بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 226

..........

و من المعلوم أنّ ذلك كلّه لأن يعرفهم الراجع إلى كتبهم و يجتهد في أحوالهم على حسب مقدوره، فيميّز الموثوق الجائز أخذ الرواية عنه عن غيره، و إلّا لزم اللغويّة فيعلم الافتقار.

لكن ينبغي أن يعلم أنّ العبرة في هذا الشرط حسبما يستفاد من الوجوه المذكورة إنّما هي بمجرّد المعرفة الموجبة للوثوق بأيّ طريق حصلت و لو لغير مراجعة الكتب المؤلّفة في هذه الصناعة، بل لغير جهة وثاقة الراوي أو الواسطة.

و بالجملة المعتبر تحصيل ما يوجب الوثوق بصدق الرواية و صدورها، سواء كان ذلك لأجل وثاقة الراوي بل و صحّة السند أو غيرهما، حصل ذلك الأمر بمراجعة كتب الرجال أو غيرها من الأسباب الّتي تعرف بعضها و إن كان الغالب هو الأوّل.

و ما ذكرناه هو المصرّح به في كلام بعض الأعلام، بل المعهود من سيرة فقهائنا العظام، لشيوع ما نشاهدهم أنّهم كثيرا ما يعتمدون على خبر اعتمد عليه الحلّي و أضرابه المانعون للتعبّد بخبر الواحد العاري عن قرائن الصدق و إن جهل رجاله أو ضعف سنده، و منه ما في كلام غير واحد من الاعتماد على رواية صحّحها العلّامة أو غيره و في طريقها رجل مجهول لم يذكر في الرجال بمدح و لا قدح بناء على أنّه يفيد توثيقا له أو وثوقا بها، كما اتّفق ذلك في محمّد بن عليّ ماجيلويه المجهول حيث إنّ العلّامة صرّح بصحّة طريق الصدوق إلى إسماعيل بن رياح و هو فيه[1].

و نحوهما أيضا ما اتّفق للمصنّف- على ما حكي- في محمّد بن إسماعيل النيسابوري من اعتماده على روايته مع أنّ المعروف من مذهبه في العمل بأخبار الآحاد اشتراطه بتزكية عدلين و عدم اكتفائه بتزكية عدل واحد، و من هنا جاء الفرق بين مذهبه و مذهب المشهور في صحيح الحديث و جرت عادته بإعلام الصحيح عند المشهور. ب«صحر» و الصحيح عنده ب«ص» عن الهاء مجرّدا[2].

و عن تلامذته أنّهم لتوهّم المنافاة بين مذهبه و ما ذكر في النيسابوري الّذي لم يوثّقه إلّا عدل واحد و الّذي وثّقه عدلان هو ابن بزيع فأخذوا بالاعتراض عليه و سألوه عن ذلك، فجاوبهم: بأنّي موثّق له.

و هذا منه كما ترى ليس إلّا من جهة أنّه حصل عنده من الخارج قرائن قضت بوثاقة

[1]خلاصة الأقوال: 438، الفائدة الثامنة من الخاتمة.

[2]و هذا سهو منه(قدّس سرّه)لأنّ الرمز إلى الصحيح عنده هو «صحى». راجع المنتقى 1: 22.


صفحه 227

..........

هذا الرجل لغير جهة ما ثبت في حقّه من توثيق الواحد.

و نحوه أيضا ما عليه المعظم من جبر الخبر الضعيف بالإرسال أو جهالة الراوي أو فسقه أو غيرها من الأسباب المضعّفة بالشهرة و عمل معظم الطائفة، فإنّ ذلك ينهض قرينة على الصدق مورثة للوثوق بالصدور كما هو الأقوى.

و نحوه أيضا ما عن الحلّي من مصيره في مسألة المواسعة و المضايقة إلى المضايقة القاضية بتقديم الفائتة على الحاضرة استنادا إلى أخبارها الّتي هي أخبار آحاد، تعويلا على إجماع القمّيين على العمل بها حيث لم يتعرّضوا في كتبهم إلّا لذكرها من غير تعرّض لمعارضاتها من أخبار المواسعة، و ليس ذلك منه إلّا من جهة أنّ إجماعهم المذكور ينهض أمارة لاعتبار تلك الأخبار كاشفة عن صدقها، و إن كان قد يستشكل ذلك- بناء على مذهبه المتقدّم ذكره- نظرا إلى أنّ العمل بالخبر أعمّ من العلم بصدقه، إذ قد يكون العمل لمجرّد التعبّد الشرعي الثابت عند من يقول به بدليله، و لذا حكي عن بعض المتأخّرين اعتراضه عليه: «بأنّ هذا منه ينافي مذهبه في أخبار الآحاد، فإنّ الاعتماد على إجماع القميّين على أخبار المضايقة يوجب الاعتماد على إجماعهم في جواز العمل بأخبار الآحاد لأنّه إجماع نشأ عن هذا الإجماع».

