..........
و القول بأنّ غاية الأمر حينئذ هو جواز الاعتماد على ظنّه في بعض الفروض النادرة ممّا لا يمكن فيه مراعاة الحائط بشيء من وجوهها لمكان الضرورة و أين هذا من المدّعى؟
يدفعه: أنّ هذا عين المدّعى في مقابلة القول بتعيّن التقليد في حقّه مطلقا، نظرا إلى أنّ حكم العقل بجواز الاعتماد على الظنّ ممّا لا يتأتّى إلّا إذا قام الضرورة و الاضطرار إليه، و لذا ترى أنّ موضوعه ما يكون أقرب إلى العلم الغير المستتبع للمحاذير الّتي كان يستتبعها الأخذ بالعلم أو الاحتياط أو غيرهما ممّا احتمل كونه مرجعا.
و بالجملة الاحتياط ما لم يمنع وجوبه بالعقل أو الشرع لم يقم ضرورة إلى الأخذ بالظنّ حتّى بالنسبة إلى المطلق و معه يمتنع من العقل تجويز العمل بالظنّ، لما تقدّم ذكره مرارا من أنّ الامتثال العلمي و لو إجمالا مع إمكانه و عدم نهوض ما دلّ من الشرع على نفي اعتباره ممّا لا يجوز في حكم العقل العدول عنه، و فرض الضرورة بالنسبة إلى المتجزّي إنّما يتأتّى إذا اتّفق اجتهاده فيما لا يمكنه الأخذ بالحائط فيه من المسائل، و ثبوت جواز اعتماده على هذا الاجتهاد يكفي في نقض مقالة المانع لرجوع كلامه إلى دعوى السلب الكلّي كما لا يخفى.
الحجّة الثانية عموم ما دلّ على المنع من التقليد،
خرج عنه العامي الصرف الغير المتمكّن من الاجتهاد بالإجماع و غيره فيبقى الباقي الّذي منه المتجزّي بالنسبة إلى ما اجتهد فيه تحت العموم، فيتعيّن عليه العمل باجتهاده حينئذ إذ لا قائل بغيره.
و قد تقدّم منّا عند تأسيس الأصل ما يقضي بضعف ذلك، من حيث إنّ نظير هذا الكلام يجري بالقياس إلى الأخذ بالاجتهاد لاندراجه في عموم ما دلّ على المنع من العمل بالظنّ، و لذا عورض بما في كلام غير واحد من أنّ التقليد كما أنّه خلاف الأصل و ينفيه عموم ما ذكر فكذلك العمل بالظنّ أيضا خلاف الأصل و ينفيه عموم آيات الذمّ على العمل به، و العمل بالاجتهاد عمل بالظنّ.
غاية الأمر خروج المجتهد المطلق بالدليل و يبقى تحته الباقي الّذي منه المتجزّي.
و قرّره بعض الفضلاء: «بأنّه كما يمكن التمسّك بتحريم التقليد على جواز العمل بالظنّ إذ لا قائل معه بغيره، كذلك يمكن التمسّك بتحريم العمل بالظنّ على جواز التقليد إذ لا قائل أيضا معه بغيره فيسقط الاحتجاج حيث لا ترجيح»[1].
[1]الفصول: 397.
..........
و قد يقرّر المعارضة: بأنّ حرمة التقليد ليس لخصوصيّة فيه بل لأجل كونه عملا بما وراء العلم، و دليل المنع منه عامّ يشمل العمل بالظنّ أيضا، و من الممتنع الفرق بين أمرين متساويين بالمنع من أحدهما دون الآخر بدليل عامّ لهما في الدلالة على المنع.
و بعبارة اخرى: تخصيص العامّ بإخراج بعض الأفراد عنه بسبب دخول البعض الآخر فيه مع تساويهما في الاندراج تحته غير معقول، و هذا ضعيف جدّا.
و أضعف منه ما في كلام بعض الأفاضل في دفع الاحتجاج أيضا من: «أنّه ليس فيما دلّ على المنع من التقليد ما يشمل تقليد المجتهد مع كمال ثقته و أمانته و وفور علمه و كونه بحسب الحقيقة حاكيا لقول الإمام بحسب ظنّه.
