..........
الضروري لكلّ أحد بأنّ بغيره لا يحصل ظنّ الصدق و وثوق الصدور، و هذا الغرض حاصل في تعديلاتهم جدّا سواء سمّي المخبر به ملكة أو حسن الظاهر أو غيره.
و منها: أنّ الصحّة عند المتأخّرين لا بدّ فيها من العدالة و الضبط و الإماميّة في جميع سلسلة السند، و قلّما يتعرّض في الرجال لجميع ما ذكر، بل نراهم يكتفون فيها بقولهم:
«فلان ثقة» أو «من وجوه أصحابنا» أو «كبارهم» و نحو ذلك، و لا دلالة في شيء من ذلك على جميع الامور المذكورة حتّى لفظ «الثقة»، فإنّ غاية مفادها العدالة و أمّا الضبط و لا سيما الإماميّة فلا، خصوصا إذا كان ذلك في كلام غير إمامي كابن عقدة و غيره ممّن تقدّم، و خصوصا إذا وقع في كلام الإمامي جرحه، و أيضا كثيرا ما يقال في حقّه- بعد إطلاق «الثقة» عليه-: إنّه فطحيّ أو واقفيّ أو غير ذلك، و هذا ينافي كون مفاد هذا اللفظ ما ذكر من المفهوم المركّب.
و فيه: أنّه بمكان من السقوط لا حاجة له إلى التنبيه و البيان، إذ قد يعلم بإرادة ما جامع الصفات الثلاث بنصّ من قائله، كما لو كان القائل المحقّق المجلسي(رحمه اللّه)لما حكي عنه في الوجيزة من أنّه صرّح بما مضمونه: «أنّي كلّما اورد بعد ذكر الرجل لفظ «الثقة» فإنّما أردت به العدل الإمامي الضابط، و كلّما ذكرت حرف «القاف» فقد أردت منه العدل الضابط الغير الإمامي» و قد يظنّ بملاحظة القائل أيضا إرادتها أو إرادة الوصفين الأوّلين كما قيل ذلك في النجاشي.
فعن المحقّق و الشيخ محمّد(رحمه اللّه)أنّهما قالا[1]: «أنّ النجاشي إذا قال: «ثقة»، و لم يتعرّض إلى فساد المذهب فظاهره أنّه عدل إمامي، لأنّ ديدنه التعرّض إلى الفساد فعدمه ظاهر في عدم ظفره و هو ظاهر في عدمه، لبعد وجوده مع عدم ظفره، لشدّة بذل جهده و زيادة معرفته، و إنّ عليه جماعة من المحقّقين» انتهى[2].
بل قد يقال: إنّ مطلق هذه اللفظة اصطلاح لهم في جامع الأوصاف أو الوصفين الأوّلين فيحمل عليه ما لم يقارنه ما يوجب الخروج عن أحد الأوصاف أو كلّها، و قد يدّعى الانصراف إليه و لو من جهة انصراف المطلق إلى فرده الكامل، نظرا إلى أنّ كمال الوثوق
[1]هذا سهو من قلمه الشريف، و الصواب: «فعن المحقّق الشيخ محمّد(قدّس سرّه)أنّه قال:» الخ، و هو المحقّق الشيخ محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني.
[2]انظر: منتهى المقال في أحوال الرجال 1: 43- فوائد الوحيد البهبهاني- الفائدة الثانية.
..........
إنّما هو باجتماع الأوصاف أجمع.
و قد يحرز الأوصاف مع ذكر هذا اللفظ بملاحظة سائر القرائن و ضمّ بعضها إلى بعض، كوصفه بكونه من أصحابنا أو من أجلّاء أصحابنا إذا كان القائل إماميّا، أو كونه فاضلا أو فقيها أو ذا أصل أو كونه من مشايخ الإجازة أو شيخا للأجلّاء من أصحابنا الموثوق بهم أو نحو ذلك ممّا يطّلع عليه المتتبّع.
و قال المحقّق البهبهاني في فوائده الرجاليّة: «لا يخفى أنّ الرواية المتعارفة المسلّمة المقبولة أنّه إذا قال عدل إمامي- نجاشيّ كان أو غيره-: «فلان ثقة» أنّهم يحكمون بمجرّد هذا القول بأنّه عدل إمامي كما هو ظاهر إمّا لما ذكر- يشير به إلى ما تقدّم عن المحقّق[1]و غيره- أو لأنّ الظاهر من الرواة التشيّع و الظاهر من الشيعة حسن العقيدة، أو لأنّهم وجدوا منهم أنّهم اصطلحوا على ذلك في الإماميّة- و إن كانوا يطلقونه على غيرهم مع القرينة- بأنّ معنى ثقة: عادل، أو عادل ثبت، فكما أنّ عادلا ظاهر فيهم فكذا ثقة، أو لأنّ المطلق ينصرف إلى الكامل، أو لغير ذلك على منع الخلوّ» انتهى[2].