ثمّ عرفت أنّه لا مخالف في المسألة إلّا الفرقة الأخباريّة لدعواهم القطع بالصدور في كتب الأخبار المتداولة بين أصحابنا أو خصوص الأربعة المعروفة و نسب ذلك إلى أكثرهم، و عن بعضهم أنّه راعى الإنصاف و تحرّز عن هذا الجزاف فبنى على اعتبار جميع ما في الكتب الأربعة لشهادة مصنّفيها الثقات بذلك، فأخبارها و إن لم تكن قطعيّة الصدور إلّا أنّها قطعيّة الاعتبار.

و قد يحكى قول آخر عن الأخباريّة- كما في حكاية أو مطلقا كما في اخرى- و هو التفصيل بين صورة التعارض و غيرها، فاقتصروا في نفي الحاجة إلى الرجال على الثاني.

و قد يحتمل قول آخر و هو التفصيل بين صورة وجود الشهرة محقّقة أو محكيّة في خصوص بعض الأخبار المفيد لبعض الأقوال أو اختصاص الراجح منها بجانب و بين غيرها، فيقتصر في الحاجة إلى الرجال على الأخير.

و لك أن تلحق القول بجواز الاكتفاء بتصحيح الغير مطلقا- كما عزى إلى أكثر العلماء في كتبهم الفقهيّة و غيرها- بمقالة المنكرين للحاجة إلى الرجال.


صفحه 228

..........

[دفع شبهات الأخباريّة في نفي الحاجة إلى علم الرجال]

و للأخباريّة النافية للحاجة مطلقا شبهات كثيرة ممّا ذكروها أو يمكن أن يذكروها.

منها: إنّ علم الرجال علم منكر يجب التحرّز عنه لما فيه من تفضيح الناس و قد نهينا عن التجسّس عن معايبهم و امرنا بالغضّ و الستر.

و اجيب تارة: بالنقض بجرح الشهود و تعديلهم عند الحاكم و الغيبة عند المشاورة المستثناة عن عموم التحريم.

و اخرى: بمنع شمول الأدلّة الناهية عن التجسّس الآمرة بغضّ البصر و ستر العيوب.

و ثالثة: بما قرّر في محلّه من سقوط حرمة المقدّمة المنحصرة إذا توقّف عليها واجب أهمّ كإنقاذ الغريق مثلا عند كونه أجنبيّة، أو توقّفه على غصب في الطريق أو الآلة أو غيرهما.

و رابعة: بانعقاد الإجماع و السيرة حتّى من الأخباريّة على الجواز في المقام، إذ الكلام إنّما هو في وجوب معرفة الرجال- للافتقار إليه- و عدمه لا في أصل جوازه، و هذا هو المعتمد فإنّ الإجماع على الجواز و كون ما ذكر كجرح الشهود و تعديلهم منقوله واقع في كلام بعض أساطين متأخّري الطائفة، و محصّله قائم كما يظهر للمتتبّع في سيرة العلماء كافّة قديما و حديثا خلفا عن سلف من الخاصّة و العامّة، و يشهد به ملاحظة عملهم و وضعهم في ذلك فهارس و رسائل و مصنّفات متداولة بين قاطبتهم تداول سائر الكتب المعمولة في سائر الفنون المعهودة من غير نكير من المؤالف و المخالف، حتّى أنّه كان متعارفا بين أصحاب الأئمّة و خواصّ الشيعة المعاصرين لهم(عليهم السلام)مع اطّلاعهم عليه و تقريرهم أصحابهم على ما هم عليه من ذكر الرجال و جرحهم تارة و تعديلهم اخرى و تأمّلهم في ثالث، بل لو تتبّعت الروايات لوجدت فيها ما يشهد بكون عمل الأئمّة أيضا على ذلك، و لذا ورد فيها مدح جملة من الرواة أو توثيقه في بعضها و ذمّ جملة اخرى أو جرحه في بعضها، فأصحابنا(رضوان اللّه عليهم)من لدن أعصار الأئمّة(عليهم السلام)كانوا لا يزالون يشدّدون الاهتمام في ضبط أحوال الرجال و أوصافهم و مدائحهم و ذمومهم، حتّى أنّهم كانوا يتعرّضون لضبط الأنساب و الألقاب مثل كونه عربيّا صحيحا أو مولى، و كونه كوفيّا أو قميّا أو نحو ذلك ليفيد في مقام تعارض الروايتين إحداهما ممّن لا نجابة له بحسب نسبه و الاخرى ممّن له نجابة ليترجّح الثانية على الاولى، أو إحداهما من العربي الصحيح و الاخرى من المولى ليترجّح الثانية على الاولى من حيث إنّ العرب كان فيهم الحسد و الحميّة و العصبيّة، و لذا ترى أنّ أجلّاء الرواة بل أكثر رؤساء الدين بين المسلمين كانوا من الموالين لمكان الوثوق بهم و خلوّهم


