بارگزاری ...
جستجو کنید
برای شروع جستجو، متن خود را وارد کنید.
صفحه 249

..........

فالعلم العادي يشارك العلم العقلي في عدم قبول حقيقته الواقعيّة ما دامت موجودة لاحتمال الخلاف، و يفارقه في أنّ الحاكم بامتناع الخلاف في الثاني هو العقل و في الأوّل هو العادة لا غير.

فما اشتهر في الألسنة و الأفواه من أنّ العلوم العاديّة ممّا يحتمل النقيض تعليلا بما في عدا الأوّل من الأمثلة الثلاث المذكورة من تجويز العقل لانقلاب الجبل ذهبا و الأواني علماء ممّا لا ينبغي الالتفات إليه، بعد ملاحظة أنّ حكم العقل لا يخالف حكم العادة في القضيّة الّتي ينظر في حكمها العادة، فإنّ المأخوذ في ماهيّة العلم هو انتفاء الاحتمال الذهني للخلاف، على معنى عدم معارضة الإدراك المتعلّق بإحدى طرفي النسبة لاحتمال وقوع الطرف الآخر و لو مرجوحا، و هذا المعنى حاصل في العلوم العاديّة أيضا بل و في الأمثلة المذكورة أيضا، و الّذي يوجد فيها من التجويز العقلي إنّما هو تجويز إمكاني، و إن أبيت إلّا و أن تسمّيه بالاحتمال فهو احتمال بالمعنى المرادف لقابليّة المحلّ بحسب ذاته، على معنى أنّ كلّا من البحر و الجبل و الأواني بملاحظة ما فيها من الإمكان الذاتي بالنظر إلى قدرته تعالى قابل للانقلاب المذكور و إن لم يكن هذا الانقلاب واقعا في الخارج بمقتضى العادة.

و لا ريب أنّ كون الشيء محتملا للوقوع بمعنى القابليّة غير كونه محتملا له بحسب الذهن، نظرا إلى أنّ قابليّة الوقوع أعمّ من فعليّة الوقوع، و متعلّق الجزم العادي هو عدم الفعليّة و هو لا ينافي الجزم العقلي بالقابليّة لتصادق القضيّتين و عدم مناقضتهما حسبما قرّر في محلّه من اشتراط التناقض بوحدة القضيّتين في القوّة و الفعل، و لذا لا يتحقّق بين عدم كتابة زيد فعلا و كتابته قوّة تناقض حتّى أنّه جاز تعلّق الجزم و اليقين بكلتيهما، و هذا ممّا لا سترة عليه.

فالعلم كائنا ما كان ينافي احتمال خلافه ذهنا ما دام نقيض معلومه محكوما عليه بالامتناع و لو عادة، و إن كان قد يشتبه الحال فيطلق لفظه غفلة من الاحتمال، أو منشأه على ما يزعم كونه من الصور الذهنيّة خالصا عن الاحتمال و هو بحسب الواقع ليس كذلك، و منه ما ادّعى من العلم بحياة زيد الغائب لحظة المحتمل لموته فجأة، فإنّه ما دام الغفلة عن هذا المنشأ صورة علم لا أنّه علم في الحقيقة، و لذا مع التفطّن ينكشف مقارنته الاحتمال المركوز في النفس حيث لا قاضي بامتناع وقوع الخلاف و هو الموت من العقل و لا الشرع و لا العادة.


صفحه 250

..........

و من هنا مع ملاحظة ما تقدّم يعلم أنّ إطلاق لفظ «العلم» على ما ذكر و نظائره إن اريد به الحقيقة غفلة، كما أنّ توهّم كونه من العلوم العاديّة غفلة في غفلة، كيف و إنّ العادة لا تقضي بامتناع وقوع الموت فجأة لوقوعه في الخارج كثيرا.

و لا ريب أنّ التفطّن بذلك المنشأ قد يورث قوّة احتمال الوقوع، كما أنّه كلّما طالت مدّة الغيبوبة يورث قوّة فوق قوّة حتّى أنّه قد يؤول الأمر إلى تساوي هذا الاحتمال لاحتمال الحياة فينعقد به صورة الشكّ.

