..........
المفصّل أو كتاب سيبويه» إلى آخره فإن رجع إلى ما قرّرناه فمرحبا بالوفاق، و إلّا فيدخل في قول من لا دليل عليه إلّا مجرّد دعواه.
و أمّا ما عساه يقال في سند دعوى كفاية الظنّ المطلق هاهنا من: أنّه يستلزم الظنّ بالحكم الشرعي و هو حجّة لدليل الانسداد و غيره و ملزوم الحجّة لا بدّ و أن يكون حجّة، كما قيل به في سند دعوى حجّية الظنّ الحاصل من قول اللغوي بالخصوص في غير المقام.
ففيه- بعد منع كلّية هذه القاعدة كما نبّهنا عليه في غير موضع-: أنّ المحقّق من مقتضى دليل حجّية الظنّ انسدادا كان أو غيره إنّما هو الظنّ الاطمئناني بعد تعذّر العلم دون ما زاد عليه، فعلى مدّعي الزيادة إقامة الدليل عليها.
الثالث: لا يجب في شيء من العلوم المذكورة الإحاطة بجميع مسائلها،
بل يكفي في كلّ واحد معرفة ما يكفي في حصول الغرض الأصلي و هو الاستنباط، كما نصّ عليه جماعة و تقدّم في عبارة المصنّف إليه الإشارة، حيث عبّر بعلم ما يتوقّف عليه الاستنباط من اللغة و معاني الألفاظ العرفيّة، فلا يشترط أن يكون في اللغة أو النحو أو غيره كسيبويه و نحوه كما صرّح به في التنقيح في عبارة محكيّة له.
الرابع: ربّما يعدّ من العلوم العربيّة المحتاج إليها في استنباط الأحكام علم المعاني
كما عن بعض العامّة.
و عن الوافية[1]و غيره أنّه المنقول عن السيّد الأجل المرتضى في الذريعة[2]، و عن الشهيد الثاني في كتاب آداب العالم و المتعلّم[3]و عن الشيخ أحمد بن المتوّج البحراني في كفاية الطالبين[4].
بل ربّما يحكى القول بشرطيّة علمي المعاني و البيان معا، لتوقّف معرفة جملة من التكاليف الّتي لها مدخل في معرفة المعاني و تمييز الأفصح عن الفصيح و الفصيح عن غير الفصيح في مقام التعارض على العلم المذكور، و استحسنه بعض الفضلاء.
و عن الوافية أنّه بعد ذكر علم البيان قال: «و لم يفرّق أحد بينه و بين المعاني في الشرطيّة و المكمّلية إلّا ابن أبي جمهور، فإنّه عدّ علم المعاني من المكمّلات و سكت عن البيان»[5]بل
[1]الوافية في اصول الفقه: 280.
[2]الذريعة إلى اصول الشريعة 2: 800.
[3]المسمّى ب: منية المريد في آداب المفيد و المستفيد: 225.
[4]كفاية الطالبين: 38 (المخطوط).
[5]الوافية: 281.
..........
عنه أيضا أنّه بعد ذكر علم البديع قال: «و لم أجد أحدا أنكره إلّا ما نقل عن الشهيد الثاني في الكتاب المذكور و صاحب كفاية الطالبين فإنّهما عدّا العلوم الثلاثة أجمع في شرائط الاجتهاد»[1].
و عن العوائد أنّه قال: «و اعلم أنّ علم المعاني و البيان و البديع من مكمّلات الاجتهاد، و جعل جمع علم المعاني و البيان من شروط الاجتهاد- إلى أن قال-: و قد أشرنا إلى أنّه ربّما يحصل العلم من جهة الفصاحة و البلاغة بكون الكلام من الإمام(عليه السلام)، فمن هذه الجهة ربّما يكون لهما مدخليّة في الاشتراط بل البديع أيضا».
و عن الوافية أنّه قال: «و الحقّ عدم توقّف الاجتهاد على العلوم الثلاثة.
أمّا على تقدير صحّة التجزّي فظاهر.