صفحه 229

..........

عن الريب و تنزّههم عن العيب.

و بالجملة كون بناء قاطبة العلماء بل كافّة الرؤساء على ذلك و على ضبط دقائق أحوال الرجال و خفايا عيوبهم و ذمومهم و مناقبهم و عقائدهم من السلامة و الفساد و أعماله من الشناعة و الصحّة ممّا لا يكاد يخفى على جاهل فضلا عن العالم الكامل، بل هو عند التحقيق يعدّ من ضروريّات أهل الحلّ و العقد من أهل الحقّ و الباطل و إن لم يبلغ حدّ الضرورة عند كافّة الناس، من حيث إنّه لا رجوع إلى مورده إلّا لأهل العلم بل فقهائهم، فيكون كاشفا عن رضا النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و الأئمّة(عليهم السلام)الكاشف عن رضا اللّه سبحانه كشفا جزميّا بتّيا بحيث لا سبيل إلى إنكاره و لا مجال للاسترابة فيه، بل الجواز في هذا المقام آكد منه في مقام الشهادة و الحكومة من حيث إنّ جرح الشهود ممّا لا يجوز أن يتبرّع به كنفس الشهادة الّتي لا يصحّ التبرّع بها و إنّما يجوز متى ما طلبه صاحب الحقّ، بخلاف مقام الرواية فإنّ الجرح و التعديل فيها ممّا يستحبّ التبرّع به في كلّ مقام بل قد يجب كما لا يخفى.

و منها: أنّ بعض أهل هذا العلم الّذي قد بنوا على أقوالهم في الجرح و التعديل كانوا فاسدي العقيدة و إن لم يكونوا فسّاقا بالجوارح، مثل ابن عقدة و كان جاروديّا مات عليه بنصّ النجاشي و الشيخ[1]و كان زيديّا، و مثل عليّ بن الحسن بن عليّ بن فضّال و كان فطحيّا بتصريح الشيخ و النجاشي[2]و صرّح في الخلاصة[3]بفساد مذهبه، و مع ذلك كلّه قال في التعليقة في بيان حاله: «أنّ الطائفة عملت بما رواه بنو فضّال و كثيرا ما يعتمدون على قوله في الرجال و يستندون إليه في معرفة حالهم من الجرح و التعديل، بل غير خفيّ أنّه أعرف بهم من غيره بل من جميع علماء الرجال، فإنّك إذا تتبّعت وجدت المشايخ في الأكثر بل كاد أن يكون الكلّ يستندون إلى قوله و يعتمدون عليه»[4].

و جوابه أوّلا: النقض باتّفاقهم على الرجوع إلى الكتب العربيّة الثلاث المتقدّمة و أخذ المطالب اللغويّة منهم مع أنّهم في الغالب من المخالفين و فاسدي المذهب بل الفاسقين بجوارحهم على ما قيل في حقّ بعضهم.

و ثانيا: النقض بعمل الطائفة حتّى الأخباريّة برواية المتحرّزين عن الكذب من المخالفين

[1]رجال النجاشي: 94 رقم 233- الفهرست- للشيخ الطوسي-: 68، رقم 86.

[2]راجع رجال النجاشي: 257 رقم 676- الفهرست- للشيخ الطوسي: 272، رقم 391.

[3]الخلاصة: 93/ 15.

[4]تعليقة الوحيد البهبهاني: 229.


صفحه 230

..........