و بالجملة فالمدار في احتمال الخلاف بحسب الذهن وجودا و عدما و ضعفا و قوّة على المنشأ وجودا و عدما و ضعفا و قوّة و هو وقوع خلاف المعلوم في الخارج، فإن كان ذلك ممّا لم يقع في الخارج قطّ كان منشأ لعدم الاحتمال، و هو المعنى المراد من قضاء العادة بالامتناع، و إن كان ممّا وقع بندرة كان منشأ للاحتمال الضعيف، و إن كان ممّا كثر وقوعه كان منشأ للاحتمال القويّ، و هكذا بالقياس إلى مراتب الندرة و الكثرة بحسب الضعف و القوّة، فإنّ اختلاف هذه المراتب يوجب اختلاف مراتب الاحتمال.

و لا يذهب عليك أنّه قد ينعكس الأمر فيحدث في نفس الإنسان بالقياس إلى معتقده احتمال وقوع خلافه، فيكون ما في الذهن- لطروّ هذا الاحتمال- ظنّا أو شكّا غفلة عن منشأ زوال هذا الاحتمال و هو عدم الوقوع في الخارج قطّ الّذي هو مناط الامتناع العادي، أو عدم قابليّة الوقوع فيه الّذي هو مناط الامتناع العقلي أو الشرعي، بحيث لو زالت الغفلة و حصل التفطّن بالمنشإ المذكور في أحد وجوهه لارتفع الاحتمال و انقلب ما في الذهن جزما بل و يقينا.

و من هنا نشأ الظنّية و الشكّيّة و الوهميّة و الاعتقاد الجهلي في المسائل العلميّة من العقليّات و الشرعيّات و العاديّات و في القضايا العرفيّة و غيرها.

و بجميع ما ذكر يظهر ما في دعوى إطلاق «العلم» على ما يسكن إليه النفس بقول مطلق إن اريد به الإطلاق بعنوان الحقيقة، إلّا أن يرجع إلى إطلاقه عليه بزعم انتفاء الاحتمال غفلة عن حقيقة الحال.

و أضعف من ذلك دعوى رجوع نزاع الفريقين إلى أمر لفظي.

نعم لا نضائق أن نقول: إنّ أحد الفريقين إنّما أطلق «العلم» في دعوى قطعيّة الأخبار على ما ليس منه في الحقيقة لمجرّد و هم و غفلة، و لذلك و نحوه قد يقال: إنّ الأخباريّين


صفحه 251

..........

مجتهدون من حيث لا يعلمون.

و أضعف من ذلك أيضا دعوى حصول العلم العادي بخبر الثقة و غيره إذا دلّ القرينة على صدقه إن اريد به ما لا يجامعه الاحتمال ظاهرا و واقعا، ضرورة أنّ الوثاقة بنفسها- على فرض ثبوتها بعنوان القطع- إنّما يصلح أمارة لظنّ الصدق و أقصى مراتبه كونه على وجه الاطمئنان، و نحوها سائر قرائن الصدق على فرض اتّفاق حصولها، فليس شيء من الأمرين من موازين العلم العادي بالمعنى المتقدّم.

نعم قد يتّفق العلم العادي بالصدق في مورد التواتر، غير أنّه مع ندوره ليس للوثاقة و غيرها من أنواع القرينة مزيد دخل فيه، لإناطتهم العلم فيه ببلوغ المخبرين في الكثرة حدّا يمتنع عادة تواطئهم على الكذب، فالعبرة فيه بكثرة المخبرين لا غير، لكنّ الخطب في ذلك سهل حيث إنّ الموجّه بمقتضى ظاهر كلامه إنّما أراد بالعلم العادي هنا مجرّد ما يسكن إليه النفس و إن كان قد أخطأ في تسميته علما.

نعم كونه علما شرعيّا على معنى قضاء الشرع بقيامه مقام العلم الحقيقي من حيث العمل و الاعتبار لا مانع منه، بل هو الّذي يجب الإذعان به حسبما مرّ تفصيله و إقامة الدليل عليه.

ثمّ إنّه قد بقي الكلام في مستند سائر الأقوال المتعلّقة بالمسألة المتقدّم إليها الإشارة.

