..........
و منه ما هم عليه من حجّية الأخبار مطلقة أو خصوص ما في الكتب الأربعة و عدم ترجيح متعارضاتها إلّا بالقواعد الممهّدة من لدن أهل الذكر، و مع فقدها في بعض الأخبار يتوقّف كما قال(عليه السلام): «أرجه حتّى تلقى إمامك» و في بعضها: «يتخيّر في العمل بأيّهما شاء من باب التسليم»، و عن بعضهم أنّه جمع بينهما بأنّه حمل الأوّل على حقوق الآدميّين كالميراث و نحوه ممّا لا مجال للتخيير فيه و الثاني على ما عداه، كما نقله الشيخ سليمان بن عبد اللّه البحراني في رسالته المعمولة في الفرق بين الأخباري و المجتهد.
و فيها أيضا: «أنّه يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة عند جملة من الأخباريّين منهم الفاضل الأمين الأسترآبادي في الفوائد المدنيّة و المجتهدون مطبقون على امتناعه، و إنّما الخلاف عندهم في تأخير البيان عن وقت الخطاب» و فيها أيضا: «من الفروق عدم العمل على الإجماع المدّعى في كلام متأخّري فقهائنا، إذ لا سبيل إلى العلم بدخول قول المعصوم(عليه السلام)بغير جهة الرواية عنه، و وافقهم على هذا بعض المجتهدين.
و منها: أنّ خلاف معلوم النسب عند المجتهدين أو أكثرهم لا يلتفت إليه و لا يقدح في الإجماع، و أمّا الأخباريّون فلا يلتفتون إلى هذه القاعدة» انتهى.
و هذه الامور كلّها من المسائل الاصوليّة.
و بالجملة فهم بإنكارهم المضادّ لعملهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، و ظنّي أنّ هذه المقالة و نظائرها من الخرافات الّتي منشأها تعصّبهم و شدّة عنادهم لحفظة الشريعة و خزّان علوم أهل العصمة، و لو لا ذلك فأيّ عاقل يتفوّه بما يدافع البداهة و يناقض الطريقة؟
و مع ذلك يستند في مقالته الفاسدة و دعواه الرديّة إلى ما لا يلتفت إليه جاهل فضلا عن العاقل من الشبهات الواهية و التشكيكات الوهميّة الّتي منها: أنّ هذا العلم حدث بعد زمان الأئمّة(عليهم السلام)و أنّا نقطع بأنّ قدماءنا و رواة أحاديثنا و من يليهم لم يكونوا عالمين به مع أنّهم كانوا عاملين بهذه الأحاديث الموجودة و لم ينقل عن أحد من الأئمّة إنكارهم بل المعلوم تقريرهم لهم، و كان ذلك الطريق مستمرّا بين الشيعة إلى زمان ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ثمّ حدث بين الشيعة، فلا حاجة إلى هذا العلم.
و منها: أنّ البداهة حاكمة بوجوب العمل بأوامر الشرع و نواهيه، و من علّم العلوم اللغويّة فهو ممّن يفهم الأوامر و النواهي، فالحكم عليه بوجوب التقليد المنهيّ عنه بمجرّد جهله باصول الفقه ممّا لا دليل عليه و لا عذر له في التقليد، و ليس مثله في التقليد إلّا مثل شخص
..........
حكّمه ملك على ناحية و عهد إليه أنّه متى أخبره ثقة بأنّ الملك أمرك بكذا أو نهاك عن كذا فعليك بالطاعة، و بيّن له المخلص عند تعارض الأخبار، فهو يترك العمل بما سمعه من الأوامر و النواهي من الثقات معلّلا بجهله بمسائل الاصول، فاستحقاقه للذمّ حينئذ لا ريب فيه.
و منها: أنّ هاهنا قوما لا يعملون بهذه الاصول بل يطرحونها خلف «قاف»[1]و ليسوا من المتحيّرين.
و منها: أنّه إذا لم نعرف تغيّر عرفنا من عرف زمان الشارع فلا بأس عليه، إذ الحجّة الآن أحاديثهم و ما كلّفنا بأزيد ممّا نفهمه منها، و إن علمنا تغيّر العرف فمن أيّ طريق نثبته أ من الكتاب أو السنّة أو الإجماع الكاشف عن قول المعصوم(عليه السلام)أم من تلك الاصول الضعيفة؟.
