بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 204

..........

بالحكم الواقعي فهو مفروض الانتفاء في المقام، أو العلم بالحكم الظاهري- بمعنى الحكم الفعلي الواجب اتّباعه شرعا- فهو أيضا منتف في حقّ المتجزّي، إذ الغرض إثبات كون مؤدّى اجتهاده حكما فعليّا في حقّه و هو غير ثابت مع قطع النظر عن الرواية فهو غير عالم بحكمه الفعلي فلا يشمله الرواية، و معه فلو أراد الاستناد إليها تحصيلا للعلم بحكمه الفعلي كان مؤدّيا إلى نحو من الدور كما لا يخفى.

و حمل «العلم» على الأعمّ أو خصوص الظنّ و إن كان ممكنا غير أنّه لا بدّ له من دلالة معتبرة توجب الصرف و حيث كانت منتفية- كما في المقام- كان الظاهر حجّة، هذا مع أنّ السند ما لم يكن علميّا- و لو بحسب الشرع- امتنع التعويل عليه في خصوص المقام كما مرّ مرارا.

حجّة القول بالمنع من التجزّي وجوه:

منها: ما تقدّم بيانه مع دفعه من لزوم الدور، و لعلّك تكتفي بما مرّ من غير حاجة إلى إعادة الكلام.

و منها: أصالة المنع من العمل بالظنّ الثابت من العقل و العمومات الناهية عن الأخذ به كتابا و سنّة، خرج عنه ظنّ المجتهد المطلق بالإجماع فيبقى غيره تحت الأصل، إذ لم يقم دليل قطعي على حجّية ظنّ المتجزّي كما قام على حجّية ظنّ المطلق، و اتّضح جوابه ممّا قرّرناه بما لا مزيد عليه فلا حاجة إلى الإعادة.

و منها: استصحاب وظيفته الثابتة له قبل صيرورته مجتهدا من التقليد و إن لم يكن قلّد فعلا لقلّة مبالاة و نحوها، و استصحاب الأحكام الثابتة له بالتقليد.

و يرد عليه امور:

أوّلها: ما تفرّد بإيراده بعض الأفاضل من: «أنّ جواز احتجاج المتجزّي بالأصل المذكور أوّل الكلام، إذ لا فارق بين إجرائه الاستصحاب في المقام أو في المسائل الفقهيّة ممّا يجري فيه ذلك، فلا يصحّ الاستناد إليه هنا إلّا بعد إثبات كونه حجّة في حقّه، و معه يتمّ المدّعى من جواز تعويل المتجزّي على مؤدّى اجتهاده و لو كان من مؤدّى الاصول، فلا يبقى له مجال إلى الأصل المذكور حينئذ»[1].

ثانيها: أنّه قاصر عن إفادة تمام المدّعى لعدم شموله لمن بلغ متجزّيا، إذ لم يجب عليه

[1]هداية المسترشدين 3: 653.


صفحه 205

..........

قبل البلوغ شيء ليستصحب.

و أمّا ما ذكره غير واحد في دفعه من تتميمه بعدم القول بالفصل فواضح الضعف، لو سلّم كونه إجماعا على عدم الفصل كاشفا عن كون الإمام مع إحدى الفريقين أو كون مرضيّه و معتقده إحدى القضيّتين إمّا الإيجاب الكلّي أو السلب الكلّي، لا مجرّد عدم اتّفاق القول بالفصل الغير المنافي لكون معتقد الإمام الفرق بين المسألتين المنحلّ إلى الإيجاب الجزئي و السلب الجزئي، إذ غاية ما علم من الإجماع المذكور اتّحاد المسألتين في الحكم الواقعي فيلزم باختيار الفصل مخالفة الإمام بل مخالفة الحكم الواقعي بعنوان القطع و اليقين، و أمّا اتّحادهما في الحكم الظاهري أيضا المستفاد من الاصول الّتي منها الاستصحاب كما في المقام فغير معلوم لعدم انعقاد الإجماع عليه.