و غيرهم من فاسدي العقيدة لمجرّد الوثوق و الاعتضاد بقرائن الثبوت، و يرشدك إلى ذلك ما تكثر عن الشيخ و المحقّق و غيرهما في حقّ جملة من دعوى عمل الطائفة بتلك الرواية.

و ثالثا: إنّ الأخذ بجرح علماء الرجال و تعديلاتهم إنّما هو من باب الأخذ بأمارات الظنّ و الوثوق، فالعبرة في كلّ منهما بهما لا لمجرّد التعبّد فلا يضرّ حينئذ فساد عقيدة الجارح أو العدل بل و لا كونه فاسقا بجوارحه، فالمتّبع هو الظنّ و الوثوق لمكان تعذّر العلم بانسداد بابه و إن حصلا من قول من لا يعتمد على قوله شرعا في غير هذا المقام.

و منها: ثبوت الخلاف في معنى العدالة و معنى الكبيرة و عددها قلّة و كثرة، و في قبول الشهادة على أحدهما من غير ذكر السبب، فلا يمكن الاعتماد على تعديل المعدّلين و لا جرح الجارحين إلّا بعد معرفة موافقة مذهبهم في العدالة و أسباب الجرح لمذهب المجتهد العامل على مقتضى جرحهم و تعديلهم، خصوصا مع ابتناء تعديل بعضهم على تعديل من تقدّم عليهم مع جهالة الحال بالنسبة إلى الموافقة و المخالفة، بل مختار الشيخ في العدالة أنّها ظهور الإسلام مع عدم ظهور الفسق و كثير من التعديلات منه، بل على ظاهر دعوى الشيخ أنّه المشهور فيكون مذهب من عداه أيضا كذلك، و المتأخّرون لا يكتفون بذلك فكيف يعتمدون على تعديله بل تعديل غيره.

و جوابه أوّلا: منع الخلاف في معنى العدالة و إن اشتهر، بل هي عند الكلّ حتّى الشيخ و تابعيه عبارة عن الملكة و هي الحالة النفسانيّة الرادعة عن ارتكاب الكبائر و الإصرار على الصغائر، و ما يذكر في كلام الشيخ و تابعيه من ظهور الإسلام و عدم ظهور الفسق و في كلام آخرين من حسن الظاهر فإنّما يعتبر عندهم طريقا إلى معرفة الملكة و أمارة على إحراز وجودها في المتّصف بها لا لأنّهما بأنفسهما العدالة.

و تحقيق المسألة يطلب من رسالتنا المعمولة في العدالة[1].

و ثانيا: بعد ما كان البناء في الرجوع إلى كلمات علماء الرجال على تحصيل الظنّ و الوثوق بالعدالة و مقابلها أو صدق الرواية و كذبها فلا يضرّ الخلاف المذكور، و لا حاجة في شيء من الجرح و التعديل إلى إحراز الموافقة في المذهب، كما لا يقدح العلم بالمخالفة أيضا، على أنّ المعدّل لا يخبر بعدالة الراوي إلّا لأن يعتمد على قوله غيره ممّن لا يعرفه بهذه الصفة، و لا يتمّ ذلك إلّا إذا كان العدالة المخبر بها مرادا بها ما هو ملزوم للصدق، للقطع

[1]رسالة في العدالة، من منشورات جماعة المدرسين بقم المشرّفة سنة 1414.


صفحه 231

..........

الضروري لكلّ أحد بأنّ بغيره لا يحصل ظنّ الصدق و وثوق الصدور، و هذا الغرض حاصل في تعديلاتهم جدّا سواء سمّي المخبر به ملكة أو حسن الظاهر أو غيره.

و منها: أنّ الصحّة عند المتأخّرين لا بدّ فيها من العدالة و الضبط و الإماميّة في جميع سلسلة السند، و قلّما يتعرّض في الرجال لجميع ما ذكر، بل نراهم يكتفون فيها بقولهم:

«فلان ثقة» أو «من وجوه أصحابنا» أو «كبارهم» و نحو ذلك، و لا دلالة في شيء من ذلك على جميع الامور المذكورة حتّى لفظ «الثقة»، فإنّ غاية مفادها العدالة و أمّا الضبط و لا سيما الإماميّة فلا، خصوصا إذا كان ذلك في كلام غير إمامي كابن عقدة و غيره ممّن تقدّم، و خصوصا إذا وقع في كلام الإمامي جرحه، و أيضا كثيرا ما يقال في حقّه- بعد إطلاق «الثقة» عليه-: إنّه فطحيّ أو واقفيّ أو غير ذلك، و هذا ينافي كون مفاد هذا اللفظ ما ذكر من المفهوم المركّب.