و منها: أنّه ليس في علم الاصول إلّا نقل الأقوال المتفرّقة و الأدلّة المختلفة فلا أصل له.
و لا يذهب عليك أنّ التأمّل في سياق هذه الكلمات و مساقها يعطي أنّ غرض هؤلاء نفي لزوم المراجعة في أخذ المسائل الاصوليّة المحتاج إليها في معرفة الأحكام إلى الفنّ المعهود المدوّن في كتبه المتداولة على وجه يستلزم التعلّم و الاستماع و صرف برهة من العمر حسبما هو متداول بين أربابه على حدّ سائر الفنون قديما و حديثا، لا نفي الحاجة إلى القدر المحتاج إليه من هذه المسائل بالمرّة و لو حصل استعلامها بغير جهة مراجعة هذا الفنّ، و إلّا فكيف يعقل الاستنباط من الكتاب و السنّة- المشتملين على الحقائق و المجازات مع القرائن و بدونها و المشتركات مع القرائن و بدونها، و ألفاظ العبادات و المعاملات و غيرها و الأوامر و النواهي و المناطيق و المفاهيم و العمومات و المخصّصات و المطلقات و المقيّدات، مع كون الخبر الواحد من السنّة قد يخالف ظاهر الكتاب، و مفهوم الموافقة أو المخالفة قد تعارض العامّ كتابا أو سنّة و عامّان كتابيّان أو خبريّان أو مختلفان قد يتعارضان، و كون اللفظ الوارد فيهما قد يتعارض فيه الأحوال المخالفة للأصل من المجاز و الاشتراك و النقل و التخصيص و الإضمار و التقييد و النسخ، و قد يتعارض فيه العرف و اللغة أو عرف الراوي و المرويّ عنه إلى غير ذلك من العناوين المأخوذة عند أرباب الفنّ- من دون معرفة أحكام الحقائق و المجازات من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة و أنّ المجاز لا يصار إليه إلّا
[1]«قاف» جبل محيط بالدنيا من زبرجد أخضر و إنّما خضرة السماء من خضرة ذلك الجبل. (تفسير القمي: 595 و عنه في البحار 570/ 121 ح 9).
..........
بقرينة واضحة تترجّح على أصالة الحقيقة، و أنّ اللفظ مع القرينة المذكورة يجب حمله على المجاز، و أنّه لا يجوز استعماله في معنييه الحقيقي و المجازي أو يجوز مع المرجوحيّة.
و لا معرفة أحكام المشترك من أنّه بدون القرينة هل هو ظاهر في إرادة جميع المعاني أو لا؟ و أنّه يجوز استعماله في أكثر من معنى أو لا؟ و أنّه مع عدم القرينة حكمه ما ذا؟
و لا معرفة أحكام المشتقّ من أنّه حقيقة في حال التلبّس مطلقا أو خصوص حال النطق أو غيرهما؟ و إنّ حكمه بالقياس إلى ما انقضى عنه المبدأ ما ذا؟
و لا معرفة أحكام ألفاظ العبادات و المعاملات من أنّها هل هي مبقاة على معانيها الأصليّة اللغويّة أو منقولات إلى معان اخر شرعيّة؟ و هل هي في المعاني الشرعيّة بالقياس إلى عرف الشارع كانت حقائق أو مجازات؟ و هل المعنى الشرعي على التقديرين خصوص الصحيح أو الأعمّ منه و من الفاسد بالنسبة إلى الشرائط فقط أو هي و الأجزاء معا؟
و لا معرفة أحكام الأوامر من أنّها هل تفيد الوجوب أو غيره؟ و هل تفيد شيئا من المرّة و التكرار و الفور و التراخي أو لا؟ و أنّها إذا وقعت عقيب الحظر بأقسامه الثلاث هل تفيد الإباحة أو غيرها؟ و أنّها إذا كانت موقّتة هل ينتفي بفوات الوقت أو لا؟ و أنّها على فرض إفادتها الوجوب هل تدلّ على وجوب مقدّمات المأمور به أو لا؟ و هل تدلّ على النهي عن أضداد المأمور به أو لا؟
و لا معرفة أحكام النهي من أنّه هل يفيد التحريم أو غيره؟ و هل يفيد التكرار أو لا؟
و هل يدلّ على فساد مورده إذا كان عبادة أو معاملة أو لا يدلّ؟
و لا معرفة أحكام المفاهيم من أنّها هل هي حجّة أو لا؟ و على فرض الحجّية فهل هي على وجه الإيجاب الكلّي، على معنى كون المفهوم بجميع أنواعه حجّة حتّى ما كان لقبا أو على وجه الإيجاب الجزئي؟ و إنّ مفهوم المخالفة على فرض الحجّية هل يجب مطابقته للمنطوق في جميع الخصوصيّات المأخوذة معه كمّا وجهة و زمانا و مكانا و غيرهما من القيود و المتعلّقات عدا كيف القضيّة و ما علّق عليه حكمها من شرط أو وصف أو غاية أو عدد أو نحو ذلك؟
و لا معرفة أحكام العامّ و التخصيص من أنّ العامّ أيّ لفظ؟ و لأيّ عموم؟ و في أيّ مقام يحمل على العموم؟ و أيّ صورة يخصّص و بأيّ شيء يخصّص؟ و بأيّ شيء لا يخصّص؟
و على أيّ قدر يجوز تخصيصه؟ و أنّه بعد التخصيص يبقى على حجّيته أو لا؟ و أنّه إذا
..........
