بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 209

[شروط الاجتهاد]

أصل و للاجتهاد المطلق شرائط يتوقّف عليها (1). و هي بالإجمال: أن يعرف جميع ما يتوقّف عليه إقامة الأدلّة على المسائل الشرعيّة الفرعيّة، و بالتفصيل

و أمّا بالقياس إلى عمل الغير على معنى تقليد العامي له في مظنوناته فنورد البحث عنه في مباحث التقليد بعون اللّه و حسن توفيقه.

(1) و معنى توقّفه عليها توقّفه في تحقّقه و وجوده الخارجي.

و قضيّة ذلك كون الاجتهاد مرادا به هنا معناه الملكي، ضرورة أنّ ما يذكره من الامور الآتية إنّما يوجب اجتماعها جمع حصول الملكة المقتدر بها على استنباط الأحكام الفرعيّة من الأدلّة الشرعيّة، لا حصول الاستنباط الفعلي للأحكام عن أدلّتها.

نعم هي شروط له باعتبار الفعل بالواسطة، لأنّ الملكة بنفسها من شروطه كما نبّهنا عليه في مطاوي تعريف الفقه.

و لك أن تقول- بعد البناء على اعتبارها شروطا للفعل كما هو ظاهرهم بل صريح بعضهم-: و لا ينافيه عدم حصوله بمجرّد اجتماعها ما لم يفرض جامعها لمقام النظر و الاستفراغ، على معنى كونها شروطا له كونها ممّا يتولّد منها أو ينتزع عنها ما هو شرط له في الحقيقة و هو الملكة و القوّة النفسانيّة المقتدر بها على الاستنباط.

و كأنّه إلى هذا المعنى يشير عبارة التهذيب حيث إنّه أخذ بذكر شرائط المجتهد فقال:

«و الضابط فيه تمكّن المكلّف من إقامة الأدلّة على المسائل الشرعيّة الفرعيّة، و إنّما يتمّ ذلك بامور أحدها معرفة اللغة» إلى آخره.

و أصرح منها في إفادة هذا المعنى عبارة المنية قائلا: «الشرائط الّتي يتوقّف عليها كون المكلّف مجتهدا يجمعها شيء واحد و هو كونه بحيث يتمكّن من الاستدلال بالدلائل الشرعيّة على الأحكام الشرعيّة، لكن حصول هذه الملكة للمكلّف مشروط بامور أحدها ...» إلى آخره.

و المراد بشرطيّة هذه الامور بأجمعها كونها شروطا للاجتهاد الكلّي بالمعنى المفروض بالقياس إلى عامّة المسائل.

و أمّا بالقياس إلى البعض فالشرط ما يحتاج إليه من الامور المذكورة في خصوص المسألة بالخصوص دون غيره، إذ ليس كلّ مسألة بحيث تتوقّف على كلّ واحد منها كما لا يخفى، و لذا ترى أنّ العلّامة في النهاية بعد ما فرغ عن ذكرها قال: «و هذه شرائط المجتهد


صفحه 210

..........

المطلق المتصدّي للحكم و الإفتاء في جميع مسائل الفقه، أمّا الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي في معرفته ما يتعلّق بتلك المسألة و ما لا بدّ منه فيها.»

و وافقه عليه السيّد في المنية قائلا: «و اعلم أنّ اجتماع هذه العلوم إنّما هو شرط في المجتهد المطلق، أمّا المجتهد في مسألة معيّنة خاصّة فلا يشترط إلّا علمه بما يتعلّق بتلك المسألة من الاصول المذكورة عند من يجوّز تجزّي الاجتهاد» انتهى.

و عليه فما في عبارة المصنّف كغيرها لجماعة[1]من قيد الإطلاق يراد به الاحتراز عن الاجتهاد في البعض كما تكرّر نظيره منه في الأصل السابق، لا أنّ المراد به تعميم الحكم بالقياس إلى المطلق و المتجزّي.

فما في كلام بعض المحقّقين- و تبعه غيره من الشرّاح- من أنّه يحتمل إرادة التعميم بالنسبة إلى مجتهد الكلّ و المتجزّي ليس على ما ينبغي.

