يثبت القول بحجّية نظر المتجزّي بهذا المعنى إلّا من بعض المتأخّرين، و لم يتعرّض الشيخ و السيّد لهذا المبحث في العدّة و الذريعة، و لا المحقّق في اصوله فما ظنّك بغيرهم من المتقدّمين عليهم.
و الظاهر أنّ مرادهم بالجواز هنا- على ما يستفاد من أدلّتهم- الجواز في ضمن الوجوب تعيينا لا مطلقا».
و ثانيهما: ما صار إليه المصنّف من منع الجواز و إنكار حجّية ظنّه. و يستفاد من المحقّق البهبهاني أيضا في رسالته في الاجتهاد و الأخبار، و حكاه في المفاتيح عن والده أعلى اللّه مقاماته، و نسب أيضا إلى السيّد العلّامة بحر العلوم(قدّس سرّه)و يظهر الميل إليه من بعض الأفاضل، و لم نقف ممّن تقدّم على المصنّف على من صار إليه و لا على حكاية المصير إليه عن غيره ممّن تقدّم عليه.
نعم عن بعض الأفاضل أنّه نقل عن ظاهر الشيخ في بعض مصنّفاته القول بالمنع عليهم.
إلى أن قال:
«و بالجملة فكلمة المتعرّضين من أصحابنا لهذه المسألة ليست جارية على مورد واحد، فدعوى قيام الشهرة على حجّية نظر المتجزّئ بالمعنى الأخير غير مسموعة».
الأمر الثاني: أنّه يمكن أن يكون بناء المسألة على أنّ جواز التقليد هل هو معلّق على عدم التمكّن من الاجتهاد أو عدم حصوله فعلا، فالمدّعي لجوازه مع حصول الأمرين يطالب بالدليل و مع انتفائه يتعيّن العمل بالاجتهاد.
أو هو معلّق على انتفاء الدليل على الاجتهاد، فالمدّعي لجواز العمل به يطالب بدليله و مع انتفائه يتعيّن الرجوع إلى التقليد.
..........
و ربّما يستفاد ذلك من العلّامة البهبهاني حيث إنّه في جملة ما ذكره في دفع الاستدلال على منع التقليد بأنّه خلاف الأصل خرج العامي لدليل فبقى الباقي قال: «على أنّ الظاهر أنّ فرض من لا يعلم الرجوع إلى من يعلم و الأخذ منه و أنّه مسلّم عند الكلّ، فإنّهم يستدلّون بجواز الاجتهاد و لا يستدلّون بجواز تقليده، و ظاهرهم أنّ بعد عدم ثبوت جواز الاجتهاد يعيّنون العمل بالتقليد» انتهى.
و هاهنا وجه ثالث و هو توقّف كلّ من العمل بالاجتهاد و العمل بالتقليد على نهوض الدليل عليه بعد انتفاء الدليل على الآخر.
و بعبارة اخرى: تعيّن كلّ منهما على وجود المقتضي و فقد المانع، فلا يكفي في شيء منهما مجرّد انتفاء الدليل على الآخر.
و لك أن تقول في تقرير الوجوه الثلاث المذكورة: بأنّه بعد تعذّر العلم بأحكام اللّه المعلومة بالإجمال و عدم التمكّن من امتثالها العلمي هل الأصل هو العمل بالاجتهاد إلّا ما خرج بالدليل؟ أو الأصل هو العمل بالتقليد إلّا ما خرج بالدليل؟ أو لا أصل في البين أصلا بل لا بدّ في تعيّن كلّ من الأمرين من نهوض الدليل عليه بالخصوص فلا يكفي فيه مجرّد عدم الدليل على صاحبه.
و منشأ هذه الوجوه أنّه يستفاد من عمومات الآيات و الأخبار من الاصول الأوّلية ثلاثة اصول:
أحدها: أصالة حرمة العمل بما وراء العلم، و هذا يعمّ العمل بالظنّ و العمل بالتقليد و غيرهما.
و ثانيها: أصالة حرمة العمل بالظنّ.