و أمّا على تقدير عدم صحّة التجزّي فلأنّ فهم معاني العبارات لا يحتاج فيه إلى هذه العلوم، لأنّ في هذه العلوم يبحث عن الزائد على أصل المراد، فإنّ المعاني علم يبحث فيه عن الأحوال الّتي بها يطابق الكلام لمقتضى الحال، كأحوال الإسناد الخبري، و المسند إليه و المسند و متعلّقات الفعل، و القصر و الإنشاء، و الفصل و الوصل، و الإيجاز و الإطناب و المساواة، و بعض مباحث القصر و الانشاء المحتاج إليه يذكر في كتب الاصول. و البيان علم يعرف به إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، و ما يتعلّق بالفقه من أحكام الحقيقة و المجاز مذكور في كتب الاصول أيضا. و البديع علم يعرف به وجوه محسّنات الكلام و ليس شيء من مباحثه ممّا يتوقّف عليه الفقه.
نعم لو ثبت تقديم الفصيح على غيره في باب التراجيح أمكن القول بالاحتياج إلى هذه العلوم الثلاثة لغير المتجزّي و له في بعض الأحيان، إذ فصاحة الكلام و أفصحيّته ممّا لا يعلم في مثل هذا الزمان إلّا بهذه العلوم الثلاثة، و كذا على تقدير تقدّم الكلام الّذي فيه تأكيد أو مبالغة على غيره، و لكن لا شكّ في مكمّلية هذه العلوم الثلاثة للمجتهد» انتهى 2.
أقول: و يظهر القول بشرطيّة هذه العلوم أو الأوّلين منها ممّن يقول في باب الترجيح بالترجيح بالفصاحة كما عليه المصنّف و النهاية و التهذيب، و عن المبادئ و شرحه و المنية و الزبدة و غاية المأمول، و بالأفصحيّة كما عليه التهذيب و المنية و حكاه في المنتهى عن بعضهم.
و بالجملة كلّ من يرى الترجيح بالفصاحة أو الأفصحيّة يلزمه القول بكون العلوم المذكورة
[1]1 و 2 الوافية: 281.
..........
من شروط الاجتهاد و إن لم يصرّحوا به في المقام، إلّا أن يمنع الملازمة بما في كلام بعض الفضلاء من أنّه كثيرا ما يستغني الذكيّ المتدرّب في طرق المحاورات بوجدانه عن الرجوع إلى العلوم المذكورة.
و الإنصاف أن يقال: إنّ الفصاحة و الأفصحيّة ليستا من المرجّحات الواردة في النصوص ليكون ذلك كبرى كلّية لصغريات لا تحرز إلّا بعلمي المعاني و البيان كما في العدالة و الأعدليّة و نحوهما المحرز صغرياتها بعلم الرجال، بل الترجيح بهما لو صحّ فإنّما هو لكونهما من المرجّحات الغير المنصوصة المعدودة من الظنون الاجتهاديّة على القول بالترجيح بمطلق الظنّ الاجتهادي كما هو الأظهر و ظاهر الأكثر، فيدور الترجيح بها[1]على إفادتها، و الفصاحة مع الأفصحيّة إنّما تورثان ظنّ الصدور عن الإمام المعصوم(عليه السلام)إذا ثبت أنّه في غالب مكالماته كان يراعي الفصاحة، بل إذا ثبت أنّ الغالب عليه في مقام بيان الأحكام الشرعيّة مراعاة مقام الفصاحة.
بل الإنصاف أنّ هذه الغلبة- مع أنّها ممنوعة كما في كلام غير واحد من الأساطين- غير مجدية فيما هو من محلّ الاشتباه، و هو كون أحد المتعارضين فصيحا و الآخر ركيكا، أو أحدهما أفصح و الآخر دونه في الفصاحة و لم يعلم بأنّ الصادر عن المعصوم هو الأوّل أو الثاني.
- و قالوا في وجه تقديم الفصيح: أنّه أشبه بكلام الرسول(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)إذ كان(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أفصح العرب، و قد قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»[2]و الركيك بعيد عن كلامه، و في وجه تقدّم الأفصح: أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)كان مختصّا من الفصاحة بمرتبة لا يشاركه فيها غيره فيغلب على الظنّ اختصاصه بالأفصح، و ذلك غير متحقّق في الفصيح لمشاركة غيره له فيه-.