[في مستند القول بقطعيّة الكتب الأربعة]

فأمّا القول بكون أخبار الكتب الأربعة قطعيّة الاعتبار و إن لم تكن قطعيّة الصدور، فلم نقف على تفصيل مستنده سوى ما تقدّم عند حكاية هذا القول من التعليل بشهادة مصنّفيها بذلك، و للحرّ العاملي فيه كلام محكيّ عنه في الوسائل متضمّن لعدّة امور يمكن أخذها مستندا لهذا القول، و إن كان سياق هذا الكلام و أكثر فقراته أظهر في دعوى القطع بالصدور و الصحّة بمعنى الصدق، لجواز كونها مرادا بها الاعتبار الّذي هو أعمّ، فإنّه بعد ما صرّح بحصول القطع العادي من شهاداتهم كالعلم بأنّ الجبل لم ينقلب ذهبا قال: «إنّه لاتّفاق الشهادات و غير ذلك أولى من نقل ثقة واحد كالمحقّق و الشهيد من الفتوى من فتاوى أبي حنيفة في كتابه، مع أنّا نرى حصول العلم لنا بذلك من النقل المذكور فكيف لا يحصل بشهادة الجماعة» و عنه أنّه ذكر: «أنّه لو لم يجز لنا قبول شهاداتهم في صحّة أحاديث كتبهم لما جاز لنا قبولها في مدح الرواة و توثيقهم، فلا يبقى حديث صحيح و لا حسن و لا موثّق، بل يبقى جميع أخبارنا ضعيفة، و اللازم باطل فكذا الملزوم و الملازمة ظاهرة، بل الإخبار بالعدالة أشكل و أعظم و أولى بالاهتمام من الأخبار بنقل الحديث من الكتب المعتمدة، فإنّ


صفحه 252

..........

ذلك أمر محسوس و العدالة أمر خفيّ عقليّ يعسر الاطّلاع عليه، و لا مفرّ لهم عن هذا الالتزام عند الإنصاف».

و عنه أنّه ذكر أيضا: «أنّ علماءنا الأجلّاء الثقات إذا جمعوا أحاديث و شهدوا بثبوتها و صحّتها لم يكن أدون من أخبارهم بأنّهم سمعوها عن المعصوم(عليه السلام)، لظهور علمهم و صلاحهم و صدقهم و عدالتهم في أنّه مع إمكان العمل بالعلم لم يعملوا بغيره، ففي الحقيقة هم ينقلوها عن المعصوم(عليه السلام)و قد وردت روايات كثيرة جدّا في الأمر بالرجوع إلى الرواة الثقات مطلقا إذا قالوا: إنّ الخبر من المعصوم، و ليس هذا من القياس بل عمل بالعموم».

و عنه أيضا أنّه قال: «إنّهم إن كانوا ثقات حين شهادتهم وجب قبولها لكونها عن محسوس و هو النقل من الكتب المعتمدة، و إلّا كانت أحاديث كتبهم ضعيفة باصطلاحهم فكيف يعملون بها».

و الجواب- مضافا إلى ما سبق في دفع كلام الأسترآبادي:- أنّه إن اريد بذلك أخذ شهاداتهم طريقا تعبّديّا إلى العمل بأخبار كتبهم كقطعيّة العمل بالشهادة شرعا- مع أنّه خلاف سيرة العلماء قديما و حديثا في إثبات حجّية أخبار الآحاد- منع كلّ من صغراه و كبراه.

أمّا الأوّل: فلما بيّنّاه سابقا من الوجوه القادحة في تحقّق عنوان الشهادة منهم بالقياس إلى محلّ البحث فراجع و تأمّل.

و إن اريد به أخذها طريقا علميّا إلى اعتبار كتبهم بزعم أنّها تفيد العلم الغير القابل للاحتمال بحجّيّة اعتبار تلك الكتب و وجوب العمل بها.

ففيه: أنّ علمنا الضروري بأنّهم لم ينقلوا لنا إلّا ما ساعدهم عليه نظرهم و اجتهادهم الغير المأمون من الخطأ يمنعنا عن الجزم بصحّة جميع ما في كتبهم من الأخبار و اعتبارها أيضا، و إن بلغوا في الوثاقة و الورع و الصدق بما بلغوا، و كونهم قاطعين في إخبارهم لما بلغهم من دليل اجتهادي لا يجدينا في القطع بما أخبروا به ما لم يتبيّن لنا هذا الدليل و استفاضته و قطعيّته، كما أنّ علمنا بوجود ما يكون صحيحا فيما بين تلك الأخبار و ما يكون صدقا مطابقا للواقع لا يجدينا نفعا في التعويل على جميع تلك الأخبار كما هو واضح.

فانحصر طريق العمل بكلّ خبر عند الحاجة إليه في التحرّي لتحصيل الوثوق بصدقه و سكون النفس إلى صدوره.