و مع الغضّ عمّا ذكر فغاية ما في المناقشة القدح في دلالة هذا اللفظ على الأوصاف الثلاث بأجمعها، لكن طريق معرفة اجتماعها غير منحصر في ملاحظة هذا اللفظ، بل كثيرا ما يحصل بملاحظته مع مجموع سائر القرائن و الأوصاف و الألقاب الّتي لا تعرف إلّا بمراجعة علماء الرجال كما عرفت.
و مع الغضّ عن ذلك أيضا فأقصى ما هنا لك انهدام ما أسّسه المتأخّرون من العلّامة و غيره في تنويع الحديث أربعة أنواع و تخصيصهم كلّ نوع باسم، حتّى أنّهم اصطلحوا فيها بالصحاح و الموثّقات و الحسان و الضعاف، لما قيل في وجهه- كما عن شيخنا البهائي في مشرق الشمسين[3]و قبله المصنّف في مقدّمات كتاب المنتقى- ملخّصا من: «أنّ السبب الداعي إلى تقرير المتأخّرين(رضوان اللّه عليهم)هذا الاصطلاح في تنويع الحديث إلى الأنواع الأربعة هو أنّه لما طالت المدّة بينهم و بين الصدر الأوّل و بعدت عليهم الشقّة و خفيت عليهم ما كان متّسعا على غيرهم، التجئوا إلى العمل بالظنّ بعد فقد العلم لكونه أقرب مجاز إلى الحقيقة عند تعذّرها، و بسبب التباس الأخبار غثّها بسمينها و صحيحها بسقيمها التجئوا إلى
[1]هو: المحقّق الشيخ محمّد بن الحسن بن الشهيد الثاني.
[2]انظر: منتهى المقال 1: 43- عدة الرجال- للكاظمي-: 17، الفائدة الخامسة.
[3]مشرق الشمسين: 270.
..........
هذا الاصطلاح الجديد و قرّبوا لنا البعيد و نوّعوا الحديث إلى الأنواع الأربعة» انتهى[1].
فيقال عليهم: إنّ هذا الاصطلاح مجرّد مفهوم لا يجدي في معرفة مصاديق كلّ نوع عن آخر، و لا سيّما الصحيح الّذي لا طريق لنا إلى معرفة أشخاصه، حيث لا سبيل إلى إحراز الأوصاف الثلاثة في جميع سلسلة السند.
و هذا- مع أنّه مكابرة محضة لا يلتفت إليها- لا يخدش فيما هو الغرض الأصلي عن مراجعة الرجال من تحصيل الوثوق و الاعتماد على الراوي و الاطمئنان بصدق الرواية و صدورها، فإنّ حصول كلّ من ذلك بمراجعة الرجال واضح بديهي و لو بملاحظة وصف الرجل بالثقة لو سلّمنا عدم دلالته على الأوصاف المذكورة، خصوصا إذا كان قائله عدلا إماميّا معتمدا و خصوصا إذا لم يقارنه ما يزاحمه، و خصوصا إذا أكّد مثله فيقال: «ثقة ثقة» أو ما يرادفه أو يقاربه في المعنى، فيقال: «ثقة نقة» بالنون مكسورة، كيف و لفظ «الثقة» باعتبار وضعه اللغوي العرفي ظاهر فيما يفيد الوثوق و الاعتماد و الاطمئنان.
فعن المصباح المنير: وثق الشيء بالضمّ وثاقة قوي و ثبت، فهو وثيق ثابت محكم، و أوثقته جعلته وثيقا، و وثقت به أثق بكسرهما ثقة و وثوقا ائتمنته.
و عن القاموس: وثق به كوَرِث ثقة و موثقا ائتمنته.