و بعبارة اخرى: أنّ عدم القول بالفصل إن رجع إلى الإجماع المركّب فهو في موارده دليل على الملازمة بين شطريه، و غاية ما علم منه انعقاده على الملازمة بينهما في الأحكام الواقعيّة بخلاف الأحكام الظاهريّة لعدم ثبوت الإجماع على الملازمة فيها أيضا، فلو كان دليل أحد الشطرين حينئذ ما كان من قبيل الاصول من استصحاب و نحوه لا قاضي بلحوق الشطر الآخر به في الحكم المستفاد من ذلك الأصل لعدم ثبوت الملازمة الشرعيّة بينهما في هذا الحكم، فاختيار الفصل فرق بينهما في الحكم الظاهري و هو لا يستلزم الفرق في الحكم الواقعي، كما أنّه ليس مخالفة للإمام بعنوان القطع ليكون محظورا.

ثالثها: أنّه معارض باستصحاب خلافه في المتجزّي المتسافل عن درجة الاجتهاد المطلق، على معنى من يعرضه النسيان و زال ملكته العامّة إلى أن بقي منها ما يختصّ ببعض المسائل دون بعض، و قصوره عن إفادة تمام المدّعى ينجبر بضميمة عدم القول بالفصل.

و ما يقال في دفعه: من أنّ الاستصحاب الأوّل أكثر موردا و أغلب موضعا فيرجّح.

يدفعه: أنّ ذلك ممّا لا يعقل له وجه، فإنّ الترجيح حقيقة معناه تقديم إحدى الأمارتين المتعارضتين على صاحبها المنحصر في كونه بطريق الورود لو كانت الاولى بمضمونها متعرّضة لرفع موضوع الاخرى، أو بطريق الحكومة لو كانت الاولى بمضمونها متعرّضة لدليل اعتبار الاخرى بإخراجها عن عموم هذا الدليل من باب التخصيص أو عن إطلاقه من باب التقييد، و غلبة المورد في الاستصحاب المفروض لا تصلح شيئا من ذلك.

أمّا الأوّل: فلأنّ المفروض أنّ الشكّ في هذا الاستصحاب ليس سببيّا ليوجب ارتفاعه


صفحه 206

..........

بحسب الشرع ارتفاع ما هو مسبّب عنه و هو الشكّ الموجود في الاستصحاب الآخر كما لا يخفى، كيف و لو كان الحال كذلك لم يكن حاجة في الترجيح إلى شيء آخر، و الغلبة المدّعاة أيضا لا تصلح لأن تفيد العلم بخلاف الاستصحاب المعارض لا عقلا كما هو واضح، و لا شرعا لعدم نهوض الدلالة الشرعيّة على اعتبارها.

و أمّا الثاني: فلأنّ المفروض أنّ الاستصحابين بكليهما مندرجان في عموم أدلّة الاستصحاب على جهة سواء، و لا يعقل كون دخول أحد فردي العامّ فيه موجبا لخروج الآخر عنه، و غلبة وجود أحدها لا تصلح مخصّصة له و لا قرينة صارفة عن ظاهره، و لا موجبة لانصراف الخطاب عرفا إلى ما قلّ مورده[1]و إلّا لخرج أكثر الاستصحابات بلا دليل الحجّية، و هو كما ترى ممّا لا يتفوّه به جاهل فضلا عن العالم الكامل.

و رابعها: أنّ الاستصحاب مع تبدّل موضوع المستصحب غير معقول، فإنّ حقيقة معناه- على ما قرّر في محلّه- إبقاء القضيّة المتيقّنة في حال الشكّ على ما كانت عليها في آن اليقين من غير تغيير في شيء من أجزائها موضوعا و محمولا و غيرهما، بأن لا يكون بينهما اختلاف إلّا في الزمان، على معنى كون ظرف وجود القضيّة المتيقّنة هو الزمان السابق على ما هو ظرف وجودها مشكوكة و في حال النسبة المأخوذة فيها، من حيث كونها في الظرف الأوّل هو اليقين و في الظرف الثاني هو الشكّ.

