بأن يكون عالما بمواقعها و يتمكّن عند الحاجة من الرجوع إليها و لو كتب الاستدلال (1). و من السنّة الأحاديث المتعلّقة بالأحكام (2)
الأحكام، مع الاكتفاء في الثلث بالإشعار أو تعميمه بحيث يشمل البطون.
و لا ريب أنّ الأوّل أكثر من الثاني، فإنّ الآية الواحدة ربّما دلّت على أحكام كثيرة.
و قد ذكر عليّ بن إبراهيم في تفسيره: أنّ سورة البقرة وحدها اشتملت على خمسمائة حكم، و آية الشهادة منها خمسة عشر حكما، و قد زاد المتأخّرون على ذلك كثيرا و لا يزال يزداد بتلاحق الأفكار و تعاقب الأنظار» انتهى.
(1) إشارة إلى ما نصّ عليه جمع من الأساطين و نفي عنه الخلاف- كما في مفاتيح السيّد- من أنّه لا يشترط في معرفة الآيات المتعلّقة بالأحكام حفظها عن ظهر القلب، بل الواجب هو معرفة دلالتها و مواضعها بحيث يكون قادرا على الرجوع إليها و استنباط الأحكام منها، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ناسخها و منسوخها، و محكمها و متشابهها، و مجملها و مبيّنها، و عامّها و خاصّها، و مطلقها و مقيّدها، و حقيقتها و مجازها، و منطوقها و مفهومها كما نصّ عليه غير واحد، و الوجه في الجميع واضح، بل يعتبر مع ذلك- على ما في نهاية العلّامة و تهذيبه و شرحه للسيّد و غيرها- أن يعرف من حال المخاطب أنّه يعني باللفظ ما يقتضيه ظاهره إن تجرّد أو ما يقتضيه مع القرينة إن وجدت، لأنّه لو لا ذلك لما حصل الوثوق بخطابه لجواز أن يعني به غير ظاهره أو غير ما يقتضيه مع القرينة و لم ينبّه عليه في وقت الحاجة، و إنّما يحصل ذلك بحكمة المتكلّم و عصمته، و الحكم بكونه تعالى حكيما على اصول المعتزلة مبنيّ على العلم بأنّه تعالى عالم بقبح القبيح و بأنّه غنيّ عنه ليمتنع صدوره عنه.
و أمّا على قواعد الأشاعرة ففي النهاية: أنّهم اعتذروا بأنّه جائز الوقوع عقلا لكنّه قد علم عدم وقوعه كانقلاب ماء البحر دما، حيث إنّه جائز عقلا و غير واقع خارجا، فكذا هنا يجوز من اللّه كلّ شيء لكنّه خلق فينا علما بديهيّا بأنّه لا يعني بهذه الألفاظ إلّا ظواهرها.
قال في النهاية: و ليس بجيّد، لتعذّر العلم مع حصول تجويز النقيض.
و فيه نظر، إذ لا منافاة بين القضيّتين، و هذا كما يقال في المجاز بلا حقيقة من: أنّه جائز عقلا و لكنّه غير واقع في الخارج فعلا.
[من شروط الاجتهاد معرفة السنّة]
(2) كما أنّ معرفة الكتاب على الوجه المتقدّم من شروط الاجتهاد كذلك من شروطه
بأن يكون عنده من الاصول المصحّحة ما يجمعها، و يعرف موقع كلّ باب بحيث يتمكّن من الرجوع إليها (1) و أن يعلم أحوال الرواة في الجرح و التعديل و لو بالمراجعة (2) و أن يعرف مواقع الإجماع ليحترز عن مخالفته.
أيضا معرفة السنّة، لكن لا جميعها حتّى ما كان منها متعلّقا بالاصول و المواعظ و الآداب و أحوال المعاد و المعاش و أحوال القرون السابقة و الامم السالفة و غيرها ممّا لا تعلّق له بفروع الأحكام، بل القدر الكافي في استنباط الأحكام الفرعيّة، لكن يعتبر مع ذلك معرفة ما تقدّم في بيان الحاجة إلى الكتاب من الناسخ و المنسوخ و غيرهما من الأنواع المذكورة.