خصّ بمجمل فحكمه ما ذا؟ و أنّه يخصّص بخبر الواحد أو لا؟
و لا معرفة أحكام المطلق و المقيّد من أنّه في محلّ التنافي يحمل المطلق على المقيّد أو لا؟ و إنّ المطلق في أيّ موضع يؤخذ بإطلاقه و أيّ موضع لا يؤخذ به فيه؟ و إنّ الإطلاق في أيّ موضع يثبت و أيّ موضع لا يثبت؟
و لا معرفة أنّ العامّ هل يخصّص بمفهوم الموافقة و المخالفة معا أو لا يخصّص بشيء منها أو بالأوّل دون الثاني؟ و إنّ العامّين من وجه إذا تنافيا فحكمهما ما ذا؟ و كيف يجمع بينهما؟
و لا معرفة أحكام تعارض الأحوال من حيث الترجيح و الوقف، و أحكام تعارض العرف و اللغة و عرفي الراوي و المرويّ عنه و هكذا.
و لا ريب أنّه لا بدّ في كلّ من المذكورات و غيرها من بناء الأمر على شيء و الإذعان بشيء من أطراف القضيّة، و لا بدّ و أن يكون هذا البناء و الإذعان بطريق الاجتهاد عن دليل يعتمد عليه العقل و يسكن إليه النفس، و لا نعني من معرفة مسائل الاصول الفقه المحتاج إليها في الاستنباط إلّا هذا، سواء حصل هذه المعرفة بمراجعة الفنّ المدوّن حسبما هو متداول بينهم من السلف إلى الخلف، أو بطريق آخر ممّا يقضي العادة بامتناعه خصوصا في هذه الأعصار، و خصوصا بالقياس إلى من كان أجنبيّا بلسان العرب، فإن كان هذا القدر مسلّما عند الخصم يعود الخلاف بينه و بين المجتهدين و الاصوليّين من أصحابنا لفظيّا، و إلّا ترجع مقالته في نفي الحاجة إلى دعوى حصول معرفة الأحكام الشرعيّة من الكتاب و السنّة أو مطلق الأدلّة بطريق المكاشفة، على قياس ما هو الحال في الأسباب الضروريّة الغير المحتاجة إلى استفادة المطالب منها إلى إعمال شيء من المقدّمات الخارجة عنها كما لا يخفى.
و من المعلوم بالبداهة أنّ حدوث تدوين الفنّ لا ينافي وجود مسائله معمولا بها قبل التدوين، و عمل قدمائنا و رواة أحاديثنا بهذه الأخبار الموجودة و بغيرها ممّا ذهبت عنّا بمرور الدهور لا يعقل من دون استحصال المسائل المشار إليها و غيرها ممّا لم نشر إليها، كما أنّه لا يعقل من دون استحصال العلوم العربيّة و غيرها ممّا هو ملحوظ من باب المبادئ، و عدم المنع و التقرير من الأئمّة إنّما هو لأجل وجود شرط العمل لديهم و مراعاتهم له و علمهم(عليهم السلام)بهما، بل و في بعض الأخبار ما يشير إلى لزوم مراعاة هذا الشرط، و وجوب إعمال جزئيّاته الّتي هي مسائل علم اصول الفقه، كما في قصّة ابن الزبعرى المعترض على
..........