و ثالثها: أصالة حرمة العمل بالتقليد، إلّا أنّ الأوّل بعد تعذّر العلم و انسداد سبيله قد خصّص بالقياس إلى المجتهد و المقلّد و من تردّد بينهما، كما أنّ الثاني خصّص بالقياس إلى المجتهد المطلق، و الثالث قد خصّص بالقياس إلى العامي و العالم الغير البالغ رتبة الاجتهاد.
و أمّا العالم المتجزّي فبعد خروجه كالمطلق عن الأصل الأوّل بما ذكر يمكن كونه مخرجا أيضا كالمطلق عن أوّل الأصلين الأخيرين، بدعوى: أنّ الأصل بعد تعذّر العلم العمل بالاجتهاد إلّا في حقّ من لم يتمكّن منه كالعامي و من بحكمه.
كما يمكن كونه مخرجا عن ثاني الأصلين الآخرين بدعوى: أنّ الأصل بعد تعذّر العلم العمل بالتقليد إلّا في حقّ من قام الإجماع على تعيّن الاجتهاد عليه كالمجتهد المطلق.
كما يمكن عدم كونه مخرجا عن شيء من الأصلين على التعيين، بدعوى: أنّه بعد تعذّر
..........
العلم ليس في البين أصل كلّي قاض بتعيين أحد الأمرين إلّا ما خرج بالدليل، بل الحكم بجواز أحد الأمرين تابع لدليله الخاصّ به.
و هاهنا وجه آخر و إن كان ضعيفا من جهة مخالفته الإجماع ظاهرا و هو كونه مخرجا عن الأصلين معا فيلزم منه جواز الأمرين له معا على وجه التخيير.
و على الوجه الثالث بطل الاستدلال على منع العمل بالاجتهاد هنا بأنّه خلاف الأصل خرج المطلق لدليل فبقي الباقي، كما أنّه بطل الاستدلال على منع التقليد بأنّه خلاف الأصل خرج العامي لدليل فبقي الباقي، لأنّ هذا الأصل في كلّ من الطرفين معارض بمثله في الطرف الآخر، فالعمل بهما معا مخرج للمتجزّي عن طريقي الاجتهاد و التقليد معا و هو خلاف الإجماع ظاهرا، و بأحدهما معيّنا تحكّم.
كما أنّه على الوجه الثاني- على فرض صحّته- بطل الاستدلال على منع التقليد هنا بكونه خلاف الأصل، لانقلاب هذا الأصل بعد انسداد باب العلم بأصالة الجواز إلّا ما خرج بالدليل على الفرض، إلّا أن يكون المستدلّ ممّن ينكر هذا الوجه باختيار الوجه الأوّل.
و على الوجه الأوّل- على فرض صحّته- بطل الاستدلال على منع العمل بالاجتهاد بكونه خلاف الأصل، لانقلاب هذا الأصل بعد انسداد باب العلم بأصالة الجواز إلّا ما خرج بالدليل على الفرض، إلّا أن يكون المستدلّ ممّن ينكر هذا الوجه باختيار الوجه الثاني.
و كيف كان فكلماتهم في هذه المسألة في غاية الاضطراب و طرقهم في الاستدلال على كلّ من القولين في كمال التشويش، و مبنى الاختلاف فيها إمّا على اختلافهم في الوجهين الأوّلين كما يساعد عليه احتجاج كلّ من الطرفين لإثبات مطلوبه بالأصل أو على الاتّفاق على الوجه الثالث كما يساعد عليه احتجاجهم بأدلّة اخر غير الأصلين و إن كان يأباه الاحتجاج بالأصل كما عرفت.
و تحقيق المقام في تأسيس الأصل أن يقال: أنّ عمدة دليل تعيين المرجع حال انسداد باب العلم إنّما هو حكم العقل بواسطة مقدّمات دليل الانسداد، و ليس موضوع حكم العقل هنا عند التحقيق المجتهد المطلق و لا المقلّد و لا الظنّ بالخصوص و لا التقليد كذلك، بل موضوعه المكلّف و حكمه إلزام المكلّف بالرجوع إلى ما هو أقرب إلى العلم، فإنّه بعد إبطاله اعتبار العلم باستلزامه التكليف بغير المقدور و احتمال الاحتياط باستلزامه العسر و الحرج المخلّين بنظم المعاد و المعاش المنفيّين بحكمه و حكم الشرع معا يلزم المكلّف من
..........
