بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 199

..........

فاندراجه فيما دلّ على المنع من التقليد غير ظاهر بل الظاهر خلافه، لدلالة الأدلّة الدالّة على المنع من العمل بالظنّ على عدم الاعتداد بظنّه فيندرج في الجاهل و يشمله ما دلّ على وجوب رجوعه إلى العالم» انتهى[1].

و فيه: أنّ الجاهل إن اريد به الجاهل بالحكم الواقعي فكما أنّ المتجزّي داخل في عنوانه فكذلك المطلق، فعلم أنّه بمجرّده لا يوجب الرجوع إلى التقليد، و إن اريد به الجاهل بالحكم الفعلي فالمتجزّي عالم بحكمه الفعلي المردّد بين مؤدّى اجتهاد نفسه أو مؤدّى اجتهاد غيره.

غاية الأمر أنّه لا يتعيّن عليه أحدهما إلّا بمرجّح خارجي، فكيف يشمله ما دلّ على رجوعه إلى العالم.

الحجّة الثالثة أنّ جواز التقليد في الأحكام مشروط بعدم كون المكلّف مجتهدا فيها،

ضرورة عدم جواز تقليد المجتهد لغيره، و حينئذ فإن قام دليل على عدم جواز رجوعه إلى ظنّه و عدم تحقّق الاجتهاد في شأنه فلا كلام.

و أمّا مع عدم قيامه- كما هو الواقع- فلا وجه لرجوعه إلى التقليد، إذ لو كان هناك أمران مرتّبان بكون التكليف بأحدهما متوقّفا على انتفاء الآخر لم يصحّ الأخذ بالثاني مع عدم قيام الدليل على انتفاء الأوّل.

و فيه: أنّ هذه الدعوى إن كان مبناها على ما قرّرناه عند تأسيس الأصل فهي في كمال المتانة- و إن كان خلوّ العبارة عن الإشارة إلى وجهها خروجا عن ضابط الاستدلال- و إلّا فهي في غاية الوهن، و لذا قد تقلب بأنّ صحّة اجتهاده في المسألة و جواز رجوعه إلى ظنّه مشروط بأن لا يكون وظيفته التقليد، ضرورة أنّه ليس الرجوع إلى الأدلّة من وظيفة المقلّد إلى آخر ما ذكر، فمجرّد اشتراط جواز تقليده مع انتفاء اجتهاده لا يفيد تقدّم الآخر بحسب التكليف على الوجه المذكور.

كيف و من البيّن أنّ وجود كلّ من الضدّين يتوقّف على انتفاء الآخر، و مع ذلك فلا ترتّب بينهما كذلك، و إلّا لزم حصوله من الجانبين و هو غير معقول، بل في كلام العلّامة البهبهاني: «أنّ فرض من لا يعلم الرجوع إلى من يعلم و الأخذ منه لعموم ما دلّ عليه، و أنّه

[1]هداية المسترشدين 3: 645.


صفحه 200

..........

مسلّم عند الكلّ فإنّهم يستدلّون لجواز اجتهاده و لا يستدلّون لجواز تقليده، و ظاهرهم أنّ مع عدم ثبوت الاجتهاد يعيّنون العمل بالتقليد» انتهى.

الحجّة الرابعة أنّ الأدلّة الدالّة على حجّية الظنون الخاصّة و الطرق المقرّرة [تعمّ المطلق و المتجزّي]

من الكتاب و السنّة الدالّة على الأخذ بالأخبار المأثورة عن الأئمّة(عليهم السلام)بتوسّط من يعتمد عليه من النقلة و غيرها تعمّ المطلق و المتجزّي، و لا دليل على اختصاصها بالمطلق بل الظاهر منها كون الأخذ بها وظيفة لكلّ قادر على استنباط الحكم منها، هكذا قرّره بعض الأفاضل[1].

و من الفضلاء[2]من فصّل فذكر من الكتاب قوله تعالى:فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍفإنّ الإنذار يعمّ الإنذار بطريق الفتوى و الرواية، و رجحان الحذر أو وجوبه في حقّ القوم المنذرين يوجب جواز عملهم بفتواهم و روايتهم، خرج منهم المجتهد المطلق بالنسبة إلى العمل بالفتوى و العامي الصرف بالنظر إلى العمل بالرواية و لو في الجملة للإجماع فيبقى المتجزّي مندرجا في العموم فيجوز له العمل برواية المنذرين، و هو إنّما يكون بالاجتهاد.