و فيه: أنّه بمكان من السقوط لا حاجة له إلى التنبيه و البيان، إذ قد يعلم بإرادة ما جامع الصفات الثلاث بنصّ من قائله، كما لو كان القائل المحقّق المجلسي(رحمه اللّه)لما حكي عنه في الوجيزة من أنّه صرّح بما مضمونه: «أنّي كلّما اورد بعد ذكر الرجل لفظ «الثقة» فإنّما أردت به العدل الإمامي الضابط، و كلّما ذكرت حرف «القاف» فقد أردت منه العدل الضابط الغير الإمامي» و قد يظنّ بملاحظة القائل أيضا إرادتها أو إرادة الوصفين الأوّلين كما قيل ذلك في النجاشي.

فعن المحقّق و الشيخ محمّد(رحمه اللّه)أنّهما قالا[1]: «أنّ النجاشي إذا قال: «ثقة»، و لم يتعرّض إلى فساد المذهب فظاهره أنّه عدل إمامي، لأنّ ديدنه التعرّض إلى الفساد فعدمه ظاهر في عدم ظفره و هو ظاهر في عدمه، لبعد وجوده مع عدم ظفره، لشدّة بذل جهده و زيادة معرفته، و إنّ عليه جماعة من المحقّقين» انتهى[2].

بل قد يقال: إنّ مطلق هذه اللفظة اصطلاح لهم في جامع الأوصاف أو الوصفين الأوّلين فيحمل عليه ما لم يقارنه ما يوجب الخروج عن أحد الأوصاف أو كلّها، و قد يدّعى الانصراف إليه و لو من جهة انصراف المطلق إلى فرده الكامل، نظرا إلى أنّ كمال الوثوق

[1]هذا سهو من قلمه الشريف، و الصواب: «فعن المحقّق الشيخ محمّد(قدّس سرّه)أنّه قال:» الخ، و هو المحقّق الشيخ محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني.

[2]انظر: منتهى المقال في أحوال الرجال 1: 43- فوائد الوحيد البهبهاني- الفائدة الثانية.


صفحه 232

..........

إنّما هو باجتماع الأوصاف أجمع.

و قد يحرز الأوصاف مع ذكر هذا اللفظ بملاحظة سائر القرائن و ضمّ بعضها إلى بعض، كوصفه بكونه من أصحابنا أو من أجلّاء أصحابنا إذا كان القائل إماميّا، أو كونه فاضلا أو فقيها أو ذا أصل أو كونه من مشايخ الإجازة أو شيخا للأجلّاء من أصحابنا الموثوق بهم أو نحو ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع.

و قال المحقّق البهبهاني في فوائده الرجاليّة: «لا يخفى أنّ الرواية المتعارفة المسلّمة المقبولة أنّه إذا قال عدل إمامي- نجاشيّ كان أو غيره-: «فلان ثقة» أنّهم يحكمون بمجرّد هذا القول بأنّه عدل إمامي كما هو ظاهر إمّا لما ذكر- يشير به إلى ما تقدّم عن المحقّق[1]و غيره- أو لأنّ الظاهر من الرواة التشيّع و الظاهر من الشيعة حسن العقيدة، أو لأنّهم وجدوا منهم أنّهم اصطلحوا على ذلك في الإماميّة- و إن كانوا يطلقونه على غيرهم مع القرينة- بأنّ معنى ثقة: عادل، أو عادل ثبت، فكما أنّ عادلا ظاهر فيهم فكذا ثقة، أو لأنّ المطلق ينصرف إلى الكامل، أو لغير ذلك على منع الخلوّ» انتهى[2].

و مع الغضّ عمّا ذكر فغاية ما في المناقشة القدح في دلالة هذا اللفظ على الأوصاف الثلاث بأجمعها، لكن طريق معرفة اجتماعها غير منحصر في ملاحظة هذا اللفظ، بل كثيرا ما يحصل بملاحظته مع مجموع سائر القرائن و الأوصاف و الألقاب الّتي لا تعرف إلّا بمراجعة علماء الرجال كما عرفت.