و منها: أنّ أكثر أسامي الرجال مشتركة بين عدل أو ممدوح و غيره، و أكثر أسباب التميّز لا تفيد إلّا أقلّ مراتب الظنّ المنهيّ عن العمل به عقلا و نقلا كتابا و سنّة و إجماعا، و كيف يجوز القول باعتبار مثل هذا الظنّ دون ما يحصل من الشواهد الآتية في اعتبار أخبار الكتب المعتبرة من القطع أو الظنّ القويّ القريب إليه؟
و أيضا فإنّ كثيرا من تعويلاتهم و تضعيفاتهم إنّما نشأ عن ترجيحهم و اجتهادهم، و لا يجوز للمجتهد بناء العمل على اجتهاد غيره، و إن وجد فيها ما ليس من اجتهاديّاتهم فهو شهادة كتبيّة و قد أجمع الأصحاب على أنّه لا عبرة بالكتابة كما ورد في بعض الروايات
[1]منتقى الجمان 1: 14، قال في المنتقى: «فإنّ القدماء لا علم لهم بهذا الاصطلاح قطعا لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالّة على صدق الخبر و إن اشتمل طريقه على ضعف كما أشرنا إليه سالفا، فلم يكن للصحيح كثير مزيّة توجب له التمييز باصطلاح أو غيره، فلمّا اندرست تلك الآثار و استقلّت الأسانيد بالأخبار اضطرّ المتأخّرون إلى تمييز الخالي من الريب و تعيين البعيد عن الشكّ، فاصطلحوا على ما قدّمنا بيانه، و لا يكاد يعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلّامة إلّا من السيّد جمال الدين بن طاوس-(رحمه اللّه)-».
..........
أيضا، مع أنّ الأغلب منها شهادة فرع بل شهادة فرع فرع و هكذا، و لا خلاف عندهم في عدم اعتبار ما عدا الاولى، و مورد اعتبار الاولى أيضا عند قائليه إنّما هو أموال الناس و حقوق الآدميّين لا غير، مع أنّ العدالة ليست من الامور الحسّيّة الّتي يمكن الاطّلاع عليها بالحسّ.
و قد صرّحوا فيها بلزوم كون المشهود به حسّيّا.
و أيضا فغايتها كونها شهادة علميّة و إلّا فالغالب كونها ظنّية، و قد اختلفوا في اعتبار الشهادة العلميّة فكيف بالظنّية.
و أيضا فالمعتبر في الشهادة التعدّد و المعروف فيهم هنا كفاية الواحد.
و بالجملة: فملاحظة هذه الامور تعطي عدم العبرة بالرجال، و يلزم منه انتفاء الحاجة إليه، لأنّ دعوى الحاجة في الاجتهاد الّذي هو أمر شرعي إلى ما ليس بمعتبر شرعا كما ترى ممّا يضحك به الثكلى.
و الجواب عنه بجميع فقراته: بأنّ مسيس الحاجة إلى الرجال ليس لتعبّد شرعي ليقدح فيه ما ذكر من القوادح الّتي تقدح في الأخذ بالشهادة تعبّدا بعد تسليم كون الجرح و التعديل من باب الشهادة ناشئين عن الاجتهاد غير علميّين، بل المحوّج إليه- على ما بيّنّاه مرارا- إنّما هو توقّف الاجتهاد في وجوده الخارجي على معرفة أحوال رواة أحاديثنا المتوقّف عليها الاجتهاد و لو ظنّية حيثما تعذّر العلم، ليترتّب عليها الظنّ و الوثوق بصدق تلك الأحاديث و صدورها عن أهل العصمة على غير جهة التقيّة ليترتّب عليهما الظنّ بالأحكام الشرعيّة، أو استقرار هذا الظنّ و بلوغه مرتبة الاطمئنان اللذين لا يحصلان إلّا بالفحص و استفراغ الوسع اللذين منهما مراجعة كتب الرجال و مزاولة كلمات أهله، لما دلّنا عليه القاطع من جهات شتّى من وجوب التعبّد في معرفة الأحكام الشرعيّة و التديّن بها بالظنون الاجتهاديّة الاطمئنانيّة المستندة إلى الكتاب و السنّة المقطوع أو الموثوق بها و ما يرجع إليهما من الطرق المقرّرة المعهودة، فليس مراجعة الكتب الرجاليّة لغرض بناء العمل على اجتهاد الغير تقليدا بل لغرض تحصيل الظنّ الاجتهادي الّذي لا يقدح فيه شيء ممّا ذكر، حتّى دعوى كون تعديلاتهم و ترجيحاتهم ناشئة عن اجتهاداتهم، فإنّ غاية ما يترتّب على ذلك نظرا إلى عدم كون الاجتهاد مأمونا من الخطأ قيام احتمال عدم المطابقة، و هو لا يمنع عن حصول الظنّ بل الاطمئنان لنا و لو بعد تراكم القرائن الموجودة في كلامهم و ضمّ بعضها إلى بعض، كما هو معلوم بالعيان و مشاهد بالوجدان على حدّ الغنية عن مراعاة البرهان.