إذ غاية ما يقتضيه كونه أفصح العرب و اختصاصه في الفصاحة بمرتبة لا يشاركه غيره فيها أنّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)في الاقتدار على أداء الكلام الفصيح أو الأفصح بمرتبة لا يبلغه غيره فيها، و هو لا يقضي بامتناع صدور غير الفصيح أو غير الأفصح منه، و لا بغلبة صدورهما عنه
[1]كذا في الأصل: و الصواب: «فيدور الترجيح بهما على إفادتهما» و اللّه العالم.
[2]نقله الحلبي عن ابن هشام (راجع سيرة ابن هشام 1: 178)، و لكن حكى العجلوني في كشف الخفاء عن اللآلي أنّه قال: معناه صحيح و لكن لا أصل له كما قال ابن كثير و غيره من الحفّاظ، و أورده أصحاب الغريب و لا يعرف له إسناد (كشف الخفاء 1: 201)- و نحن أيضا لم نعثر على هذا التعبير في مجامعنا الروائية.
[من شروط الاجتهاد معرفة الكتاب]
و من الكتاب قدر ما يتعلّق بالأحكام (1)
خصوصا في مقام بيان أحكام اللّه سبحانه، حيث لا تعلّق لمقام إظهار البلاغة ببيان الأحكام أصلا، بل المعلوم من طريقة الأئمّة(عليهم السلام)أنّهم ما كانوا يراعون مقام الفصاحة و البلاغة إلّا في مقام إنشاء الخطبة و الدعاء و المناجاة، و لذا يجد الذكيّ المتدرّب تفاوتا فاحشا بين الخطب و الأدعية لاشتمالها على مزايا معنويّة و خواصّ بيانيّة لا تشبه بكلام الآدميّين أصلا المعتاد صدوره منهم في محاوراتهم و مخاطباتهم، و الثانية ليست في الغالب إلّا نظير كلام الآدميّين بحيث لا يوجد فرق بحسب السبك و النظم و الاسلوب بين الأجوبة الصادرة عنهم و بين الأسئلة الصادرة عن أصحابهم و غيرهم من رواة أخبارهم، كما أنّه لا يقضي بامتناع صدور الفصيح بل الأفصح عن غيرهم خصوصا الكذّابة الواضعين للأحاديث الكاذبة الداسّين لها في أحاديثهم الصادرة عنهم الموجودة عند أصحابهم، حيث إنّ المعلوم من ديدنهم بمقتضى النصّ و الاعتبار غاية اهتمامهم في جعل موضوعاتهم بحيث يشبه الكلمات الصادرة عن الأئمّة(عليهم السلام)لكونه آكد في التباس الأمر و اشتباه الحال، و لذا كان أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)حتّى الفضلاء منهم لا يعرفونها و لا يميّزونها عن أخبار أئمّتهم، و لا يتفطّنون بوقوع الوضع و الدسّ إلّا ببيان الأئمّة(عليهم السلام)لهم و تنبيههم عليهما و تمييزهم للموضوعات عن غيرها كما دلّت عليه نصوص مستفيضة تقدّم الإشارة إلى جملة [منها]، فبملاحظة ذلك كلّه لا يبقى وثوق بكون الفصيح أو الأفصح من المتعارضين صادقا صادرا عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أو الإمام(عليه السلام)و غيرهما كاذبا صادرا عن غيره من الوضّاعين، فلو سلّمت غلبة مراعاتهم الفصاحة في مقام بيان الأحكام كانت معارضة بغلبة مراعاتها أيضا من الكذّابة و وضّاع الرواية، بل الاعتبار بملاحظة ما ذكر ربّما يقضي بالترجيح على عكس القضيّة من تقديم الفصيح أو الأفصح كما لا يخفى.
(1) و التقييد بالقدر المذكور تنبيه على عدم وجوب معرفة الكتاب بأجمعه كما هو واضح الوجه و صرّح به في عبائر جمع.
قال في المنية: «و لا يشترط علمه بالكتاب أجمع، بل بما يتعلّق بالأحكام الشرعيّة الفرعيّة منه، و ذلك نحو من خمسمائة آية، أمّا ما عدا ذلك من الآيات الدالّة على البعث و النشور و القصص و أحوال القرون الماضية و كيفية إثابة المطيعين على طاعاتهم و معاقبة العصاة على عصيانهم فلا» إلى آخره.