ثمّ إنّ تعليلاتهم في جملة من الشروط تقضي بكونها من شروط الوجود كما هو المقطوع به أيضا بحكم الوجدان.

فما في مفاتيح السيّد- من الاستدلال على الاشتراط تارة: بأصالة عدم جواز العمل بالظنّ حيث لا يكون عالما بالنحو أو الصرف أو اللغة، و أصالة عدم جواز تقليد من لم يعلم هذه العلوم. و اخرى: بالعمومات المانعة عن العمل بغير العلم خرج منها ظنّ العالم بها بالدليل، و لا دليل على خروج غيره فيبقى مندرجا تحتها- ليس بسديد، لأنّ ذلك إنّما يستقيم إذا كانت العلوم المذكورة شروطا للصحّة و المفروض خلافه.

و من هنا صار بعض المحقّقين- على ما في محكيّ المصنّف- إلى منع كون علم الكلام من هذه الجملة، تعليلا بأنّه من لوازم الاجتهاد و توابعه لا من مقدّماته و شرائطه، و استحسنه المصنّف.

و وجه كونه من اللوازم و التوابع: أنّ الاجتهاد المتضمّن للنظر في الأدلّة الشرعيّة المتعارفة إنّما لفائدة التديّن بالمجتهدات، فلا يتأتّى في الخارج عادة إلّا ممّن يعتقد حقّية هذه الشريعة، و هو يستلزم الإذعان بوجود الصانع و تنزّهه عمّا يمتنع عليه، و الإذعان بثبوت الشرائع الّتي منها هذه الشريعة المستلزم للإذعان بحقّيّة الأنبياء الّذين منهم نبيّنا(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فلا يتأتّى بحسب الخارج من منكري الصانع و لا من منكري الشرائع و لا من منكري هذا الشرع بالخصوص، لا لانتفاء ما هو من مقدّمات وجوده في حقّهم بل لانتفاء ما هو من فوائده و غاياته التابعة له.

[1]كذا في الأصل.


صفحه 211

..........

نعم إنّما يصحّ عدّه من الشروط بالقياس إلى الفقه بناء على ما اخترناه و قرّرناه في حدّه من: «أنّه العلم بالأحكام الفعليّة» ضرورة أنّ العلم بالأحكام الفعليّة لا يتأتّى إلّا بمقدّمتين قطعيّتين، يحرز صغراهما بالأدلّة الاجتهاديّة المتعارفة و كبراهما بالأدلّة الكلاميّة، و لعلّه لأجل ذا أخذه المصنّف في مفتتح الكتاب كغيره من مباديه المتقدّمة عليه بحسب المرتبة، و إن كان لا يلائمه مختاره في جنس حدّه من حمل «العلم» على الاعتقاد الراجح، فتأمّل.

و يمكن أن يكون ذكره ثمّة لمجرّد كونه من العلوم المتقدّمة عليه بحسب الرتبة و لو كان ذلك لمجرّد كونه من مقولة التوابع و اللوازم، فلا يناقض ما صنعه ثمّة لما صنعه هنا من عدم جعله إيّاه من شروط الاجتهاد.

أمّا أوّلا: فلعدم اتّحاد الفقه و الاجتهاد بحسب المفهوم و المصداق على ما مرّ تحقيقه.

و أمّا ثانيا: فلأنّ تقدّم شيء على شيء لا يستلزم الشرطيّة، و إنّما ذكره ثمّة لأنّ من دأب قدماء المصنّفين أن يتعرّضوا في مفتتح كتبهم لذكر مرتبة العلم بالقياس إلى غيره من العلوم تقدّما و تأخّرا، و أسقطه هنا لعدم كونه من جملة الشروط.

و بما ذكرنا ظهر السرّ في عدم استقصائه الشروط المذكورة هنا بأجمعها ثمّة مثل العلم بالآيات و الأحاديث المتعلّقين بالأحكام و القوّة القدسيّة، لعدم كونها من مقولة العلوم الّتي يلاحظ المرتبة بينها و بين غيره.