قوله تعالى:إِنَّكُمْ وَ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ[1]بما فهمه خطأ من عموم كلمة «ما» لما يعقل أو ما لا يعقل قائلا: «أما عبد موسى و عيسى و الملائكة؟» من قوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم):
«ما أجهلك بلسان قومك، أ ما علمت أنّ «ما» لما لا يعقل» حيث إنّه توبيخ على المعترض على ما لم يعلمه أو غفل عن مراعاة ما علمه من كون «ما» لغير ذوي العقول.
بل المتتبّع في أخبار الأئمّة و آثار أهل بيت العصمة يجد فيها إشارات غير محصورة إلى كون مسائل هذا العلم متداولة لديهم و معمولا بها عندهم، لو لم نقل بكونها تصريحات بذلك.
و يكفيك في ذلك ملاحظة ما تقدّم في الأخبار الّتي احتجّ بها الأخباريّة على إبطال طريقة المجتهدين من رواية سليم بن قيس الهلالي قال: «قلت لأمير المؤمنين(عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذر شيئا من تفسير القرآن و أحاديث عن النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم و رأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة في تفسير القرآن و من الأحاديث عن نبيّ اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)أنتم تخالفونهم فيها و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطلا؟ فترى الناس يكذبون على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدين و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فاقبل عليّ(عليه السلام)فقال: قد سألت فافهم الجواب، إنّ في أيدي الناس حقّا و باطلا، و صدقا و كذبا و ناسخا و منسوخا، و عامّا و خاصّا، و محكما و متشابها، و حفظا و وهما، و قد كذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)على عهده حتّى قام خطيبا فقال: «أيّها الناس قد كثرت عليّ الكذابة فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار» ثمّ كذّب عليه من بعده، و إنّما آتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس:
رجل منافق يظهر الإيمان متصنّع بالإسلام لا يتأثّم و لا يتحرّج أن يكذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)متعمّدا، فلو علم الناس أنّه منافق كذّاب لم يقبلوا منه و لم يصدّقوه، و لكنّهم قالوا: هذا قد صحب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و سمع منه و أخذوا عنه و هم لا يعرفون حاله، إلى أن قال:
و رجل سمع من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)شيئا لم يحمله على وجهه و وهم فيه، فلو علم المسلمون أنّه و هم لم يقبلوه، و لو علم هو أنّه و هم لرفضه.
و رجل ثالث سمع من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)شيئا أمر به ثمّ نهى عنه و هو لا يعلم به أو سمعه ينهى ثمّ أمر به و هو لا يعلم، فحفظ منسوخه و لم يحفظ الناسخ، فلو علم أنّه منسوخ لرفضه، و لو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنّه منسوخ لرفضوه.
[1]الأنبياء: 98.
..........
و آخر رابع لم يكذب على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)مبغض للكذب خوفا من اللّه و تعظيما لرسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لم ينس بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع لم يزد فيه و لم ينقص منه و علم الناسخ و المنسوخ فعمل بالناسخ و رفض المنسوخ، فإنّ أمر النبيّ(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)مثل القرآن ناسخ و منسوخ، و خاصّ و عامّ، و محكم و متشابه، قد كان يكون من رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)الكلام له وجهان: كلام عامّ و كلام خاصّ مثل القرآن، و قال اللّه عزّ و جلّ في كتابهمٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[1]فيشتبه على من لم يعرف و لم يدر ما عنى اللّه به و رسوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)» إلى آخره.
فانظر إلى مضامين هذا الحديث الشريف و فقراته و ما أشار إليه من جملة كثيرة من مسائل اصول الفقه كانت معمولة لديهم متداولة عندهم على وجه علم به الإمام فرضي به و لم يردعهم، بل أمر ضمنا بمراعاة جملة اخرى منها كما يظهر بالتأمّل.