الطرق المحتملة في حقّه بما هو أقرب إلى العلم بعد الاحتياط ممّا لم يستلزم محذوريهما، و هو في حقّ المجتهد أخذه بمؤدّى اجتهاد نفسه كائنا ما كان لا أخذه بمؤدّى اجتهاد غيره الحاصل بالتقليد، لأنّ في فتوى الغير و إخباره عن مجتهداته من الاحتمالات المبعدة عن العلم و الواقع ما لا يجري في أخذه بمؤدّى اجتهاد نفسه كما سبق ذكره مفصّلا في المسألة السابقة.
و أمّا في حقّ المقلّد و إن كان الأقرب أيضا هو الأخذ بمؤدّى الاجتهاد، لكن إلزامه به يفضي إلى محذور العلم أو إلى محذور الاحتياط على سبيل منع الخلوّ بالنظر إلى النوع المختلف أشخاصه في حالاتهم، فلم يبق له ما يرجع إليه حينئذ إلّا التقليد و الأخذ بمؤدّيات اجتهاد غيره من المجتهدين.
و هذا كلّه بالنسبة إلى المجتهد المطلق و العامي بالمعنى الأعمّ من العالم الفاقد لملكة الاجتهاد واضح.
و أمّا بالنسبة إلى العالم المتجزّي فالرجوع إلى كلّ من الطريقين ممكن في حقّه من دون محذور، و الشبهة إنّما هي في تعيين ما هو أقرب منهما إلى الواقع في حقّه ليندرج في موضوع حكم العقل و تشمله حكمه بلزوم الرجوع إلى الأقرب، فإن تبيّن كون الأقرب في حقّه الأخذ بمؤدّى اجتهاد نفسه تعيّن له ذلك بحكم العقل، و إن تبيّن كون الأقرب في حقّه الأخذ بمؤدّى اجتهاد غيره من المجتهد المطلق تعيّن له ذلك، و إن تبيّن كون الطريقين من جهة القرب و البعد بالنظر إلى الواقع في مرتبة واحدة من غير مزيّة لأحدهما على الآخر كان حكمه التخيير بينهما.
و قد عرفت أنّ مناط القرب و البعد بقلّة الاحتمالات المبعدة عن الواقع و كثرتها، و مثلهما ضعف الاحتمال المشترك بينهما في أحدهما و قوّته في الآخر، و حينئذ فملاحظة كون احتمال الخطأ بالنظر إلى مقام الاجتهاد في حقّ المتجزّي أقوى منه في حقّ المطلق لنقصان ملكته و كمال ملكة المطلق تقضي بكون الأقرب في حقّه الأخذ بمؤدّى اجتهاد المطلق.
لكن النظر في أنّ فتوى المطلق يجري فيه من احتمال الخطأ فيها زائدا على ما كان محتملا في اجتهاده و احتمال السهو و النسيان و الكذب و التورية و القصور في التأدية و إرادة خلاف ظاهر اللفظ بلا قرينة أو مع قرينة خفيّة أو مع قرينة مغفول عنها و نحو ذلك ما لا يجري في مؤدّى اجتهاد نفسه كما لا يخفى تقضي بكون الأقرب في حقّه الأخذ بمؤدّى اجتهاد
..........
نفسه، و هذا هو الأقوى في النظر القاصر لأنّ بعد اجتهاد نفسه من جهة نقص ملكته لا يقاوم بعد فتوى المطلق من جهة ما ذكرناه من الاحتمالات.
و بعبارة اخرى: فتوى المطلق مع ملاحظة الاحتمالات المذكورة الجارية فيها أبعد عن الواقع من مؤدّى اجتهاد نفسه مع ملاحظة نقصان ملكته الموجب لقوّة احتمال خطائه في مقام اجتهاده، هذا مع إمكان المنع عن إطلاق دعوى كون احتمال الخطأ في مقام الاجتهاد بالنسبة إلى المتجزّي أقوى منه بالنسبة إلى المطلق كما ستعرف وجهه.
بل التحقيق أنّ هذا الاحتمال بملاحظة ما سنقرّره بالنسبة إلى كليهما في مرتبة واحدة.