..........
و تحديد آيات الأحكام بخمسمائة كما صرّح به في التهذيب و النهاية، و عن القواعد و المبادئ و شرحه و الدروس و الكشف و الوافية، و عن الأخير نفي الخلاف عنه[1]و في عبارة محكيّة عن السيّد الطباطبائي في بعض مصنّفاته: «و المشهور أنّها نحو من خمسمائة و قيل إنّها أقلّ و قيل أكثر، و الأصوب ترك التحديد فإنّها تزيد و تنقص بحسب اختلاف العلماء في وجوه الدلالات و تفاوت اجتهادهم في طرق الاستنباط و الانتقال إلى الأفراد الخفيّة و التنبّه للوازم النظريّة» إلى آخره.
و قد صنّف لضبط هذه الآيات و جمعها و شرحها كتب، و المشهور منها «فقه القرآن» و «كنز العرفان» و «زبدة البيان» و «مسالك الإفهام».
و قد ورد في جملة من الأخبار تقسيم القرآن إلى ما يخالف التحديد المذكور، فعن الباقر(عليه السلام): «نزل القرآن على أربعة أرباع: ربع فينا، و ربع في عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام»[2].
و عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «أنّه نزل أثلاثا: ثلث فينا و في عدوّنا، و ثلث سنن و أمثال، و ثلث فرائض و أحكام»[3].
و لا ريب أنّ ثلث القرآن بل ربعه أيضا يزيد على العدد المذكور بكثير، فإنّ مجموع القرآن على ما ضبطوه ستّة آلاف و ستّمائة و ستّة و ستّون آية، فيكون ثلثه ألفين و مائتين و اثنين و عشرين آية، و ربعه ألفا و ستّمائة و ستّة و ستّين و نصفا، و يمكن الجمع بحمل ما في كلام الأصحاب على ما في القرآن الموجود الآن بأيدينا و حمل ما في الخبرين على ما في القرآن المستور عنّا الموجود عند إمام العصر(عجّل اللّه فرجه).
و هذا أولى ممّا ذكره السيّد المتقدّم ذكره في الجمع، فإنّه بعد ما ذكر الخبرين قال:
«و التحديد بالخمسمائة بعيد منهما و إن اعتبر بحسب الكلمات أو الحروف و ضمّ آيات الاصول إلى الفروع و اكتفى بمجرّد الإشعار الغير البالغ حدّ الظهور، و الوجه حمل الأثلاث و الأرباع على مطلق الأقسام و الأنواع و إن اختلفت في المقدار، و حمل الربع على ما يشمل البطون، و الثلاث على ما يعمّه و بطون البطون، أو الأوّل على غاية ما يصل إليه أفكار العلماء و الثاني على ما يعمّه و المختصّ بالأئمّة، أو حملها على أحكام الآيات دون آيات
[1]الوافية: 256.
[2]الكافي 2: 627، كتاب فضل القرآن- باب النوادر، ح 4.
[3]الكافي 2: 627، ح 2 من الباب المذكور.
بأن يكون عالما بمواقعها و يتمكّن عند الحاجة من الرجوع إليها و لو كتب الاستدلال (1). و من السنّة الأحاديث المتعلّقة بالأحكام (2)
الأحكام، مع الاكتفاء في الثلث بالإشعار أو تعميمه بحيث يشمل البطون.
و لا ريب أنّ الأوّل أكثر من الثاني، فإنّ الآية الواحدة ربّما دلّت على أحكام كثيرة.
و قد ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره: أنّ سورة البقرة وحدها اشتملت على خمسمائة حكم، و آية الشهادة منها خمسة عشر حكما، و قد زاد المتأخّرون على ذلك كثيرا و لا يزال يزداد بتلاحق الأفكار و تعاقب الأنظار» انتهى.