و لا يتأتّى ذلك بالقياس إلينا إلّا بمراجعة الكتب الرجاليّة و ما يقوم مقامها ممّا تقدّم


صفحه 253

..........

الإشارة إليها، و ليس في حكم العادة و لا غيرها من القرائن الخارجة ما يقضي بامتناع خطأهم فيما أخبروا به و اعتقدوا بموجبه، و الوقوف في قبول خبرهم المعبّر عنه ب«الشهادة» تعسّفا لا يستلزم العدول عن قبول قولهم في مدح الرواة و توثيقهم بعد ملاحظة ابتناء القبول هنا على الوثوق و الاطمئنان أو الظنّ الاجتهادي بقول مطلق.

و لا ريب أنّ شيئا من ذلك لا يحصل بمجرّد خبرهم كما يشهد به الوجدان السليم، خصوصا بعد ما اطّلعنا من المخبرين على ردّ كثير من أخبار كتبهم و إعراضهم عنه و استضعافهم لأسانيد كثير منها كما عرفته سابقا عن الشيخ في تهذيبيه، و غاية ما يحصل لنا من أخبارهم بنقل الحديث من الكتب المعتمدة هو القطع بأنّهم غير مفترين في هذه الأخبار، و هو كما ترى بمجرّده لا يلازم اعتمادنا على ما نقلوه، حيث لا ملازمة بين كون شيء معتمدا في نظرهم و كونه كذلك عندنا.

و المفروض عدم ابتناء المقام و نظائره على التقليد، و الاعتماد النفساني ليس بأمر اختياري، بل لا بدّ فيه من واسطة تبلغ في القوّة حدّا يورث الاعتماد، و نقلهم و اعتمادهم على ما نقلوه أو على ما نقلوا عنه بمجرّدهما غير بالغين لهذا الحدّ.

نعم لا نضائق وقوعهما في بعض المقامات من أجزاء هذه الواسطة، بأن يكون لهما مدخل ما في حصول الاعتماد في بعض الأحيان.

و الفرق بين إخبارهم بما أخبروا و إخبارهم بالسماع من المعصوم بعد الإحاطة بجميع ما تقدّم واضح كوضوح الفرق بين الأرض و السماء، و الروايات الكثيرة الآمرة بالرجوع إلى الرواة الثقات مسلّمة و نقول بموجبها لمكان استفاضتها بل و تواترها معنى، غير أنّها غير شاملة لمفروض الكلام جدّا، مع ما عرفت سابقا من أنّ المستفاد منها إناطة القبول بحصول الاطمئنان و الوثوق، كما يرشد إليه ورود الوصف المناسب فيها من الثقة و الأمانة و العدالة و نحوهما، و هما لا يحصلان هنا بمجرّد إخبارهم ما دام استناده إلى اجتهادهم معلوما أو مظنونا أو محتملا، فكونهم ثقات حين الإخبار المعبّر عنه بالشهادة لا يقضي بوجوب قبولها إلّا من حيث كونها منقولة عن الكتب المعتمدة عندهم فإنّا نصدّقهم على هذه الدعوى، غير أنّ الإشكال يسري إلى هذه الكتب حيث لا علم لنا بل و لا وثوق بصحّة جميعها و لا باعتبار كلّ ما فيها، و لزوم خروجها في نظرنا قبل الفحص و التثبّت ضعيفة بالمعنى المصطلح عليه عندهم لا يقدح في جواز عملهم بها باعتقاد الصحّة لديهم، لكونهم إنّما حصّلوا الصحّة بهذا


صفحه 254

..........

المعنى بفحصهم و استفراغ وسعهم و إعمالهم النظر في القرائن و القواعد، و قد ذكرنا مرارا أنّه لا يجدي نفعا في إحراز الصحّة بالقياس إلينا بالمعنى الّذي يوجب لنا الوثوق و الاطمئنان، بل لا مناص لنا من الفحص و استفراغ الوسع تحصيلا لما هو مناط العمل من الأمر المذكور.

و أمّا القول بالتفصيل بين متعارضات الأخبار فيمسّ فيها الحاجة إلى الرجال و غير متعارضاتها فلا حاجة فيها إليه.

فمستنده على الأوّل- على ما حكي- دلالة الأخبار على الترجيح بالأعدليّة و غيرها ممّا يعلم بالرجال بل بشهادة الاعتبار القاضي بأخذ الراجح دون المرجوح و دون التسوية بينهما لقبحهما.