..........
و بذلك كلّه يرتفع شبهة وقوع الاشتراك في أكثر أسامي الرجال، فإنّ أسباب التمييز وافرة مقرّرة لديهم مضبوطة في كتبهم، و هذا أيضا أحد مقتضيات الرجوع إلى تلك الكتب، حيث إنّ الاسم المشترك لا يتميّز إلّا بذلك، كيف و كتاب المشتركات المعمول في هذا الفنّ موضوع لغرض رفع هذه الشبهة. و غاية حلّ هذا الإشكال لكلّ من لا يعرف الحال.
و لا يضرّ عدم كون ما يحصل فيها إلّا تمييزا ظنّيا، لما عرفت من أنّ بناء الأمر هنا ليس إلّا على الظنّ الكافي بدليله القاطع و لو كان في أقلّ مراتبه إذا فرض تعذّر ما زاد عليه كفرض تعذّر العلم الّذي هو المرجع الأولي، و إلّا فالمعاين المحسوس بالوجدان حصول الاطمئنان الّذي هو أعلى مراتب الظنّ و لو في الغالب أو الأغلب أو الكثير، و الظنّ المنهيّ عن العمل به عقلا و نقلا كتابا و سنّة و إجماعا ليس هو هذا الظنّ على ما تقدّم تفصيل القول فيه.
و منها: إنّ من تأمّل المنتقى و غيره من كتب الماهرين في معرفة الطبقات يعرف أنّ جملة من الروايات لا سيّما ما في كتب الشيخ مرسلة بالمعنى الأعمّ، لسقوط واسطة أو واسطتين، و غير العارف بالطبقة يظنّ الاتّصال فيصحّح السند و هو في الواقع ليس كذلك.
و أيضا يعلم أنّ كثيرا من الأسانيد وقع فيه الغلط و الاشتباه في أسامي الرجال أو آبائهم أو كناهم أو ألقابهم ما لا يخفى، و كذا كثيرا ما يقع كلمة المجاوزة مكان «الواو» فيضعّف السند بضعف أحدهما و هو صحيح في الواقع، و قد ينعكس الأمر فيصحّح السند بصحّة أحدهما و هو ضعيف في نفس الأمر، و قد تكون كلمة المجاوزة مصحّفة من كلمة «ابن» فيشتبه الراوي و يضعّف السند بالوالد و لا دخل له فيه، و قد ينعكس الحال أيضا فينعكس الحكم.
و من هنا قد يقال: إنّ كثيرا ممّا رواه الشيخ عن موسى بن القاسم العجلي أخذه من كتابه، و هو أيضا أخذه من كتاب جماعة فينقل عنهم من غير ذكر الوسائط اتّكالا على ذكرها في أوّل الكتاب فينقل الشيخ عن موسى عن أحد الجماعة من غير إشارة إلى الواسطة، فيظنّ الغافل فيه الاتّصال مع أنّ الواقع الإرسال، و جميع ذلك محتمل في جميع روايات الشيخ و غيره.
و منه أيضا ما في روايات الشيخ المنقولة عن الكافي، فإنّ الكليني كثيرا ما يترك أوّل السند اعتمادا على سبق ذكره فيأخذ عنه الشيخ بإسقاط أوّل السند غفلة بزعم الاتّصال و عدم الإرسال، و أيضا كما أنّه لا يمكن العلم بالمعدّل و المجروح غالبا بسبب اشتراك
..........
الاسم مع فقد التمييز، فكذلك لا يمكن العلم بصحّة السند مطّردا أو غالبا من جهة قيام احتمال السقط في كلّ سند أو غالب الأسانيد، فلعلّ ما سقط من الرجال كان ضعيفا مجروحا فلا يبقى فائدة في الجرح و التعديل و تصحيح الأسانيد مع إمكان حصول أمثال ما ذكر فيما لم يظهر لنا حصوله فيه، و معه تسقط الفائدة في معرفة علم الرجال.