و مع الغضّ عن ذلك أيضا فأقصى ما هنا لك انهدام ما أسّسه المتأخّرون من العلّامة و غيره في تنويع الحديث أربعة أنواع و تخصيصهم كلّ نوع باسم، حتّى أنّهم اصطلحوا فيها بالصحاح و الموثّقات و الحسان و الضعاف، لما قيل في وجهه- كما عن شيخنا البهائي في مشرق الشمسين[3]و قبله المصنّف في مقدّمات كتاب المنتقى- ملخّصا من: «أنّ السبب الداعي إلى تقرير المتأخّرين(رضوان اللّه عليهم)هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة هو أنّه لما طالت المدّة بينهم و بين الصدر الأوّل و بعدت عليهم الشقّة و خفيت عليهم ما كان متّسعا على غيرهم، التجئوا إلى العمل بالظنّ بعد فقد العلم لكونه أقرب مجاز إلى الحقيقة عند تعذّرها، و بسبب التباس الأخبار غثّها بسمينها و صحيحها بسقيمها التجئوا إلى

[1]هو: المحقّق الشيخ محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني.

[2]انظر: منتهى المقال 1: 43- عدة الرجال- للكاظمي-: 17، الفائدة الخامسة.

[3]مشرق الشمسين: 270.


صفحه 233

..........

هذا الاصطلاح الجديد و قرّبوا لنا البعيد و نوّعوا الحديث إلى الأنواع الأربعة» انتهى[1].

فيقال عليهم: إنّ هذا الاصطلاح مجرّد مفهوم لا يجدي في معرفة مصاديق كلّ نوع عن آخر، و لا سيّما الصحيح الّذي لا طريق لنا إلى معرفة أشخاصه، حيث لا سبيل إلى إحراز الأوصاف الثلاثة في جميع سلسلة السند.

و هذا- مع أنّه مكابرة محضة لا يلتفت إليها- لا يخدش فيما هو الغرض الأصلي عن مراجعة الرجال من تحصيل الوثوق و الاعتماد على الراوي و الاطمئنان بصدق الرواية و صدورها، فإنّ حصول كلّ من ذلك بمراجعة الرجال واضح بديهي و لو بملاحظة وصف الرجل بالثقة لو سلّمنا عدم دلالته على الأوصاف المذكورة، خصوصا إذا كان قائله عدلا إماميّا معتمدا و خصوصا إذا لم يقارنه ما يزاحمه، و خصوصا إذا أكّد مثله فيقال: «ثقة ثقة» أو ما يرادفه أو يقاربه في المعنى، فيقال: «ثقة نقة» بالنون مكسورة، كيف و لفظ «الثقة» باعتبار وضعه اللغوي العرفي ظاهر فيما يفيد الوثوق و الاعتماد و الاطمئنان.

فعن المصباح المنير: وثق الشيء بالضمّ وثاقة قوي و ثبت، فهو وثيق ثابت محكم، و أوثقته جعلته وثيقا، و وثقت به أثق بكسرهما ثقة و وثوقا ائتمنته.

و عن القاموس: وثق به كوَرِث ثقة و موثقا ائتمنته.

و منها: أنّ أكثر أسامي الرجال مشتركة بين عدل أو ممدوح و غيره، و أكثر أسباب التميّز لا تفيد إلّا أقلّ مراتب الظنّ المنهيّ عن العمل به عقلا و نقلا كتابا و سنّة و إجماعا، و كيف يجوز القول باعتبار مثل هذا الظنّ دون ما يحصل من الشواهد الآتية في اعتبار أخبار الكتب المعتبرة من القطع أو الظنّ القويّ القريب إليه؟

و أيضا فإنّ كثيرا من تعويلاتهم و تضعيفاتهم إنّما نشأ عن ترجيحهم و اجتهادهم، و لا يجوز للمجتهد بناء العمل على اجتهاد غيره، و إن وجد فيها ما ليس من اجتهاديّاتهم فهو شهادة كتبيّة و قد أجمع الأصحاب على أنّه لا عبرة بالكتابة كما ورد في بعض الروايات

[1]منتقى الجمان 1: 14، قال في المنتقى: «فإنّ القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالّة على صدق الخبر و إن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا، فلم يكن للصحيح كثير مزيّة توجب له التمييز باصطلاح أو غيره، فلمّا اندرست تلك الآثار و استقلّت الأسانيد بالأخبار اضطرّ المتأخّرون إلى تمييز الخالي من الريب و تعيين البعيد عن الشكّ، فاصطلحوا على ما قدّمنا بيانه، و لا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلّامة إلّا من السيّد جمال الدين بن طاوس-(رحمه اللّه)-».