و على الثاني أنّ أخبار الكتب الأربعة لأخذها من الاصول المعتمدة- بشهادة مؤلّفيها- معتضدة بقرائن الوثوق و الصحّة، و هذا القول في شقّه الأوّل حقّ و مستنده متين، و أمّا في شقّه الثاني فقد تبيّن ما فيه و ما في مستنده بما لا مزيد عليه.

و أمّا القول بالتفصيل بين وجود الشهرة بأحد قسميها على وفق بعض الأخبار و غيره، فهو خيرة كلّ من يرجّح أحد المتعارضين بالشهرة بقول مطلق- كما يستفاد من غير واحد منهم السيّد في الرياض- أو إذا كانت الشهرة استناديّة، خلافا لغير واحد منهم ثاني الشهيدين على ما يستفاد منه في جملة من كتبه من عدم اعتداده بالشهرة حتّى في مقام الترجيح.

[في تحقيق أنّ مجرّد موافقة الشهرة لا تكفي في حجّيّة الخبر]

و أمّا مستنده فيما وافق الشهرة فلا يحتاج معه إلى مراجعة الرجال على ما نقل أنّ الشهرة من أقوى المرجّحات المنصوصة و الاعتباريّة، لوضوح قوّة الظنّ بتراكم الظنون من شخص واحد فكثيرا ما ينتهي إلى القطع، بل لعلّ أغلب العلوم من هذا الباب، و كذا إذا كانت من أشخاص فإنّ موافقة الآراء خصوصا مع شدّة اختلاف الأفهام من أقوى أسباب الاعتضاد و القوّة.

و أيضا فإنّ غالب أحكام هذا المذهب كغيره من المذاهب ممّا لم يذهب بذهاب الموجودين من أهله في كلّ طبقة، بل وصل من المتقدّم إلى المتأخّر يدا بيد.

قال في بعض مقدّمات كشف الغطاء ما مفاده: «أنّه لا حاجة في كلّ مسألة إلى مراجعة الكتاب و السنّة، بل هما ممّا ينبغي أخذهما ذخيرة ليوم الفاقة و هو حيث تعارض مقتضى القواعد و فقد الإجماع و لم يعلم ما كان في أيدي الطائفة المحقّة، و إلّا فلا افتقار إليهما، لأنّ مذهبنا ليس أقلّ عن المذاهب الأربعة عن أربابها، و كلّ أو جلّ ما صدر عنهم في أيدي تبعته».


صفحه 255

..........

و لو سلّم المنع عمّا ذكر فلا ريب أنّ انعقاد الشهرة على خلاف ما هو من المذهب في غاية البعد، مضافا إلى وجود النصّ على الترجيح بها، و تعليله: بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه، و التعليل في نفسه من أسباب القوّة و الترجيح، و لذا يقدّم المعلّل على غيره خصوصا بمثل التعليل المذكور المعتضد بالاعتبار كما عرفت. و أمّا وجه الافتقار في غير ذلك فيظهر ممّا مر في حجّة القول بالافتقار مطلقا.

و اعلم أنّ عدّ ذلك قولا برأسه قبالا للقول المختار من إثبات الحاجة إلى الرجال بقول مطلق مبنيّ على كون معرفة الرجال المحتاج إليها مرادا بها خصوص ما يحصل بمراجعة الكتب الرجاليّة.

و أمّا على ما نبّهنا عليه سابقا من حملها على ما يعمّه و ما يحصل من المعرفة بغير المراجعة من الأسباب الموجبة لها، و محصّله تحصيل ما يوجب الوثوق بصدق الرواية و صدورها، فلا مخالفة بينه و بين المختار بل هو هو باعتبار المعنى، و عليه فلا يمكن دفعه و لا القدح في شيء من شقّيه و إن ضعف الوجه المذكور في مستنده باعتبار بعض فقراته.

أمّا أوّلا: فلأنّ المقصود بالبحث هنا هو الشهرة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء المعبّر عنها في مقابلة الإجماع: «بذهاب المعظم» الّذي يلزمه وجود المخالف، و عليه فلا يمكن جعلها من المرجّحات المنصوصة فضلا عن كونها من أقواها، لأنّ ما ورد في النصوص الآمرة بالترجيح بالشهرة لا ينزّل على هذا الاصطلاح الحادث المتأخّر عن زمن الصدور جدّا، و هو في العرف و اللغة- حسبما نصّ عليه أئمّة اللغة و يساعد عليه التفاهم العرفي- عبارة عن ظهور الشيء و وضوحه على وجه لا يبقى معه فيه خفاء.