غاية الأمر أنّه لا دليل على جواز اعتماد المتجزّي على ذلك، فلا يمكن الحكم ببراءة ذمّته بمجرّد ذلك، و حينئذ فالدليل على المنع منه هو الدليل على المنع من الأخذ بالظنّ، فليس على المنع من التقليد دليل خاصّ يلزم الخروج عن مقتضاه لو قلنا بوجوب الرجوع إليه، بخلاف ما لو قلنا برجوعه إلى الظنّ فلا يتمّ ما ذكر في الاحتجاج»[1].
وجه الضعف: بطلان دعوى عدم الدليل على حرمة التقليد لخصوصيّة فيه، كيف و في الآيات ما هو صريح فيه كقوله تعالى في ذمّ الكفّار على تقليد آبائهم:مٰا يَعْبُدُونَ إِلّٰا كَمٰا يَعْبُدُ آبٰاؤُهُمْو قوله أيضا حكاية عنهم:إِنّٰا وَجَدْنٰا آبٰاءَنٰا عَلىٰ أُمَّةٍ وَ إِنّٰا عَلىٰ آثٰارِهِمْ مُقْتَدُونَكما في آية ومُهْتَدُونَكما في اخرى.
و القدح في عمومها بحيث يشمل نظائر المقام- بعد القطع بأنّ الكفر و كون المقلّد بالفتح هو الآباء ممّا لا مدخل له في الحكم لكون الذمّ متوجّها إليهم من حيث اقتدائهم و اهتدائهم و تطبيق عملهم في عباداتهم على ما لم يمضه الشارع- ليس في محلّه، مع أنّ المنع من التقليد ليس لأمر يرجع إلى المقلّد بالفتح من مجتهد و غيره ليجدي في رفع شموله لتقليد المجتهد كمال ثقته و أمانته و وفور علمه، بل لأمر قائم بأصل التقليد من حيث كون الأخذ به في امتثال أحكامه تعالى أخذا بما لم يحرز بالعقل كونه حكما واقعيّا و لا بالشرع كونه حكما فعليّا ظاهريّا.
و من هنا يتّضح فساد ما في كلام بعض الأفاضل من دعوى كونه بحسب الحقيقة حاكيا لقول الإمام، إذ لو اريد بقول الإمام ما هو ملزوم للحكم الواقعي فهو واضح المنع، لعدم
[1]هداية المسترشدين 3: 644.
..........
الملازمة بين محكيّه و الحكم الواقعي عقلا و لا شرعا، و لو اريد به ما هو ملزوم للحكم الفعلي الواجب اتّباعه فهو فرع دلالة الشرع على جواز الرجوع إليه و هو أوّل المسألة، و حينئذ فيكفي في المنع منه قضاء العقل بقبح التعبّد في دين اللّه بغير علميّ الراجع بالأخرة إلى التعبّد بالشكّ كما هو واضح و لو فرض كون التقليد بالنسبة إلى المقلّد مفيدا للظنّ، نظرا إلى أنّ الظنّ بعد بطلان التسلسل لا بدّ من انتهائه إلى العلم أو الشكّ و الأوّل مفروض العدم و الثاني ممّا يقبح في حكم العقل التعبّد به و هذا كاف في دليل المنع منه لو سلّم عدم شمول عمومات الكتاب له في المقام، كيف و قد عرفت أنّه لا مانع من شمولها.
و حينئذ نقول: إنّه لا إشكال في أنّ المتجزّي مخرج عن عموم الأدلّة الناهية عن العمل بما وراء العلم لا محالة، سواء تعيّن عليه العمل بظنّه أو الأخذ بالتقليد، و إنّما الإشكال في أنّه هل يكون معه مخرجا عمّا دلّ بعمومه على المنع من التقليد أو عمّا دلّ كذلك على المنع من العمل بالظنّ فلا بدّ من الترجيح؟ و الاحتجاج المذكور قاصر عن إفادته.
نعم بناء على ما عرفت منّا عند تأسيس الأصل- مضافا إلى ما تكرّر في تضاعيف كلماتنا المتقدّمة- كان الترجيح حاصلا للثاني، بل لو قلنا بانحصار دليل المنع في الأدلّة المانعة من العمل بما وراء العلم لقلنا برجحان إخراج الظنّ عنها، نظرا إلى أنّ الظنّ فرد ممّا وراء العلم كما أنّ التقليد أيضا فرد منه.