(1) إشارة إلى ما نصّ عليه جمع من الأساطين و نفي عنه الخلاف- كما في مفاتيح السيّد- من أنّه لا يشترط في معرفة الآيات المتعلّقة بالأحكام حفظها عن ظهر القلب، بل الواجب هو معرفة دلالتها و مواضعها بحيث يكون قادرا على الرجوع إليها و استنباط الأحكام منها، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و مجملها و مبيّنها، و عامّها و خاصّها، و مطلقها و مقيّدها، و حقيقتها و مجازها، و منطوقها و مفهومها كما نصّ عليه غير واحد، و الوجه في الجميع واضح، بل يعتبر مع ذلك- على ما في نهاية العلّامة و تهذيبه و شرحه للسيّد و غيرها- أن يعرف من حال المخاطب أنّه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرّد أو ما يقتضيه مع القرينة إن وجدت، لأنّه لو لا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه لجواز أن يعني به غير ظاهره أو غير ما يقتضيه مع القرينة و لم ينبّه عليه في وقت الحاجة، و إنّما يحصل ذلك بحكمة المتكلّم و عصمته، و الحكم بكونه تعالى حكيما على اصول المعتزلة مبنيّ على العلم بأنّه تعالى عالم بقبح القبيح و بأنّه غنيّ عنه ليمتنع صدوره عنه.
و أمّا على قواعد الأشاعرة ففي النهاية: أنّهم اعتذروا بأنّه جائز الوقوع عقلا لكنّه قد علم عدم وقوعه كانقلاب ماء البحر دما، حيث إنّه جائز عقلا و غير واقع خارجا، فكذا هنا يجوز من اللّه كلّ شيء لكنّه خلق فينا علما بديهيّا بأنّه لا يعني بهذه الألفاظ إلّا ظواهرها.
قال في النهاية: و ليس بجيّد، لتعذّر العلم مع حصول تجويز النقيض.
و فيه نظر، إذ لا منافاة بين القضيّتين، و هذا كما يقال في المجاز بلا حقيقة من: أنّه جائز عقلا و لكنّه غير واقع في الخارج فعلا.
[من شروط الاجتهاد معرفة السنّة]
(2) كما أنّ معرفة الكتاب على الوجه المتقدّم من شروط الاجتهاد كذلك من شروطه
بأن يكون عنده من الاصول المصحّحة ما يجمعها، و يعرف موقع كلّ باب بحيث يتمكّن من الرجوع إليها (1) و أن يعلم أحوال الرواة في الجرح و التعديل و لو بالمراجعة (2) و أن يعرف مواقع الإجماع ليحترز عن مخالفته.
أيضا معرفة السنّة، لكن لا جميعها حتّى ما كان منها متعلّقا بالاصول و المواعظ و الآداب و أحوال المعاد و المعاش و أحوال القرون السابقة و الامم السالفة و غيرها ممّا لا تعلّق له بفروع الأحكام، بل القدر الكافي في استنباط الأحكام الفرعيّة، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ما تقدّم في بيان الحاجة إلى الكتاب من الناسخ و المنسوخ و غيرهما من الأنواع المذكورة.
و في كلام غير واحد مع ذلك اعتبار معرفة أنواع الحديث من المتواتر و الآحاد و الصحيح و الضعيف و المسند و المرسل و غيرها من الأنواع الّتي يختلف أحكامها من حيث الاعتبار و الترجيح، و كأنّ المراد بمعرفة هذه الأنواع معرفتها باعتبار المفهوم و حينئذ فلا يخلو عن وجه.
[من شروط الاجتهاد معرفة علم الرجال]
و أمّا معرفة مصاديقها فالظاهر أنّها من فروع معرفة الرجال الّتي هي شرط آخر من شروط الاجتهاد.
و لك أن تقول: بأنّ معرفتها باعتبار المفهوم أيضا من توابع معرفة اصول الفقه لجريان العادة بالتعرّض لبيانها في طيّ مسائله.
(1) يعني لا يعتبر في معرفة القدر الكافي من السنّة حفظها عن قلبه، بل يكفي فيه وجود أصل مصحّح عنده يرجع إليه عند الحاجة.
