بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 246

..........

معه وجوب الاستعلام على فرض تسليمه، و إلّا فكثيرا ما لا يكون واجبا في نظره و لو مع الإمكان و اليسر، لاعتقاد عدم الوجوب أو عدم تماميّة دليل الوجوب أو عدم التفطّن بالدليل و مع تحقّق الاستعلام منه فعلا فلا يكون إلّا اجتهادا منه و لا ينفع غيره أصلا، و قد تقدّم منّا عند إثبات الانسداد ما يتعلّق بهذا المقام فلاحظ.

و رابعها: تمسّكه بأحاديث ذلك الأصل أو تلك الرواية مع تمكّنه من أن يتمسّك بروايات اخر صحيحة.

و جوابه يظهر بملاحظة ما سبق، مضافا إلى ما قدّمناه في الموضع المشار إليه، مع توجّه المنع إلى القطع بوجود روايات صحيحة أو تفطّنه بوجودها أو تمكّنه من التمسّك بها، سواء اريد بوصف الصحّة كونها قطعيّة أو غيره.

و خامسها: أن يكون رواية أحد من الجماعة الّتي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم.

و فيه- مع ما تقدّم في الموضع المشار إليه-: منع العلم بتحقّق الرواية عن هؤلاء إلّا إذا كان طبقات السند بأجمعهم منهم و هو بديهيّ الفساد، مع أنّ معرفة هؤلاء لا تكون إلّا من الرجال و هي مع ذلك ليست إلّا ظنّية، مع أنّ الإجماع على تصحيح الحديث لا يستلزم قطعيّة صدوره.

و لو سلّم حصول القطع من هذا الإجماع فهو قطع بالصحّة و هي أعمّ من الصدور، و إلّا فلا قطع أصلا، بل غايته الظنّ أو الوثوق الّذي هو دون القطع.

و سادسها: أن يكون من الجماعة الّذين ورد في شأنهم عن بعض الأئمّة أنّهم ثقات، أو مأمون، أو خذوا عنهم معالم دينكم، أو هؤلاء أمناء دين اللّه في أرضه و نحو ذلك.

و فيه- مع ما تقدّم أيضا-: أنّ ما ورد في شأن هؤلاء ليست إلّا أخبار آحاد فلا يجدي نفعا في إفادة القطع، و على فرضه فهو قطع بالوثاقة و الأمانة و هو أعمّ من القطع بمطابقة ما يخرج منه من الرواية.

و لو سلّم فهو لا ينفع في قطعيّة الرواية الّتي في سندها واحد من هؤلاء إلّا مع انتهائه من الأوّل إليه و ممّن بعده إلى الإمام(عليه السلام)لو كان بطريق القطع، و تحقّقه في غاية البعد، و أبعد منه اتّفاق كون جميع رجال السند من هؤلاء.

و مع ذلك كلّه فهم لا يعرفون غالبا إلّا بمزاولة الكتب الرجاليّة.


صفحه 247

..........

و سابعها: وجودها في أحد كتابي الشيخ و الكافي و من لا يحضره الفقيه، لاجتماع شهاداتهم على صحّة أحاديث كتبهم، أو على أنّها مأخوذة من الاصول المجمع على صحّتها.

و فيما تقدّم في الموضع المشار إليه غنية عن التعرّض لما يرد عليه و ما يدفعه.

و اعلم أنّه ربّما يحكى عن بعض الأخباريّة أنّه وجّه قولهم بقطعيّة الأخبار و دعوى حصول العلم بصحّة الأصل و صدوره عن المعصوم بأنّ: المراد بالعلم هو ما يطمئنّ به النفس و تقضي العادة بالصدق، و هذا هو العلم العادي قائلا- على ما نقله في رسالة الاجتهاد و الأخبار-: «إنّ لفظ «العلم» يطلق لغة على الاعتقاد الجازم الثابت المطابق للواقع و هذا ما يسمّى باليقين، و على ما يسكن إليه النفس و يقضي العادة بصدقه و يسمّى العلم العادي، و هو يحصل بخبر الثقة و غيره إذا دلّ القرينة على صدقه، و هذا هو الّذي اعتبره الشارع في ثبوت الأحكام الشرعيّة كما يرشد إليه موضوع الشريعة السمحة، و قد عمل الصحابة و أصحاب الأئمّة بخبر العدل الواحد و بالمكاتبة على يد شخص، بل و بخبر غير العدل إذا دلّت القرائن على صدقه، و لا ينافي هذا الجزم تجويز العقل خلافه نظرا إلى إمكانه كما لا ينافي العلم بحياة زيد الّذي غاب لحظة تجويز موته فجأة.