و العمل بأوامر الشرع و نواهيه كيف يعقل مع عدم فهم المعنى المراد منهما، و لا يعقل الفهم من غير الإذعان فيهما و لو ظنّا بكونهما للإيجاب و التحريم أو الندب و الكراهة أو لهما معا بطريق الاشتراك لفظا و معنى، و لا الإذعان بأنّ الأمر يفيد المرّة و التكرار و الفور أو التراخي أو طلب الماهيّة، و أنّه إذا وقع عقيب الحظر فحكمه ما ذا؟ و إنّ الأوامر و كذا النواهي الصادرة عن الأئمّة صارتا من المجازات الراجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة كما ذهب إليه بعض الأصحاب أو لا كما عليه المعظم؟
فلو اريد بالعلوم اللغويّة الموجبة لفهم الأوامر و النواهي ما يفيد جميع ذلك و غيره ممّا يرتبط به فهم خطابات الشرع كتابا و سنّة فهو اعتراف بعين المدّعى من قيام الحاجة إلى معرفة المسائل الاصوليّة فيعود النزاع لفظيّا، و نحن لا نقصد من مسائل علم الاصول إلّا الامور المذكورة و نظائرها إن شئتم سمّوها بهذا الاسم أو بغيره، و لو اريد بها ما لا يفيد ذلك كلّا أم بعضا. فدعوى الفهم غير مسموعة، فالحكم على من هذه حاله بوجوب التقليد إنّما هو لانصحار طريقه فيه و عدم تمكّنه من غيره، فكلّ من جهل مسائل علم اصول الفقه كلّا أو بعضا على وجه لا يغنيه ما علمه في التوصّل إلى الاستنباط على الوجه الشرعي و حسبما هو قانونه عند أهل الشرع ليس وظيفته إلّا التقليد، لا لأنّه جاهل بل لأنّ هذا الجهل موجب لعدم تمكّنه من فهم الأدلّة.
[1]الحشر: 59.
..........
و لا ريب أنّ عدم التمكّن منه عذر قاطع و برهان ساطع في التقليد، و ليس للملك أن يحكم على ناحية إلّا من يعلم من حاله أنّه يعرف معنى الأمر و النهي باعتبار المادّة، و أنّ ما يبلّغه إليه الثقة بصيغة «افعل» أو «لا تفعل» هل يصدق عليهما الأمر و النهي أم لا؟ و على تقدير عدم الصدق فمفادهما أيّ شيء؟ و أن يعرف «الثقة» مفهوما و مصداقا، و أن يعرف سائر الجهات المتعلّقة بالخطاب الّتي لها دخل في فهمه، فلو حكّم من ليس له هذه المرتبة من المعرفة و لا أنّه متمكّن من تحصيلها و أوجب عليه مع ذلك أن يعمل بأمره و نهيه و مقتضى خطابه الواصل إليه من الثقة فلا ريب أنّه ارتكب فعلا قبيحا، و كان ممّن يرميه العقلاء بسخافة الرأي و دناءة الطبع، ثمّ إذا ترك هذا الرجل القيام بمقاصد الأوامر و النواهي الواصلة إليه معتذرا بعدم تمكّنه عن فهم تلك المقاصد كان معذورا و خارجا عن حدّ التقصير في نظر العقلاء، فلو عاتبه الملك حينئذ أو عاقبه لأطبقوا على تقبيحه و رميه بالسفه.
و القوم الّذين لا يعملون بهذه الاصول لا علم لهم بالأحكام الشرعيّة الفعليّة الّتي يترتّب عليها آثار الإطاعة و الانقياد، و ما يزعمونه علما بمعتقدهم الفاسد ليس في نظر الشرع إلّا جهلا مستقرّا نشأ عن التقصير، فعدم كونهم متحيّرين حقّ غير أنّ عدم التحيّر قد يكون لأجل العلم بالمسألة و لو شرعيّا، و قد يكون لأجل الجهل بها و لو مركّبا، و مجرّد عدم المعرفة بتغيّر العرفين لا يوجب استفادة المطلب من الخطاب ما لم يتصدّ لإعمال الاصول المقرّرة لإحراز المراد الّتي لا تعرف إلّا بمراعاة علم اصول الفقه، و الأحاديث إنّما يكون حجّة لمن يقوم بشرائط الحجّية المحرزة للسند و الدلالة و غيرها ممّا له تعلّق بمقام استفادة الحكم و استنباطه لا مطلقا، و عدم التكليف بأزيد ممّا يفهم إنّما يسلّم لمن نشأ فهمه عن القواعد المقرّرة و الضوابط المحرّرة الباعث مراعاتها على إدراج هذا الفهم في عداد العلوم الشرعيّة و إخراجه عن الجهل و الضلالة.