نعم يشكل الحال بالقياس إلى العلم بأحوال الرواة، لدخول علم الرجال في عداد العلوم، إلّا أن يمنع كونه على حدّ سائر العلوم المدوّنة كما لا يخفى، فتكون حال العلم بأحوال الرواة من باب العلم بآيات الكتاب و الأخبار المتعلّقة بكلّ باب، أو يقال: بمنع كون مقصوده ثمّة حصر العلوم المتقدّمة على الفقه فيما ذكره ليضرّ خروج علم الرجال.

و بما عرفت جميعا يظهر فساد ما اعترض على كلام المصنّف هنا من أنّ ما ذكره من الشرائط هنا يخالف ما ذكره هناك، لأنّه اعتبر هناك علم الكلام و نفاه هنا، و اعتبر هنا القوّة القدسيّة و علم الرجال و علمي التفسير و الحديث و لم يعتبرها هناك.

و في كلام بعض الأعيان: أنّ ما يحتاج إليه المجتهد من العلوم تسعة، ثلاثة من العلوم الأدبيّة، و ثلاثة من المعقولات، و ثلاثة من المنقولات.

فالأوّل من الأوّل علم اللغة، و الثاني علم الصرف، و الثالث علم النحو.

و الأوّل من الثاني علم الاصول، و الثاني علم الكلام، و الثالث علم المنطق.


صفحه 212

[اشتراط علم اللغة في الاجتهاد]

أن يعلم من اللّغة و معاني الألفاظ العرفيّة ما يتوقّف عليه استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة و لو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة. و يدخل في ذلك معرفة النحو و التصريف (1)

و الأوّل من الثالث علم تفسير آيات الأحكام، و الثاني العلم بأحاديثها، و الثالث علم الرجال.

(1) و معرفة هذين العلمين إنّما تدخل في معرفة اللغة الّتي يراد بها هنا معاني الألفاظ الموضوعة لها باعتبار موادّها أو هيأتها الإفراديّة أو التركيبيّة وضعا حقيقيّا أو مجازيّا منوطا بالعلائق المرخّص فيها من الواضع.

و الاولى هي المعاني الواصلة من الصدر الأوّل من أهل اللغة أو المودعة في كتب اللغة الّتي دوّنها أربابها المعروفون الّتي وضع لها موادّ الألفاظ كمادّة «السماء» و «الأرض» و «الماء» و «الغسل» و «المسح».

و الثانية هي المعاني التصريفيّة الّتي يتعرّض لها علماء الصرف و وضع لها هيآت الاشتقاقيّة كهيئات فعلي الماضي و المضارع، و هيآت فعلي الأمر و النهي، و هيآت أسماء الفاعلين و المفعولين و غيرهما.

و الثالثة هي المعاني النحويّة الّتي يتعرّض لها علماء النحو و وضع لها تراكيب الألفاظ الإعرابيّة كالفاعليّة و المفعوليّة و الإضافة و نحوها ممّا لا يحصى.

و وجه الحاجة إلى هذه العلوم مع وضوحه أنّ الاجتهاد لا يتحقّق إلّا بإعمال الأدلّة الّتي منها الكتاب و السنّة اللذين هما من مقولة الألفاظ.

و من البيّن أنّ استفادة المطلب من الألفاظ لا يتأتّى إلّا بمعرفة أوضاعها الطارئة لها بكلّ من الأنحاء الثلاثة المذكورة و معانيها الثابتة لها من جهة هذه الأوضاع.

و إن شئت لاحظ عبارة المنية المعلّلة للحاجة إلى النحو «باختلاف معاني اللفظ الواحد العربيّ عند اختلاف حركاته الاعرابيّة كما تقول: «ما أحسن زيد» و «ما أحسن زيد» و «ما أحسن زيد»، فإنّ الأوّل تعجّب و معناه: شيء أحسن زيدا، و الثاني خبر و معناه: ما صار زيد ذا حسن، و الثالث استفهام و معناه: أيّ خلق من أخلاق زيد أو أيّ عضو من أعضائه أحسن؟

و دلالة هذه الحركات على هذه المعاني إنّما تستفاد من علم النحو» انتهى.

و أمّا من قال في نفي الحاجة إلى هذه العلوم أنّ العربي القحّ بعد ما تتبّع الأحاديث


صفحه 213

..........