و من تتبّع كلام العرب و مواقع لفظ «العلم» في المحاورات جزم بأنّ إطلاقه عليه عندهم حقيقة و أنّ تخصيصه باليقين اصطلاح جديد من أهل المنطق، و تحقّق أنّ «الظنّ» لغة هو الاعتقاد الراجح الّذي لا جزم معه أصلا، و العلم بهذا المعنى اعتبره الاصوليّون و المتكلّمون في قواعدهم.

و في الذريعة عرّف العلم: «بأنّه ما اقتضى سكون النفس» و هو يشمل اليقيني و العادي فهذا هو العلم الشرعي، فإن شئت سمّه علما و إن شئت سمّه ظنّا و لا مشاحّة بعد العلم بأنّه كاف في ثبوت الأحكام، فالنزاع لفظيّ لأنّ الكلّ أجمعوا على أنّه يجب العمل باليقين إن أمكن و إلّا كفى ما يحصل به الاطمئنان و الجزم عادة، و لكن هل يسمّى علما حقيقة بأنّ له أفرادا متفاوتة أعلاها اليقين و أدناها ما قرب من الظنّ المتاخم، أو حقيقة واحدة لا تتفاوت و هي اليقين و ما سواه ظنّ و ذلك خارج عمّا نحن فيه؟» انتهى ملخّصا.

و في هذا الكلام من اختلال النظام ما لا يخفى على اولي الأفهام، فإنّ لفظ «العلم» في العرف الكاشف عن اللغة حسبما تساعد عليه الأمارات المميّزة للحقيقة عن المجاز- على ما تقرّر في غير موضع- لا يطلق بعنوان الحقيقة إلّا على الاعتقاد الجازم المطابق للواقع


صفحه 248

..........

و إن لم يكن ثابتا لا يزول بتشكيك المشكّك، و إطلاقه على اليقين لكونه أحد نوعي هذا المعنى العامّ لا لعنوانه الخاصّ، و اصطلاح أهل المنطق ليس مبنيّا على تخصيصه به، بل هو حسبما يطّلع عليه المتتبّع في كلماتهم مبنيّ على التعميم بالقياس إلى ما ذكر من المعنى العامّ و غيره حتّى الجهل المركّب بل الظنّ بل مطلق التصوّر أيضا، و إطلاقه على ما عدا الأوّل في العرف و اللغة بعنوان الحقيقة غير معهود.

فمعناه الحقيقي يعتبر فيه أمران: الجزم الّذي لا يحتمل معه الخلاف، و مطابقة الواقع، فلا يطلق على الظنّ و لا الجهل المركّب.

نعم قد يطلقه الظانّ لغفلته عن الاحتمال المرجوح الموجود في نفسه على الظنّ ما دام غافلا لا لأنّه إطلاق له في نظره على الظنّ، بل لأنّه إطلاق له بزعمه الناشئ عمّا طرأه من الغفلة على الجزم المطابق، كما أنّه يطلقه الجازم عن جهل مركّب على جزمه لاعتقاده بمطابقته، فلذا لو تفطّن الأوّل بما في نفسه من الاحتمال لسلب العلم عن اعتقاده، كما أنّ الثاني لو انكشف عنده عدم المطابقة جزم بعدم كونه عالما من أوّل الأمر.