و في كلام غير واحد مع ذلك اعتبار معرفة أنواع الحديث من المتواتر و الآحاد و الصحيح و الضعيف و المسند و المرسل و غيرها من الأنواع الّتي يختلف أحكامها من حيث الاعتبار و الترجيح، و كأنّ المراد بمعرفة هذه الأنواع معرفتها باعتبار المفهوم و حينئذ فلا يخلو عن وجه.
[من شروط الاجتهاد معرفة علم الرجال]
و أمّا معرفة مصاديقها فالظاهر أنّها من فروع معرفة الرجال الّتي هي شرط آخر من شروط الاجتهاد.
و لك أن تقول: بأنّ معرفتها باعتبار المفهوم أيضا من توابع معرفة اصول الفقه لجريان العادة بالتعرّض لبيانها في طيّ مسائله.
(1) يعني لا يعتبر في معرفة القدر الكافي من السنّة حفظها عن قلبه، بل يكفي فيه وجود أصل مصحّح عنده يرجع إليه عند الحاجة.
(2) صرّح به في النهاية و التهذيب، و عن المبادئ و شرحه و القواعد و الدروس و الكشف و الزبدة و شرحها و الوافية و الفوائد و في رسالة الاجتهاد و الأخبار، بل التتبّع في كتب الاستدلال و الكتب المؤلّفة في الرجال يقضي بأنّ الحاجة إليه ممّا لا خلاف فيه بين قدماء الأصحاب و متأخّريهم من لدن فتح باب الاجتهاد إلى هذه الأعصار، إلّا من الفرقة الشاذّة الأخباريّة لشبهة قطعيّة الأخبار الموجودة بأيدينا أو خصوص المودعة في الكتب الأربعة.
و وجه الحاجة إليه- مع وضوحه-: إنّ العمل بالأخبار الّتي هي العمدة في طرق استنباط الأحكام- بل لا يكاد يتّفق مسألة إلّا و لها أصل من السنّة عموما أو خصوصا بحيث لو لا التعويل عليه لم يتأتّ الغرض الأصلي من النظر فيها-.
إمّا[1]من جهة الأدلّة الخاصّة المرخّصة في الاستناد إليه من الإجماع و النصوص المستفيضة
[1]خبر لقوله: «إنّ العمل بالأخبار» الخ.
..........
القريبة من التواتر، بل المتواترة معنى في الحقيقة حسبما تقدّم إلى شطر منها الإشارة، أو من جهة عموم ما دلّ على حجّية ظنّ المجتهد حال انسداد باب العلم المستند إلى الكتاب و السنّة و ما يرجع إليها حسبما سبق تفصيله مستوفى، و أيّا ما كان فلا مناص من معرفة أحوال الرواة.
أمّا على الأوّل: فلما عرفت من أنّ القدر المعلوم من الأدلّة الخاصّة انحصار الحجّة بعد الكتاب في السنّة المعلومة أو الموثوق بها، و الأوّل في غاية الندرة، و الوثوق في الثاني لا يتأتّى إلّا بعد معرفة أحوال الرواة الّتي لها مدخل في حصول الوثوق و الاطمئنان بالصدق و الصدور ممّا يتعرّض لها علماء الرجال و غيرها ممّا يستحصل بممارسة كتب الاستدلال.
و أمّا على الثاني: فلما قرّرناه آنفا من أنّ الظنّ بالحكم و لا سيّما الاطمئناني منه لا بدّ و أن يكون عن سبب بينه و بين المظنون ملازمة، و ملزوم حكم اللّه- بحكم الاصول الكلاميّة و الأدلّة القطعيّة مع ملاحظة ما سبق في دفع شبه الأخباريّة- منحصر في كلامه تعالى و سنّة أمنائه من النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و أوصيائه، و هذه الملازمة بنفسها و إن كانت قطعيّة لقطعيّة أدلّتها، غير أنّها لا تكفي في قطعيّة الحكم إلّا مع القطع بملزومها.