و قوله تعالى:إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوافإنّه يدلّ بمفهومه على عدم وجوب التبيّن عند مجيء العادل به، و مقتضاه وجوب قبول نبائه و الخطاب فيه غير مختصّ بالمجتهد المطلق فيتناول المتجزّي أيضا.

غاية ما في الباب أن يخرج العامي الصرف لقيام الإجماع على تعيين التقليد في حقّه فيبقى الباقي.

و من السنّة قول الصادق(عليه السلام): «أنّ العلماء ورثة الأنبياء- إلى أن قال(عليه السلام)-: إنّما أورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظّا وافرا» و قوله(عليه السلام):

«أحاديثنا يعطف بعضكم على بعض، فإنّ أخذتم بها رشدتم و نجوتم، و إن تركتموها ضللتم و هلكتم، فخذوا بها إنّا بنجاتكم زعيم» و قوله(عليه السلام): «الرواية لحديثنا يثبّت بها قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد»[3]و قوله(عليه السلام): «اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنّا» و قريب من ذلك ما دلّ على الحثّ على حفظ أربعين حديثا ممّا ينتفع به الناس، و قال: بهذه الأخبار تمسّك بعض أفاضل المتأخّرين، و وجّه الاحتجاج بها أنّها تدلّ بالصراحة أو الفحوى على

[1]هداية المسترشدين 3: 645.

[2]الفصول: 396.

[3]الكافي 1: 33 ح 9، و فيه بدل «يثبّت بها» «يشدّ به».


صفحه 201

..........

الحثّ الأكيد على الأخذ بأخبارهم و العمل بها، و هي مطلقة ليس فيها اشتراط ذلك بأن يكون للآخذ ملكة فضلا عن كونها كلّيّة» انتهى[1].

و الجواب: منع وجود ما يكون من الطرق المعهودة ما يكون حجّة بالخصوص، و منع نهوض الدلالة شرعا عليها، و الامور المدّعى دلالتها من الآيات و الروايات الّتي منها ما ذكر هنا مدخولة على ما قرّر في محلّه، و الأخبار المذكورة هنا على فرض دلالتها على الحجّية المطلوبة في المقام و فرض شمولها لمحلّ البحث ممّا لا يمكن التعويل عليه في نظائر المقام لعدم الاعتداد بدلالتها لأنّ أقصى مراتبها الظنّ، و لا بسندها لعدم كونه علميّا و من المستحيل إثبات الظنّ بالظنّ، هذا إذا أراد المتجزّي أن يحتجّ بها لعمل نفسه.

نعم لو احتجّ بها غيره ممّن غرضه استعلام حكم المسألة بحسب ظاهر الشرع ممّن يرى حجّية الظنّ المتعلّق بالأخبار و غيرها سندا و دلالة و غيرها كان له وجه، غير أنّه لا يجدي لعمل المتجزّي إذا أراد البناء على اجتهاده باجتهاده هذا، مع أنّ آية النفر بعد الغضّ عن المناقشات المتوجّهة إليها ممّا أشرنا إليه و غيره لا تنفي جواز التقليد في حقّه بعد البناء على أنّ الإنذار المأمور به فيها أعمّ ممّا هو بطريق الرواية و الفتوى و الحذر المأمور به فيها أعمّ من اتّباعه بطريق الاجتهاد أو التقليد.

نعم لو احتجّ على حكم المتجزّي لعمل نفسه بما قدّمناه من الأخبار البالغة حدّ التواتر معنى القاضية بجواز التعويل على الأخبار و الآثار المرويّة عن أهل العصمة في موضع الوثوق و الاطمئنان بالقياس إلى الصدور لم يكن به بأس، إلّا أنّه خارج عن مصبّ الاحتجاج المذكور كما لا يخفى وجهه على المتأمّل.