و من هنا أيضا يصحّ سلب الاسم عنه عند من اطّلع على عدم مطابقة جزمه، فالعلم بحقيقته اللغويّة متضمّن لعدم احتمال الخلاف، سواء كان عقليّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي العقل بامتناع خلافه كالعلم بزوجيّة الأربعة و نحوها، أو شرعيّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي الشرع بامتناع خلافه كالعلم بطهارة الماء و نجاسة الكلب و نحوهما، أو عاديّا و هو الاعتقاد الجازم المطابق بشيء يقضي العادة بامتناع خلافه كعلمنا بعدم انقلاب ماء البحر دما، و بعدم انقلاب الجبل الّذي غبنا عنه بعد لحظة ذهبا، و بعدم انقلاب الأواني الموضوعة في البيت الّتي غبنا عنها بعد ساعة علماء عارفين بالعلوم الدقيقة و ما أشبه ذلك من العلوم العاديّة، فإنّ الامتناع عبارة عن ضرورة جانب العدم، و من البيّن أنّ الحاكم بضرورة عدم خلاف الزوجيّة في الأربعة هو العقل، و بضرورة عدم خلاف الطهارة في الماء و خلاف النجاسة في الكلب هو الشرع، بحيث لو لا حكمه بهما فيهما لم يكن النجاسة في الأوّل و الطهارة في الثاني ممّا استحاله العقل، و بضرورة العدم لانقلاب الماء و الجبل و الأواني دما و ذهبا و علماء هو العادة، بحيث لو لا حكمها بالعدم فيها لما استحال العقلاء الانقلاب في شيء منها، لإمكانه الذاتي بالنظر إلى عموم قدرته تعالى و كون الممكنات بأسرها متساوية النسبة إلى قدرته الكاملة.


صفحه 249

..........

فالعلم العادي يشارك العلم العقلي في عدم قبول حقيقته الواقعيّة ما دامت موجودة لاحتمال الخلاف، و يفارقه في أنّ الحاكم بامتناع الخلاف في الثاني هو العقل و في الأوّل هو العادة لا غير.

فما اشتهر في الألسنة و الأفواه من أنّ العلوم العاديّة ممّا يحتمل النقيض تعليلا بما في عدا الأوّل من الأمثلة الثلاث المذكورة من تجويز العقل لانقلاب الجبل ذهبا و الأواني علماء ممّا لا ينبغي الالتفات إليه، بعد ملاحظة أنّ حكم العقل لا يخالف حكم العادة في القضيّة الّتي ينظر في حكمها العادة، فإنّ المأخوذ في ماهيّة العلم هو انتفاء الاحتمال الذهني للخلاف، على معنى عدم معارضة الإدراك المتعلّق بإحدى طرفي النسبة لاحتمال وقوع الطرف الآخر و لو مرجوحا، و هذا المعنى حاصل في العلوم العاديّة أيضا بل و في الأمثلة المذكورة أيضا، و الّذي يوجد فيها من التجويز العقلي إنّما هو تجويز إمكاني، و إن أبيت إلّا و أن تسمّيه بالاحتمال فهو احتمال بالمعنى المرادف لقابليّة المحلّ بحسب ذاته، على معنى أنّ كلّا من البحر و الجبل و الأواني بملاحظة ما فيها من الإمكان الذاتي بالنظر إلى قدرته تعالى قابل للانقلاب المذكور و إن لم يكن هذا الانقلاب واقعا في الخارج بمقتضى العادة.

و لا ريب أنّ كون الشيء محتملا للوقوع بمعنى القابليّة غير كونه محتملا له بحسب الذهن، نظرا إلى أنّ قابليّة الوقوع أعمّ من فعليّة الوقوع، و متعلّق الجزم العادي هو عدم الفعليّة و هو لا ينافي الجزم العقلي بالقابليّة لتصادق القضيّتين و عدم مناقضتهما حسبما قرّر في محلّه من اشتراط التناقض بوحدة القضيّتين في القوّة و الفعل، و لذا لا يتحقّق بين عدم كتابة زيد فعلا و كتابته قوّة تناقض حتّى أنّه جاز تعلّق الجزم و اليقين بكلتيهما، و هذا ممّا لا سترة عليه.

فالعلم كائنا ما كان ينافي احتمال خلافه ذهنا ما دام نقيض معلومه محكوما عليه بالامتناع و لو عادة، و إن كان قد يشتبه الحال فيطلق لفظه غفلة من الاحتمال، أو منشأه على ما يزعم كونه من الصور الذهنيّة خالصا عن الاحتمال و هو بحسب الواقع ليس كذلك، و منه ما ادّعى من العلم بحياة زيد الغائب لحظة المحتمل لموته فجأة، فإنّه ما دام الغفلة عن هذا المنشأ صورة علم لا أنّه علم في الحقيقة، و لذا مع التفطّن ينكشف مقارنته الاحتمال المركوز في النفس حيث لا قاضي بامتناع وقوع الخلاف و هو الموت من العقل و لا الشرع و لا العادة.


صفحه 250

..........