و اطّلع على عرف القرآن و الحديث مستغن عنه- على ما حكاه الوحيد في رسالة الاجتهاد و الأخبار- فهو متهافت لا يلتفت إلى مقالته أو غافل عن حقيقة مقصود المقام.

و توضيحه: أنّ المقصود من اشتراط معرفة هذه العلوم الثلاث أن يحصل لمريد الاجتهاد حالة نفسانيّة بها يتمكّن من فهم معاني موادّ ألفاظ العرب و تراكيبها مفردة و مركّبة، مادّية و هيئيّة و يميّز بين حقائقها و مجازاتها و وجوه دلالاتها ممّا يتعلّق بهذه العلوم و يتعرّض لبيانها أربابها، على وجه يكفي في استفادة المطالب المقصودة من الكتاب و السنّة بحسب العرف و العادة، سواء كانت أصليّة كما لو كان من فصحاء أهل لسان العرب، أو طارويّة كما لو كان أجنبيّا أو غير فصيح فحصّلها بتعلّم العلوم المذكورة، فالعربي القحّ إن اريد به ما لا يخرج عن هذا الضابط فاعتباره اعتراف بالاشتراط.

و من أطلق هذا الشرط من العامّة و الخاصّة لا أظنّ أنّه يريد به ما زاد على الضابط المذكور، ضرورة أنّه لا فارق بين العربي المفروض و بين الأجنبيّ المتعلّم للعلوم المذكورة إلّا في أنّ الثاني يعرف الاصطلاحات المحدثة المتداولة عند أرباب هذه العلوم و الأوّل لا يعرفها و هذا لا يصلح فارقا في الحكم، إذ معرفة الاصطلاحات لا مدخليّة لها في فهم معاني الألفاظ و استفادة المطالب المقصودة من الكتاب و السنّة ليضرّ انتفاؤها في حصول الغرض الأصلي.

و إن اريد به ما لا يبلغ الحدّ المذكور فدعوى استغنائه عن العلوم المذكورة واضح المنع.

و إن اريد به ما يدخل في الضابط مع اقترانه بدعوى كفاية ما له من الحالة النفسانيّة في الاستنباط و عدم افتقاره إلى شيء آخر، فهو- مع أنّه ممّا لا يتحمّله العبارة المتقدّمة- كلام راجع إلى نفي الحاجة إلى الشروط الاخر الآتية الّتي منها معرفة علمي الاصول و الرجال، و سنورد ما يتعلّق به من إصلاح أو إفساد.

و من الفضلاء من قال: «إنّ هذا الشرط إنّما يعتبر غالبا بالنسبة إلى أمثال زماننا حيث اندرس فيه اللغة العربيّة و انحصر سبيل معرفتها في المراجعة إلى الكتب المدوّنة.

و أمّا بالنسبة إلى العرب الموجودين في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)فلا حاجة لهم إلى معرفة هذه العلوم المحرّرة» إلى آخره.

و هذا كما ترى بناء منه على كون معرفة العلوم المذكورة مرادا بها ما يحصل بمراجعة كتبها المدوّنة و المدارسة عند أربابها، و لذا استدرك عقيب العبارة المذكورة بقوله: «و لو اريد


صفحه 214

..........

بهذه العلوم غاياتها اشترك وجه الحاجة بين الجميع» و قد عرفت ضعف توهّم الاختصاص.

ثمّ إنّ تخصيصه العرب الموجودين في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)بعدم الحاجة إلى معرفة هذه العلوم المحرّرة غير واضح الوجه، فإنّ فصحاء العرب العارفين بمزايا اللغة العربيّة المائزين بين حقائقها و مجازاتها و بين القديمة و المحدثة من معانيها لا حاجة لهم إلى مراجعة الكتب المدوّنة في هذه العلوم و إن كانوا من أهل الأزمنة المتأخّرة إلى زماننا هذا.