الحجّة الخامسة أنّ المعاصرين لزمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)كانت طريقتهم العمل بالأخبار

الّتي ترويها العدول، و الجمع بين ما تعارض منها بالطرق المقرّرة كحمل العامّ على الخاصّ و المطلق على المقيّد، و مع التعذّر كانوا يأخذون بالأرجح و الأقوى على الوجه المقرّر في الأخبار، و هذه الطريقة لم يختصّ بمن كان منهم مجتهدا مطلقا متمكّنا من معرفة جميع الأحكام أو جملة يعتدّ بها منها بالنظر و الاجتهاد، بل كانت مشتركة بين الجميع من البالغين هذه الدرجة و القاصرين عنها، فكان حالهم بالنسبة إلى الأخبار الّتي تروى لهم عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)

[1]الفصول: 396.


صفحه 202

..........

و الأئمّة(عليهم السلام)كحال المقلّدين في هذا الزمان بالنسبة إلى الفتاوى الّتي تروى لهم عن المجتهدين، فإنّها أيضا قد تشمل على عامّ و خاصّ و مطلق و مقيّد و نحو ذلك فيجمع بينها على الوجه المقرّر، و قد يتعارض بحيث يتعذّر الجمع فيؤخذ بقول الأعدل و الأوثق و يطرح الآخر.

ثمّ منهم من يتمكّن من استعمال ذلك في جميع الأحكام فيستعمله في الجميع، و منهم من يتمكّن منه في بعض دون بعض فيقتصر على ما يتمكّن منه.

و بالجملة فاولئك الّذين كانوا في زمن الأئمّة(عليهم السلام)كانوا إذا اجتهدوا في أخبارهم و رواياتهم كان مؤدّى اجتهادهم حجّة في حقّهم و إن عجزوا عن الاجتهاد في الكلّ أو في جملة يعتدّ بها، كما أنّ المقلّد في زماننا هذا إذا اجتهد في معرفة فتاوى المجتهد كان مؤدّى اجتهادهم حجّة في حقّهم و إن عجزوا عن الاجتهاد في الكلّ أو في جملة يعتدّ بها.

نعم فرق بينهما من حيث إنّ عنوان «المجتهد» بالمعنى المصطلح عليه لا يصدق على المجتهد في معرفة فتاوى المجتهد بخلاف المجتهد في معرفة أخبار النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)و هذا لا مدخل له في إثبات ما نحن بصدده من إثبات الحجّية، و إذا ثبت جواز التجزّي في زمنهم بتقريرهم لأهل زمانهم عليه و إرشادهم إليهم ثبت جوازه في حقّ من عداهم، لأنّ حكم اللّه في الأوّلين حكم اللّه في الآخرين، إلى غير ذلك ممّا دلّ على الشركة في التكليف.

و الجواب: منع تحقّق الفرض بالقياس إلى الموجودين في زمن الأئمّة(عليهم السلام)إذ القدر المعلوم وجوده ثمّة إنّما هو التجزّي في مقام الفعليّة دون التمكّن و الملكة، لسهولة الاجتهاد و وضوح طرق الاستنباط بالقياس إليهم و عدم ابتنائه على الظنون الّتي لو لا التمكّن منها لم يتأتّ الغرض، كما أنّه لو لا جواز العمل بها لم يجز التعويل على الاجتهاد المبتني عليها، بخلاف زماننا هذا لصيرورته من الامور الصعبة الّتي لا يحصل التمكّن منها إلّا لأوحديّ من الناس بعد تحمّل رياضات كثيرة و اقتحام مشاقّ متكثّرة، فلذا صار فيه من جملة الحرف و الصنائع المخصوصة بأهلها.

و بذلك ظهر كمال الفرق بين زماننا و زمنهم، و منشأ هذا الفرق عدم ابتلائهم بوجوه من الاختلال توجب صعوبة الاستنباط، مع عدم كون الاجتهاد في حقّهم إلّا مجرّد فهم الأخبار الّذي لا يتفاوت فيه الحال بين آحاد أهل اللسان، و ابتلائنا بوجوه الاختلال من جهات شتّى الموجب لصيرورته من أصعب الامور الّتي لا يتمكّن من تحصيلها إلّا بواسطة ملكة قوّية


صفحه 203

..........