و ملخّصه: اشتراط كون القضيّة المشكوكة هي المتيقّنة بعينها موضوعا و محمولا، و مرجعه إلى اشتراط بقاء الموضوع على ما هو عليه في القضيّة المتيقّنة و هو في المقام ليس من هذا الباب، ضرورة أنّ موضوع التقليد و الأحكام المتفرّعة عليه ليس هو هذا الشخص من حيث هو كذلك، بل هو من حيث اندراجه في عنوان كلّي و هو المكلّف الغير المتمكّن من الاجتهاد لفقده الملكة الّتي بها يقتدر على الاستنباط أصلا و رأسا، فموضوع القضيّة المتيقّنة هو هذا العنوان الكلّي.

و لا ريب أنّ محلّ الفرض بعد صيرورته متجزّيا بالمعنى المفروض في المقام خرج عن هذا العنوان و دخل في عنوان آخر مشكوك الحكم من بدو الأمر، و هو المتمكّن من الاجتهاد في بعض المسائل، فالمتجزّي ملحوظ من حيث اندراجه في هذا العنوان، و كونه حال اليقين مندرجا في العنوان الأوّل لا ينفع في اتّحاد موضوع القضيّتين، لفرض خروجه

[1]كذا في الأصل، و الّذي يقتضيه السياق هكذا: «و لا موجبة لانصراف الخطاب عرفا عمّا قلّ مورده الخ». و اللّه العالم.


صفحه 207

..........

عنه بتغيّر حالته الاولى، فالقضيّة المشكوكة حينئذ ليست بعين القضيّة المتيقّنة لتعدّد موضوعيهما، و معه لا يعقل إجراء حكم إحدى القضيّتين في القضيّة الاخرى إلّا بدلالة خارجيّة و هي منتفية في المقام.

و خامسها: أنّ الاستصحاب مع وجود رافع الشكّ ممّا لا معنى له، و ما تقدّم من البيان في الاستدلال على حجّية ظنّ المتجزّي رافع له جدّا.

و منها: أنّ الظنّ ما لم ينته إلى القطع يكون في حكم الشكّ، بل معنى عدم انتهائه إلى القطع انتهاؤه إلى الشكّ لبطلان التسلسل فيكون وجوده بمنزلة عدمه، فيكون الظانّ حينئذ جاهلا بتكليفه فيما ظنّ به من المسائل كما أنّه جاهل في غير ما ظنّ به، فيندرج بذلك في أدلّة وجوب رجوع الجاهل إلى العالم في استعلام الأحكام الشرعيّة، و هذا معنى وجوب التقليد على المتجزّي.

و جوابه يظهر بملاحظة ما تقدّم في تضاعيف كلماتنا المتقدّمة، و محصّله: المنع من عدم انتهاء ظنّ المتجزّي إلى القطع، مع أنّ العمدة من أدلّة رجوع الجاهل إلى العالم هو الإجماع.

و قد تبيّن أنّه غير ثابت في مثل هذا الجاهل، و غيره أيضا غير ظاهر الشمول لمثل هذا الجاهل، و كيف كان فهذا الوجه في غاية السقوط كسوابقه.

و منها: ظاهر مقبولة عمر بن حنظلة المرويّة عن الصادق(عليه السلام)و فيها: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، و نظر في حلالنا و حرامنا، و عرف أحكامنا، فارضوا به حكما، فإنّي قد جعلته عليكم حاكما»[1].

بتقريب: أنّ الجمع المضاف حقيقة في العموم، فإن لم يكن يراد به الاستغراق الحقيقي فلا أقلّ من حمله على العرفي، بأن يعرف جملة وافية من الأحكام بحيث يعدّ مع علمه بها عارفا بالأحكام.

و فيه أوّلا: أنّ المستفاد من الرواية نصبه(عليه السلام)العارف بالأحكام الناظر في الحلال و الحرام للحكومة و القضاء و أمره أصحابه بالترافع إليه، و هذا ممّا لا تعلّق له بمقام حجّية الظنّ القاضية بقيامه مقام العلم.

و بالجملة إثبات موضوع حكم بدليل ذلك الحكم ممّا لا يعقل، و الحكم المستفاد منها معلّق على المعرفة الظاهرة في العلم، فهي غير متعرّضة للظنّ إثباتا و لا نفيا

[1]وسائل الشيعة 18: 220، باب 31 من أبواب كيفيّة الحكم، ح 2.


صفحه 208

..........