و ما علم فيه بتغيّر العرف يعلم حاله بسائر الطرق الاجتهاديّة و الاصول القويّة المحكمة الّتي رضي بها اللّه و رسوله(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)و اكتفيا بها عن الواقع حيثما اجريت مجاريها، و الحكم عليها بالضعف إنّما ينشأ عن ضعف العقيدة و قصور الهمّة، و لا مجال للكتاب و السنّة و الإجماع الكاشف عن قول أهل العصمة في العرف و ما يتعلّق به، مع أنّ ما علم فيه بتغيّر العرف إن أوجب إشكالا فهو مشترك الورود.
و لا ريب أنّه يهون في نظر من يعتمد على تلك الاصول الضعيفة و يرتفع بطريقته أخذا
[اشتراط علم المنطق في الاجتهاد]
و أن يعرف شرائط البرهان لامتناع الاستدلال بدونه (1)
بموجبها، و أمّا على طريقة من يزعمها ضعيفة فهو بحاله و لا مدفع له عنه إلّا الالتجاء بها أو بما يقرب منها ممّا دونها أو فوقها، و ليس ذلك في مذاقه إلّا الرجوع إلى الاحتياط، و أيّ شيء قضى بقوّة هذا الأصل و ضعف غيره ممّا يعتمد عليه المجتهدون من الاصول المعهودة لديه الّتي منها الاستصحاب و أصل البراءة و نحوها.
و تفرّق أقوال مسألة و اختلاف أدلّتها لو أوجب عدم الاعتداد بها لخرج المسائل الفقهيّة عن الاعتبار، إذ قلّما يتّفق فيها من مسألة لم يتفرّق فيها الأقوال و لا يختلف فيها الأدلّة.
و من المعلوم أنّ الاعتداد بالمسألة يتبع الإذعان بها من أيّ فنّ كانت و بأيّ سبب حصل حيثما قامت الحجّة على اعتباره أو اعتبار سببه.
(1) أراد بذلك بمقتضى ظاهر العبارة معرفة القواعد المنطقيّة و القوانين الميزانيّة المتعلّقة بصور الأدلّة من الاستثنائيّات و الاقترانيّات المحصورة بالأشكال الأربعة، لامتناع نهوض الدليل دليلا لمن جهلها، و لأنّ عدمها يؤدّي إلى امتناع استحصال سائر الشروط المتقدّمة، فإنّ هذه المعرفة كما أنّها شرط لأصل الاجتهاد فكذلك شرط لغيره من شروطه الّتي هي عبارة عن عدّة علوم و لا سيّما علم اصول الفقه الّذي هو العمدة في الباب لكونه من العلوم النظريّة، و لأجل ذا ربّما أمكن الاستغناء عن اعتبار هذا الشرط بالخصوص بعد اعتبار غيره من المذكورات، نظرا إلى أنّ المراد باستحصالها حسبما تقدّم استحصالها بمبادئها اللازمة الّتي منها مراعاة المنطق، فحصولها يستلزم سبق حصول معرفته، و هو يوجب الغناء عن التصريح بشرطيّته للاجتهاد، لأنّ العبرة في شرائط الوجود بحصولاتها الخارجيّة لا وجوداتها الذهنيّة، و هذا الكلام و إن كان يجري في سائر الشروط أيضا غير أنّها لا بدّ فيها من التصريح بالاعتبار بعثا لطالب صناعة الاجتهاد الغافل عن شرطيّتها على تحصيلها.
و لا يذهب عليك أنّ القدر المكتفى به من هذا الشرط أيضا حصول ما يوصل إلى التمكّن من إقامة الدليل بشرائطه المقرّرة عند أهل الصناعة و لو من غير جهة الكسب، و بغير طريق مراجعة أهل الصناعة و مزاولة كتبها المدوّنة.
و قضيّة ذلك كفاية حصوله على نحو الإجمال من غير حاجة إلى النظر التفصيلي الّذي لا يتأتّى إلّا بالخوض في مسائلها المدوّنة المستدعي لصرف برهة من العمر المفيد لتعرّف تفاصيل اصطلاحاته و استفصال مجملاته الحاصلة للأوساط من الناس حصول الفطريّات،