و قدرة قدسيّة. فأقصى ما ثبت جوازه بتقرير الأئمّة(عليهم السلام)إنّما هو التجزّي في مقام الفعليّة، و هو- مع أنّه ليس بمحلّ كلام- لا يستلزم جواز ما هو من محلّ الكلام، هذا مع أنّه لو تحقّق الفرض ثمّة توجّه إليه المنع أيضا لمكان الفرق بين الزمانين، فإنّ الموجودين ثمّة كانوا متمكّنين من استعلام عدالة الراوي و تعيينه بالطرق المعتبرة في الشهادة، و كانت الأوضاع معلومة لديهم غالبا بطريق القطع لكونهم من أهل الاستعمال، و كانوا كثيرا ما يعثرون على القرائن و الأمارات الموجبة لكمال الوثوق برواية الضعيف أو عدمه برواية الثقة، و حيث كانوا لا يعثرون بالأمارات كان لهم وثوق بعدمها لقرب عهدهم بل و حضورهم، بخلاف الموجودين في زماننا الغير المتمكّنين من استعلام شيء ممّا ذكر بطريق القطع.

و بالجملة فاختلاف المدارك و الأمارات بيننا و بينهم قلّة و كثرة، قوّة و ضعفا أوضح من أن يحتاج إلى بيان و أجلى من أن يطالب عليها برهان، و حينئذ فجواز تعويل المتجزّي في ذلك الزمان على الأمارات المتداولة بينهم لا يوجب جواز تعويله في زماننا على الأمارات المتداولة بيننا، لأنّ تقريرهم(عليهم السلام)إنّما ثبت في حقّ ظنون خاصّة فلا يتسرّى إلى غيرها، هكذا قرّر الجواب الأخير بعض الفضلاء[1].

الحجّة السادسة رواية أبي خديجة الموصوفة بالشهرة المرويّة في الفقيه و غيره،

و فيها: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا، فاجعلوه بينكم قاضيا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضيا فتحاكموا إليه»[2].

وجه الدلالة: أنّ قوله(عليه السلام): «شيئا» نكرة في سياق الإثبات فلا يعمّ.

قال بعض الأفاضل: «و قد ادّعي اشتهارها بين الأصحاب و اتّفاقهم على العمل بمضمونها فينجبر بذلك ضعفها.»[3]

فيندفع به المناقشة في سندها برميها على الضعف بأبي خديجة القاضي بعدم صلوحها للاستناد إليها، كما يندفع المناقشة في دلالتها من جهة اختصاص ورودها بالقضاء بما في كلام بعض الأفاضل 4 أيضا من دعوى الاتّفاق على عدم الفرق.

نعم يرد على الاحتجاج بها من حيث منع شمولها لمحلّ البحث، نظرا إلى أنّ المأخوذ فيها العلم بشيء من الأحكام و هو ظاهر في الاعتقاد الجازم المطابق، فإن اريد به العلم

[1]الفصول: 396.

[2]من لا يحضره الفقيه 3: 3 ح 3216.

[3]3 و 4 هداية المسترشدين 3: 648.


صفحه 204

..........

بالحكم الواقعي فهو مفروض الانتفاء في المقام، أو العلم بالحكم الظاهري- بمعنى الحكم الفعلي الواجب اتّباعه شرعا- فهو أيضا منتف في حقّ المتجزّي، إذ الغرض إثبات كون مؤدّى اجتهاده حكما فعليّا في حقّه و هو غير ثابت مع قطع النظر عن الرواية فهو غير عالم بحكمه الفعلي فلا يشمله الرواية، و معه فلو أراد الاستناد إليها تحصيلا للعلم بحكمه الفعلي كان مؤدّيا إلى نحو من الدور كما لا يخفى.

و حمل «العلم» على الأعمّ أو خصوص الظنّ و إن كان ممكنا غير أنّه لا بدّ له من دلالة معتبرة توجب الصرف و حيث كانت منتفية- كما في المقام- كان الظاهر حجّة، هذا مع أنّ السند ما لم يكن علميّا- و لو بحسب الشرع- امتنع التعويل عليه في خصوص المقام كما مرّ مرارا.