و جوابه بجميع فقراته يعلم بملاحظة ما سبق، فإنّ احتمال طروّ الحزازات المذكورة بعد التتبّع التامّ و استفراغ الوسع و ملاحظة القرائن من جهة الراوي و المرويّ عنه و طبقة الرجال و غير ذلك من أسباب الظنّ و الرجحان مع انضمام الاصول النافية لاحتمال السقط و الغفلة و السهو و النسيان و الزيادة و النقصان ممّا لا يمنع عن حصول الظنّ و الاطمئنان، هذا مضافا إلى ما أفاده بعض الأعلام من أنّ السهو النادر و الغفلة القليلة لا يوجبان انتفاء الظنّ الحاصل من ظاهر حال الثقة الضابط و من جهة الكثرة و الغلبة، إذ لا يستريب أحد في أنّ إصابة هؤلاء الأجلّاء أكثر من زلّاتهم و حفظهم أغلب من سهوهم، فإنكار حصول الظنّ من ملاحظة الرجال مكابرة لا يلتفت إليها في حال.
و منها: أنّ مراجعة الكتب الرجاليّة ممّا يستلزم المخالفة القطعيّة و هي حرام، كما أنّ المستلزم للحرام حرام.
و بيان الملازمة: أنّها توجب ضعف كثير من الروايات و الأخبار فلا بدّ من طرحها لمكان ضعفها الموجب لعدم الاعتداد بها، و طرح ضعاف الأخبار بأجمعها يوجب القطع بالمخالفة، لمكان القطع الإجمالي بصدور جملة منها عن المعصوم.
و هذا أضعف الوجوه لتوجّه المنع إلى الملازمة تارة و بطلان اللازم اخرى.
أمّا الأوّل: فلأنّ الأخبار الضعاف كثيرا منها يعمل بها لانجبارها تارة بعمل الأصحاب، و اخرى بموافقة الكتاب أو لورودها في السنن الّتي يتسامح في أدلّتها أو لاعتضادها بغير ما ذكر من قرائن الصدق و شواهد الاعتبار حسبما يقف عليه المتتبّع المستنبط، فلا يبقى منها ما خلى عن جميع الامور المذكورة إلّا قدر قليل منها، و وجود العلم الإجمالي بالنسبة إلى هذا المقدار لعلّه ممنوع و ادّعاؤه لعلّه غير مسموع.
و أمّا الثاني: فلأنّ الحجّة إذا اشتبهت بغيرها و كانت الشبهة قليلة في قليل سقطت عن الحجّية، لوجوب الاجتناب عن الجميع المستلزم للاجتناب فيها أيضا عملا بموجب قاعدة الشبهة المحصورة المقرّرة في محلّه.
..........
و في بعض الأخبار أيضا ما يشير إلى ذلك كالخبر المتقدّم إليه الإشارة في وجود الأخبار الكاذبة المتضمّن لقوله: «فيسقط صدقنا بكذبه» حسبما بيّنّاه سابقا.
و منها: كون مراجعة الكتب الرجاليّة بدعة، لأنّ علم الرجال قد حدث تدوينه في الأزمنة المتأخّرة فلم يكن مأخوذا عن أهل العصمة كما عداه من العلوم المتداولة، و كلّ بدعة ضلالة و كلّ ضلالة سبيلها إلى النار.
و فيه أوّلا: النقض بعلم الفقه و مراجعة الكتب الفقهيّة لعين ما ذكر.
و ثانيا: منع كلّية الكبرى، فإنّ هذا العلم و تدوينه و مراجعة كتبه من البدع المستحسنة الدائرة بين الواجبة منها أو المستحبّة بل الواجبة على التحقيق في موضع وجوب الاجتهاد عينا أو كفاية، على أنّ البدعة تنقسم عندهم انقسام الأحكام الخمسة، و قد نقل ثاني الشهيدين في الروضة[1]عن بعضهم تقسيمها إليها.
و عن شرح المشكاة: «البدعة على خمسة أقسام: واجبة كتعلّم النحو و حفظ إعراب القرآن و الحديث و كتدوين علم اصول الفقه، و محرّمة كمذهب القدريّة و الجبريّة و المرجئة، و مندوبة كإحداث المدارس و كلّ إحسان لم يعهد في العصر الأوّل، و مكروهة كتزيين المساجد و تذهيب المصاحف، و مباحة كالمصافحة عقيب الصبح و العصر و التوسّع في لذيذ المآكل و المشارب و الملابس و المساكن المباحة» انتهى.