و قد تقرّر سابقا أنّ القطع في الغالب مسدود بابه، فظنّيّة الحكم على ما هو الغالب إنّما تنشأ من ظنّية الملزوم إذا كان من قبيل السنّة كما هو الغالب، و لا ريب أنّ الظنّ بالنسبة إليها ممّا لا يتأتّى عادة إلّا بمعرفة أحوال نقلتها و لو ظنّا، و لو اعتبرنا في الحكم كونه مظنونا في مرتبة الوثوق و الاطمئنان- كما هو الأقوى- كان الوثوق به منوطا بالوثوق بملزوم الحكم، فمن جهته يتأكّد الحاجة إلى المعرفة المذكورة، و آكد منها الحاجة إليها أيضا في مقام علاج التعارض الحاصل فيما بين الأخبار على ما هو الغالب، لكون العمدة من طريقه البناء على التخيير أو الطرح أو الوقف و الرجوع إلى الأصل فهو فرع التعادل، أو على الترجيح فهو فرع وجود المرجّح في أحد الجانبين سليما عن المعارض الموجود في الجانب الآخر، و لا ريب أنّ التعادل و وجود المرجّح لا يظهران إلّا بمراجعة الرجال، سواء قلنا بقصر الحكم في الترجيح على ما ورد من المرجّحات في النصوص، أو بتعميمه بالقياس إلى كلّ ما أوجب الوثوق بأحد المتعارضين كما هو الأظهر.
أمّا على الأوّل: فواضح.
و أمّا على الثاني: فأوضح، إذ بالمعرفة المذكورة يحصل من الوثوق و الاطمئنان
..........
ما لا يحصل بدونه و مع عدمه يبقى متحيّرا في جلّ المسائل.
و قد يستدلّ على ذلك أيضا بوجوه اخر:
أحدها: الأصل، الّذي يقرّر: بأنّ العمل بأخبار الآحاد لازم- و لو لكونها من أسباب الظنّ بل أقواها- للأدلّة المقامة عليه في محلّه.
و المفروض أنّ جواز العمل بها و استنباط الحكم منها بعد مراجعة الرجال و تعيين المعتبر من الأخبار بذلك في الجملة ممّا لا خلاف فيه، بل الإجماع من الجميع واقع عليه حتّى من الأخباريّة، لكون خلافهم في لزوم هذه المراجعة لا جوازها، و أمّا جواز العمل بها بدون المراجعة فمحلّ إشكال و موضع خلاف، و مقتضى الأصل عدم الجواز بمعنى عدم الاعتبار لوضوح أنّه على خلاف الأصل.
و ثانيها: أنّ الآحاد لا تفيد مطلقا أو غالبا إلّا الظنّ، و قد وقع النهي عن العمل به في الكتاب و السنّة بل عليه بناء العقلاء و سيرة العلماء، و الثابت في الخروج عن عموم النهي بالنسبة إلى الآحاد إنّما هو بعد الرجوع إلى الرجال في الجملة و أمّا قبله فلا.
و دعوى قطعيّة الصدور و الاعتبار معا أو الأخير فقط يأتي ما فيها من الفساد.
و ثالثها: أنّ مصير عامّة المجتهدين إلى الافتقار إلى علم الرجال و لو في الجملة مع ملاحظة ما يزيّف طريقة الأخباريّين و يضعّف مقالة المفصّلين إن لم يفد القطع بذلك فلا أقلّ من إفادته الظنّ، و مع التنزّل فلا أقلّ من إفادته الشكّ و الترديد، و لا ريب أنّ الإقدام على العمل في هذه الحالة من غير مراجعة الرجال قبيح مذموم عقلا و نقلا.
و هذه الوجوه الثلاث كما ترى إنّما تستقيم في إثبات أصل الافتقار و لو لمقام الاعتبار، و أمّا بالقياس إلى توقّف الاجتهاد بالمعنى الملحوظ في شروط الوجود كما هو محلّ البحث فلا، لما سبق الإشارة إليه.
و رابعها: أنّ من المعلوم الوارد على طبقه أخبار مستفيضة وجود أخبار كاذبة و أحاديث موضوعة فيما بين رواياتنا الموجودة بأيدينا، و إخراجها عمّا بينها حسبما يدّعيه الأخباريّة غير معلوم، و ادّعاؤه من دون قاطع يوجب القطع به غير مسموع، فالعمل بالجميع من غير تميّز الكاذب عن الصادق و الموضوع عن الصادر بالقدر المقدور قبيح، بل منهيّ عنه بتلك الأخبار المشار إليها بقوله(عليه السلام): «فاتّقوا اللّه و لا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا و سنّة نبيّنا» و قوله(عليه السلام)في آخر: «فلا تقبلوا علينا ما خالف القرآن» و إلى هذا المعنى يرجع ما في بعض
..........