و الأولى بملاحظة ما تقدّم- بعد الاضطرار إلى الأخذ بأحدهما في حقّ المتجزّي- تعيّن العمل بالظنّ، لكن هذا ليس من إصلاح الحجّة المذكورة في شيء، كما أنّه ليس من إصلاحها ما قيل في ترجيح الأخذ بالظنّ من: أنّ الحاصل في تقليد المجتهد جهتان من المنع نظرا إلى الاتّكال فيه إلى الظنّ و إلى الغير، ففيه استناد إلى التقليد و إلى الظنّ بخلاف العمل بالظنّ.
نعم لو كان من يقلّده عالما بالحكم كان المانع هناك مجرّد التقليد، فربّما يكافؤ ذلك رجوعه إلى الظنّ إلّا أنّه لا يكون ذلك إلّا في نادر من الأحكام، و مرجعه إلى اختيار التخصيص في أحد العامّين عليه في كليهما، نظرا إلى أنّ التقليد يوجب التخصيص تارة في أدلّة المنع منه و اخرى في أدلّة المنع من العمل بالظنّ، لأنّ الأخذ به يتضمّن الأخذ بظنّ المجتهد.
و نظير هذا الترجيح ما حكي عن الوافية في دفع المعارضة- و إن ضعف بما سنشير إليه- من أنّ المتجزّي لا بدّ له من اتّباع ظنّ لا محالة إمّا الظنّ الحاصل من التقليد أو الظنّ
..........
الحاصل من الاجتهاد، فكيف يكون هو منهيّا عن اتّباع الظنّ على الإطلاق بخلاف التقليد.
و ملخّصه: أنّ المتجزّي مخرج عن دليل المنع من اتّباع الظنّ لا محالة سواء أخذ بظنّه أو أخذ بالتقليد، ضرورة أنّه لا بدّ من الرجوع إلى أحد أمرين و أيّا ما كان فهو اتّباع للظنّ، و حينئذ فلو رجع إلى التقليد و أخذ بالظنّ الحاصل منه لزم تخصيص آخر بإخراجه عن دليل المنع من التقليد بالخصوص، بخلاف ما لو رجع إلى ظنّه الحاصل باجتهاده، إذ لا يلزم تخصيص آخر بعد إخراجه عن دليل المنع من اتّباع الظنّ، و حاصله أنّ الأمر في حقّ المتجزّي دائر بين الاكتفاء بتخصيص دليل واحد أو التزم تخصيصين في دليلين.
و إن شئت فقل: بين الاكتفاء بتخصيص واحد أو التزام تخصيصين، و من البيّن أنّ الأوّل متعيّن.
وجه الضعف: منع كون مبنى التقليد على العمل بالظنّ الحاصل منه للمقلّد، فرجوعه إليه لا يوجب التخصيص في أدلّة المنع من العمل بالظنّ.
نعم مرجعه إلى العمل بالظنّ الحاصل للمجتهد فهو بالنسبة إليه عمل بالظنّ بالواسطة بخلاف عمل المتجزّي بظنّه فإنّه عمل به بلا واسطة، فترجيحه على التقليد حينئذ من جهة كون الظنّ المأخوذ به بلا واسطة أقرب إلى العلم أو الواقع من الظنّ المأخوذ به بواسطة، و هذا الترجيح و نظيره إنّما يناسب لتأسيس أصل في المسألة لا لتتميم الحجّة المتقدّمة، لعدم ابتنائه إلّا على عدم قائل بغير اتّباع الظنّ بعد بطلان التقليد من غير تعرّض بالترجيح بنحو ما ذكر.
و بما بيّنّاه في توضيح عبارة الوافية يندفع ما أورد عليها السيّد في مفاتيحه من أنّه ضعف ذلك في غاية الوضوح، إذ غاية ما يحصل للمتجزّي العلم بكونه مكلّفا بالعمل بغير العلم، و أمّا أنّه التقليد أو الاجتهاد فغير معلوم له بعدم الدليل على التعيين، فعلى هذا يجب عليه العمل بأحد الأمرين دون الآخر من دون علم بالتعيين، فيكون محلّ الفرض من باب اشتباه الحرام بالحلال كالزوجة المشتبه بالأجنبيّة فيجب عليه حينئذ الاجتناب عن الأمرين معا، و لو لم يكن له بدّ من الإقدام على أحدهما تخيّر، فلا يتعيّن عليه العمل بالظنّ.