و من هنا مع ملاحظة ما تقدّم يعلم أنّ إطلاق لفظ «العلم» على ما ذكر و نظائره إن اريد به الحقيقة غفلة، كما أنّ توهّم كونه من العلوم العاديّة غفلة في غفلة، كيف و إنّ العادة لا تقضي بامتناع وقوع الموت فجأة لوقوعه في الخارج كثيرا.

و لا ريب أنّ التفطّن بذلك المنشأ قد يورث قوّة احتمال الوقوع، كما أنّه كلّما طالت مدّة الغيبوبة يورث قوّة فوق قوّة حتّى أنّه قد يؤول الأمر إلى تساوي هذا الاحتمال لاحتمال الحياة فينعقد به صورة الشكّ.

و بالجملة فالمدار في احتمال الخلاف بحسب الذهن وجودا و عدما و ضعفا و قوّة على المنشأ وجودا و عدما و ضعفا و قوّة و هو وقوع خلاف المعلوم في الخارج، فإن كان ذلك ممّا لم يقع في الخارج قطّ كان منشأ لعدم الاحتمال، و هو المعنى المراد من قضاء العادة بالامتناع، و إن كان ممّا وقع بندرة كان منشأ للاحتمال الضعيف، و إن كان ممّا كثر وقوعه كان منشأ للاحتمال القويّ، و هكذا بالقياس إلى مراتب الندرة و الكثرة بحسب الضعف و القوّة، فإنّ اختلاف هذه المراتب يوجب اختلاف مراتب الاحتمال.

و لا يذهب عليك أنّه قد ينعكس الأمر فيحدث في نفس الإنسان بالقياس إلى معتقده احتمال وقوع خلافه، فيكون ما في الذهن- لطروّ هذا الاحتمال- ظنّا أو شكّا غفلة عن منشأ زوال هذا الاحتمال و هو عدم الوقوع في الخارج قطّ الّذي هو مناط الامتناع العادي، أو عدم قابليّة الوقوع فيه الّذي هو مناط الامتناع العقلي أو الشرعي، بحيث لو زالت الغفلة و حصل التفطّن بالمنشإ المذكور في أحد وجوهه لارتفع الاحتمال و انقلب ما في الذهن جزما بل و يقينا.

و من هنا نشأ الظنّية و الشكّيّة و الوهميّة و الاعتقاد الجهلي في المسائل العلميّة من العقليّات و الشرعيّات و العاديّات و في القضايا العرفيّة و غيرها.

و بجميع ما ذكر يظهر ما في دعوى إطلاق «العلم» على ما يسكن إليه النفس بقول مطلق إن اريد به الإطلاق بعنوان الحقيقة، إلّا أن يرجع إلى إطلاقه عليه بزعم انتفاء الاحتمال غفلة عن حقيقة الحال.

و أضعف من ذلك دعوى رجوع نزاع الفريقين إلى أمر لفظي.

نعم لا نضائق أن نقول: إنّ أحد الفريقين إنّما أطلق «العلم» في دعوى قطعيّة الأخبار على ما ليس منه في الحقيقة لمجرّد و هم و غفلة، و لذلك و نحوه قد يقال: إنّ الأخباريّين


صفحه 251

..........

مجتهدون من حيث لا يعلمون.

و أضعف من ذلك أيضا دعوى حصول العلم العادي بخبر الثقة و غيره إذا دلّ القرينة على صدقه إن اريد به ما لا يجامعه الاحتمال ظاهرا و واقعا، ضرورة أنّ الوثاقة بنفسها- على فرض ثبوتها بعنوان القطع- إنّما يصلح أمارة لظنّ الصدق و أقصى مراتبه كونه على وجه الاطمئنان، و نحوها سائر قرائن الصدق على فرض اتّفاق حصولها، فليس شيء من الأمرين من موازين العلم العادي بالمعنى المتقدّم.

نعم قد يتّفق العلم العادي بالصدق في مورد التواتر، غير أنّه مع ندوره ليس للوثاقة و غيرها من أنواع القرينة مزيد دخل فيه، لإناطتهم العلم فيه ببلوغ المخبرين في الكثرة حدّا يمتنع عادة تواطئهم على الكذب، فالعبرة فيه بكثرة المخبرين لا غير، لكنّ الخطب في ذلك سهل حيث إنّ الموجّه بمقتضى ظاهر كلامه إنّما أراد بالعلم العادي هنا مجرّد ما يسكن إليه النفس و إن كان قد أخطأ في تسميته علما.