و بالجملة البدعة المحرّمة على سبيل الإذعان و اليقين هو: إدخال ما ليس من الدين في الدين على أن يكون من الدين مع الاعتقاد أنّه ليس من الدين، و لا يوجد ذلك إلّا في الأحكام أو موضوعاتها الشرعيّة.
و لا ريب أنّ علم الرجال ليس من هذا الباب و لا بشيء من الأمرين، كيف و لم يدوّن إلّا لأجل حفظ الدين عن الانهدام و صونه عن الهرج و المرج و معه كيف يكون محرّما إن لم نقل بوجوبه، بل تدوينه- مع الغضّ عمّا يقتضي وجوبه و وجوب المراجعة إلى كتبه و مزاولة مطالبه- مندرج في عموم ما ورد في الروايات من أنّه: «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها و أجر من عمل بها» كما ورد في ضدّه: «أنّ من سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها».
و منها: ما عن بعض الفضلاء من: «أنّ الاستقراء و تتبّع سير السلف يكشفان عن أنّ
[1]الروضة البهيّة 1: 581.
..........
علماءنا كانوا يعملون بكلّ ما حصل لهم الظنّ بأنّه مراد المعصوم و إن كان من رواية ضعيفة أو غيرها، فلا حاجة إلى معرفة حال الرواة بل المتّبع إنّما هو الظنّ، سلّمنا لكن مراجعة الكتب الرجاليّة مبنيّة على لزوم المداقّة في عدالة الرواة و فسقهم و جرحهم و تعديلهم و هو خلاف ما هو المعهود من سيرة العلماء و أصحاب الأئمّة من عدم بنائهم على هذه المداقّات و بناء على العمل بالروايات بمجرّد ظنّ الصدور أو الظنّ بتحرّز الراوي عن الكذب، و هذا ممّا يحصل غالبا بدون مراجعة الكتب أيضا، فليكتف به لئلّا يراجع الكتب الرجاليّة».
و جوابه- بعد المنع عن كلّية الاستقراء المدّعاة كما يظهر وجهه بملاحظة ما تقدّم-:
أنّ العمدة في أسباب الظنّ و الغالب من طرق الأحكام الظنّية إنّما هي الأخبار الغير العلميّة، و قد مرّ مرارا أنّ الظنّ بالحكم من جهة الخبر ممّا لا يتأتّى إلّا بعد إحراز سنده علما أو ظنّا، فإنّ ملزوم الحكم الشرعي هو السنّة المقطوع أو الموثوق بها لا ذات الخبر من حيث هو.
و من البيّن أنّ إحراز السند بأحد الوجهين اللذين يغلب ثانيهما ممّا لا يتأتّى في الغالب إلّا بمراجعة الكتب الرجاليّة و معرفة أحوال الرواة، و لا ينافي ذلك حصول ظنّ الصدور و تحرّز الراوي عن الكذب في بعض الأحيان بدون المراجعة المذكورة من جهة الامور المتقدّم إليها الإشارة في صدر المسألة، إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يرفع الحاجة عن أصل المراجعة، لأنّ مثل ما ذكر لا يتّفق إلّا في جملة قليلة من المقامات، كما أنّ استقرار العمل بكلّ ما حصل منه الظنّ- على فرض تسليمه- ممّا لا يرفع الحاجة عن العمل بالروايات الظنّية سندا و متنا و دلالة.
و قد ذكرنا في صدر المسألة أنّ معرفة أحوال الرجال المعدودة عندهم من شروط الاجتهاد أعمّ ممّا يحصل بمراجعة الكتب الرجاليّة و ما يحصل بدونها من جهة مراعاة الأسباب الخارجة عن تلك الكتب.
و منها: ما تقدّم عند الكلام على الشكوك الواقعة في انسداد باب العلم بالأحكام عن رئيس الأخباريّة الفاضل الأسترآبادي من أنّ أخبارنا كلّها قطعيّة الصدور عن المعصوم(عليه السلام)فلا يحتاج إلى ملاحظة سندها، أمّا الكبرى: فظاهر، و أمّا الصغرى: فلأنّ أحاديثنا محفوفة بالقرائن الحاليّة المفيدة للقطع بصدورها عن المعصوم.
و قد أشبعنا الكلام سابقا في هدم هذا الدليل و إبطال ما تضمّنه من دعوى وجود القرائن القطعيّة و دفع هذه القرائن بأجمعها من وجوه شتّى، إلّا أنّ ذلك ثمّة إنّما هو لإثبات مطلب