حجّة القول بالمنع من التجزّي وجوه:

منها: ما تقدّم بيانه مع دفعه من لزوم الدور، و لعلّك تكتفي بما مرّ من غير حاجة إلى إعادة الكلام.

و منها: أصالة المنع من العمل بالظنّ الثابت من العقل و العمومات الناهية عن الأخذ به كتابا و سنّة، خرج عنه ظنّ المجتهد المطلق بالإجماع فيبقى غيره تحت الأصل، إذ لم يقم دليل قطعي على حجّية ظنّ المتجزّي كما قام على حجّية ظنّ المطلق، و اتّضح جوابه ممّا قرّرناه بما لا مزيد عليه فلا حاجة إلى الإعادة.

و منها: استصحاب وظيفته الثابتة له قبل صيرورته مجتهدا من التقليد و إن لم يكن قلّد فعلا لقلّة مبالاة و نحوها، و استصحاب الأحكام الثابتة له بالتقليد.

و يرد عليه امور:

أوّلها: ما تفرّد بإيراده بعض الأفاضل من: «أنّ جواز احتجاج المتجزّي بالأصل المذكور أوّل الكلام، إذ لا فارق بين إجرائه الاستصحاب في المقام أو في المسائل الفقهيّة ممّا يجري فيه ذلك، فلا يصحّ الاستناد إليه هنا إلّا بعد إثبات كونه حجّة في حقّه، و معه يتمّ المدّعى من جواز تعويل المتجزّي على مؤدّى اجتهاده و لو كان من مؤدّى الاصول، فلا يبقى له مجال إلى الأصل المذكور حينئذ»[1].

ثانيها: أنّه قاصر عن إفادة تمام المدّعى لعدم شموله لمن بلغ متجزّيا، إذ لم يجب عليه

[1]هداية المسترشدين 3: 653.


صفحه 205

..........

قبل البلوغ شيء ليستصحب.

و أمّا ما ذكره غير واحد في دفعه من تتميمه بعدم القول بالفصل فواضح الضعف، لو سلّم كونه إجماعا على عدم الفصل كاشفا عن كون الإمام مع إحدى الفريقين أو كون مرضيّه و معتقده إحدى القضيّتين إمّا الإيجاب الكلّي أو السلب الكلّي، لا مجرّد عدم اتّفاق القول بالفصل الغير المنافي لكون معتقد الإمام الفرق بين المسألتين المنحلّ إلى الإيجاب الجزئي و السلب الجزئي، إذ غاية ما علم من الإجماع المذكور اتّحاد المسألتين في الحكم الواقعي فيلزم باختيار الفصل مخالفة الإمام بل مخالفة الحكم الواقعي بعنوان القطع و اليقين، و أمّا اتّحادهما في الحكم الظاهري أيضا المستفاد من الاصول الّتي منها الاستصحاب كما في المقام فغير معلوم لعدم انعقاد الإجماع عليه.

و بعبارة اخرى: أنّ عدم القول بالفصل إن رجع إلى الإجماع المركّب فهو في موارده دليل على الملازمة بين شطريه، و غاية ما علم منه انعقاده على الملازمة بينهما في الأحكام الواقعيّة بخلاف الأحكام الظاهريّة لعدم ثبوت الإجماع على الملازمة فيها أيضا، فلو كان دليل أحد الشطرين حينئذ ما كان من قبيل الاصول من استصحاب و نحوه لا قاضي بلحوق الشطر الآخر به في الحكم المستفاد من ذلك الأصل لعدم ثبوت الملازمة الشرعيّة بينهما في هذا الحكم، فاختيار الفصل فرق بينهما في الحكم الظاهري و هو لا يستلزم الفرق في الحكم الواقعي، كما أنّه ليس مخالفة للإمام بعنوان القطع ليكون محظورا.

ثالثها: أنّه معارض باستصحاب خلافه في المتجزّي المتسافل عن درجة الاجتهاد المطلق، على معنى من يعرضه النسيان و زال ملكته العامّة إلى أن بقي منها ما يختصّ ببعض المسائل دون بعض، و قصوره عن إفادة تمام المدّعى ينجبر بضميمة عدم القول بالفصل.