حتّى بالنسبة إلى المجتهد المطلق.

غاية ما في الباب قضاؤها باختصاص الإذن في الحكومة بالعارف للأحكام، و مفاده أن لا يجوز للمتجزّي مباشرة الحكومة، و هذا ليس معنى عدم حجّيّة ظنّه في حقّه و لا حجّيّة ظنّ المطلق له و لمقلّديه، و عدم جواز الحكومة له لا ينافي جواز عمله بظنّه في الأحكام المتعلّقة به، لجواز كون الترافع إليه ملحقا بتقليد الغير إيّاه فلا يجوز الأوّل كما لا يجوز الثاني على ما سنقرّره.

و ثانيا: أنّ النظر و العرفان بكليهما ظاهران في الفعليّين، فحمل «الأحكام» على العموم بكلّ من الوجهين المذكورين ينافي ما اتّفقوا عليه من عدم اعتبار العموم في مقام الفعل.

و ثالثا: أنّ سبق ذكر الحلال و الحرام المنحلّين ظاهرا إلى الخمس المعروفة يقضي بكون الأحكام مرادا بها خصوص أحكام القضاء، فإرادة العموم لو كانت مسلّمة لعلّها من جهة أنّ جواز القضاء بين الناس مشروط بمعرفة جميع أحكامه كما نصّ عليه الفقهاء، و لازمه أن لا يجوز للعارف ببعض أحكامه أن يقضي بينهم، و هذا ممّا لا ينافي جواز عمله بظنّه في الامور الراجعة إليه، كما أنّ عدم جواز تقليد الغير له لا ينافيه.

و رابعا: أنّ «الأحكام» لو كان المراد بها ما يرادف الحلال و الحرام أو ما يعمّهما- كما عليه مبنى الاستدلال- فلا بدّ و أن يحمل الإضافة فيها على إرادة الجنس، بقرينة ظهور الحلال و الحرام في إرادة الجنسيّة.

و من البيّن أنّ التصرّف في لفظ واحد أولى منه في لفظين، مع أنّهما أظهر في إرادة الجنس من «الأحكام» في إرادة العموم، فلا بدّ من طرح ظهورها عملا بالأظهر.

فالأقوى تعيّن عمل المتجزّي بظنّ نفسه و عدم جواز الرجوع له إلى ظنّ غيره مع كون الأوّل عملا عن معرفة و الثاني عملا لا عن معرفة، و لا ريب في رجحان الأوّل في نظر العقل، هذا إذا كان الناظر لمعرفة حكمه غيره من المجتهدين، و إذا كان نفسه ناظرا في معرفة حكمه فلمّا كان أمره دائرا بين المحذورين: حرمة التقليد و حرمة العمل بالظنّ، فالمتعيّن في حقّه اتّباع العلم و انتهاء عمله إليه في المسألة الفرعيّة أو الاصوليّة أو العمل بالاحتياط، فإن تأمّل و حصل له اليقين بجواز بنائه على ظنّه و مؤدّى اعتقاده أو بجواز تقليده الغير يبني عليه، و إلّا فلا مناص من الاحتياط، هذا هو تحقيق المقام في المتجزّي بالقياس إلى عمل نفسه.


صفحه 209

[شروط الاجتهاد]

أصل و للاجتهاد المطلق شرائط يتوقّف عليها (1). و هي بالإجمال: أن يعرف جميع ما يتوقّف عليه إقامة الأدلّة على المسائل الشرعيّة الفرعيّة، و بالتفصيل

و أمّا بالقياس إلى عمل الغير على معنى تقليد العامي له في مظنوناته فنورد البحث عنه في مباحث التقليد بعون اللّه و حسن توفيقه.

(1) و معنى توقّفه عليها توقّفه في تحقّقه و وجوده الخارجي.

و قضيّة ذلك كون الاجتهاد مرادا به هنا معناه الملكي، ضرورة أنّ ما يذكره من الامور الآتية إنّما يوجب اجتماعها جمع حصول الملكة المقتدر بها على استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الشرعيّة، لا حصول الاستنباط الفعلي للأحكام عن أدلّتها.