فبما قرّرناه تبيّن الحقّ في المسألة و وجهه، فإنّ الأصل الثانوي كما أنّه يخرج المكلّف عن أصالة حرمة العمل بما وراء العلم فكذلك يخرجه عن أصالة حرمة العمل بالظنّ في مقابلة التقليد و يقضي بوجوب العمل به إلّا ما خرج بالدليل كما في العامي الغير المتمكّن من الاجتهاد.
فتبيّن أنّ الأقوى من الوجوه المتقدّمة هو الوجه الأوّل، و أنّ مدرك هذا الأصل هو العقل القاطع، فاحفظ ذلك و اغتنم.
الأمر الثالث: في كلام غير واحد من الأعيان حكاية نفي الخلاف في جواز تجزّي الاجتهاد في مسائل اصول الفقه على وجه يظهر منهم الاعتراف بالجواز فيها، و علّله جماعة منهم المحقّق السلطان بأنّ مناط الاستدلال في أكثر مسائلها الأدلّة العقليّة و لا دخل فيها كثيرا لزيادة التتبّع، و ليس فيها احتمال المعارض لاستقلال العقل في إدراك كلّ مسألة منها بدون ملاحظة مسألة اخرى بحيث يجزم بانتفاء المعارض نظير الاجتهاد في المسائل الحكميّة بخلاف المسائل الفرعيّة.
و لا يخفى أنّ قضيّة التعليل كون المراد بما نفي الخلاف فيه بالقياس إلى مسائل الاصول هو التجزّي في المقام الأوّل المتقدّم ذكره- أعني مقام الإمكان- كما يظهر بالتأمّل في مساقه مع مراجعة ما تقدّم من مستند المانع ثمّة من أنّه كلّما يقدّر جهله يجوز تعلّقه بالحكم المفروض فلا يحصل له ظنّ عدم المانع من مقتضي ما يعلمه من الدليل.
و قد يتراءى من بعض العبارات تنزيل ما ذكر من نفي الخلاف إلى المقام الثاني الّذي نحن بصدد البحث عنه، حيث يقال في دفع ما سيأتي من إشكال الدور من أنّ القطعي- و هو الإجماع- دلّ على جواز العمل بالظنّ الحاصل في المسائل الاصوليّة، و التجزّي من المسائل
..........
الاصوليّة، فإذا ظنّ بصحّته جاز الاعتماد على هذا الظنّ لكونه ظنّا في الاصول فيجوز إجماعا.
و وجه انطباق العبارتين أنّه لو حصل له ظنّ ببعض المسائل الاصوليّة الّتي منها جواز تجزّي الاجتهاد فيجوز العمل بهذا الظنّ بلا خلاف، على معنى عدم الخلاف في جواز التجزّي في المسائل الاصوليّة لإجماعهم على جواز العمل بالظنّ فيها.
و فيه من الضعف ما لا يخفى، لوضوح المنع من المقدّمتين معا:
إحداهما: استلزام الإجماع على جواز العمل بالظنّ في المسائل الاصوليّة لعدم الخلاف في جواز عمل المتجزّي فيها بظنّه الحاصل فيها.
و اخراهما: جواز العمل بالظنّ في المسائل الاصوليّة على إطلاقه و انعقاد الإجماع عليه.
أمّا سند منع المقدّمة الاولى: فلأنّ الإجماع على جواز العمل بالظنّ في المسائل الاصوليّة على فرض انعقاده ليس بأقوى من الإجماع على جواز العمل به في المسائل الفرعيّة على فرض انعقاده، فكما أنّ الثاني بمجرّده لا يستلزم الإجماع على جواز عمل المتجزّي بظنّه في المسائل الفرعيّة فكذلك الأوّل، لجواز كونه كالثاني مخصوصا بذي الملكة التامّة بالقياس إلى المسائل الاصوليّة، فلا يتناول المتجزّي ليلزم منه عدم الخلاف في جواز تجزّي الاجتهاد في المسائل الاصوليّة بالمعنى المبحوث عنه في المقام الثاني.
و أمّا سند منع المقدّمة الثانية: فلمنع الإجماع على جواز العمل بالظنّ في المسائل الاصوليّة، كيف و قد تكرّر في كلام غير واحد نقل الشهرة بخلافه.