و وجه الاندفاع واضح، نظرا إلى أولويّة تخصيص أحد العامّين من تخصيص كليهما.
و من الأفاضل من أورد على الحجّة المذكورة مضافا إلى ما تقدّم منه: «بأنّ الملحوظ في المقام أنّ المتجزّي بعد تحصيل الظنّ بالحكم هل هو داخل في عنوان الجاهل أو العالم؟
..........
فاندراجه فيما دلّ على المنع من التقليد غير ظاهر بل الظاهر خلافه، لدلالة الأدلّة الدالّة على المنع من العمل بالظنّ على عدم الاعتداد بظنّه فيندرج في الجاهل و يشمله ما دلّ على وجوب رجوعه إلى العالم» انتهى[1].
و فيه: أنّ الجاهل إن اريد به الجاهل بالحكم الواقعي فكما أنّ المتجزّي داخل في عنوانه فكذلك المطلق، فعلم أنّه بمجرّده لا يوجب الرجوع إلى التقليد، و إن اريد به الجاهل بالحكم الفعلي فالمتجزّي عالم بحكمه الفعلي المردّد بين مؤدّى اجتهاد نفسه أو مؤدّى اجتهاد غيره.
غاية الأمر أنّه لا يتعيّن عليه أحدهما إلّا بمرجّح خارجي، فكيف يشمله ما دلّ على رجوعه إلى العالم.
الحجّة الثالثة أنّ جواز التقليد في الأحكام مشروط بعدم كون المكلّف مجتهدا فيها،
ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره، و حينئذ فإن قام دليل على عدم جواز رجوعه إلى ظنّه و عدم تحقّق الاجتهاد في شأنه فلا كلام.
و أمّا مع عدم قيامه- كما هو الواقع- فلا وجه لرجوعه إلى التقليد، إذ لو كان هناك أمران مرتّبان بكون التكليف بأحدهما متوقّفا على انتفاء الآخر لم يصحّ الأخذ بالثاني مع عدم قيام الدليل على انتفاء الأوّل.
و فيه: أنّ هذه الدعوى إن كان مبناها على ما قرّرناه عند تأسيس الأصل فهي في كمال المتانة- و إن كان خلوّ العبارة عن الإشارة إلى وجهها خروجا عن ضابط الاستدلال- و إلّا فهي في غاية الوهن، و لذا قد تقلب بأنّ صحّة اجتهاده في المسألة و جواز رجوعه إلى ظنّه مشروط بأن لا يكون وظيفته التقليد، ضرورة أنّه ليس الرجوع إلى الأدلّة من وظيفة المقلّد إلى آخر ما ذكر، فمجرّد اشتراط جواز تقليده مع انتفاء اجتهاده لا يفيد تقدّم الآخر بحسب التكليف على الوجه المذكور.
كيف و من البيّن أنّ وجود كلّ من الضدّين يتوقّف على انتفاء الآخر، و مع ذلك فلا ترتّب بينهما كذلك، و إلّا لزم حصوله من الجانبين و هو غير معقول، بل في كلام العلّامة البهبهاني: «أنّ فرض من لا يعلم الرجوع إلى من يعلم و الأخذ منه لعموم ما دلّ عليه، و أنّه
[1]هداية المسترشدين 3: 645.
..........
مسلّم عند الكلّ فإنّهم يستدلّون لجواز اجتهاده و لا يستدلّون لجواز تقليده، و ظاهرهم أنّ مع عدم ثبوت الاجتهاد يعيّنون العمل بالتقليد» انتهى.
الحجّة الرابعة أنّ الأدلّة الدالّة على حجّية الظنون الخاصّة و الطرق المقرّرة [تعمّ المطلق و المتجزّي]
من الكتاب و السنّة الدالّة على الأخذ بالأخبار المأثورة عن الأئمّة(عليهم السلام)بتوسّط من يعتمد عليه من النقلة و غيرها تعمّ المطلق و المتجزّي، و لا دليل على اختصاصها بالمطلق بل الظاهر منها كون الأخذ بها وظيفة لكلّ قادر على استنباط الحكم منها، هكذا قرّره بعض الأفاضل[1].