نعم هي شروط له باعتبار الفعل بالواسطة، لأنّ الملكة بنفسها من شروطه كما نبّهنا عليه في مطاوي تعريف الفقه.

و لك أن تقول- بعد البناء على اعتبارها شروطا للفعل كما هو ظاهرهم بل صريح بعضهم-: و لا ينافيه عدم حصوله بمجرّد اجتماعها ما لم يفرض جامعها لمقام النظر و الاستفراغ، على معنى كونها شروطا له كونها ممّا يتولّد منها أو ينتزع عنها ما هو شرط له في الحقيقة و هو الملكة و القوّة النفسانيّة المقتدر بها على الاستنباط.

و كأنّه إلى هذا المعنى يشير عبارة التهذيب حيث إنّه أخذ بذكر شرائط المجتهد فقال:

«و الضابط فيه تمكّن المكلّف من إقامة الأدلّة على المسائل الشرعيّة الفرعيّة، و إنّما يتمّ ذلك بامور أحدها معرفة اللغة» إلى آخره.

و أصرح منها في إفادة هذا المعنى عبارة المنية قائلا: «الشرائط الّتي يتوقّف عليها كون المكلّف مجتهدا يجمعها شيء واحد و هو كونه بحيث يتمكّن من الاستدلال بالدلائل الشرعيّة على الأحكام الشرعيّة، لكن حصول هذه الملكة للمكلّف مشروط بامور أحدها ...» إلى آخره.

و المراد بشرطيّة هذه الامور بأجمعها كونها شروطا للاجتهاد الكلّي بالمعنى المفروض بالقياس إلى عامّة المسائل.

و أمّا بالقياس إلى البعض فالشرط ما يحتاج إليه من الامور المذكورة في خصوص المسألة بالخصوص دون غيره، إذ ليس كلّ مسألة بحيث تتوقّف على كلّ واحد منها كما لا يخفى، و لذا ترى أنّ العلّامة في النهاية بعد ما فرغ عن ذكرها قال: «و هذه شرائط المجتهد


صفحه 210

..........

المطلق المتصدّي للحكم و الإفتاء في جميع مسائل الفقه، أمّا الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي في معرفته ما يتعلّق بتلك المسألة و ما لا بدّ منه فيها.»

و وافقه عليه السيّد في المنية قائلا: «و اعلم أنّ اجتماع هذه العلوم إنّما هو شرط في المجتهد المطلق، أمّا المجتهد في مسألة معيّنة خاصّة فلا يشترط إلّا علمه بما يتعلّق بتلك المسألة من الاصول المذكورة عند من يجوّز تجزّي الاجتهاد» انتهى.

و عليه فما في عبارة المصنّف كغيرها لجماعة[1]من قيد الإطلاق يراد به الاحتراز عن الاجتهاد في البعض كما تكرّر نظيره منه في الأصل السابق، لا أنّ المراد به تعميم الحكم بالقياس إلى المطلق و المتجزّي.

فما في كلام بعض المحقّقين- و تبعه غيره من الشرّاح- من أنّه يحتمل إرادة التعميم بالنسبة إلى مجتهد الكلّ و المتجزّي ليس على ما ينبغي.

ثمّ إنّ تعليلاتهم في جملة من الشروط تقضي بكونها من شروط الوجود كما هو المقطوع به أيضا بحكم الوجدان.

فما في مفاتيح السيّد- من الاستدلال على الاشتراط تارة: بأصالة عدم جواز العمل بالظنّ حيث لا يكون عالما بالنحو أو الصرف أو اللغة، و أصالة عدم جواز تقليد من لم يعلم هذه العلوم. و اخرى: بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها ظنّ العالم بها بالدليل، و لا دليل على خروج غيره فيبقى مندرجا تحتها- ليس بسديد، لأنّ ذلك إنّما يستقيم إذا كانت العلوم المذكورة شروطا للصحّة و المفروض خلافه.

و من هنا صار بعض المحقّقين- على ما في محكيّ المصنّف- إلى منع كون علم الكلام من هذه الجملة، تعليلا بأنّه من لوازم الاجتهاد و توابعه لا من مقدّماته و شرائطه، و استحسنه المصنّف.