و من هنا يقال المشهور على المعروف، و هذا المعنى كما ترى يرادف الإجماع المقابل للشهرة بالمعنى المصطلح عليه.

و ممّا يرشد إلى ذلك أيضا ما ورد في هذه النصوص من تعليل الأمر بالترجيح بالشهرة:

«بأنّ المجمع عليه لا ريب فيه».

و يرشد إليه أيضا إضافة الجمع في قوله(عليه السلام): «خذ بما اشتهر بين أصحابك» من حيث إفادتها العموم، و مفاده اعتبار الاشتهار بين جميع الأصحاب و هو بحكم التبادر و الانسياق العرفي عبارة عن تلقّيهم الخبر بالقبول و عملهم به و أخذهم بموجبه، فلا يكفي في اشتهاره بين الأصحاب مجرّد كون وجوده فيما بين الروايات معروفا لديهم و إن لم يتحقّق له عامل


صفحه 256

..........

أو عمل به نادر، و لا مجرّد كونه بحيث اتّفق الرواة على روايته أو المحدّثون على ذكره في كتب الأحاديث.

و لا ريب أنّ الشهرة بالمعنى المذكور لا تتناول الشهرة الفقهائيّة سواء كانت استناديّة أو فتوائيّة صرفة.

و أمّا ثانيا: فلأنّ الغرض بمراجعة الشهرة في المقام إنّما هو إحراز سند الرواية و استكشاف صدورها و لو بنحو الظنّ البالغ حدّ الاطمئنان.

و لا ريب أنّ كون غالب أحكام هذا المذهب ممّا لم يذهب بذهاب الموجودين ممّا لا مدخل له بحصول هذا الغرض، ضرورة أنّه لو بني على عدم كفاية الشهرة في حصول هذا الغرض لسرى الشبهة إلى زمن الموجودين أيضا، و هم المعظم الذاهبين إلى قول إذا لم يكن الناظر في الشهرة فيما بينهم من جملتهم في المصير إلى هذا القول، بأن يكون في أوّل زمن الاجتهاد بالقياس إلى المسألة هذا، مع أنّ أحكام هذا المذهب تختلف بالواقعيّة و الظاهريّة و الّذي لا يذهب من المذهب بذهاب الموجودين الذاهبين إليه هو ما إذا كان حكما واقعيّا و كون ما ذهب إليه الموجودين في الأعصار السالفة هو الحكم الواقعي أوّل المسألة، و الشهرة لا تفيد اعتبارا بالقياس إلى الرواية إلّا باعتبار كشفه الظنّي عن الواقع الّذي وافقه الرواية بمضمونها.

فتحقيق القول في مسألة إثبات الاعتبار بالشهرة: أنّ الشهرة بالقياس إلى الرواية إن كانت استناديّة على معنى كون الرواية بحيث عمل بها المعظم و استند إليه بخصوصها الأكثر، فلا إشكال في أنّها تعطيها الاعتبار لكشفها عن قوّة علموا بها و قرينة صدور عثروا عليها و إن ضعف سندها لإرسال أو جهالة أو فسق أو نحو ذلك، و هذا أظهر أفراد قاعدة جبر الرواية الضعيفة بالشهرة من غير فرق فيه بين ما عارض فيها رواية اخرى- و لو صحيحة- و غيره، فإنّها في صورة المعارضة كما تكشف عن قوّة ما تواقفها فكذلك تكشف عن خلل فيما تخالفها في سندها أو جهة صدورها أو متنها أو دلالتها أو مضمونها، و لو كانت من حيث صحّة السند حسبما اصطلحوا عليه في أعلى مراتب الصحّة.

و إن كانت فتوائيّة صرفة كما إذا شكّ في استنادهم إليها أو علم بعدم استنادهم إليها فثمرة إفادتها القوّة أو الترجيح إنّما تظهر على القول بعدم حجّيتها بنفسها، كما أنّ إفادتها الأمرين مبنيّة على إفادتها الظنّ بالواقع، بل و هي من لوازم عنوانها المعبّر عنه ب«الأمارة»،