إلّا أن يقال: إنّ العرف كثيرا ما يتبدّل، و المعاني الموجودة في زمن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)كثيرا ما تتغيّر بالنقل و نحوه، و العبرة في خطابات الشرع إنّما هي بتلك المعاني لا غير، و الموجودين في العرف من العرب لا معرفة لهم بتلك المعاني غالبا إلّا من جهة مراجعة الكتب المدوّنة في هذا الشأن كغيرهم من غير العرب، فيرجع الكلام حينئذ في اعتبار هذا الشرط بالنسبة إلى اللغة بالمعنى المقابل للنحو و الصرف إلى اشتراط معرفة المعاني الّتي يتحمّلها ألفاظ الكتاب و السنّة و لو بضميمة الاصول و غيرها من المطالب الاصوليّة المقرّرة للتوصّل إلى تعيين مرادات الخطابات، الّتي منها ما يترجّح في النظر في مسألتي تعارض العرف و اللغة و تعارض الراوي و المرويّ عنه، سواء كانت تلك المعاني هي المعاني الأصليّة الواصلة من الصدر الأوّل من أهل اللغة أو المعاني المعلوم وجودها في زمن الخطاب أو المعاني المودعة في الكتب المدوّنة، أو المعاني العرفيّة الموجودة في العرف الحاضر، و يدخل في هذا الضابط المعاني الشرعيّة الثابتة لجملة كثيرة من الألفاظ بعنوان الحقيقة بالقياس إلى عرف الشارع على القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيها أو بعنوان المجاز بالقياس إلى عرفه أيضا على القول الآخر.

و ينبغي التنبيه على امور:

الأوّل: لا يعتبر في معرفة اللغة بالمعنى الأعمّ استحضار مسائلها فعلا و حفظها عن ظهر القلب،

بل يكفي فيها التمكّن من مراجعة الكتب المحرّرة في العلوم الثلاث أو مراجعة أهلها، كما نصّ عليه غير واحد من الأجلّة و منهم المصنّف في قوله: «و لو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة» و الوجه في ذلك- بعد قضاء الوجدان القطعي بعدم مدخليّة الاستحضار الفعلي و الحفظ عن ظهر القلب فيما هو مقصود المقام من الاشتراط- أنّه المعلوم من طريقة الأعيان خلفا عن سلف من لدن بناء الاجتهاد إلى يومنا هذا.

الثاني: لا يجب كون هذه المعرفة بالقياس إلى كلّ واحد من العلوم الثلاثة

بطريق


صفحه 215

..........

الاجتهاد، على معنى بذل الوسع بمزاولة موارد استعمالات العرب و ممارسة كلمات الأقدمين من فصحائهم من الخطب و القصائد و مسافرة مواطنهم و مخالطة قبائلهم على حدّ ما كان يصنعه الأوّلون من أئمّة هذه الصناعات، بل قد يحرم الاجتهاد بهذا المعنى إذا استلزم تعطيل الأحكام و تعويق أمر الاجتهاد و القضاء و الإفتاء، بل يكفي فيها الاعتماد على ما في الكتب المحرّرة لما تقدّم من أنّه المعهود من طريقة الأساطين قديما و حديثا، و عليه ففي وجوب كون تلك المعرفة المستندة إلى مراجعة الكتب و غيرها بالغة حدّ الجزم و عدمه بالاكتفاء بالمعرفة الظنّية وجهان، من أنّ القدر المتيقّن للاستنباط الّذي علم برضا الشارع به هو القصر على المعرفة الجزميّة، و إنّ أساطين هذا الشأن لم يعهد منهم التزامهم بتحصيل الجزم بالمطالب المتعلّقة بهذه العلوم.

لكنّ الإنصاف: أنّ قول أهل اللغة في الغالب و لو بمعونة بعض القرائن الداخلة و الخارجة و لا سيّما الصرفيّون ثمّ النحاة منهم ممّا يفيد الجزم بالمطلب في الغالب، و ما لا يحصل به الجزم من كلامهم- كما لو كان من الموارد الخلافيّة عندهم مع كون الاختلاف فيه عظيما- نادر، و لم يعلم من سيرة العلماء الآخذين بكلامهم أنّهم يكتفون بالظنّ في مطالبهم خصوصا المطلق منه، لجواز كون اعتمادهم على كلامهم اعتمادا على ما يغلب اتّفاقه من حصول الجزم.