و وجه كونه من اللوازم و التوابع: أنّ الاجتهاد المتضمّن للنظر في الأدلّة الشرعيّة المتعارفة إنّما لفائدة التديّن بالمجتهدات، فلا يتأتّى في الخارج عادة إلّا ممّن يعتقد حقّية هذه الشريعة، و هو يستلزم الإذعان بوجود الصانع و تنزّهه عمّا يمتنع عليه، و الإذعان بثبوت الشرائع الّتي منها هذه الشريعة المستلزم للإذعان بحقّيّة الأنبياء الّذين منهم نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يتأتّى بحسب الخارج من منكري الصانع و لا من منكري الشرائع و لا من منكري هذا الشرع بالخصوص، لا لانتفاء ما هو من مقدّمات وجوده في حقّهم بل لانتفاء ما هو من فوائده و غاياته التابعة له.

[1]كذا في الأصل.


صفحه 211

..........

نعم إنّما يصحّ عدّه من الشروط بالقياس إلى الفقه بناء على ما اخترناه و قرّرناه في حدّه من: «أنّه العلم بالأحكام الفعليّة» ضرورة أنّ العلم بالأحكام الفعليّة لا يتأتّى إلّا بمقدّمتين قطعيّتين، يحرز صغراهما بالأدلّة الاجتهاديّة المتعارفة و كبراهما بالأدلّة الكلاميّة، و لعلّه لأجل ذا أخذه المصنّف في مفتتح الكتاب كغيره من مباديه المتقدّمة عليه بحسب المرتبة، و إن كان لا يلائمه مختاره في جنس حدّه من حمل «العلم» على الاعتقاد الراجح، فتأمّل.

و يمكن أن يكون ذكره ثمّة لمجرّد كونه من العلوم المتقدّمة عليه بحسب الرتبة و لو كان ذلك لمجرّد كونه من مقولة التوابع و اللوازم، فلا يناقض ما صنعه ثمّة لما صنعه هنا من عدم جعله إيّاه من شروط الاجتهاد.

أمّا أوّلا: فلعدم اتّحاد الفقه و الاجتهاد بحسب المفهوم و المصداق على ما مرّ تحقيقه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ تقدّم شيء على شيء لا يستلزم الشرطيّة، و إنّما ذكره ثمّة لأنّ من دأب قدماء المصنّفين أن يتعرّضوا في مفتتح كتبهم لذكر مرتبة العلم بالقياس إلى غيره من العلوم تقدّما و تأخّرا، و أسقطه هنا لعدم كونه من جملة الشروط.

و بما ذكرنا ظهر السرّ في عدم استقصائه الشروط المذكورة هنا بأجمعها ثمّة مثل العلم بالآيات و الأحاديث المتعلّقين بالأحكام و القوّة القدسيّة، لعدم كونها من مقولة العلوم الّتي يلاحظ المرتبة بينها و بين غيره.

نعم يشكل الحال بالقياس إلى العلم بأحوال الرواة، لدخول علم الرجال في عداد العلوم، إلّا أن يمنع كونه على حدّ سائر العلوم المدوّنة كما لا يخفى، فتكون حال العلم بأحوال الرواة من باب العلم بآيات الكتاب و الأخبار المتعلّقة بكلّ باب، أو يقال: بمنع كون مقصوده ثمّة حصر العلوم المتقدّمة على الفقه فيما ذكره ليضرّ خروج علم الرجال.

و بما عرفت جميعا يظهر فساد ما اعترض على كلام المصنّف هنا من أنّ ما ذكره من الشرائط هنا يخالف ما ذكره هناك، لأنّه اعتبر هناك علم الكلام و نفاه هنا، و اعتبر هنا القوّة القدسيّة و علم الرجال و علمي التفسير و الحديث و لم يعتبرها هناك.

و في كلام بعض الأعيان: أنّ ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم تسعة، ثلاثة من العلوم الأدبيّة، و ثلاثة من المعقولات، و ثلاثة من المنقولات.

فالأوّل من الأوّل علم اللغة، و الثاني علم الصرف، و الثالث علم النحو.

و الأوّل من الثاني علم الاصول، و الثاني علم الكلام، و الثالث علم المنطق.