و ما يقال في دفعه: من أنّ الاستصحاب الأوّل أكثر موردا و أغلب موضعا فيرجّح.

يدفعه: أنّ ذلك ممّا لا يعقل له وجه، فإنّ الترجيح حقيقة معناه تقديم إحدى الأمارتين المتعارضتين على صاحبها المنحصر في كونه بطريق الورود لو كانت الاولى بمضمونها متعرّضة لرفع موضوع الاخرى، أو بطريق الحكومة لو كانت الاولى بمضمونها متعرّضة لدليل اعتبار الاخرى بإخراجها عن عموم هذا الدليل من باب التخصيص أو عن إطلاقه من باب التقييد، و غلبة المورد في الاستصحاب المفروض لا تصلح شيئا من ذلك.

أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّ الشكّ في هذا الاستصحاب ليس سببيّا ليوجب ارتفاعه


صفحه 206

..........

بحسب الشرع ارتفاع ما هو مسبّب عنه و هو الشكّ الموجود في الاستصحاب الآخر كما لا يخفى، كيف و لو كان الحال كذلك لم يكن حاجة في الترجيح إلى شيء آخر، و الغلبة المدّعاة أيضا لا تصلح لأن تفيد العلم بخلاف الاستصحاب المعارض لا عقلا كما هو واضح، و لا شرعا لعدم نهوض الدلالة الشرعيّة على اعتبارها.

و أمّا الثاني: فلأنّ المفروض أنّ الاستصحابين بكليهما مندرجان في عموم أدلّة الاستصحاب على جهة سواء، و لا يعقل كون دخول أحد فردي العامّ فيه موجبا لخروج الآخر عنه، و غلبة وجود أحدها لا تصلح مخصّصة له و لا قرينة صارفة عن ظاهره، و لا موجبة لانصراف الخطاب عرفا إلى ما قلّ مورده[1]و إلّا لخرج أكثر الاستصحابات بلا دليل الحجّية، و هو كما ترى ممّا لا يتفوّه به جاهل فضلا عن العالم الكامل.

و رابعها: أنّ الاستصحاب مع تبدّل موضوع المستصحب غير معقول، فإنّ حقيقة معناه- على ما قرّر في محلّه- إبقاء القضيّة المتيقّنة في حال الشكّ على ما كانت عليها في آن اليقين من غير تغيير في شيء من أجزائها موضوعا و محمولا و غيرهما، بأن لا يكون بينهما اختلاف إلّا في الزمان، على معنى كون ظرف وجود القضيّة المتيقّنة هو الزمان السابق على ما هو ظرف وجودها مشكوكة و في حال النسبة المأخوذة فيها، من حيث كونها في الظرف الأوّل هو اليقين و في الظرف الثاني هو الشكّ.

و ملخّصه: اشتراط كون القضيّة المشكوكة هي المتيقّنة بعينها موضوعا و محمولا، و مرجعه إلى اشتراط بقاء الموضوع على ما هو عليه في القضيّة المتيقّنة و هو في المقام ليس من هذا الباب، ضرورة أنّ موضوع التقليد و الأحكام المتفرّعة عليه ليس هو هذا الشخص من حيث هو كذلك، بل هو من حيث اندراجه في عنوان كلّي و هو المكلّف الغير المتمكّن من الاجتهاد لفقده الملكة الّتي بها يقتدر على الاستنباط أصلا و رأسا، فموضوع القضيّة المتيقّنة هو هذا العنوان الكلّي.

و لا ريب أنّ محلّ الفرض بعد صيرورته متجزّيا بالمعنى المفروض في المقام خرج عن هذا العنوان و دخل في عنوان آخر مشكوك الحكم من بدو الأمر، و هو المتمكّن من الاجتهاد في بعض المسائل، فالمتجزّي ملحوظ من حيث اندراجه في هذا العنوان، و كونه حال اليقين مندرجا في العنوان الأوّل لا ينفع في اتّحاد موضوع القضيّتين، لفرض خروجه

[1]كذا في الأصل، و الّذي يقتضيه السياق هكذا: «و لا موجبة لانصراف الخطاب عرفا عمّا قلّ مورده الخ». و اللّه العالم.