و من الفضلاء[2]من فصّل فذكر من الكتاب قوله تعالى:فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍفإنّ الإنذار يعمّ الإنذار بطريق الفتوى و الرواية، و رجحان الحذر أو وجوبه في حقّ القوم المنذرين يوجب جواز عملهم بفتواهم و روايتهم، خرج منهم المجتهد المطلق بالنسبة إلى العمل بالفتوى و العامي الصرف بالنظر إلى العمل بالرواية و لو في الجملة للإجماع فيبقى المتجزّي مندرجا في العموم فيجوز له العمل برواية المنذرين، و هو إنّما يكون بالاجتهاد.
و قوله تعالى:إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوافإنّه يدلّ بمفهومه على عدم وجوب التبيّن عند مجيء العادل به، و مقتضاه وجوب قبول نبائه و الخطاب فيه غير مختصّ بالمجتهد المطلق فيتناول المتجزّي أيضا.
غاية ما في الباب أن يخرج العامي الصرف لقيام الإجماع على تعيين التقليد في حقّه فيبقى الباقي.
و من السنّة قول الصادق(عليه السلام): «أنّ العلماء ورثة الأنبياء- إلى أن قال(عليه السلام)-: إنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّا وافرا» و قوله(عليه السلام):
«أحاديثنا يعطف بعضكم على بعض، فإنّ أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ضللتم و هلكتم، فخذوا بها إنّا بنجاتكم زعيم» و قوله(عليه السلام): «الرواية لحديثنا يثبّت بها قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد»[3]و قوله(عليه السلام): «اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا» و قريب من ذلك ما دلّ على الحثّ على حفظ أربعين حديثا ممّا ينتفع به الناس، و قال: بهذه الأخبار تمسّك بعض أفاضل المتأخّرين، و وجّه الاحتجاج بها أنّها تدلّ بالصراحة أو الفحوى على
[1]هداية المسترشدين 3: 645.
[2]الفصول: 396.
[3]الكافي 1: 33 ح 9، و فيه بدل «يثبّت بها» «يشدّ به».
..........
الحثّ الأكيد على الأخذ بأخبارهم و العمل بها، و هي مطلقة ليس فيها اشتراط ذلك بأن يكون للآخذ ملكة فضلا عن كونها كلّيّة» انتهى[1].
و الجواب: منع وجود ما يكون من الطرق المعهودة ما يكون حجّة بالخصوص، و منع نهوض الدلالة شرعا عليها، و الامور المدّعى دلالتها من الآيات و الروايات الّتي منها ما ذكر هنا مدخولة على ما قرّر في محلّه، و الأخبار المذكورة هنا على فرض دلالتها على الحجّية المطلوبة في المقام و فرض شمولها لمحلّ البحث ممّا لا يمكن التعويل عليه في نظائر المقام لعدم الاعتداد بدلالتها لأنّ أقصى مراتبها الظنّ، و لا بسندها لعدم كونه علميّا و من المستحيل إثبات الظنّ بالظنّ، هذا إذا أراد المتجزّي أن يحتجّ بها لعمل نفسه.
نعم لو احتجّ بها غيره ممّن غرضه استعلام حكم المسألة بحسب ظاهر الشرع ممّن يرى حجّية الظنّ المتعلّق بالأخبار و غيرها سندا و دلالة و غيرها كان له وجه، غير أنّه لا يجدي لعمل المتجزّي إذا أراد البناء على اجتهاده باجتهاده هذا، مع أنّ آية النفر بعد الغضّ عن المناقشات المتوجّهة إليها ممّا أشرنا إليه و غيره لا تنفي جواز التقليد في حقّه بعد البناء على أنّ الإنذار المأمور به فيها أعمّ ممّا هو بطريق الرواية و الفتوى و الحذر المأمور به فيها أعمّ من اتّباعه بطريق الاجتهاد أو التقليد.
نعم لو احتجّ على حكم المتجزّي لعمل نفسه بما قدّمناه من الأخبار البالغة حدّ التواتر معنى القاضية بجواز التعويل على الأخبار و الآثار المرويّة عن أهل العصمة في موضع الوثوق و الاطمئنان بالقياس إلى الصدور لم يكن به بأس، إلّا أنّه خارج عن مصبّ الاحتجاج المذكور كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.