تلك الأخبار من قوله(عليه السلام): «فيسقط صدقنا بكذبه» بناء على أنّ معناه سقوطه عن درجة الاعتبار بسبب ما طرأه من الاشتباه بما وضعه الكذّاب، بل هذه الرواية بنفسها دالّة على عدم جواز العمل إلّا بعد التمييز الّذي لا يتأتّى إلّا بمراجعة الرجال.
و من هنا أورد المحقّق في المعتبر- على ما حكي- على الحشويّة القائلة بجواز العمل بكلّ خبر، بقوله: «أفرط الحشويّة في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر، و ما فطنوا إلى ما تحته من التناقض، فإنّ من جملة الأخبار قول النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): ستكثر بعدي القالة عليّ»[1]يعني أنّ العمل بما مرّ من الأخبار مع غيرها مطلقا موجبا للتناقض، لوضوح أنّ العمل بغيرها إنّما يتمّ مع الإعراض عن هذه الأخبار و إلّا فهي ناهية عن العمل.
و خامسها: الأخبار العلاجيّة المشتملة على الرجوع عند التعارض إلى الأعدل و الأورع و الأفقه، و هذه الصفات لا يعلم ثبوتها في الرواة إلّا بملاحظة الرجال لفقد المعاشرة معهم و انتفاء الشهادة اللفظيّة عليها فيهم، فانحصر في الكتبيّة الموجودة في كتب الرجال و إن لم نقل بكونها من باب الشهادة الشرعيّة.
و كون الترجيح بالشهرة و موافقة القرآن و نحوهما ممّا لا مدخل للرجال فيه لا يغني عن الترجيح بما ذكر من الامور المذكورة، و إلّا لما أمر بالجميع كيف و هي أحد أسباب الترجيح.
و سادسها: أنّ سيرة العلماء قديما و حديثا على تدوين كتب الرجال و تنقيحها و تحصيلها بالاشتراء و الاستكتاب، و على مطالعتها و الرجوع إليها في معرفة أحوال الرواة و العمل بها في الاعتداد برجال و الطعن في آخرين و التوقّف في طائفة ثالثة، حتّى أنّ كثيرا منهم كانت له مهارة في هذا العلم كالصدوق و المفيد و الطوسي و غيرهم من مشايخ الحديث، بل ربّما أمكن أن يقال: اهتمام المتقدّمين فيه كان أزيد من المتأخّرين، و أيّ عاقل يرضى بكون ذلك كلّه لغوا مكروها أو حراما؟ فليس إلّا للافتقار إليه.
و سابعها: إنّ سيرة الرواة و المحدّثين إلى زمن تأليف الكتب الأربعة بل إلى تأليف الثلاثة المتأخّرة الوافي و الوسائل و البحار على الالتزام بذكر جميع رجال جميع الأسانيد، حتّى أنّ أحدا لو أسقطهم أو بعضهم في مقام أشار إليهم في مقام آخر- ما في الفقيه و التهذيبين- مع التصريح بأنّه للتحرّز عن لزوم الإرسال و القطع و الرفع المنافية للاعتبار.
[1]المعتبر 1: 29.
..........
و من المعلوم أنّ ذلك كلّه لأن يعرفهم الراجع إلى كتبهم و يجتهد في أحوالهم على حسب مقدوره، فيميّز الموثوق الجائز أخذ الرواية عنه عن غيره، و إلّا لزم اللغويّة فيعلم الافتقار.
لكن ينبغي أن يعلم أنّ العبرة في هذا الشرط حسبما يستفاد من الوجوه المذكورة إنّما هي بمجرّد المعرفة الموجبة للوثوق بأيّ طريق حصلت و لو لغير مراجعة الكتب المؤلّفة في هذه الصناعة، بل لغير جهة وثاقة الراوي أو الواسطة.
و بالجملة المعتبر تحصيل ما يوجب الوثوق بصدق الرواية و صدورها، سواء كان ذلك لأجل وثاقة الراوي بل و صحّة السند أو غيرهما، حصل ذلك الأمر بمراجعة كتب الرجال أو غيرها من الأسباب الّتي تعرف بعضها و إن كان الغالب هو الأوّل.