نعم كونه علما شرعيّا على معنى قضاء الشرع بقيامه مقام العلم الحقيقي من حيث العمل و الاعتبار لا مانع منه، بل هو الّذي يجب الإذعان به حسبما مرّ تفصيله و إقامة الدليل عليه.

ثمّ إنّه قد بقي الكلام في مستند سائر الأقوال المتعلّقة بالمسألة المتقدّم إليها الإشارة.

[في مستند القول بقطعيّة الكتب الأربعة]

فأمّا القول بكون أخبار الكتب الأربعة قطعيّة الاعتبار و إن لم تكن قطعيّة الصدور، فلم نقف على تفصيل مستنده سوى ما تقدّم عند حكاية هذا القول من التعليل بشهادة مصنّفيها بذلك، و للحرّ العاملي فيه كلام محكيّ عنه في الوسائل متضمّن لعدّة امور يمكن أخذها مستندا لهذا القول، و إن كان سياق هذا الكلام و أكثر فقراته أظهر في دعوى القطع بالصدور و الصحّة بمعنى الصدق، لجواز كونها مرادا بها الاعتبار الّذي هو أعمّ، فإنّه بعد ما صرّح بحصول القطع العادي من شهاداتهم كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهبا قال: «إنّه لاتّفاق الشهادات و غير ذلك أولى من نقل ثقة واحد كالمحقّق و الشهيد من الفتوى من فتاوى أبي حنيفة في كتابه، مع أنّا نرى حصول العلم لنا بذلك من النقل المذكور فكيف لا يحصل بشهادة الجماعة» و عنه أنّه ذكر: «أنّه لو لم يجز لنا قبول شهاداتهم في صحّة أحاديث كتبهم لما جاز لنا قبولها في مدح الرواة و توثيقهم، فلا يبقى حديث صحيح و لا حسن و لا موثّق، بل يبقى جميع أخبارنا ضعيفة، و اللازم باطل فكذا الملزوم و الملازمة ظاهرة، بل الإخبار بالعدالة أشكل و أعظم و أولى بالاهتمام من الأخبار بنقل الحديث من الكتب المعتمدة، فإنّ


صفحه 252

..........

ذلك أمر محسوس و العدالة أمر خفيّ عقليّ يعسر الاطّلاع عليه، و لا مفرّ لهم عن هذا الالتزام عند الإنصاف».

و عنه أنّه ذكر أيضا: «أنّ علماءنا الأجلّاء الثقات إذا جمعوا أحاديث و شهدوا بثبوتها و صحّتها لم يكن أدون من أخبارهم بأنّهم سمعوها عن المعصوم(عليه السلام)، لظهور علمهم و صلاحهم و صدقهم و عدالتهم في أنّه مع إمكان العمل بالعلم لم يعملوا بغيره، ففي الحقيقة هم ينقلوها عن المعصوم(عليه السلام)و قد وردت روايات كثيرة جدّا في الأمر بالرجوع إلى الرواة الثقات مطلقا إذا قالوا: إنّ الخبر من المعصوم، و ليس هذا من القياس بل عمل بالعموم».

و عنه أيضا أنّه قال: «إنّهم إن كانوا ثقات حين شهادتهم وجب قبولها لكونها عن محسوس و هو النقل من الكتب المعتمدة، و إلّا كانت أحاديث كتبهم ضعيفة باصطلاحهم فكيف يعملون بها».

و الجواب- مضافا إلى ما سبق في دفع كلام الأسترآبادي:- أنّه إن اريد بذلك أخذ شهاداتهم طريقا تعبّديّا إلى العمل بأخبار كتبهم كقطعيّة العمل بالشهادة شرعا- مع أنّه خلاف سيرة العلماء قديما و حديثا في إثبات حجّية أخبار الآحاد- منع كلّ من صغراه و كبراه.

أمّا الأوّل: فلما بيّنّاه سابقا من الوجوه القادحة في تحقّق عنوان الشهادة منهم بالقياس إلى محلّ البحث فراجع و تأمّل.

و إن اريد به أخذها طريقا علميّا إلى اعتبار كتبهم بزعم أنّها تفيد العلم الغير القابل للاحتمال بحجّيّة اعتبار تلك الكتب و وجوب العمل بها.