الحجّة الخامسة أنّ المعاصرين لزمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)كانت طريقتهم العمل بالأخبار
الّتي ترويها العدول، و الجمع بين ما تعارض منها بالطرق المقرّرة كحمل العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد، و مع التعذّر كانوا يأخذون بالأرجح و الأقوى على الوجه المقرّر في الأخبار، و هذه الطريقة لم يختصّ بمن كان منهم مجتهدا مطلقا متمكّنا من معرفة جميع الأحكام أو جملة يعتدّ بها منها بالنظر و الاجتهاد، بل كانت مشتركة بين الجميع من البالغين هذه الدرجة و القاصرين عنها، فكان حالهم بالنسبة إلى الأخبار الّتي تروى لهم عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)
[1]الفصول: 396.
..........
و الأئمّة(عليهم السلام)كحال المقلّدين في هذا الزمان بالنسبة إلى الفتاوى الّتي تروى لهم عن المجتهدين، فإنّها أيضا قد تشمل على عامّ و خاصّ و مطلق و مقيّد و نحو ذلك فيجمع بينها على الوجه المقرّر، و قد يتعارض بحيث يتعذّر الجمع فيؤخذ بقول الأعدل و الأوثق و يطرح الآخر.
ثمّ منهم من يتمكّن من استعمال ذلك في جميع الأحكام فيستعمله في الجميع، و منهم من يتمكّن منه في بعض دون بعض فيقتصر على ما يتمكّن منه.
و بالجملة فاولئك الّذين كانوا في زمن الأئمّة(عليهم السلام)كانوا إذا اجتهدوا في أخبارهم و رواياتهم كان مؤدّى اجتهادهم حجّة في حقّهم و إن عجزوا عن الاجتهاد في الكلّ أو في جملة يعتدّ بها، كما أنّ المقلّد في زماننا هذا إذا اجتهد في معرفة فتاوى المجتهد كان مؤدّى اجتهادهم حجّة في حقّهم و إن عجزوا عن الاجتهاد في الكلّ أو في جملة يعتدّ بها.
نعم فرق بينهما من حيث إنّ عنوان «المجتهد» بالمعنى المصطلح عليه لا يصدق على المجتهد في معرفة فتاوى المجتهد بخلاف المجتهد في معرفة أخبار النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)و هذا لا مدخل له في إثبات ما نحن بصدده من إثبات الحجّية، و إذا ثبت جواز التجزّي في زمنهم بتقريرهم لأهل زمانهم عليه و إرشادهم إليهم ثبت جوازه في حقّ من عداهم، لأنّ حكم اللّه في الأوّلين حكم اللّه في الآخرين، إلى غير ذلك ممّا دلّ على الشركة في التكليف.
و الجواب: منع تحقّق الفرض بالقياس إلى الموجودين في زمن الأئمّة(عليهم السلام)إذ القدر المعلوم وجوده ثمّة إنّما هو التجزّي في مقام الفعليّة دون التمكّن و الملكة، لسهولة الاجتهاد و وضوح طرق الاستنباط بالقياس إليهم و عدم ابتنائه على الظنون الّتي لو لا التمكّن منها لم يتأتّ الغرض، كما أنّه لو لا جواز العمل بها لم يجز التعويل على الاجتهاد المبتني عليها، بخلاف زماننا هذا لصيرورته من الامور الصعبة الّتي لا يحصل التمكّن منها إلّا لأوحديّ من الناس بعد تحمّل رياضات كثيرة و اقتحام مشاقّ متكثّرة، فلذا صار فيه من جملة الحرف و الصنائع المخصوصة بأهلها.
و بذلك ظهر كمال الفرق بين زماننا و زمنهم، و منشأ هذا الفرق عدم ابتلائهم بوجوه من الاختلال توجب صعوبة الاستنباط، مع عدم كون الاجتهاد في حقّهم إلّا مجرّد فهم الأخبار الّذي لا يتفاوت فيه الحال بين آحاد أهل اللسان، و ابتلائنا بوجوه الاختلال من جهات شتّى الموجب لصيرورته من أصعب الامور الّتي لا يتمكّن من تحصيلها إلّا بواسطة ملكة قوّية