فالوجه حينئذ أن يقال: إنّه في موضع إمكان حصول المعرفة الجزميّة و لو بمراجعة الكتب المتعدّدة من غير استلزامه لتعطيل الأحكام أو العسر و الحرج المقطوع بنفيهما في الشرع يجب مراعاتها اقتصارا على القدر المتيقّن، و في غيره لا بدّ من الظنّ الاطمئناني و الاعتماد النفساني، سواء حصل بمراجعة كتاب واحد أو ما زاد عليه، من غير أن يكون له حدّ معلوم[1]و لا عدد محدود، و لعلّه إلى اعتبار هذا المعنى يشير وصف الاعتماد و غيره في عبارة المصنّف و غيره بقوله: «و لو بالرجوع إلى الكتب المعتمدة».

و أمّا ما عن كشف اللثام من قوله: «و لا يضرّ الافتقار في كثير من دقائق ذلك إلى الرجوع إلى الكتب المعتمدة في العلوم المذكورة، و لكن لا بدّ من التتبع بحيث يحصل العلم العادي أو الظنّ بأحد طرفي ما يتردّد فيه، و لا يقتصر على كتاب واحد أو كتابين كما ترى كثيرا من الفقهاء يقتصرون في المسألة اللغويّة على نحو الصحاح وحده، و النحويّة على

[1]و في الأصل: «معدوم» و هو سهو من قلمه الشريف، و الصواب ما أثبتناه في المتن.


صفحه 216

..........

المفصّل أو كتاب سيبويه» إلى آخره فإن رجع إلى ما قرّرناه فمرحبا بالوفاق، و إلّا فيدخل في قول من لا دليل عليه إلّا مجرّد دعواه.

و أمّا ما عساه يقال في سند دعوى كفاية الظنّ المطلق هاهنا من: أنّه يستلزم الظنّ بالحكم الشرعي و هو حجّة لدليل الانسداد و غيره و ملزوم الحجّة لا بدّ و أن يكون حجّة، كما قيل به في سند دعوى حجّية الظنّ الحاصل من قول اللغوي بالخصوص في غير المقام.

ففيه- بعد منع كلّية هذه القاعدة كما نبّهنا عليه في غير موضع-: أنّ المحقّق من مقتضى دليل حجّية الظنّ انسدادا كان أو غيره إنّما هو الظنّ الاطمئناني بعد تعذّر العلم دون ما زاد عليه، فعلى مدّعي الزيادة إقامة الدليل عليها.

الثالث: لا يجب في شيء من العلوم المذكورة الإحاطة بجميع مسائلها،

بل يكفي في كلّ واحد معرفة ما يكفي في حصول الغرض الأصلي و هو الاستنباط، كما نصّ عليه جماعة و تقدّم في عبارة المصنّف إليه الإشارة، حيث عبّر بعلم ما يتوقّف عليه الاستنباط من اللغة و معاني الألفاظ العرفيّة، فلا يشترط أن يكون في اللغة أو النحو أو غيره كسيبويه و نحوه كما صرّح به في التنقيح في عبارة محكيّة له.

الرابع: ربّما يعدّ من العلوم العربيّة المحتاج إليها في استنباط الأحكام علم المعاني

كما عن بعض العامّة.

و عن الوافية[1]و غيره أنّه المنقول عن السيّد الأجل المرتضى في الذريعة[2]، و عن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم و المتعلّم[3]و عن الشيخ أحمد بن المتوّج البحراني في كفاية الطالبين[4].

بل ربّما يحكى القول بشرطيّة علمي المعاني و البيان معا، لتوقّف معرفة جملة من التكاليف الّتي لها مدخل في معرفة المعاني و تمييز الأفصح عن الفصيح و الفصيح عن غير الفصيح في مقام التعارض على العلم المذكور، و استحسنه بعض الفضلاء.

و عن الوافية أنّه بعد ذكر علم البيان قال: «و لم يفرّق أحد بينه و بين المعاني في الشرطيّة و المكمّلية إلّا ابن أبي جمهور، فإنّه عدّ علم المعاني من المكمّلات و سكت عن البيان»[5]بل

[1]الوافية في اصول الفقه: 280.

[2]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 800.

[3]المسمّى ب: منية المريد في آداب المفيد و المستفيد: 225.

[4]كفاية الطالبين: 38 (المخطوط).

[5]الوافية: 281.