و ما ذكرناه هو المصرّح به في كلام بعض الأعلام، بل المعهود من سيرة فقهائنا العظام، لشيوع ما نشاهدهم أنّهم كثيرا ما يعتمدون على خبر اعتمد عليه الحلّي و أضرابه المانعون للتعبّد بخبر الواحد العاري عن قرائن الصدق و إن جهل رجاله أو ضعف سنده، و منه ما في كلام غير واحد من الاعتماد على رواية صحّحها العلّامة أو غيره و في طريقها رجل مجهول لم يذكر في الرجال بمدح و لا قدح بناء على أنّه يفيد توثيقا له أو وثوقا بها، كما اتّفق ذلك في محمّد بن عليّ ماجيلويه المجهول حيث إنّ العلّامة صرّح بصحّة طريق الصدوق إلى إسماعيل بن رياح و هو فيه[1].
و نحوهما أيضا ما اتّفق للمصنّف- على ما حكي- في محمّد بن إسماعيل النيسابوري من اعتماده على روايته مع أنّ المعروف من مذهبه في العمل بأخبار الآحاد اشتراطه بتزكية عدلين و عدم اكتفائه بتزكية عدل واحد، و من هنا جاء الفرق بين مذهبه و مذهب المشهور في صحيح الحديث و جرت عادته بإعلام الصحيح عند المشهور. ب«صحر» و الصحيح عنده ب«ص» عن الهاء مجرّدا[2].
و عن تلامذته أنّهم لتوهّم المنافاة بين مذهبه و ما ذكر في النيسابوري الّذي لم يوثّقه إلّا عدل واحد و الّذي وثّقه عدلان هو ابن بزيع فأخذوا بالاعتراض عليه و سألوه عن ذلك، فجاوبهم: بأنّي موثّق له.
و هذا منه كما ترى ليس إلّا من جهة أنّه حصل عنده من الخارج قرائن قضت بوثاقة
[1]خلاصة الأقوال: 438، الفائدة الثامنة من الخاتمة.
[2]و هذا سهو منه(قدّس سرّه)لأنّ الرمز إلى الصحيح عنده هو «صحى». راجع المنتقى 1: 22.
..........
هذا الرجل لغير جهة ما ثبت في حقّه من توثيق الواحد.
و نحوه أيضا ما عليه المعظم من جبر الخبر الضعيف بالإرسال أو جهالة الراوي أو فسقه أو غيرها من الأسباب المضعّفة بالشهرة و عمل معظم الطائفة، فإنّ ذلك ينهض قرينة على الصدق مورثة للوثوق بالصدور كما هو الأقوى.
و نحوه أيضا ما عن الحلّي من مصيره في مسألة المواسعة و المضايقة إلى المضايقة القاضية بتقديم الفائتة على الحاضرة استنادا إلى أخبارها الّتي هي أخبار آحاد، تعويلا على إجماع القمّيين على العمل بها حيث لم يتعرّضوا في كتبهم إلّا لذكرها من غير تعرّض لمعارضاتها من أخبار المواسعة، و ليس ذلك منه إلّا من جهة أنّ إجماعهم المذكور ينهض أمارة لاعتبار تلك الأخبار كاشفة عن صدقها، و إن كان قد يستشكل ذلك- بناء على مذهبه المتقدّم ذكره- نظرا إلى أنّ العمل بالخبر أعمّ من العلم بصدقه، إذ قد يكون العمل لمجرّد التعبّد الشرعي الثابت عند من يقول به بدليله، و لذا حكي عن بعض المتأخّرين اعتراضه عليه: «بأنّ هذا منه ينافي مذهبه في أخبار الآحاد، فإنّ الاعتماد على إجماع القميّين على أخبار المضايقة يوجب الاعتماد على إجماعهم في جواز العمل بأخبار الآحاد لأنّه إجماع نشأ عن هذا الإجماع».
ثمّ عرفت أنّه لا مخالف في المسألة إلّا الفرقة الأخباريّة لدعواهم القطع بالصدور في كتب الأخبار المتداولة بين أصحابنا أو خصوص الأربعة المعروفة و نسب ذلك إلى أكثرهم، و عن بعضهم أنّه راعى الإنصاف و تحرّز عن هذا الجزاف فبنى على اعتبار جميع ما في الكتب الأربعة لشهادة مصنّفيها الثقات بذلك، فأخبارها و إن لم تكن قطعيّة الصدور إلّا أنّها قطعيّة الاعتبار.