و إن شئت لاحظ كلام الوحيد البهبهاني قائلا- بعد ما حكى دعوى الإجماع هنا- «و فيه: منع تحقّق الإجماع على ما ذكر، كيف و المشهور بل كاد يكون إجماعا أنّ الظنّ في الاصول غير معتبر، فتدبّر.
و لو سلّم فإجماع الاصوليّين- يعني مجرّد اتّفاقهم- حصول القطع منه محلّ نظر بل الظاهر عدمه» انتهى.
و من هنا قد يلزم القائل بجواز العمل بالظنّ فيها بأنّه ممّا يستلزم عدمها، إذ المشهور عدم حجّية الظنّ فيها و الشهرة ممّا يفيد الظنّ بالمطلوب، و جواز العمل بالظنّ مسألة اصوليّة و التعويل على الظنّ بعدم الجواز الحاصل من الشهرة يوجب عدم جواز التعويل عليه في المسائل الاصوليّة.
..........
و بالجملة الظنّ في المسائل الاصوليّة أمر خلافيّ، فمنهم من صرّح بطرد المنع عن الحجّية بالقياس إليها و إلى المسائل الفرعيّة، و منهم من عكس الأمر.
و منهم من منعها في الاصوليّة مع مصيره إليها في الفرعيّة تعليلا بعدم الانسداد الأغلبي في الاصوليّة الّذي هو مناط الحجّية.
و منهم من فصّل في الاصوليّة بين ما كان منها من قبيل كون: «الخبر حجّة» و «الكتاب حجّة» فعدم الحجّية، و بين ما كان منها من قبيل كون: «الأمر للوجوب، و النهي للتحريم» و غير ذلك ممّا يتعلّق بالألفاظ فالحجّية.
مع أنّ حجّية الظنّ في المسائل الاصوليّة ممّا لم نتحقّق معناه، فإنّ المسائل الاصوليّة- بمعنى المسائل المدوّنة في الكتب الاصوليّة أعمّ ممّا كان من قبيل مسائل أصل الفنّ المقصودة من وضعه أصالة و مبادئها اللغويّة و الأحكاميّة و غيرها- ليست إلّا كمسائل سائر العلوم غير علم الفقه فهي امور واقعيّة، فإن اريد بحجّية الظنّ فيها كونه طريقا مثبتا لها بحسب الواقع فهو غير معقول، ضرورة عدم الملازمة بين الظنّ بالشيء و ثبوته في الواقع، كيف و إنّ الظنّ ممّا اخذ في ماهيّته احتمال الخلاف و أنّه كثيرا ما لا يصادف الواقع. و إن اريد به كونه موجبا لترتيب آثار الواقع على المظنون و إن لم يكن واقعا في نفس الأمر، على معنى كون الظنّ بجواز اجتماع الأمر و النهي موجبا للحكم بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة و إن لم يكن كذلك في الواقع، و الظنّ باقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ضدّه الخاصّ موجبا للحكم بحرمة الأضداد الوجوديّة للمأمور به و إن لم يكن كذلك في الواقع و هكذا، فهو ممّا لا بدّ له من دليل قطعي و وجوده غير ثابت و الإجماع المدّعى غير مسموع، و جريان دليل الانسداد فيه كجريانه في الظنّ في المسائل الفرعيّة غير مسلّم لعدم جريان جملة من مقدّماته هنا.
و دعوى أنّ هذا الظنّ يتولّد منه الظنّ بالحكم الفرعي و يستلزمه كما في الأمثلة المذكورة فيصير حجّة لعين ما دلّ على حجّية الظنّ في الأحكام الفرعيّة مردودة على مدّعيها، كيف و الغرض المهمّ في المقام إثبات الظنّ في المسألة الاصوليّة من حيث إنّها مسألة اصوليّة.
و ما ذكر من الطريق على فرض تماميّته و اطّراده في جميع المسائل ليس إلّا إثباتا للظنّ في المسائل الفرعيّة لدليلها الغير الجاري في المسائل الاصوليّة من هذه الحيثيّة، كيف و قيام الظنّ في المسألة الاصوليّة بالقياس إليه في المسألة الفرعيّة على التقرير المذكور