ففيه: أنّ علمنا الضروري بأنّهم لم ينقلوا لنا إلّا ما ساعدهم عليه نظرهم و اجتهادهم الغير المأمون من الخطأ يمنعنا عن الجزم بصحّة جميع ما في كتبهم من الأخبار و اعتبارها أيضا، و إن بلغوا في الوثاقة و الورع و الصدق بما بلغوا، و كونهم قاطعين في إخبارهم لما بلغهم من دليل اجتهادي لا يجدينا في القطع بما أخبروا به ما لم يتبيّن لنا هذا الدليل و استفاضته و قطعيّته، كما أنّ علمنا بوجود ما يكون صحيحا فيما بين تلك الأخبار و ما يكون صدقا مطابقا للواقع لا يجدينا نفعا في التعويل على جميع تلك الأخبار كما هو واضح.

فانحصر طريق العمل بكلّ خبر عند الحاجة إليه في التحرّي لتحصيل الوثوق بصدقه و سكون النفس إلى صدوره.

و لا يتأتّى ذلك بالقياس إلينا إلّا بمراجعة الكتب الرجاليّة و ما يقوم مقامها ممّا تقدّم


صفحه 253

..........

الإشارة إليها، و ليس في حكم العادة و لا غيرها من القرائن الخارجة ما يقضي بامتناع خطأهم فيما أخبروا به و اعتقدوا بموجبه، و الوقوف في قبول خبرهم المعبّر عنه ب«الشهادة» تعسّفا لا يستلزم العدول عن قبول قولهم في مدح الرواة و توثيقهم بعد ملاحظة ابتناء القبول هنا على الوثوق و الاطمئنان أو الظنّ الاجتهادي بقول مطلق.

و لا ريب أنّ شيئا من ذلك لا يحصل بمجرّد خبرهم كما يشهد به الوجدان السليم، خصوصا بعد ما اطّلعنا من المخبرين على ردّ كثير من أخبار كتبهم و إعراضهم عنه و استضعافهم لأسانيد كثير منها كما عرفته سابقا عن الشيخ في تهذيبيه، و غاية ما يحصل لنا من أخبارهم بنقل الحديث من الكتب المعتمدة هو القطع بأنّهم غير مفترين في هذه الأخبار، و هو كما ترى بمجرّده لا يلازم اعتمادنا على ما نقلوه، حيث لا ملازمة بين كون شيء معتمدا في نظرهم و كونه كذلك عندنا.

و المفروض عدم ابتناء المقام و نظائره على التقليد، و الاعتماد النفساني ليس بأمر اختياري، بل لا بدّ فيه من واسطة تبلغ في القوّة حدّا يورث الاعتماد، و نقلهم و اعتمادهم على ما نقلوه أو على ما نقلوا عنه بمجرّدهما غير بالغين لهذا الحدّ.

نعم لا نضائق وقوعهما في بعض المقامات من أجزاء هذه الواسطة، بأن يكون لهما مدخل ما في حصول الاعتماد في بعض الأحيان.

و الفرق بين إخبارهم بما أخبروا و إخبارهم بالسماع من المعصوم بعد الإحاطة بجميع ما تقدّم واضح كوضوح الفرق بين الأرض و السماء، و الروايات الكثيرة الآمرة بالرجوع إلى الرواة الثقات مسلّمة و نقول بموجبها لمكان استفاضتها بل و تواترها معنى، غير أنّها غير شاملة لمفروض الكلام جدّا، مع ما عرفت سابقا من أنّ المستفاد منها إناطة القبول بحصول الاطمئنان و الوثوق، كما يرشد إليه ورود الوصف المناسب فيها من الثقة و الأمانة و العدالة و نحوهما، و هما لا يحصلان هنا بمجرّد إخبارهم ما دام استناده إلى اجتهادهم معلوما أو مظنونا أو محتملا، فكونهم ثقات حين الإخبار المعبّر عنه بالشهادة لا يقضي بوجوب قبولها إلّا من حيث كونها منقولة عن الكتب المعتمدة عندهم فإنّا نصدّقهم على هذه الدعوى، غير أنّ الإشكال يسري إلى هذه الكتب حيث لا علم لنا بل و لا وثوق بصحّة جميعها و لا باعتبار كلّ ما فيها، و لزوم خروجها في نظرنا قبل الفحص و التثبّت ضعيفة بالمعنى المصطلح عليه عندهم لا يقدح في جواز عملهم بها باعتقاد الصحّة لديهم، لكونهم إنّما حصّلوا الصحّة بهذا