و قد يحكى قول آخر عن الأخباريّة- كما في حكاية أو مطلقا كما في اخرى- و هو التفصيل بين صورة التعارض و غيرها، فاقتصروا في نفي الحاجة إلى الرجال على الثاني.
و قد يحتمل قول آخر و هو التفصيل بين صورة وجود الشهرة محقّقة أو محكيّة في خصوص بعض الأخبار المفيد لبعض الأقوال أو اختصاص الراجح منها بجانب و بين غيرها، فيقتصر في الحاجة إلى الرجال على الأخير.
و لك أن تلحق القول بجواز الاكتفاء بتصحيح الغير مطلقا- كما عزى إلى أكثر العلماء في كتبهم الفقهيّة و غيرها- بمقالة المنكرين للحاجة إلى الرجال.
..........
[دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال]
و للأخباريّة النافية للحاجة مطلقا شبهات كثيرة ممّا ذكروها أو يمكن أن يذكروها.
منها: إنّ علم الرجال علم منكر يجب التحرّز عنه لما فيه من تفضيح الناس و قد نهينا عن التجسّس عن معايبهم و امرنا بالغضّ و الستر.
و اجيب تارة: بالنقض بجرح الشهود و تعديلهم عند الحاكم و الغيبة عند المشاورة المستثناة عن عموم التحريم.
و اخرى: بمنع شمول الأدلّة الناهية عن التجسّس الآمرة بغضّ البصر و ستر العيوب.
و ثالثة: بما قرّر في محلّه من سقوط حرمة المقدّمة المنحصرة إذا توقّف عليها واجب أهمّ كإنقاذ الغريق مثلا عند كونه أجنبيّة، أو توقّفه على غصب في الطريق أو الآلة أو غيرهما.
و رابعة: بانعقاد الإجماع و السيرة حتّى من الأخباريّة على الجواز في المقام، إذ الكلام إنّما هو في وجوب معرفة الرجال- للافتقار إليه- و عدمه لا في أصل جوازه، و هذا هو المعتمد فإنّ الإجماع على الجواز و كون ما ذكر كجرح الشهود و تعديلهم منقوله واقع في كلام بعض أساطين متأخّري الطائفة، و محصّله قائم كما يظهر للمتتبّع في سيرة العلماء كافّة قديما و حديثا خلفا عن سلف من الخاصّة و العامّة، و يشهد به ملاحظة عملهم و وضعهم في ذلك فهارس و رسائل و مصنّفات متداولة بين قاطبتهم تداول سائر الكتب المعمولة في سائر الفنون المعهودة من غير نكير من المؤالف و المخالف، حتّى أنّه كان متعارفا بين أصحاب الأئمّة و خواصّ الشيعة المعاصرين لهم(عليهم السلام)مع اطّلاعهم عليه و تقريرهم أصحابهم على ما هم عليه من ذكر الرجال و جرحهم تارة و تعديلهم اخرى و تأمّلهم في ثالث، بل لو تتبّعت الروايات لوجدت فيها ما يشهد بكون عمل الأئمّة أيضا على ذلك، و لذا ورد فيها مدح جملة من الرواة أو توثيقه في بعضها و ذمّ جملة اخرى أو جرحه في بعضها، فأصحابنا(رضوان اللّه عليهم)من لدن أعصار الأئمّة(عليهم السلام)كانوا لا يزالون يشدّدون الاهتمام في ضبط أحوال الرجال و أوصافهم و مدائحهم و ذمومهم، حتّى أنّهم كانوا يتعرّضون لضبط الأنساب و الألقاب مثل كونه عربيّا صحيحا أو مولى، و كونه كوفيّا أو قميّا أو نحو ذلك ليفيد في مقام تعارض الروايتين إحداهما ممّن لا نجابة له بحسب نسبه و الاخرى ممّن له نجابة ليترجّح الثانية على الاولى، أو إحداهما من العربي الصحيح و الاخرى من المولى ليترجّح الثانية على الاولى من حيث إنّ العرب كان فيهم الحسد و الحميّة و العصبيّة، و لذا ترى أنّ أجلّاء الرواة بل أكثر رؤساء الدين بين المسلمين كانوا من الموالين لمكان الوثوق بهم و خلوّهم