(2) صرّح به في النهاية و التهذيب، و عن المبادئ و شرحه و القواعد و الدروس و الكشف و الزبدة و شرحها و الوافية و الفوائد و في رسالة الاجتهاد و الأخبار، بل التتبّع في كتب الاستدلال و الكتب المؤلّفة في الرجال يقضي بأنّ الحاجة إليه ممّا لا خلاف فيه بين قدماء الأصحاب و متأخّريهم من لدن فتح باب الاجتهاد إلى هذه الأعصار، إلّا من الفرقة الشاذّة الأخباريّة لشبهة قطعيّة الأخبار الموجودة بأيدينا أو خصوص المودعة في الكتب الأربعة.
و وجه الحاجة إليه- مع وضوحه-: إنّ العمل بالأخبار الّتي هي العمدة في طرق استنباط الأحكام- بل لا يكاد يتّفق مسألة إلّا و لها أصل من السنّة عموما أو خصوصا بحيث لو لا التعويل عليه لم يتأتّ الغرض الأصلي من النظر فيها-.
إمّا[1]من جهة الأدلّة الخاصّة المرخّصة في الاستناد إليه من الإجماع و النصوص المستفيضة
[1]خبر لقوله: «إنّ العمل بالأخبار» الخ.
..........
القريبة من التواتر، بل المتواترة معنى في الحقيقة حسبما تقدّم إلى شطر منها الإشارة، أو من جهة عموم ما دلّ على حجّية ظنّ المجتهد حال انسداد باب العلم المستند إلى الكتاب و السنّة و ما يرجع إليها حسبما سبق تفصيله مستوفى، و أيّا ما كان فلا مناص من معرفة أحوال الرواة.
أمّا على الأوّل: فلما عرفت من أنّ القدر المعلوم من الأدلّة الخاصّة انحصار الحجّة بعد الكتاب في السنّة المعلومة أو الموثوق بها، و الأوّل في غاية الندرة، و الوثوق في الثاني لا يتأتّى إلّا بعد معرفة أحوال الرواة الّتي لها مدخل في حصول الوثوق و الاطمئنان بالصدق و الصدور ممّا يتعرّض لها علماء الرجال و غيرها ممّا يستحصل بممارسة كتب الاستدلال.
و أمّا على الثاني: فلما قرّرناه آنفا من أنّ الظنّ بالحكم و لا سيّما الاطمئناني منه لا بدّ و أن يكون عن سبب بينه و بين المظنون ملازمة، و ملزوم حكم اللّه- بحكم الاصول الكلاميّة و الأدلّة القطعيّة مع ملاحظة ما سبق في دفع شبه الأخباريّة- منحصر في كلامه تعالى و سنّة أمنائه من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و أوصيائه، و هذه الملازمة بنفسها و إن كانت قطعيّة لقطعيّة أدلّتها، غير أنّها لا تكفي في قطعيّة الحكم إلّا مع القطع بملزومها.
و قد تقرّر سابقا أنّ القطع في الغالب مسدود بابه، فظنّيّة الحكم على ما هو الغالب إنّما تنشأ من ظنّية الملزوم إذا كان من قبيل السنّة كما هو الغالب، و لا ريب أنّ الظنّ بالنسبة إليها ممّا لا يتأتّى عادة إلّا بمعرفة أحوال نقلتها و لو ظنّا، و لو اعتبرنا في الحكم كونه مظنونا في مرتبة الوثوق و الاطمئنان- كما هو الأقوى- كان الوثوق به منوطا بالوثوق بملزوم الحكم، فمن جهته يتأكّد الحاجة إلى المعرفة المذكورة، و آكد منها الحاجة إليها أيضا في مقام علاج التعارض الحاصل فيما بين الأخبار على ما هو الغالب، لكون العمدة من طريقه البناء على التخيير أو الطرح أو الوقف و الرجوع إلى الأصل فهو فرع التعادل، أو على الترجيح فهو فرع وجود المرجّح في أحد الجانبين سليما عن المعارض الموجود في الجانب الآخر، و لا ريب أنّ التعادل و وجود المرجّح لا يظهران إلّا بمراجعة الرجال، سواء قلنا بقصر الحكم في الترجيح على ما ورد من المرجّحات في النصوص، أو بتعميمه بالقياس إلى كلّ ما أوجب الوثوق بأحد المتعارضين كما هو الأظهر.
أمّا على الأوّل: فواضح.
و أمّا على الثاني: فأوضح، إذ بالمعرفة المذكورة يحصل من الوثوق و الاطمئنان